• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

المجتمع والسياسية.. مجاعة كردستان عام 1918

3 يونيو 2026
المجتمع والسياسية.. مجاعة كردستان عام 1918

نازحون كرد في أرمينيا السوفييتية بعد ثورة آغري الكردية ضد الجمهورية التركية عام 1930 | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email
حسين جمو

خلص مقال سابق في المركز الكردي للدراسات بعنوان «المجتمع والسياسة في كردستان 1915 – 1920»، إلى أن البرامج السياسية، خصوصاً في بيئات الإبادة المفتوحة، لا تقاس فقط بعدالتها أو مشروعيتها، إنما بشكل أكبر على قدرة المجتمع على تحمّل تبعاتها، وكيف أن تجاهل هذا العامل الاجتماعي، في قراءة حقبة الحرب العالمية الأولى وما تلاها، قاد إلى سردية قومية كردية لاحقاً بدون تحليل المعوقات الأكثر أهمية وهو مدى تناسبها مع الواقع اليومي للسكان وكيف كان من الممكن تجاوز هذه المعضلة. ومن أولى واجبات الحركات السياسية دراسة التجارب السابقة للأمة، وطرح رؤى لتفادي ربط مستقبل ومصير المشروع القومي بالحياة اليومية القاسية لأفراد هذه الأمة. وهذا يعيد طرح السؤال مجدداً اليوم: هل بإمكان الحركة السياسية الكردية تسيير الكفاح من دون الاعتماد على الشرائح الأكثر ضعفاً من المجتمع؟ قبل مئة عام لم تفلح الحركة القومية الكردية في السير بمشروعها القومي بدون المجتمع، والمجتمع لم يكن قادراً على تحمل التكلفة. كانت النتيجة هي ما يعيشه الكرد اليوم. قبل مئة عام لم يكن حال العرب والترك أفضل، لكن تمت إزاحة المجتمعات عن السياسة عبر الرعاية الأوروبية المباشرة لصناعة “أمم – دول” جديدة، وهذه الرعاية لم تتوفر لعدد من الشعوب وحركاتها السياسية، منهم الكرد والأرمن والسريان. ولعل حادثة المقابلة بين وفد كردي بقيادة الشيخ سعيد الكردي (النورسي لاحقاً) مع السفارة الأميركية في العام 1919 أفضل مثال على الاحتجاج الكردي على استثنائهم من الرعاية الدولية لإنشاء دولة كردية، على غرار ما كان يتم التحضير له في سوريا والعراق وتركيا ذاتها، فقد تحدى بديع الزمان سعيد الكردي خلال اللقاء بقوله للجانب الأميركي: “لو كان لكردستان ساحل على البحر فإنكم ستدمرونه بقوتكم البحرية ولكنكم لن تستطيعوا تنفيذ مثل هذا القرار في جبال كردستان”.

يتامى كردستان

ما كتبه ممدوح سليم بك وكمال فوزي عبر سلسلة مقالات في مجلة «جين» عامي 1918 – 1919 كان محاولة للفت الانتباه إلى أن الشعب الذي استدعي لتحمّل مشروع سياسي لم يكن قد نجا بعد من الحرب. في نصوصهما، يظهر الكرد كساعين إلى النجاة من حرب وإبادة وجوع، يعيش قسم كبير منهم في خيم على أطراف المدن، ويعجزون عن تأمين الخبز ويأكلون جثث أمواتهم، بينما تُدار النقاشات القومية المعاصرة، بينما تراجع تاريخ الكرد، كما لو أن هذا الواقع تفصيل هامشي.

من هنا، تحاول هذه الحلقة الانتقال إلى التعمق أكثر في بعض نصوص تلك المرحلة، والتي كتبها كل من ممدوح سليم بك وكمال فوزي.

وممدوح هو مثقف وصحفي كردي، برز اسمه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكان من الأصوات القليلة التي انشغلت بالبعد الاجتماعي الذي خلّفته الحرب على المجتمع الكردي. كتب عدداً من المقالات في مجلة «جين – Jîn» بالتزامن مع تأسيس جمعية «تعالي كردستان». شكّلت مقالاته، ولا سيما مقال «هاوار – الصرخة»، وثيقة نادرة عن الحياة اليومية للكرد بعد الحرب. عُرف لاحقاً من خلال تحويل الروائي محمد أوزون بعض محطات حياته إلى مادة أدبية في رواية «ظل العشق». شارك في ثورة آغري إلى جانب الجنرال إحسان نوري باشا عام 1930، وللمفارقة توفي الرفيقان في عام واحد (1976)، ممدوح في دمشق، وإحسان في طهران.

كتب ممدوح سليم عن آلام الحرب العالمية الأولى على الكرد جراء هزيمة الدولة العثمانية واحتلال إسطنبول. وللمفارقة، فقد هزمت الدولة نهاية عام 1918، وشكل الكرد غالبية السكان في الجزء غير المحتل من الدولة العثمانية. فبين عامي 1918 – 1920 كانت الدولة العثمانية قد فقدت إسطنبول والساحل الغربي والجنوبي بأكمله مع عمق احتلالي من قبل الأوروبيين بلغ حتى مشارف الأناضول. وبذلك، عملياً كانت كردستان والكرد الجزء الأكبر مما تبقى من الدولة العثمانية. هذه الحقيقة التقطها مصطفى كمال سريعاً فور شروعه في عملية تنظيم المقاومة ضد الاحتلال الأوروبي، وشكل جمعيات دفاعية استندت أساساً إلى جمعية الدفاع عن حقوق الولايات الشرقية (وتعرف أيضاً باسمها غير المدوَّن وهو جمعية الدفاع عن كردستان).

قبل انطلاق المعارك الكبرى لـ «حرب التحرير» تشظّى المجتمع الكردي جرّاء الحرب والتوغلات الروسية والمجاعة، وباتت أحزمة المدن في الأناضول تعجّ بنازحين كرد كانوا ضحية مزدوجة، للحرب ولخطط طلعت باشا وزير الداخلية والصدر الأعظم خلال الحرب، الذي كان مستعجلاً لإطلاق عملية تفكيك المجتمع الكردي حتى أثناء الحرب، وهي خطة يبدو أن أنور باشا لم يوافقه عليها (لا يزال مدى توافق أو اختلاف طلعت باشا وأنور باشا حول هذه السياسات بحاجة إلى دراسة مستقلة).

في هذه الأجواء، سرد ممدوح سليم بك ما رآه بعينه:

في أنقرة، في قونية، في أضنة، في أرضروم، تسير مجموعات كردية متعثرة كيتيمة بلا طعام، بلا مأوى، بلا حياة. ومن وان، ومن بدليس… استمعوا إلى نبض قلوب أسراب المهاجرين، وانظروا إلى وجوههم، ولو للحظة، قبل أن تديروا أعينكم عنهم. يا له من ألمٍ مؤلم لهؤلاء المنكوبين، أن يُوعدوا بأجر يومي زهيد لا يتجاوز ثلاثة أو خمسة قروش، أو حتى مئة قرش إن رغبوا، ثم لا يُعطى لهم شيء، ويُطردوا من أماكن اللجوء، ويفقدوا منازلهم وأسرهم وأحبّاءهم على الطرقات، ويخسروا حيواناتهم حيث الموت أكثر رحمة من الحياة، وتُنهب قروشهم القليلة من قِبل التجار والجزارين الانتهازيين!

كم هو مفارقة مريرة أن من اعتاد على الكرم في بلده، واعتبره مفخرة وواجباً، صار اليوم هو من يحتاج إلى الصدقات!

وبغض النظر عن عدد الأبواب التي طرقناها، وعن عدد من توسلنا إليهم، وأي الطرق التي سلكناها، فإن هيئة ملابسنا الممزقة، وبطوننا الخاوية التي لم تجد ما تأكله، وتعابير البؤس المرسومة على وجوهنا، لم تستدعِ ممن قابلناهم سوى دهشة باردة، أو اشمئزازاً متعالياً، أو فضولاً عابراً بلا رحمة أو إنسانية. فما هذه القسوة التي لا تُطاق؟!

إن حالات الحرمان التي لا تنتهي قد تركت، ولا تزال تترك، جروحاً لا تُداوى في نسيج مجتمعنا! وألفت انتباهكم إلى ذلك. قد يكون هناك من يتلذذ بهذه الجراح، أو من يراها مستحقة لنا، أو حتى من يستغلها لتحقيق مصالحه الدنيئة. لكن أنتم، أيها الأعيان الذين تدّعون بأنكم «حماة الكرد والمضحون من أجلهم»، هل ستقبلون بذلك أيضاً؟ ألا ترون أن المشهد الكارثي الذي تعيشه هذه الأرض اليوم يستدعي على الأقل تعبيراً عن الحزن واليأس، ولو بطريقة يائسة.

إن كان الأمر كذلك، فصدقوني، فإن العواصف التي جعلت هذه الأمة بائسة إلى هذا الحد، لن تلبث أن تجرفنا جميعاً نحو حافة الدمار، وتسحقنا بلا رحمة. إن العصور القادمة، بما تحمله من ثقل وتراكم، لن تمنحنا فرصة للخلاص، ولن تسمح لنا بانتشال أنفسنا أو إنقاذ حياتنا.

هل كان الرجل الكردي في أنقرة، يعرف ما هو العرق أو المسكرات؟ مجرد هذا التساؤل يُعد صفعة على وجوه أولئك الذين، رغم امتلاكهم القدرة على كسر سلاسل المآسي التي تطارد جيلاً كاملاً، يظلون غارقين في اللامبالاة. لا أفهم كيف لمن يكتفي بموقف المتفرج، بينما يُساق هذا الشعب بلا ذنب إلى قاع الانحطاط، أن يطالب يوماً بحقه في تقرير مصيره!

لا يمر يوم دون أن تصلنا رسائل من أنقرة وأضنة، من منطقتنا ومحيطنا، من بدليس، من وان، من أرضروم… رسائل موقّعة بأسماء المهاجرين، تحمل بين سطورها قصصاً عن البؤس والآلام والجراح، وتستغيث طلباً للمساعدة. كيف لا تلتصق هذه الكلمات بقلوبنا كجراح الجحيم؟

واليوم، يصرخ المهجرون الكرد: «أنا جائع، أنا عارٍ، أنا بلا مأوى، أنا مريض». نعم، هذا هو الواقع. إن أقدس واجب يقع على عاتق أصحاب الخير فينا، هو أن نتحرك دون إضاعة دقيقة واحدة لإيجاد علاج لهذه المآسي. يجب أن يعود المهاجرون الكرد إلى ديارهم.

حين يعودون سيجدون مياهاً نقية، وسهولاً ممتدة، وجبالاً شامخة. رائع! لكن، هل سيجدون هناك كوخاً يحميهم من البرد؟ هل سيجد الكردي العائد كيساً من الشعير الأسود يسدّ رمقه وينقذه من الهلاك؟

لقد رأيت ذلك بعيني؛ أولئك البائسون الذين اندفعوا بشوق وحماس نحو الأراضي التي سُمِّيت بـ«الأماكن المحررة»، لم يجدوا هناك سوى الجوع والتشرد القاسي الذي استقبلهم بلا رحمة. هؤلاء الناس، الذين هلك نصفهم وهم يفرّون نحو آفاق مجهولة وأحلام مظلمة، لم ينجُ منهم سوى من أصبح وقوداً لتلك الأرض، التي لم تمنحهم سوى الجدران المهدمة، ولم يجدوا فيها سوى الأعشاب طعاماً، بينما كان من المفترض أن تنبت فيها خيراتٌ لأطفالهم، وتكفي لأجيالهم القادمة.

يجب أن يعود المهجرون الكرد إلى أوطانهم القديمة؛ هذا ما يريدونه، وهذا ما يجب علينا أن نحققه. ولكن، هل يكفي أن يعودوا؟ إن الكردي الذي يعود يجب أن يجد بيتاً يحميه من قسوة الشتاء، وطعاماً يكفيه في الصيف والشتاء. إن لم يتحقق هذان الشرطان، فلن تكون العودة إلا رحلة جديدة نحو الموت، وعذاباً آخر.

لكنكم، أيها الشباب، أيها المنقذون الكرد، تعلمون جيداً كم كانت الأمراض الأخلاقية والصحية والاجتماعية نادرة بين الكرد. هل تدركون مدى خسَّة هذه الحرب والهجرة، وكيف جعلتنا أكثر ضعفًا من الناحية الاجتماعية والصحية؟ لقد كانت المسكرات شبه معدومة بين الكرد، ومعاذ الله أن تكون الدعارة منتشرة بينهم. لم نكن نعرف حتى أسماء أمراض مثل الزهري.

واليوم، بعد أربع سنوات من هذه الكوارث، يعود أهلنا الكرد إلى بلادهم حاملين معهم إحدى هذه الآفات، وأحياناً أكثر من واحدة. إن جيل الغد، كردستان الغد، في خطر!

فكروا جيدًا! قلوبكم قوية، وأخلاقكم سامية. وبما أنني أعلم أنكم واقعيون، بعيدون عن الأوهام، لا تخشون مواجهة الحقائق، سأقولها بوضوح، حتى وإن بدت جارحة: هذه هي الهدايا التي منحتنا إياها هذه الحرب الدموية! لكن علينا التفكير في الحل! إن «الأم» التي ستلد العلاجات لهذه المآسي ليست سوى «التنظيم»… التنظيم الذي يُبنى بالإصرار، والعمل، والمقاومة. إنه «التنظيم الاجتماعي»، ذلك الأساس الذي تقوم عليه كل أمة متحضرة. «منظمة اجتماعية» يقودها أصحاب العقول والشجاعة، أولئك الذين سيتوغلون في كل زاوية مخفية من كردستان، في الحرب كما في السلام، ليكونوا مرشدين ومنقذين، ليشعلوا نور الحياة في ظلام الفقر والبؤس.

جثث مفقودة

في العدد 24 الصادر بتاريخ 3 أيلول 1919، نشر المثقف الكردي كمال فوزي مقالاً في مجلة «جين» كتبه في شهر يوليو/ تموز كما يبدو في نص المقال. وكتب كمال فوزي:

اسمحوا لي أن أفتح جراح الهجرة ومرارتها! ولا أحد يسمع آهات أرضي الوحيدة التي تبكي حزن الكرد في أجواء الحداد! تذكرني هذه الأيام الأخيرة من شهر تموز الحار هذا بإخواني المواطنين في أورفا والموصل وماردين وديار بكر وأضنة وقونية الذين استسلموا لطمأنينة الأبدية الخالصة. وأنا على يقين من أن أولئك الأحياء الأموات الذين مروا بعيدًا عن هذه الأيدي العاجزة قبل عام، أصبحوا اليوم ستائر من العار في قبر مهان. أريد أن أبكي أكثر قليلاً في صفحات الهجرة هذه، بقلمي المكسور، الذي لا أستطيع أن أسمع صوته الآذان الصماء والمخدرة.

لقد كانت هذه الأشهر القاسية هي التي غطت بؤس الشتاء. كانت كتلة ضخمة من الهجرة والبؤس، تتكون من الأطفال والنساء والرجال والشباب والمسنين، تتجمع أمام محطة أورفا. وأحاط بهم رجال الدرك بالحراب وحراس الشرطة. من كان هؤلاء؟

في يوم من الأيام، كان هؤلاء أو قسم كبير منهم، من نبلاء الكرد، الذين ترعى قطعانهم في قراهم الغنية والخضراء، وهم يمتطون خيولهم البيضاء الأصيلة.

هؤلاء عرائس بلا أخوة، بلا آباء، بلا أزواج، وحيدات أرسلن أزواجهن الأبطال إلى طريق الاستشهاد ثم أُجبرن على شهوة بعض إخوانهم في الدين المجردين من الإنسانية ونماذج العار وأعداء الأمة، فقط من أجل لقمة خبز!

لقد كانوا أطفالاً عراة ووحيدين تركوا آباءهم وإخوانهم للأعداء على الحدود وأمهاتهم إلى الأراضي السوداء على الطرق المغطاة بالثلوج!

وكانت الشرطة تجلد الحشد باستمرار لتفريقه، وكان الدرك يهددونهم بالحراب. كيف ممكن! تلك الكتلة التي تفرقت وانتشرت للحظة، كانت تتراكم من جديد، تتجمع، تندفع، تحاول، تعلق. وبصعوبة بالغة، كان المنقذون ينسلون من بين هذا الحشد، وكل منهم يحمل وعاءً فخارياً في يده، وكان المحظوظون يحاولون الهروب.

وكانوا يتقاتلون لشراء دم الخروف المذبوح الساخن الذي تسرب من تحت السكين. الويل للذين عادوا خاليي الوفاض! لقد كان أحد الأيام الحارة في رها (أورفا). كان هناك فقراء وأرامل وأيتام يموتون من الجوع، ويموتون في مناطق نائية منعزلة من المدينة، تحت الظلال الجافة للأشجار الجافة العارية. في هذه الأماكن التي لم يزرها أي مسافر غريب من قبل، في هذه الأماكن المهجورة التي لم يرغب أحد في رؤيتها أو زيارتها، كانت الإنسانية تئن.

في الصباح، كان موظفو البلدية الذين انطلقوا للبحث عن الجثث البشرية وسارعوا إلى دفن الموتى دون أكفان يرون مجموعات من الموتى يختبئون تحت تلك الظلال العارية ويعودون أدراجهم. وسيأتون في اليوم التالي لدفن ما رأوه في اليوم السابق. واحسرتاه! في كثير من الأحيان لن يكون من الممكن العثور على جثة. ومع ذلك، سيرون أن الناس المتجمعين هناك، يكافحون بشكل بائس بين الحجارة والتراب، يتناقص عددهم كل يوم. أثار هذا الوضع الشكوك.

وبدأ الموظفون الذين يأتون خالي الوفاض كل يوم، زوار الموت والبؤس هؤلاء، يفتشون الأشياء ويفحصونها بشكل متكرر.

لقد قام موظفو الخدمة المدنية بواجبهم في التحقيق. سُمعت بعض الأصوات من حفرة مظلمة ومتعرجة. أعتقد أن الضباط شعروا بشيء هناك. رأوا مجموعة من الناس يجلسون حول النار. لقد كانوا قافلة من المهاجرين الجائعين، يأكلون اللحم الذي انتزع من جثة أحد رفاقهم.

وفي اليوم التالي، تم وضع الفقراء تحت طوق مشدد. بعد أقل من يومين، الفقراء التعيسون، الذين كانوا ينتظرون موت بعضهم البعض، يحدوهم الأمل في أن يعيشوا لفترة أطول قليلاً، ماتوا جميعاً معاً. كان أحد هذه الأيام الحارة في أورفا عام 1917، وكان هناك عدد قليل من التوابيت الفاسدة، مخبأة ومخفية عن الأنظار. سيارة انحرفت عن الطريق وانقلبت في طريقها إلى المقبرة. سألت من هؤلاء. قالوا: “إنهم هم مرة أخرى”. نعم إنهم هم! كما تعلمون، أليس هناك من ترك بدليس وموش ووان وأرضروم وهاجر وزحف من مكان إلى آخر؟ ها هم! أطفال البؤساء الذين تُركوا بلا مأوى، ثم ماتوا جوعاً! إنهم الذين نحمل مسؤولية مأساتهم، التي هي مأساتنا نفسها.

المجتمع والسياسية

ما كتبه ممدوح سليم بك وكمال فوزي يضيف تفاصيل جديدة إلى تاريخ الحرب العالمية الأولى في كردستان، ويفتح نافذة على جانب جرى إغفاله طويلاً في السرد السياسي والقومي الكردي. فحين نقرأ نصوصهما، في سياق ظروف تلك المرحلة ومصاعبها، نجد مجتمعاً منشغلاً بالنجاة من الموت والانهيار والتفكك. لذلك، رغم الفراغ الكبير الأمني حيث انهيار السلطنة العثمانية والاحتلال الأوروبي للقسم الغربي والجنوبي من الأناضول بما في ذلك إسطنبول، وهزيمة الأرمن في الشرق نتيجة الثورة البلشفية في أكتوبر 1917، رغم كل هذه الأحداث لم يعلن الكرد عن أنفسهم عبر مشروع سياسي استقلالي. والسبب لا يعود إلى غياب البرنامج أو الإرادة أو الرغبة في الاستقلال، بقدر ما هو متعلق بشكل أكبر بعدم قدرة المجتمع على تنفيذ أي مشروع سياسي بهذا الحجم طالما لم تكن هناك رعاية دولة. لم تكن المجتمعات المجاورة أقل دماراً لكن الفارق أنها حظيت برعاية أوروبية، بشكل أو بآخر، وجرى صناعة دول قومية لتلك المجتمعات المختارة، كالشكل الذي جرى مع تأسيس العراق حين تم استدعاء الأمير فيصل وتنصيبه عبر الفريق السياسي البريطاني وفق رؤية المس غرترود بيل، المسؤولة السياسية في البعثة البريطانية في العراق. لم يحظ الكرد بهذه الرعاية. كانت هناك محاولة متواضعة قادها ضابط بريطاني غير رفيع، الميجر نوئيل عام 1919، وسرعان ما تم إحباط مساعيه لإنشاء دولة كردية عبر مشاريع بريطانية مضادة من الهند وبغداد والقاهرة.

النصوص لا تصف مجاعة بالمعنى الحرفي، أي نقص الغذاء فقط. إنها تصف انهياراً أصاب البنية الاجتماعية نفسها. فممدوح سليم يتحدث عن تفكك المعايير التي عرفها المجتمع الكردي قبل الحرب، وعن انتشار ظواهر يراها غريبة عن بيئته، وعن انتقال آلاف الأسر من حياة الاستقرار إلى حياة التسول والنزوح. أما كمال فوزي فيذهب أبعد من ذلك حين يرسم مشاهد لأناس ينتظرون موت بعضهم بعضاً من أجل البقاء على قيد الحياة.

وربما هنا تكمن أهمية إعادة قراءة هذه المرحلة. فقبل البحث في أسباب نجاح هذا المشروع السياسي أو فشل ذاك، وقبل محاكمة الزعماء والنخب والقرارات التي اتخذت قبل قرن من الزمن، قد يكون من الضروري العودة إلى السؤال الأساسي: ما أوضاع المجتمع الذي كانت هذه النخب تحاول قيادته؟ وما مقدار الخراب الذي كان قد أصابه؟ وهل كان يمكن النجاح في انتزاع كيان سياسي مستقل للأمة الكردية بالاعتماد على القوى الذاتية وحدها في منطقة أصبحت مزدحمة بخرائط رسمها الأوروبيون وتعاملهم مع كردستان كـ”أرض بلا سياسة”؟

Tags: الشيخ سعيد النورسيالقضية الكرديةكردستان في الحرب العالمية الأولىكمال فوزيممدوح سليم بك




آخر المنشورات

المجتمع والسياسية.. مجاعة كردستان عام 1918

المجتمع والسياسية.. مجاعة كردستان عام 1918

3 يونيو 2026

حسين جمو خلص مقال سابق في المركز الكردي للدراسات بعنوان «المجتمع والسياسة في كردستان 1915...

محافظة الرقة السورية: صورة تظهر منطقة غمرتها مياه نهر الفرات بعد الإرتفاع الكبير لمنسوب المياه |أ.ف.ب

كاكيستوقراطية: ما السياسة تحت “حكم الأسوأ”؟

3 يونيو 2026

محمد سامي الكيال يعتبر مصطلح "كاكيستوقراطية" Kakistocracy إشكالياً للغاية في الخطاب السياسي الحديث، وربما أقل...

بعيداً عن “نظرية المؤامرة” وقريباً منها

بعيداً عن “نظرية المؤامرة” وقريباً منها

1 يونيو 2026

د.طارق حمو امتدت رئاسة علي خامنئي لإيران من عام 1981 حتى 1989، أي أنها غطّت...

كيف نجحت الولايات المتحدة في الانسحاب من سوريا؟

كيف نجحت الولايات المتحدة في الانسحاب من سوريا؟

30 مايو 2026

شورش درويش من وجهة نظر بدت حاسمة رفضت إدارة دونالد ترامب عبر مبعوثها الخاص إلى...

مبدأ مونرو الآخر ودكتاتورية التفاهة

مبدأ مونرو الآخر ودكتاتورية التفاهة

29 مايو 2026

عقيل سعيد محفوض أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو (1823) أن نصف الكرة الغربي "لنا"، وعلى...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية