محمد سامي الكيال
يصعب اعتبار مجازر السويداء، في شهر تموز/يوليو الماضي 2025، حدثاً عادياً في التاريخ السوري، ليس بسبب حجمه أو عدد ضحاياه فحسب، فقد عرف ذلك التاريخ مجازر أكبر من هذا، وعلى رأسها مجزرة حماة 1982، ولكن بسبب الطابع النوعي للحدث، الذي يكسبه دلالة غير مسبوقة. نتحدث هنا عن موجات من الاجتياح لمحافظة سورية ذات طابع ديني وثقافي واضح التمايز، بهدف الإبادة الطائفية والاثنية، وهي نية تمّ التعبير عنها بكامل الوضوح، عبر عدد كبير من التسجيلات المصورة، وتحت سمع وبصر الميليشيات الحاكمة لدمشق، والتي سهلت ونظّمت حركة موجات الغزو، تحت اسم “الفزعة”، بل كان عناصرها على رأس من أشهروا نوايا الإبادة، وارتكبوا أبشع الممارسات في الموجة الأولى من الغزو، التي تمت تحت راية “الأمن العام” أو “الجيش السوري”، قبل أن يستلم من وصفوا بـ”مقاتلي العشائر” الراية.
ترافق ذلك مع ممارسات يصعب تخيّل وحشيتها، تضمّنت القتل الجماعي على الانتماء المذهبي والإثني فحسب، والاغتصاب والخطف، والإذلال الرمزي، والتدمير والنهب، الذي وصل إلى درجة نبش القبور. وكل هذا تم تصويره ونشره من قبل فرق الموت التي ارتكبته، ربما بهدف الإرهاب والتفاخر، ولكن أيضاً بمتعة وتلذذ لا يمكن تجاهلهما. انتهت موجات الاجتياح والغزو بقصف إسرائيلي في قلب العاصمة دمشق، لأول مرة منذ حرب عام 1973 بين البلدين.
الحدث رهيب بحد ذاته، ولكن ما أكسبه دلالاته غير المسبوقة هو ما سمّاه أهالي السويداء “الخذلان”، فهذه المجزرة المُعلنة، بكل نواياها، تمت تحت سمع وبصر كل فئات السوريين، وبالطبع كل الدول العربية، دون أن تثير أية صدمة، بل العكس صحيح، انقسمت معظم المواقف إلى نوعين: الأول ساهم في التحريض، وناصر موجات الغزو؛ والثاني برّر وهوّن وطبّع الحدث. هكذا وجد دروز سوريا أنفسهم أمام وضع غير مألوف، فهم اعتبروا أنفسهم دوماً مادة الوطنية السورية والقومية العربية، فضلاً عن موقعهم الإيجابي عموماً مما يُعرف بـ”الثورة السورية”، ولكن كل هذا لم يشفع لهم، عندما انقلبت كل هذه المنظومات ضدهم، وصارت مبرراً لإبادتهم. ذكريات مثل تحريض الإعلام الخليجي والعربي على “جبل العرب”؛ أو قيام بعض الجيران الدمشقيين بـ”تجهيز غازٍ”، أي إمداد فرق الموت الذاهبة إلى السويداء ببعض المؤن (وهي حركة ليس فيها سوى البعد الرمزي، ولا فائدة لوجستية أصلاً منها)؛ أو رفع المقصات للسخرية من شوارب الدروز، كل هذا لا يمكن أن يُنسى.
ما تبدّى هنا أن النظام الرمزي العربي والسوري بأكمله، قد كُرّس تماماً لإذلالهم واستباحتهم وتبرير قتلهم، بعد أن ظنوا أنهم مشاركون مؤسِّسون في ذلك النظام الرمزي. وبالتالي فمن المفهوم للغاية الانقلاب الجذري في الموقف، من “جبل العرب” إلى “باشان”؛ ومن “الثورة السورية الكبرى” إلى المطالبة بالانفصال عن سوريا؛ ومن “المسلمين الموحدين الدروز” إلى “الموحدين الدروز” فقط. فإذا كان ثمن الاندماج في الوطنية السورية هو تعريب وأسلمة الذات، فإن كل هذه العروبة والإسلامية كانت فعلياً قاتلهم المؤجَّل؛ وإمكانية الاندماج مع جيران “يجهّزون غازياً” ضدهم، أو يطبّعون مع هكذا مشهد، ليست أكثر من وهم.
إلا أن الأمر لا يقتصر على دروز سوريا فحسب، فما حدث في السويداء علامة على فشل عام في كافة المنظومات السورية، لا نتحدث هنا عن مجازر في سياق حرب أهلية، أو قمع دولة لتمرّد، بل عن موافقة أو لا مبالاة عامة تجاه استئصال مجموعة بشرية كاملة في سوريا، دون أي مداورة أو مناورة، إذ كان الجميع يعلم نية فرق الموت التي توجّهت إلى السويداء، وتصريحاتها، وأيديولوجيتها، وما سينتج عن تحقيقها لغاياتها، وهو لا يقلّ أبداً عن الإبادة الإيزيدية، التي مرّت ممارساتها بدورها دون أن تثير كثيراً من الصدمة: القتل الشامل، وسبي النساء والأطفال، وتحطيم الوجود الاجتماعي والثقافي.
المتحد السياسي والاجتماعي الذي يسمح بهذا، أي جعل مجموعة كاملة من السكان مكشوفة علناً، وبدون أي غطاء سياسي أو قانوني أو أخلاقي ولو شكلي، هو فاشل بالضرورة، ولا إمكانية لاستمراره، إلا إذا حدد لنفسه هوية عرقية أو دينية أحادية واضحة، وسعى إلى الاستقلال بها، واستئصال كل من يخالفها، متحمّلاً كل الحروب الأهلية والإقليمية الممكنة. ويبدو أن “الوطنية السورية” المعاصرة تفتقر حتى إلى شجاعة إعلان ذلك بوضوح، فتبقى على التخوم، بين تأييد أو لا مبالاة أو تبرير وتطبيع تجاه الاستئصال، والحديث في الوقت نفسه عن “وطنية جامعة لكل فئات السوريين”، وهذا يبدو أقرب لاحتيال خطابي، قد ينفع في البروباغندا الإعلامية، وحملات العلاقات العامة، ولكنه يصعب أن ينفع في استمرار الكيانية السورية.
وإذا كان موقف المشاركين في التحريض، والمؤيدين للإبادة، معروفاً وبسيطاً، ويمكن تكثيفه بعبارتين: “السلطة يجب أن تسحق أعداءها”، و”الإسلام يبيح قتل الكفّار والخارجين عن الحاكم”، فإن موقف المبررين والمهونين والمطبّعين أكثر تعقيداً، ويمرّ بعدة مستويات:
أولها المستوى اللغوي، إذ يتم انتقاء مفردات، مثل “انتهاكات”، “تجاوزات”، “أحداث”، للتعبير عن مجازر تمت بنية الاستباحة والإبادة الجماعية، وهذا الانتقاء ليس بريئاً، وليس “لغة حقوقية”، كما يدّعي بعض مردديه، إذ أن الإصرار على المفردات “الحقوقية”، خارج التقارير المتخصصة وقاعات المحاكم، هو إخفاء متعمّد للطابع السياسي والرمزي للمجزرة، ونوع من تحجيب اللغة، كي تستر ولا تعبّر.
ثانيها مستوى “التسييق”، أي تذويب الطابع النوعي للحدث، وربطه بسياقات تدّعي التعقيد (المظلومية، الفوضى، “الانتهاكات من الطرفين”، بناء الدولة، إلخ). ما يجعل المجزرة نتيجة مفهومة لسياق ما. وبغض النظر عن أن نية الإبادة جريمة مطلقة وليست سياقية، إذ لا يوجد أي سياق يفرض أو يدفع بالضرورة للإبادة بوصفها “ردة فعل”، وإنما تسبق النية بنيوياً أي سياق، وتملك استقلالها عن الظروف التي تبرر نفسها بها، فإن التسييق يقلل من أهميّة الفاعل، لدرجة يبدو أن السياق هو من ارتكب الجريمة، وليس الفاعل نفسه، الذي “فَزَع” ونظّم وقتل وخطف، أو كأنه لا توجد إرادة واعية بارتكاب الجريمة، يجب تحليلها في البنية الأيديولوجية والخطابية والتنظيمية لذات الفاعل.
ثالث المستويات هو “نسيان الحدث”، فبعد تسييقه، يمكن اعتبار أن الفارق النوعي الذي أحدثه قابل للتجاوز، ويمكن أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، ومن ثمّ دعوة الدروز للعودة إلى حضن الوطنية و”الدولة” والعروبة والإسلام، وطرح المبادرات في هذا الاتجاه، دون أي نقد جذري للمفاهيم الوطنية، والدينية، والثقافية، والسياسية، التي وقعت المجزرة في ظلها. يعمل هذا النسيان على إسقاط كل سؤال، وكل مستجد، وكل تغيّر دراماتيكي، من الإطار العام للتفكير والخطاب، وهو أشبه بعملية طمس وتعمية على كل ما يثير التفكير والتأمّل، وبالتالي فهو نمط عام من التجهيل وفرض البلادة الفكرية والتعبيرية.
وهذا يوصل إلى المستوى الرابع، وهو التطبيع مع الإطار المنتج للمجازر، إذ يعقب التحجيب والتسييق والنسيان نوع من التأقلم مع الوضع القائم، واعتباره “الطبيعي”، ولذلك فلا بأس في التعامل معه، ومناشدته، وشرعنته، بل، وفيما يشبه المفارقة الساخرة، مطالبة الميليشيات المرتكبة للمجزرة نفسها بالقيام بـ”المحاسبة”. هذا التطبيع يستمر إلى أن تقع المجزرة التالية، ليعود خطاب التبرير والتهوين لتكرار الخطوات منذ البداية، فيحجّب المفردات، ويسيّق الإبادة، وينسى الحدث، ليطبّع من جديد، ضمن دائرة مفرغة، باتت أساس الخطابات الدارجة.
يوضح هذا الموقف مفهوم “الخذلان” بأجلى معانيه، إذ يبدو تواطؤاً كاملاً مع حدث الإبادة، ربما بما يفوق مؤيديها المباشرين، إذ أن المجموعة الأخيرة تظهر ميلاً جُرمياً سهل الإدانة، ولا ينجح في إقناع أحد خارج دائرة المناصرين المباشرين للإرهاب، فيما موقف التبرير والتهوين والتطبيع يعمل على إنتاج نوع من الهيمنة، عبر جعل الحدث مُستَوعَباً في داخل البنى اللغوية والرمزية “المعتدلة”، أو التي تنتمي إلى “التيار الأساسي”، وهذا يؤدي إلى نتيجة خطيرة: حدث المجزرة مُتَضمَّن بشكل بنيوي في كل أنساقنا الفكرية والاجتماعية والسياسية.
ربما شعر دروز سوريا بهذا، حتى لو لم يجدوا اللغة المناسبة للتعبير عنه، وهذا هو سبب ما يراه البعض “موقفهم المبالغ فيه”. ولكن هذا يطرح سؤالاً آخر: هل كان يمكن للدروز أن يدركوا المجزرة الكامنة في قلب بنانا القائمة، لو لم يكونوا المتضررين المباشرين منها؟ بالقياس إلى تاريخ المنطقة بأكمله، فالإجابة “لا” غالباً، فقط المجموعة المهددة وجودياً هي من يدرك الإطار البنيوي المنتج للمجازر، ودون تهديد وجودي يستمر موقف اللامبالاة والتواطؤ العلني أو الصامت. إلا أن حدث السويداء يتميّز بكونه كاشفاً، فهو الأوضح، والأكثر وقاحة، والأشد صدمة، ولذلك فهو بحد ذاته قادر على إبراز الأسئلة، وإفشال كل مساعي التطبيع.
قد يكون التمسّك بحدث السويداء ضرورة قصوى، ليس فقط لطرح الأسئلة على الكيانية السورية، بمركزيتها العربية/الإسلامية، ونزعتها الاستئصالية، وانحدارها من الدولة الضارية إلى فرق الموت الميليشياوية الجهادية، بل أيضاً وأساساً لمساءلة الإطار المنتج للإبادة، بطبقاته المتعددة، اللغوية والأيديولوجية والسياسية والاجتماعية، وهذه المهمة أكبر من الكيان السوري نفسه، وتمسّ “الأمة” بأكملها. فما الذي يقوله بالفعل حدث السويداء، إذا أزحنا ركام اللغة الرديئة عنه؟ وأين سنجد أنفسنا إذا أخلصنا له فعلاً؟
النموذج الإيزيدي
يمكن اعتبار جريمة الإبادة بحق الإيزيديين النموذج المعاصر للإطار الأيديولوجي العربي/الإسلامي المنتج للإبادة، والمطبّع معها، فعلى الرغم من أنها ليست أولى الإبادت، إلا أنها تختلف عن غيرها، مثل إبادة الأرمن والآشوريين والكرد العراقيين، بعدة سمات، أهمها تغليب الرمزي على الوظيفي، بمعنى أن الإبادة هنا لا تؤدي وظيفة سياسية واضحة، مثل تأمين النقاء العرقي، أو إيجاد “حل نهائي” لمسألة مزمنة، أو ترسيخ السلطة السياسية/الحيوية، بقدر ما تسعى إلى استعراض القوة والسيادة، في مشهد وحشي هدفه إعلان الذات والإرهاب الشامل للجميع، وكذلك تخطي الحدود السياسية والقانونية والأخلاقية المألوفة بشكل معلن، بهدف فرض وقائع جديدة، تأبى حتى أن تؤطّر نفسها بصيغ واضحة.
تاريخياً، ارتُكب كثير من جرائم الإبادة (مجازر الأرمن، الهولوكوست، مجزرة سميل، حملة الأنفال، إلخ) من داخل قانون الدول وإطارها السياسي، اللذين سمحا بحالات استثناء، تجسّدت في الاستئصال الجماعي، فيما النموذج الإيزيدي كان تحطيماً واعياً لكل تلك الأطر، يُرمِّز نمطاً جديداً من السيادة، لا يمكن وصفها بالاستثناء، لأنها تستهين بالقوننة أساساً، وترى في القدرة على الوحشية، القائمة على الاجتهاد العقائدي، والمرونة التنظيمية، والتقوى الجهادية، والاندفاعات العشائرية، حقاً طبيعياً لها، أي على الجميع العيش تحت التهديد بالإبادة، ضمن معادلة حكم قائمة على الطاعة مقابل عدم الإبادة فقط.
وهذا يقود إلى السمة الثانية للنموذج الإيزيدي، وهي “مجتمعيته” إن صح التعبير، فهو ليس نتيجة آلة بيروقراطية، سواء إدارية أو عسكرية أو صناعية، وإنما “وثبة” تشارك بها عشائر، وقرى، وميليشيات مرتجلة من السكان المحليين، وتتشارك كلها في تفريغ فائض العنف، الذي يخلّف شعوراً بالسيادة على حساب أجساد وكرامة الآخر الديني/الإثني؛ وكذلك الاستفادة من “مكاسب” المجزرة، عبر النهب، والاستيلاء على الملكيات والأصول، والخطف، وهذه “المجتمعية” عابرة للحدود، فقد انتشرت السبيات الإيزيديات خارج حدود العراق، في المنطقة الممتدة من إدلب إلى غزة على الأقل.
أما السمة الثالثة فهي التنصّل، إذ أن المجتمعات التي شاركت بفعالية، أو صمتت، أو شهدت الإبادة بلا مبالاة، تقول في خطابها إنها لم تفعل شيئاً فعلياً، أو تعتبره أخطاءً وتجاوزات و”ردود فعل” من بعض الأفراد، وبالطبع لا يمثل الإسلام ولا العروبة ولا الجهادية ولا التنظيمات الميليشياوية، إنه لا يمثل شيئاً على الإطلاق، ضمن إطار التحجيب والتسييق والنسيان والتطبيع، الذي سبق الحديث عنه. عادةً تُنتَج خطابات أيديولوجية متكاملة عن المجازر من قبل مرتكبيها، تشمل إنكار الإبادة، ولكنها لا تلغي الفعل والمسؤولية عنه من أساسهما، بل تقدمهما بصورة مختلفة، فيما يكفي التنصّل في النموذج الإيزيدي.
كل هذه السمات “الإيزيدية” تنطبق على مجزرة السويداء، فهي رمزية ومجتمعية، وخطابها الأساسي هو التنصّل، وقد عايش دروز سوريا الحالة الإيزيدية بكل بشاعتها، وكل محاولاتهم للتعبير عنها تصطدم بحُجُب قاسية من “اللغة السورية”، ما يدفعهم إلى محاولة الإغراق في لهجتهم وثقافتهم المحليّة، ربما لقطع التواصل مع الآخر، أكثر من محاولة التعبير له، بعد اليأس الكامل من إمكانية التواصل. يمكن ملاحظة العودة إلى ألفاظ محليّة حتى بين الدروز الأكثر اندماجاً في “اللهجة السورية البيضاء”، مثل التشديد على لفظ “أني” (أنا)، والذي يبدو هنا أقرب لإعادة بناء للذات، أكثر من كونه افتخاراً باللهجة، أو مجرد محاولة للعودة إلى المحليّة.
عملياً، نحن لا نملك اللغة المناسبة لاستيعاب ذلك الحدث، ما يوسّع فجوة التواصل، ليس فقط مع اللهجة الدرزية، بل مع شرطنا الاجتماعي والسياسي والثقافي، فالأطر المنتجة للمجزرة، والتي تعيد تطبيعها، تسلبنا الشرط المبدئي للقدرة على التعاطي مع ما قد يتكشّف لنا من أهوال وصدمات: اللغة الجيدة. وهذا ليس علامة على القوة أو الاستمرارية أو الصلابة، بل علامة على الفشل العام لكل منظومات التحضّر، بما في ذلك السياسة والقانون والدين والفن والإعلام. ولكن ما نتائج “فجوة التواصل” التي تطبع الفشل السوري؟
التنافر والاستياء
قد يكون مفهوم “التنافر” أو الاختلاف Le Différend لدى الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار، أفضل ما يعبّر عن الفجوة التواصلية السورية، إذ يلحظ فيلسوف ما بعد الحداثة الشهير أن حدث الإبادة ينعكس أساساً على مستوى اللغة، إذ تعجز المجموعة التي تعرّضت للحدث عن التعبير عنه، داخل الأطر الخطابية والرمزية والمفاهيمية الدارجة بين المجموعات التي ساهمت في الإبادة، وذلك ليس فقط بسبب عجز اللغة عن التعبير عن الهول، ولكن أيضاً لأن أطر الإبادة مصممة أصلاً لإقصاء الشهود، ونزع المعنى عن إفاداتهم، وتكذيبها سلفاً، أو إعادة إدراجها ضمن منظومات المعنى الدارج، ما يهوّنها ويطبّعها، ويفقدها القدرة على التعبير، وبالتالي فيستحيل لمن تعرضوا للحدث أن يصوغوا تجربتهم ضمن لغة وأطر الخصم. يؤدي هذا إلى نوع راديكالي من التنافر بين الطرفين، فنحن لا نتحدث هنا عن نزاع قابل للتحكيم، بناء على مفاهيم ومعايير تواصلية مشتركة، بل عن اختلاف تام، يهشّم اللغة من الداخل، ويجعلها موطناً قلقاً للحدث، الذي كلما حاولت إخفائه والسكوت عنه، يعود بطرق غير مألوفة، وكأنه أشباح لغوية.
ولذلك يدافع ليوتار عن مفهوم “الشهادة” Le Témoignage، ولا يعني بها نقل الوقائع والأحداث في قاعة محكمة، وإنما العكس تماماً، أي ما يستحيل نقله بلغة ومعايير الخصم، مثل التعبيرات الرافضة والمنفصمة والانفصالية، والتي تبدو خارجة عن نظم الترميز والعقلنة ضمن الأطر اللغوية السائدة، وقد تشمل روايات الناجين، وفنونهم، وأسلوبهم الخاص بالتوثيق، ونقضهم الجارح لكل القيم والمعايير، و”خياناتهم” للأمة والمجتمع والدولة. هذه الشهادات، حتى لو لم تنل الاعتراف، هي ما يحفظ الحدث من النسيان، الذي تفرضه اللغة المهيمنة.
في حالة الإبادة الإيزيدية، توفّر للإيزيديين نظام خطاب مغاير، بمعايير مختلفة، وهو اللغات والمؤسسات الأجنبية، التي وصفوا فيها ما تعرضوا له، وتمكّنوا من خلالها التعبير عن تجربتهم ومعاناتهم. لقد وجد الإيزيديون فضاءً “ميتا لغوي” Meta-language خارج اللغة المهيمنة، أي لغة تصف لغة وتحللها، استطاع وصف لغة الإبادة نفسها، ليس من داخل شروطها الرمزية، بل من موقع خارجي يكشف آلياتها ومفاهيمها (مثل “الكفّار”، “رد الفعل”، “الأحداث”، “الانتهاكات”، إلخ)، وبالتأكيد كان من شبه المستحيل بالنسبة لهم التعبير من داخل اللغة العربية ومفاهيمها، أو غيرها من اللغات الدارجة في المنطقة، ربما باستثناء اللغة الكردية.
يتشابه مفهوم “الشهادة” إلى حد كبير مع مفهوم “الاستياء” Ressentiment للمفكر النمساوي جان أميري، وهو أحد الناجين من الهولوكوست، ممن تعرّضوا لأشنع أشكال التعذيب على يد النازيين، ويعني به رفض النسيان، والتصالح مع الحدث، من قلب المنظومة القائمة، التي تطالب بتجاوز المجزرة، باسم تصفية الذاكرة التاريخية، أو التقدّم للمستقبل، بالنسبة لأميري (الذي انتهى منتحراً) فالاستياء يجب أن يبقى مستمراً ومتَّقداً، وهو لا يعني به الحقد أو الكراهية، بل التمسّك بأبعاد التجربة الوجودية، التي غيّرت فهم البشر لحدود عالمهم وأفكارهم، بل لحدود أجسادهم نفسها، فألغت مسافة الأمان العقلية والمادية تجاه وجودهم، وشككت بشكل جذري بكل الترميزات والافتراضات والمقولات. هذه الظاهرة تمتلك حقيقتها التي لا يجب أن يُسمح بطمسها. ولذلك يبدو أن أميري يسعى لقلب فكرة نيتشه عن كون الاستياء نمطاً من أخلاق العبيد، ونوعاً من إكساب الطابع الأخلاقي لضعفهم، فهو يمتلك قوة نقدية هائلة، تجاه التاريخ، ومفهوم “التقدّم”، والأخلاق الدارجة، والسياسة، والذاكرة الجمعية، أي كل ما أراد نيتشه فعلياً انتقاده. وهدف أميري أن يُبقي إمكانية العدالة مفتوحة، لا أن تُغلقها أطر المعنى المولّد للمجزرة، أو المهوّن لها.
قد تبدو مفاهيم أميري ناتجة عن صدمة شخصية واجتماعية هائلة، أوصلها إلى قمة تعبيراتها، مما سيعجب ليوتار بالتأكيد، ولكن قد يكون بها كثير من المبالغة، التي قد تسجن الذات الفردية والجماعية في المظلومية ودور الضحية. وربما استطاعت الفلسفة الغربية تقديم ما هو أفضل، مثل مفهوم “الغفران” لبول ريكور، الذي لا يعني نسيان الحدث، وإنما بناء الذات، والعلاقة مع الآخر، على أساس مفهوم “الهوية السردية”، التي ترى في الجريمة فصلاً أو نقطة في سرد مفتوحٍ للتأويل، لا يمكن اختزال الذات والآخر فيها. وقد يحافظ التأويل، وإعادة السرد ومواصلته، على القدرة النقدية التي أراد أميري التمسّك بها عبر “الاستياء”، وعلى “الأشباح اللغوية” التي رأى ليوتار أنها تعود مع “الشهادة”.
في كل الأحوال، التنافر والاستياء باتا من أساسيات الكيانية السورية، وظهور المعاني في اللغة والتعبيرات الدارجة، ولم يعد من الممكن تجاوزهما أو التغطية عليهما، ولذلك فالأجدى دفعهما إلى أقصى قدرتهما النقدية، عبر جعل الخذلان الذي تعرّضت له السويداء، بطبقاته المتعددة والمعقدة، منطلقاً لمواجهة مفتوحة مع الأطر المولّدة والمطبّعة مع الإبادة، أي مع كامل “النموذج الإيزيدي”، الذي لا توجد أية ضمانة بعدم تكراره، ما دام قد بات السمة الثقافية والمجتمعية والسياسية الأساسية للسلطة في منطقتنا، بمعناها الواسع، وكذلك لـ”معارضاتها الإيجابية”، أي من يمارسون “النقد البنّاء” من داخل تلك الأطر.
بالطبع، لا توجد أي ضمانات في راديكالية نقدية من هذا النوع، فهي قد لا تفضي إلا إلى الكراهية، أو التطرف، والدوران في دائرة الهمجية المفرغة التي نعيشها، ولكن لا فائدة من محاولة تجاوز التنافر والاستياء، فهي محاولة عبثية وفاشلة، كلّما عملت على تغطية مساحات الدم والجثث والهمجية، ستفضح وتعري مساحات أخرى، ما يولّد مزيداً من التنافر والاستياء، وبالتالي فالأمر يتطلّب نوعاً من الشجاعة، لمواجهة ما لم يعد ممكناً إنكاره أو التطبيع معه.
بالعودة إلى ليوتار، فهو يتحدث أيضاً عن مفهوم “السامي” Le Sublime، ويعني به ما لا يمكن تمثيله بالرمز والمخيّلة حتى لو تم استيعابه، كأن نقول مثلاً: “وقعت مجازر في السويداء، شملت القتل الجماعي لمجرد الانتماء الطائفي، والسبي، والاغتصاب، والتمثيل بالجثث”، هذه العبارة قابلة للاستيعاب العقلي التقريري، ولكن يصعب تخيّلها والتعبير عنها رمزياً، وهنا نصل إلى الحدود الفعلية للتمثيل، ولا تصبح المهمة تقديم صورة كاملة عمّا حدث، وإنما إظهار فشل أي صورة في التمثيل والتعبير. كان الحل بالنسبة لليوتار هو الفنون التجريدية والمابعد حداثية، ولكن بالنسبة لنا قد يكون التمسّك بـ”السامي” هو التأكيد على فشل كل صورنا وتعبيراتنا، والعمل على إنتاج آفاق أخرى، لا تعيد إنتاج دائرة الهمجية، بل تكسرها نهائياً، كي لا يتكرر “النموذج الإيزيدي” أبداً.





