• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026
التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

فلسطينيون يؤدون الصلاة بالقرب من حاجز إسرائيلي في الضفة الغربية | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

محمد سامي الكيال

ظل “الإسلام” لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف دراسة العقيدة أو الفقه أو النص، كان الإسلام، أو بالأصح الإسلامات المتعيّنة في مجتمعات محددة، موضوعاً غير محدد مفاهيمياً ومنهجياً بالشكل الكافي، فما الذي يجعل هذا المجتمع أو ذاك إسلامياً، رغم الاختلاف الثقافي والطبقي والاجتماعي؟ وهل يمكن إيجاد رابط بين قبيلة إفريقية مسلمة في نيجيريا وبلدة مسلمة في ماليزيا؟ إذا أصررنا على المشترك العقائدي بين كل المجتمعات المسلمة فسنصل إلى نظرة اختزالية، تختصر مجتمعات شديدة التعدد بعامل واحد هو الدين والعقيدة، وهذا أقرب للنظرة الأصولية للحياة؛ أما إذا ركزنا على التعدد والاختلاف فسيذوب “الإسلام” بوصفه موضوعاً نظرياً، ولن يبقى أي معنى لوصف تلك المجتمعات بالإسلامية. هذا إذا أخذنا في الاعتبار التنوّع الثقافي والعرقي والجغرافي في الحاضر فقط، فما بالك إذا طُرحت المشكلة زمنياً وتاريخياً؟ أي إذا كان السؤال: ما الذي يُبقي هذه المجتمعات مسلمة، رغم كل التغيرات السياسية والاجتماعية التي مرّت بها عبر العصور، وباختلاف الأمكنة؟

عموماً حاول الأنثروبولوجيون الكلاسيكيون تقديم توصيفات، تحاول أن تكون “متوازنة” للمجتمعات المسلمة، تجمع بين ملاحظة التعدد والتغيير، وبين التركيز على المشترك والسمات الإسلامية التي تتمتع بشيء من الثبات، مثل الطقوس الدينية، والمعتقدات الأساسية، والرموز الإسلامية؛ فيما رفض آخرون اعتبار “الإسلام” موضوعاً أنثروبولوجياً من الأصل، وحاولوا دراسة المجتمعات ذات الأغلبية الدينية الإسلامية، بعيداً عن وسمها بصفة “إسلامية”. والنظر في ثقافتها المادية، وعالمها الرمزي، وتطوراتها التاريخية، بدون إيلاء أهمية مركزية لكونها مسلمة، أو اعتبار هذا كافياً لتمييزها عن مجتمعات أخرى تغايرها دينياً.

بدا وكأن هذا “اللغز” قد وجد حلاً في دراسة الباحث البريطاني-الباكستاني طلال أسد “فكرة أنثروبولوجيا الإسلام”، التي اعتُبرت تأسيسية في مجالها، وفتحت آفاقاً لمجال بحثي كامل. وقدّمت تعريفاً أنثروبولوجياً لـ”الإسلام” على أنه “تقليد خطابي”، تشغل فيه الأرثوذكسية، أي تعليم “العقيدة القويمة”، مكانة مركزية، كما أنه “ممارسة مؤسِّسة، ضمن سياق خاص وتاريخ خاص، يُعامل فيها المسلمون على أنهم مسلمون. وليس من اختلاف جوهري في هذه النقطة بين الإسلام الكلاسيكي والإسلام الحديث”.

لا يهتم أسد بتحديد فحوى “العقيدة القويمة”، ويعترف بعدم تجانس التراث الإسلامي، ولكنه يهتم أساساً بالممارسة الاجتماعية والسلطوية، العابرة للمجتمعات والزمن، التي يتعلم فيها المسلمون، عبر عدد من الخطابات، كيف يكونون مسلمين، وما الممارسة الإسلامية الصحيحة، وكيفية الالتزام بها. وهذه الممارسة تقوم على اعتبار الحاضر نقطة تربط بين الماضي (التقليد الإسلامي المترسخ) والمستقبل (كيف تستمر الممارسة وتتكيّف مع الظروف المختلفة). ليست كل الممارسات والأفكار إسلامية، حتى لو مورست في مجتمعات إسلامية، ما يجعل الممارسة الإسلامية تستحق اسمها، هي أنها “محكومة بتقاليد الإسلام المتنوعة؛ ومعلومة من المسلمين” بوصفهم مجموعة. يسعى أسد إذن إلى تأسيس أنثروبولوجيا للإسلام نفسه، وليس للمجتمعات الإسلامية عموماً، ومن اللافت تأكيده على أن نموذجه الأنثروبولوجي لتعريف “الإسلام” هو “المسلمون الأمّيّون” وممارساتهم، وليس الحركات الإسلامية، ويعني بـ”الأمّيين” نماذج مثل الشيخ الصوفي، والفقيه المحلي، والأب أو الأم غير المتعلمين. وهو لا يهتم هنا بتناقض بين “إسلام حديث” و”إسلام شعبي”، فهو يرى أن المفهومين لا علاقة لهما بأنثروبولوجيا الإسلام التي يحاول تأسيسها، فهما مفهومان سياسيان حديثان، وإنما يشير إلى السلطة المجتمعية، والتقليد الخطابي، اللذين لا يمكن اختصارهما بدولة أو مؤسسة، واللذين يجعلان الممارسة الإسلامية ممكنة في أي مكان وزمان.

ربما أسيء فهم مفهوم طلال أسد عن “أنثروبولوجيا الإسلام”، وهو نفسه ساهم في إساءة الفهم هذه، في بعض تصريحاته ومواقفه اللاحقة، فبدا لكثيرين أنه يختصر المجتمعات الإسلامية بمجال “العقيدة القويمة”، وأنه أقرب للأصوليين، ويرفض رؤية تعدد وتاريخية المجتمعات الإسلامية، لحساب جوهرانية دينية، أو “أصالة إسلامية”، لكن هذه الافتراضات لا تصحّ إلا إذا كان موضوع أسد هو المجتمعات الإسلامية، وهذا غير صحيح، فقد أكد نصاً أنه “لا يمكن تأسيس أنثروبولوجيا إسلام منسجمة إذا قامت على فكرة المخطط الاجتماعي النهائي، أو على فكرة الشمولية الاجتماعية المتكاملة، التي تتفاعل ضمنها البنية الاجتماعية والأيديولوجيا الدينية”. سؤاله بالتحديد سؤال أبستمولوجي: “ما الذي يجعل ممارسة أو خطاباً ما جزءاً من الإسلام؟”، وليس سؤالاً سوسيولوجياً أو سياسياً من نوع “ما طبيعة الصراعات في المجتمعات الإسلامية؟”. هو يتحدث عن إدعاء أطراف معيّنة لسلطة معيارية في تحديد “الإسلام”، داخل تقليد إسلامي متنوّع، يحوي جدالات وصراعات كثيرة، ولكنّ أسد يبقى (أو كان يجب أن يبقى) في حدود موضوعه، الذي لا يجوز تعميمه على الكل الاجتماعي.

نقول “كان يجب” لأن أسد نفسه، وتلاميذه الكثر، مثل صبا محمود وتشارلز هيرشكيند، الذين انتشروا في الجامعات الناطقة بالإنجليزية حول العالم،  لم يبقوا عند حدود ذلك الموضوع، أو بالأصح اعتُبرت دراساتهم عن “الإسلام” و”التقوى” و”التقليد” تعبيراً عن جوهر المجتمعات الإسلامية، وهم لم يرفضوا هذا الانطباع، بل أكدوه غالباً بشكل غير مباشر. ومع تصاعد نزعة “نقد المركزية الغربية” و”الرجل الأبيض”؛ وتحوّل “الدراسات ما بعد الكولونيالية” إلى ما يشبه الصيحة الأكاديمية، المموّلة بعشرات المنح؛ فضلاً عن الرغبة في “الدفاع عن الإسلام ضد العنصرية الغربية”، خاصة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، صارت مدرسة أسد أقرب إلى “تقليد خطابي” متأسلم في قلب الجامعات الغربية، يختزل المجتمعات بالإسلام، ويختزل الأخير في صراع ثنائي بين المهمّشين المسلمين والرجل الأبيض الكولونيالي المركزي المستعلي. وهي نهاية مؤسفة لمحاولة منهجية، كانت تبدو واعدة في بداياتها، وقدّمت كثيراً من المفاهيم المفيدة.

قدّم طلال أسد مفهومين مهمين آخرين، الأول في دراسته التأسيسية نفسها، وهو مفهوم “تجانس التقليد”، وفحواها أن التقاليد الإسلامية ليست متجانسة، ومحاولة تقديمها كذلك لا تأتي إلا ضمن شرط ما سمّاه “الرأسمالية الصناعية” الحديثة، التي تعمل على بناء مجال التجانس الخطابي والقانوني، نظراً لقدرتها غير المسبوقة على التحكّم بحيوات الناس، ومدّ سلطتها وخطاباتها إلى أعمق التفاصيل، وهذا يتطلّب تجانساً في الخطابات، والقدرة على التصنيف والتحليل وإنتاج المعارف، فيما لم تكن شرائع الإسلام التراثي قادرة إلا على تنظيم جزء معيّن من الكل الاجتماعي، ووُجدت دائماً إلى جانب تقاليد وسلطات وقوانين أخرى، ما أعطاها طابعاً من التشتت وعدم التجانس والاختلاط بأعراف أخرى كثيرة، وبالتالي فإن محاولة إنتاج “تقليد إسلامي متجانس” من قبل الإسلاميين والحركات الإسلامية هي من نتائج التحديث، الذي له أساليبه الخاصة في تذكر تقليد معيّن، ونسيان غيره، لإنتاج بنية تراثية شاملة متجانسة. وتصبح هذه المحاولات موضوعاً لـ”أنثروبولوجيا الإسلام” عندما تدخل في حقل الصراع على التعريف المعياري لـ”العقيدة القويمة”، التي تجعل المسلمين مسلمين، وممارساتهم إسلامية.

المفهوم الثاني الذي قدّمه أسد في كتبه اللاحقة، هو “إنتاج مجال الدين في العصر العلماني”، وفحواه أن “الدين”، بوصفه مجالاً محدداً، منفصلاً عن بقية أنظمة المجتمع، مثل السياسة والاقتصاد والقانون والأخلاق، هو منتج للسيادة الحديثة، وقبلها لم يكن هذا الانفصال موجوداً، وكان “الدين” مختلطاً بكل ما هو اجتماعي. دفعت السيادة المعلمنة الدين إلى “مجال خاص”، وجعلته واحداً من حقائق متعددة. وقد درس أسد قانون الأحوال الشخصية في مصر، بوصفه مثالاً عن دفع الدين إلى المجال الخاص، فهو المجال القانوني الأساسي لحضور الإسلام، تحت سلطة الدولة. وحتى عندما يحاول الإسلاميون إخراج الدين من المجال الخاص، وفرضه على المجتمع، فهم يفعلون ذلك بلغة وأطر السيادة الحديثة، أي يحاولون تحويله إلى رواية سياسية، وقانون مدوّن، وثقافة جماهيرية، و”أخلاق مجتمع” مدعومة بقوانين. باختصار يحولونه إلى أيديولوجيا سياسية حديثة، ولا يعود السؤال هنا “ما الذي يجعل الممارسة إسلامية وفقاً للتقليد؟”، بل “كيف تُؤسلَم الدولة القومية، والحيز العام، والقانون، الفضاء الحضري، والتعليم والإعلام؟”. هذا نوع من “علمنة الإسلام”، أي تحويله إلى خطاب سياسي وقانوني متجانس يتناسب مع السيادة الحديثة ومفاهيمها، وهي سيادة معلمنة، تتعلق بجهاز الدولة، والشعب، والإقليم السيادي المحدد بحدود، وليس بالإلهي أو التقليد الديني. نعيش في “عصر علماني” سواء كنا إسلاميين أو غير إسلاميين، وهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها.

هل يمكننا إذن أن نجيب عن سؤال “ما الإسلام” وسط هذا الظرف المعقد؟ هل هو الصراع على الإدعاء المعياري بتحديد التقليد القويم، أم الصراع على السيادة المعلمنة، أم مزيج معقد من الأمرين؟  وهل الظواهر الإسلامية المتطرفة التي نعيشها، مثل الإرهاب والتحريض والميليشياوية والإبادة الجماعية وقمع الحريات، هي نتيجة لـ”الإسلام”، أم هو منها براء؟ وهل مشكلتنا في التقليد الديني أم السياسة؟ وربما يمكننا حتى السؤال: هل “الإسلام” يمثّل الإسلام؟

تمثيل الإسلام

ربما لو طُرح سؤال “هل الإرهاب والتحريض وقمع الحريات نتيجة الإسلام؟” على طلال أسد نفسه، لأجاب: السؤال يحمل طرحاً معيارياً غربياً، أو متغربناً، إذ يقيس الممارسات بمفاهيم غربية حديثة، مثل التحريض والقمع والإرهاب، تدّعي الكونية، وتغطي بكونيتها هذه على طبيعة الصراعات، وفرق علاقات القوة، وقمعية وتعالي السيادة الحديثة، على مستوى عالمي ومحلي، والمعنى الخاص للأفعال من منظور فاعليها، والتركيبات المعقدة للديني والعلماني، والتي تجعل طرح السؤال عن “الإسلام” بهذه الصيغة نمطاً من إعادة ترتيب علاقات السلطة/المعرفة، لمصلحة المركز.

ولذلك فقد يكون الاعتماد على منهج أسد لوحده غير مفيد، لأنه لا مكان فيه لهذا السؤال، الشاغل جداً لكل سكان المنطقة. وطرح السؤال ليس خطأً منهجياً، كما قد يرى أسد، إذ يتعرّض البشر للقتل والقمع بسبب ادعاءات عن “الإسلام”، ومن حق المقموع وذوي المقتول أن يفهموا ما الذي آذاهم بالضبط، ومدى صحة الادعاء الذي يدعيه مرتكبو الجريمة. كذلك فإن إيمان المجرمين بأن ما يفعلونه هو الإسلام، بل والإسلام الصحيح، يقلل من أهمية ما يعتبره أسد أو غيره صحيحاً منهجياً، فما دام الفاعل يفعل باسم “الإسلام”، فقد وضعنا، رغماً عنّا، في قلب السؤال عن الإسلام. ربما إذا كانت هناك “مركزية” فهي مركزية من لا يرون كل هذا، من مدرسة أسد أو غيرها، ويكتفون بموقعهم الأكاديمي الغربي المريح، ومنظوراته.

قد يمكن القول إن الصراع على تحديد “العقيدة الإسلامية القويمة” قد أنتج، في الشرط الحديث، منظوراً أيديولوجياً، أقرب للقوميّة، حوّل طبيعة التعاطي مع التقليد الإسلامي بشكل بنيوي، وجعله لا يهتم بـ”الممارسة الصحيحة”، التي تجعل المسلم مسلماً، بقدر اهتمامه بالسيادة، وفرضها على الآخرين، وعلى الدولة والحيز العام وعلاقات المجتمع المدني، وهذه السيادة باتت هي “ما يجعل المسلم مسلماً”. إذ لم يعد يمكن فهم “الإسلام” من “ممارسات الأمّيين”، حسب تعبير أسد، فقد دخل المتعلمون، المؤدلجون بالمعنى الحديث، إلى الميدان، وأقصوا من عداهم، وفرضوا مجال التجانس على “التقليد الخطابي”، ما يجعل الإسلام المعاصر مجالاً أيديولوجيا حديثاً، يجعل الحاضر نقطة ربط بين التصورات عن الماضي (الانتقاء من التراث، وإعادة إنتاجه، بما يخدم الطرح الأيديولوجي) والمستقبل (تحقيق الأهداف الأيديولوجية لفرض السيادة). بالطبع، لم يكن أسد غافلاً عن هذا التطور، ولمّح أو تحدّث عنه بوضوح، ولكنه لم يستخلص النتائج المنطقية والمنهجية الكافية من ذلك، وظل يتحدث عن “الإسلام” بوصفه تقليداً مغايراً للغرب وأيديولوجياته، فيما قد يكون ذلك التقليد اليوم أقرب لـ”حفريات معرفية”، بحسب التعبير الشهير العائد لميشيل فوكو، أو مجالاً شديد الهامشية في الإسلام المعاصر، بمعنى أن التديّن الروحاني والطقسي البحت لم يختفِ بالتأكيد، ولكنه لم يعد يحتل مكان الصدارة في إنتاج صورة الإسلام، وتمثيله في المجال المعرفي والسياسي المعاصر.

وإذا كان الصراع على الأرثوذكسية الإسلامية قد بات اليوم أيديولوجيا حديثة، و”غربيّة” تامة، فلا معنى كبيراً للحديث عن أن هذا يخالف “جوهر التقليد الإسلامي”، لأنه لا يمكن إعادة التاريخ إلى الوراء، لنعود إلى يوتوبيا “المسلمين الأميين”، الذين ينتجون تقليدهم ضمن أطر خطابية غير غربية، دعك من أن الحديث عن “جوهر تقليدي” يخالف منهج أسد نفسه، وهو منهج ضد جوهراني.

لقد تمّت “قطيعة أبستمولوجية” داخل التقليد الإسلامي، لتصبح موضوعاته هي الدولة القومية، والحيز العام، والقانون، والسياسات الحيوية، ولم يعد هنالك “إسلام” فعّال آخر، مهما بحث الأكاديميون المعاصرون عن “سكان أصليين” غير غربيين، أو ادّعوا ذلك، وبالتالي فإن تمثيلات “الإسلام” في زمننا هي الأيديولوجيا ذات الطابع الأحادي، الفارض للتجانس، على طريقة “الرأسمالية الصناعية الغربية” التي ينتقدها أسد، وهي الأيديولوجيا التي تتصارع عليها، وعلى فرضها، الحركات والدول الإسلامية، والمسلمون المعاصرون.

وكما أن “الإسلام” الذي تحدث عنه أسد، ليس نفسه “المجتمعات الإسلامية”، فإن الأيديولوجيا الإسلامية الأحادية، الفارضة للتجانس، ليست كل تلك المجتمعات، كما أنها ليست جوهرها أو حقيقتها، بل هي جانب من صراع اجتماعي واسع، تلعب فيه أدلجة التقليد الإسلامي دوراً سلطوياً مركزياً، وتنتج بالتالي مقاوماتها، من داخل التقليد وخارجه.

قد تكون الإجابة على سؤال “ما الإسلام؟” اليوم إجابة من داخل التقليد الأيديولوجي الغربي المهتم بالسيادة الحديثة، ولكنها إجابة خطيرة، إذ قد تفتح باباً واسعاً لصراع سياسي شامل مع “الإسلام” نفسه. فهل يمكن الحدّ من خطورة النتيجة، دون تجاهلها؟

الأسلمة والعرقنة

ابتلاع الأيديولوجيا الإسلامية لحقل “الإسلام”، وانشغالها بالسيادة، يجعل “الأسلمة” أحد أهم تجسدات الإسلام المعاصر، ويعني فرض المظاهر والرموز الإسلامية على المجال العام، وأسلمة القوانين والدساتير والإجراءات والمؤسسات، وإنتاج “جسد إسلامي”، يعدّ بحدّ ذاته تجسيداً حياً للأيديولوجيا الإسلامية، ويُقدّم، بمجرد حضوره في الفضاء العام، دلالةً على السيادة، ما يجعله “دال هيمنة”، إذا استخدمنا تعبير المفكر الأرجنتيني أرنستو لاكلو. يزيد كل هذا من خطورة الأيديولوجيا الإسلامية، إذ يهدد بعرقنة Racialization المسلمين، أي تحويل رموز ثقافية إسلامية معينة إلى ما هو أقرب لسمات عرقية للمسلمين. كما تتسم الأيديولوجيا الإسلامية المعاصرة بكثير من الاحتيال الخطابي، فهي تستعمل الرموز الإسلامية أسلوباً لفرض الهيمنة والسيادة، وعندما تواجه مقاومة تدّعي أنها مجرّد “حريات شخصية” و”حرية معتقد”، ما يجعل معارضيها في موقف محرج، منذ بدء المواجهة، لأنهم يظهرون بمظهر معارضي الحريات.

ربما يجب على المواجهة السياسية الدقيقة لمحاولة فرض الهيمنة أن تقوم على فهم متعمّق للإسلام المعاصر، والأيديولوجيا الإسلامية، ومحاولة نزع أسلحتها، بدلاً من تمكينها بالموافقة على افتراضاتها الأيديولوجية الأساسية، وذلك يكون عبر طرح ثلاثة عناصر أساسية في الخطاب الرافض للهيمنة الإسلامية: الأول توضيح طبيعة الإسلام المعاصر، بوصفه أيديولوجيا حديثة موضوعها السيادة والهيمنة وفرض مجال الأحادية والتجانس؛ والثاني رفض الأسلمة، ومحاولة نزعها، باعتبارها انتقاصاً من الحقوق السياسية والاجتماعية والفردية، لعموم المواطنين والبشر؛ والثالث مناهضة عرقنة الإسلام، عبر توضيح أن الأيديولوجيا الإسلامية هي بناء تاريخي وسياسي، وليست سمات عرقية أو شبه عرقية للمسلمين، كما يؤكد كثير من مؤيدي الإسلام المعاصر، والمدافعين عنه، ومناهضيه.

الصراع كله يدور على مستوى أيديولوجي وثقافي وسياسي “غربي”، سواء في معسكر الإسلاميين، أو رافضي الأسلمة، وبالتالي فإن الحديث عن “مركزية غربية”، أو “متغربنة”، في فهم “الإسلام” أقرب للاحتيال الأيديولوجي الواعي أو غير الواعي. لقد صرنا جميعاً في “عصر علماني”، بما في ذلك “المهمشون” أو “السكان الأصليون” المزعومون، ويجب نزع سلاح الاحتيال الخطابي من أنصار الهيمنة الإسلامية.

ولكن ماذا عن “الإسلام” بوصفه ديناً؟ إذا عدنا لمنهج أسد، فحتى الإسلام السياسي سيُفرد مجالاً خاصاً ومحدداً للدين عندما يصل للحكم، وهو حيز خاص، تمارس فيه العلاقة الإيمانية بالمتعالي، أضيق بكثير مما تفرده الدول العلمانية، والبقية ستكون للسيادة المعلمنة والدنيوية ذات الرموز الإسلامية، التي ستحاول فرض صورها ونماذجها الأحادية على المسلمين الواقعيين، بوصفهم موضوعات للسيادة، مما سيعرّضهم هم أنفسهم للاضطهاد، والأقللة (التحويل إلى أقليات، لا تطابق صورة “الأكثرية” المسلمة، و”ثقافة الشعب” المفترضة)، وربما الاستئصال.

في كل الأحوال، مناهضة الهيمنة الأحادية للإسلام المعاصر، تتم على مستوى سياسي وثقافي ورمزي وأيديولوجي واجتماعي، أي تماماً حيث يسعى هو لفرض هيمنته، وليس على مستوى ديني أو نصي، وأساسها التركيز على التعددية، والحقوق المتساوية، وحرية المعتقد والتعبير، والحقوق الاجتماعية الأساسية، وكذلك حق الحياة غير المشروط، أي حق البشر في ضمان استمرار حياتهم، أياً كان معتقدهم وتعبيرهم وتوجهاتهم.

 أما المسألة الدينية، فالأجدى تركها للمسلمين أنفسهم، فإذا كانوا حريصين على مجال “الدين” في العصر العلماني، فعليهم أن يصلحوا “تقليدهم الخطابي” المعاصر، وينتزعوه من أنياب الأيديولوجيا الأحادية، ليصبح ديناً حقاً، وليس محاولة عنيفة لفرض السيادة. يبقى هذا خيارهم، ولكنّ فرض الدين السياسي على الآخرين ليس “حرية” لهم أو لغيرهم، وعليهم أن يدركوا ذلك، ربما عبر صراع اجتماعي واضح البوصلة، وبعيد عن العرقنة، ورافض للاحتيال الأيديولوجي، الذي ترعاه مؤسسات ثقافية وسياسية فائقة التمويل والقدرات. قد يكون هذا الرفض هو أساس نقد الدين في أيامنا، وهو “الشرط المسبق لكل نقد”، بحسب تعبير كارل ماركس.

Tags: أنثروبولوجيا الإسلامالعلمانية والإسلامطلال أسد




آخر المنشورات

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

ما هذا الدور الذي تلعبه باكستان؟

ما هذا الدور الذي تلعبه باكستان؟

14 يونيو 2026

محمد سيد رصاص من الظواهر الملفتة التي أبرزتها حرب 28 شباط/ فبراير 2026، وهدنتها في...

المشرق وحروب «نحن»

المشرق وحروب «نحن»

12 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض دعونا نكون صريحين، بلا تردد ومن دون مبالغة: لم تكن "الهوية الوطنية"...

تحييد الكرد عن الحرب الكبرى.. هل يتوج بالسلام مع تركيا؟

تحييد الكرد عن الحرب الكبرى.. هل يتوج بالسلام مع تركيا؟

11 يونيو 2026

د.طارق حمو يدرك زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، الذي طرح مشروع "السلام والمجتمع...

هل نجحت وصفة “الحرب بلا محاربين” تجاه إيران؟

هل نجحت وصفة “الحرب بلا محاربين” تجاه إيران؟

9 يونيو 2026

شورش درويش  استبعد ترامب، على نحو قاطع، منذ بدء الحرب على إيران قبل وبعد جولتي...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية