وحدة الدراسات الإيرانية
تتحرك منطقة الشرق الأوسط على ثلاثة محاور صراع (الأزمة الخليجية – القضية الإيرانية – والناتج عن هذين التناقضين، وفيها ملفات متداخلة ومواجهة بين إسرائيل وتركيا).
تحدد هذه المسارات المترابطة والمتزامنة، ديناميات تفككها ومحاولة دولٍ فيها الهيمنة على دول وقضايا وملفات، أي بمعنى الهيمنة على الاقتصاد والسياسة وبطبيعة الحال «سرد القصة» حول ما يجري. وسرديات الشرق الأوسط المهيمنة سرديات يغلب عليها التزييف، أو صراع بين روايات مزيّفة، وتكاد تكون قائمة على التزييف الكامل، لذلك هناك إعادة بناء إعلامية جارية حالياً للسيطرة على السرد، والسرد موجه للجمهور الموالي وليس بغرض تغيير الخصوم وتقليل شعبيتهم، أي إبقاء الموالين داخل صندوق الولاء للسلطة، وهو ما فعله الإعلام الخليجي الذي وفّر غطاء سردياً كاملاً لقوات دمشق خلال هجماتها على الكرد في يناير/ كانون الثاني الماضي، وتوفير المزيد من «الدوافع التحريضية» من أجل التبرير الاستباقي لأي مجازر إضافية ترتكبها هذه القوات. وأحياناً تقع أخطاء جانبية في السرد، مثل الهجوم الإعلامي السعودي على الإمارات، ففي محصلتها يتم وصم الإمارات بأنها أداة لأهداف إسرائيل، وهذا يجعل السعودية رافداً لخطاب الكراهية ضد إسرائيل تلقائياً، وأيضاً خطاباً مناهضاً لإقرار التعددية السياسية في الدول المتأزمة مثل سوريا والسودان والصومال، لأن سرديتها مبنية على «الدولة المركزية». خطأ السردية السعودية أوقعها في مساءلة أميركية مرتين: الأولى أنها داعمة لهجوم دمشق على الكرد وما رافق الهجوم من انتهاكات وجرائم، ورعايتها لخطاب جديد لـ «معاداة السامية» ضمن حملتها ضد الإمارات، وكذلك داعمة للإسلام السياسي وأحياناً تمكين تنظيم القاعدة – بحسب النتيجة وليس وفق خطة دعم – كما الحال في جنوب اليمن. هذا سياق جديد في منذ إدارة الأمير محمد بن سلمان للسياسات السعودية، ومن المحتمل ان يكون له عواقب في دوائر القرار الأميركية إذا ما كانت هناك حاجة لفتح ملف السعودية، وقد ألمح إلى ذلك السيناتور ليندسي غراهام.
أبدى ديفيد إغناتيوس محرر الشؤون الأمنية في صحيفة واشنطن بوست، استغرابه من حجم تأثيرات الخلاف السعودي الإماراتي على الشرق الأوسط. فقد كتب:
«كان ينبغي للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهما المحرّكان الرئيسيان لعملية التحديث في الشرق الأوسط، أن تحتفلا معاً في هذه الأيام، فإيران ضعيفةٌ، ووكلاؤها يتراجعون، وهناك أسطول أميركي ضخم يقترب من الخليج، لكن ما نشهده هو شيء مختلف، فقد انزلقت الدولتان الى خلاف هائل قد يؤدي الى دفع المنطقة نحو المزيد من الاستقطاب».
والخلاف كبير لدرجة أن واحدة من أضخم الخطط النظرية للربط بين أوروبا والهند باتت تحت الضغط. وفق تقارير غربية فإن هذه الخطة تتمثل في إنشاء خط سكة حديد وطريق بحري، يُعرف باسم “ممر الشرق الأوسط”، يربط الهند بإسرائيل وأوروبا. أظهرت خريطة أصلية صدرت عام 2023 أن مسار السكة الحديد يبدأ من ميناء جبل علي في الإمارات ثم يمر عبر السعودية، لكن يتم تداول خطة سعودية جديدة لبدء الخط من سلطنة عُمان وتجاوز الإمارات، ومثل هذا التغيير تنظر إليه الإمارات كتهديد وجودي نظراً لأن الهدف هو إضعاف الإمارات واستبعادها من خريطة الفاعلين الجيوسياسيين.
آخر صيغة لديناميات الصراع في الشرق الأوسط شهدت مفاجأة كبيرة في التناقض السعودي الإماراتي المفتوح على التصعيد وعلى تغيير مسار ملفات إقليمية عديدة وحتى شكل بعض التحالفات الراسخة. وإلى جانب التناقض السعودي الإماراتي، هناك الصراع على شكل وحدود التغيير المطلوب بالنسبة لإيران وما إذا كان يجب العمل على إسقاط نظامها أم إبقائها ضعيفة واحتجازها في «إيران الصغرى»، وربما للمرة الأولى منذ ظهور «المسألة الشرقية» مطلع القرن التاسع عشر، والتي امتدت على إمبراطوريتين متهالكتين، العثمانية والفارسية القاجارية، فإنه للمرة الأولى في العصر الحديث يظهر في الدراسات السياسية شيء اسمه «القضية الإيرانية»، في دلالة خطيرة على الانحدار الإيراني الكبير منذ مقتل الجنرال قاسم سليماني عام 2020 ثم هجوم 7 أكتوبر على إسرائيل. الآن يتم التعامل مع إيران بوصفها «قضية» حيث تقوم دول كانت أدنى استراتيجياً بكثير، مثل قطر وحتى السعودية، في التأثير على مصير «القضية الإيرانية». لكن هذه القضية الإيرانية ستتجه لتصبح مجموعة حروب إذا جرى العمل على فصلها عن «القضية الشيعية» في الشرق الأوسط، بمعنى أن تنفصل «إيران الصغرى» عن قضايا الشيعة في العراق ولبنان، الأمر الذي يعني أن من بين التسويات المقترحة هو الحفاظ على «إيران الصغرى» مقابل إنهاء التحدي الشيعي في الشرق الأوسط.
المحور الثالث لديناميات الصراع هو الشكل المتصور للمنطقة في ضوء كل من التناقض السعودي الإماراتي ومصير «القضية الإيرانية»، وهو مفتوح على العديد من الاحتمالات، ويقترب فيه تصور لصراع إسرائيلي تركي على مسارات التغيير، وهنا تكمن القضية الكردية ومساراتها. ويمكن قراءة الحرب التي تم شنها على الكرد في سوريا، عبر أداة وهي الحكومة السورية المؤقتة، كقرار إقليمي من جانب السعودية وتركيا حول التمهيد لنتائج الصراع على القضيتين الإيرانية والخليجية، قبل تحديد الشكل السياسي والاقتصادي للشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه يعمل القادة الكرد بأنفسهم على أن يكون لهم دور غير صراعي وغير ثوري خلال المواجهة المفتوحة والمتعددة الأشكال المرافقة للقضيتين الإيرانية والخليجية، وذلك على عكس القضية الفلسطينية التي كانت أساس الصراعات في العقود الماضية، وأصبحت مواجهة فرعية في ضوء المواجهات المستجدة.
كل هذه الصراعات مبنية على فرضية أن إيران لن تغير من نفسها، وستبقى دولة أيديولوجية «مهدوية»، تنتظر مجيء المهدي. وهنا نقطة لا بد من توضيحها في سياق الصراع الإيراني الإسرائيلي.
لم تكن الأمة الإيرانية على عداء أيديولوجي مع اليهود منذ أول احتكاك حضاري في بابل حين دخلها كورَش عام 539 ق.م. خلّد اليهود اسم كورش، بعد عملية إعادة بناء اليهودية في بابل، أو على إثر محنة السبي البابلي على يد نبوخذ نصر لمدة 50 عاماً.
لم تكن حياة اليهود في بلاد إيران بهذه الصورة المثالية المريحة، فقد شهدت فترات اضطهاد في العهد الساساني بسبب تشدد الزرادشتية. لكن تكاثر اليهود كان ملحوظاً في مدن كبرى، مثل أصفهان التي وصفت كمدينة يهودية وقاد أحد زعمائها تمرداً خطيراً على الدولة الأموية. رغم ذلك، كانت الاضطرابات متقطعة حيث حظي اليهود بفترات طويلة من السلم.
في كل الأحوال، هناك تاريخ محدد لانهيار السيرة اليهودية الممتدة من كورش الكبير في القرن السادس قبل الميلاد، وهو تاريخ إعلان الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الاثني عشري ديناً للدولة.
كان على فقهاء جبل عامل والعلماء العرب الوافدين لبناء «دولة المذهب» في بلاد إيران، تقديم الأحاديث والإخباريات الشيعية المبنية حول المهدي المنتظر، والذي يكون له موعد اجتماع في القدس حيث يصلي خلفه – وفق المرويات – عيسى ابن مريم. وحين تمت إعادة بناء المذهب الشيعي عبر علماء مثل الشيخ علي الكركي ومحمد باقر المجلسي، أعيد بناء أحاديث كثيرة عن «نجاسة اليهود»، وأصبح شتم اليهود يعلن على المنابر ويضرب بهم المثل في الصفات السلبية، وتجاوز الفقه السني في وصم اليهود، وأضحت سيادة الاثني عشرية بداية انهيار العلاقات الإيرانية اليهودية حتى نهاية العهد القاجاري عام 1925، لتعود العلاقات «اليهودية-الإيرانية» طيلة حقبة الشاه حتى عام الإطاحة به على أيدي الخميني عام 1979.
حين حكم الإسلاميون إيران، تناولوا مسألة اليهود بتهذيب أكبر مما نقل عن حقبة الصفويين والقاجاريين، ليس لتحول مفاهيمي في المذهب الشيعي، إنما لأن التمييز كان مفيداً طالما أصبح هناك دولة اسمها إسرائيل. لذلك، حظي من تبقى من اليهود في إيران بمعاملة تفضيلية في كثير من الأحيان في حقبة الثورة الإسلامية.
لكن موجة العداء الجذري لإسرائيل من جانب عقيدة الجمهورية الإسلامية باتت ورطة على المدى الطويل. فالعقيدة المهدوية لم تعد فقط تروي أن المهدي سيصلي في القدس وخلفه عيسى ابن مريم، بل إن المكان برمته أصبح لليهود، وهو وضع جديد أمام الفقه الشيعي مقارنة بما كان سائداً في الصفوية والقاجارية. كما أن جزءاً أساسياً من صورة البطولة في التراث الشيعي المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب مرتبط باقتحام حصن خيبر اليهودي، ولم يكن هناك استعداد على ما يبدو للتركيز على بطولات للإمام خارج «ثقافة خيبر» رغم وفرتها في أحاديث الإخباريين الأكثر تأثيراً في الثقافة العامة من الأصوليين.
والواقع فإنه في تقديم الشيعية السياسية السائدة حالياً، في العراق وإيران، والحركات الشيعية في الإقليم، هناك ترتيب معكوس، أو على الأقل تم إخفاؤه عمداً، وهو أن مواجهة السفياني أوجب وأبكر من المرحلة الأخيرة في العقيدة المهدوية، وهو الصلاة في المسجد الأقصى ثم حكم العالم أربعين عاماً. يفترض أن هذه العقيدة مرتبطة بهزيمة السفياني وشخصيات أخرى يفترض بها نظرياً على الأقل أنها من السنّة، أو على الأقل وفق التهذيب الشيعي، شخصيات تمثلها حالياً «التنظيمات التكفيرية»، وهو المصطلح الذي يستخدمه محور إيران للدلالة على الحركات السنية المسلحة التي تشنّ حرباً برواية طائفية ضد جميع الأقليات وفي المقدمة الشيعة.
لذلك، تبدو «القضية الإيرانية» أما محنة تغييرية، وهو إذا كان عليها النجاة من أن تصبح «قضية» وفصلاً هزلياً من «المسألة الشرقية الحديثة» ربما – نظرياً ووفق مدرسة المصالح السياسية – كان عليها التخلي عن «المهدي» مرحلياً، وعقد السلام مع إسرائيل لحماية إيران من «السفياني». أو الدخول في تحالف مع دول المنطقة السنية، ومواصلة تضليل جمهورها بتقديم خطابات الحسينيات وكأنه من الممكن أن يتحالف المهدي مع السفياني ضد اليهود!





