وحدة الدراسات الإيرانية
تشكل الرؤية الشيعية السياسية للعالم والشرق الأوسط معضلة كبرى لمستقبل إيران والعراق وسوريا خصوصاً، فضلاً عن تداعياتها العميقة على الإقليم برمّته. وفي عملية تفكيك العقدة الشيعية، التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، يتم إعادة تشكيل عالم سني جديد، بقيادة قديمة يتم تجديدها. وإلى أن تستقر الصورة نسبياً وتتماسك التحالفات الجديدة، وموقع إيران فيها الذي هو الجائزة الكبرى، تقف المنطقة على أعتاب تمديد للفوضى، وبصورة أكثر دموية، ورقعتها الجديدة سوريا. من أولى فصول هذه الفوضى محاولة قادة العالم السني الجديد إنهاء القضية الكردية في سوريا عبر أكثر أشكال الفتوحات شهرة: الاستيلاء على السكان ومصيرهم.
في ضوء هذا الصراع، شنت قوات النظام حربها على الشعب الكردي في سوريا. وتوصيف الحرب بأنها على «الشعب الكردي»، وليس على قوات سوريا الديمقراطية، تعكسه الوقائع، ويمكن لأي خبير عسكري بسيط أن يعرف طبيعة هذا الهجوم وطابع الإبادة الذي يشكل أرضية له، كما الإبادة ضد الدروز قبلها. على أن اللافت أن هذه السلطة، بتشكيلاتها وتحالفاتها الفصائلية، ارتكبت المجازر والتطهير العرقي وهي ما تزال في المعارضة. هذا الأمر استثنائي للغاية أن تكون قوة في المعارضة لديها أدوات ارتكاب تهجير جماعي لأكثر من مليون كردي في المجموع، من عفرين وسري كانيه والشيخ مقصود والأشرفية، عدا عن الكرد في مناطق تماس مع تلك المعارضة التي قفزت إلى الحكم في دمشق لكنها ما تزال معارضة من حيث سعيها الدؤوب إلى تدمير الدولة لإسقاط نظام الأسد، ويبدو أنها لا تستطيع التوقف عن تدمير الدولة ومجتمعاتها.
الهجوم المضاد لمحور المركزية في الشرق الأوسط حقق نصف انتصار عسكري له ضد «لامركزية» قوات سوريا الديمقراطية، كون الصراع بين المركزية واللامركزية، رغم بساطته المفاهيمية، تحول إلى حرب وجود وحرب إقليمية، لأن تحقق أي منهما لا يتم إلا بالغلبة العسكرية، وهذه المعضلة في تحول الشكل السياسي للحكم إلى حروب عسكرية وجودية، صنعتها ثلاثة عوامل:
أولاً؛ أيديولوجيا الدولة، في سوريا واليمن والصومال والسودان، كنماذج. وهذه العقيدة القديمة تقوم على تحويل الدفاع عن الدولة إلى جهاد قتالي، وأحد أركان «في سبيل الله». وهذا الإسلام الجهادي المرافق للحرب القومية الإسلامية المتداخلة قائم على «الولاء للجاهلية» – وفق الفهم الإسلامي للجاهلية – و«البراء من المسلمين» الساعين إلى حقوق كيانية سياسية واقتصادية. والقاسم المشترك بين كل حروب الدولة المركزية هو أنها تضم ائتلافاً من الحركات الجهادية، وبعضها حركات متخاصمة، لكنها تأتلف ضد عدو واحد: إما غير سني (في الحالتين العلوية والدرزية) أو غير عربي ولا مركزي (في الحالة الكردية) أو عربي لا مركزي (في حال أرض الصومال وأطراف كيانية في السودان. الإسلام السياسي في كل هذه الحالات يجمع بين أطراف تحالف الدولة المركزية الأحادية والفاشلة في السياسة والاقتصاد والأمن. قد لا تكون تجارب اللامركزية أمثلة تحتذى، ومكافئة لفشل المركزية في القضايا الخدمية والاقتصادية، لكنها تجارب تحت الحرب منذ لحظة تشكلها وتكافح من أجل البقاء طيلة سنوات، لذلك ليس من المجدي وضع اللامركزية في ميزان المقارنة مع المركزية الفاضلة، والتي – أي المركزية – في أحسن الأحوال تقول إن نقيضي أيضاً فاشل لكن لا يجرؤ على إعلان النجاح!
ثانياً؛ التنافس الإقليمي بين محورين، يضم الأول ائتلافاً على أرضية دينية لحشد الجماهير والمسلحين والزعامة الدينية ويضم السعودية وتركيا وباكستان. والثاني تحالف اقتصادي أمني يضم إسرائيل والإمارات والهند واليونان وقبرص.
في موازاة ذلك، تحوّل صراع الكيانات السياسية المضطربة في الشرق الأوسط إلى دوائر في هذا التنافس، وبعضها تم حشرها فيه عنوة، مثل الكرد، الذين لا يتمثلون «تنظيمياً» في أي من هذين المحورين، بينما الصراعات الأخرى (اليمن – السودان – ليبيا – الصومال) متموضعة بالفعل في أحد المحورين. وفي حالة العراق هناك استثناء في الاصطفاف حيث ممثلو العرب السنة جزء من الدولة المركزية، وللمفارقة مطلبهم هو اللامركزية إلا إذا كان هناك مشروع ما للاستيلاء على العراق مرة أخرى، وقد يكون استبعاد مارك سافايا من منصب المبعوث الأميركي للعراق وتولية توم باراك لملف العراق، مؤشراً على نقل «التجربة السورية إلى داخل العراق».
اختار التحالف الإقليمي السني الجديد دعم «الدولة المركزية» بشكلها القديم، الفاشل في استيعاب التعددية السياسية، مشروعاً سياسياً. في سوريا، اختار هذا المحور ضم الحكومة الإسلامية في دمشق، وصنع لها فرصة جديدة ورصيداً لارتكاب مجازر إضافية موجهة هذه المرة نحو الكرد.
ثالثاً؛ نهاية الدبلوماسية الأميركية، وإطلاق نمط يقوم على الصفقات، بكل أشكالها، من الأمنية إلى المصالح الشخصية المالية. ومع الفائض المالي الكبير في الشرق الأوسط، الفائض غير الديمقراطي من الأموال، والرقابة البيروقراطية على حركة الأموال في الولايات المتحدة، فإن منطقة فائض الأموال المشرقية ما زالت من المناطق القليلة التي لا تزال راية العولمة المالية فيها مرفوعة، وتشترك شركات تديرها عائلة ترامب (وكلها صفقات معلنة ولا تثير أي حرج لدى العائلة) في مشاريع عقارية غير شفافة في جدة والرياض والدوحة، وفي الوقت نفسه في ميامي حيث عاصمة الإجازات الفخمة ذات السمعة العالمية.
إيران.. الكبرى والصغرى!
ما يحدد مسارات العوامل الثلاثة الآنفة، وتفاعلها أو تداخلها مع بعضها البعض، هو مستقبل إيران. بالنسبة للتحالف الإسلامي السني، فإن تقدمه وتحوله إلى واقع استراتيجي مرهون ببقاء النظام الإيراني الضعيف، بتخلي الجمهورية الإسلامية عن «إيران الكبرى» وعودتها إلى ما يمكن أن نطلق عليه «إيران الصغرى»، المنكفئة داخل حدودها، ومعظم قياداتها متوارون عن الأنظار تفادياً للاستهداف من قبل قوى معادية لها(إسرائيل – الولايات المتحدة)، و«إيران الصغرى» هي أيضاً الجمهورية العاجزة عن الخروج من أزماتها.
هل هناك مثال لـ «إيران الصغرى» في التاريخ القريب؟ المرحلة من تاريخ اغتيال حاكم بلاد فارس نادر شاه في صيف 1747 إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979. تقلصت إيران الإمبراطورية باستمرار منذ انهيار الحكم الأفشاري لنادر شاه، وانتكست إيران مجدداً في عهد السلالة القاجارية عبر معاهدتين مذلتين، كوليستان عام 1813، وتركمانجاي عام 1828 حيث تقلصت إيران أمام روسيا في الشمال وفقدت أجزاءها التي تجعلها إمبراطورية تستعيد – ولو بشكل هزلي – إيران الكبرى الأخمينية والساسانية. وبإعلان الجمهورية الإسلامية، اتسعت إيران أيديولوجيا بدون غزوات عسكرية مباشرة، وفي الوقت نفسه إيران هذه بقيت مؤطّرة في القوى الشيعية الغيبية، المؤمنة بالغيبة الكبرى للإمام، وقرب ظهور المهدي، أو الاستعداد لظهوره.
أخفى حضور إيران تنافسات إقليمية أعمق، ونسّق قوى متباينة ضد خصم مشترك، فإذا ضعف ذلك النظام وانكفأ إلى «إيران الصغرى»، وفق تقييمات، فلن يستقر الإقليم؛ بل سيُعاد ترتيبه، وفي ذلك المشهد المعاد ترتيبه، ستتقدم طموحات تركيا ونفوذ قطر إلى الواجهة، غالباً في تعارض مباشر مع المصالح السعودية، كون الأدوات العاملة لدى هذه الأطراف هي حركات الإسلام السياسي. وبتمكين هذه الأطراف اليوم، تخاطر الرياض بتقوية خصوم الغد، فيما يواصل محور إسرائيل – الولايات المتحدة – الإمارات ترسيخ نفسه، رغم تعرضه لضغوط في الانتشار الإقليمي.





