تصحيح سلوك أردوغان مقابل بقاء أنقرة في «الناتو» 

جون بولتون 

مع وجود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السلطة، أصبحت تركيا مرة أخرى «رجل أوروبا المريض»، وإن كان ذلك لأسبابٍ مختلفة عن تلك التي كانت القرن التاسع عشر. كان أداء أردوغان مثيراً للخلافات وخطيراً، وسياساته الإقليمية العدوانية محفوفة بالمخاطر، لا سيما سحق العناصر الرئيسية للدستور العلماني في تركيا وتعريض نظامها المالي واستقرارها الاقتصادي للخطر بشكلٍ متكرر. على الرغم من أن تركيا عضو في حلف الناتو، إلا أنها لا تتصرف كحليف.
ومع ذلك، هناك فرصة لإيقاف أردوغان، إذا اتخذ الغرب إجراءاتٍ جريئة للمساعدة في ضمان حصول المعارضة المحلية على مكاسب تدعمها في الانتخابات الرئاسية المقبلة. لكن ذلك يتطلب أن يضع التحالف عضوية أنقرة على المحك. إن التفكير في الطرد الآن سيسمح للحلف مناقشة إيجابيات وسلبيات عضويته والتأكيد لكل من الناخبين الأتراك وأعضاء حلف الناتو على المخاطر الكبيرة للانتخابات المقبلة.
سيكون لدى الناخبين الأتراك فرصة لإنقاذ بلدهم في يونيو/حزيران المقبل. لمرشحي المعارضة فرصة حقيقية. فهم فازوا في الانتخابات البلدية الرئيسية عام 2019، في مدنٍ من بينها اسطنبول وأنقرة وإزمير، على الرغم من جهود أردوغان إفساد العملية الانتخابية باستخدام الملاحقات القضائية لشل المعارضة وتوجيه تهمٍ ملفقة بحق قادتها، بما في ذلك رئيس بلدية اسطنبول الذي حاول جاهداً هزيمته.
هناك إشاراتٍ مقلقة على سلوكٍ مشابه ضد المعارضة من قبل أردوغان، إذ يتهمها بعدم الولاء لتركيا، فضلاً عن مضايقته وسائل الإعلام المستقلة القليلة المتبقية في البلاد. من المرجح أن يعمل أردوغان على تدابير إضافية ضد كرد تركيا، مثل وقف تمويل أحد أحزابها السياسية الرئيسية، واعتقال أتباع رجل الدين المنشق فتح الله غولن بتهمٍ إرهابية خادعة.
يمكن للغرب أن يمنع هذه الأمر من خلال تسليط الضوء على ازدواجية أردوغان عبر تشجيع زيادة المراقبة الدولية والتقارير الإعلامية عن الانتخابات التركية. وبالمثل، يمكن لحلف الناتو أن يوضّح أن فشل تركيا في إجراء انتخاباتٍ حرة ونزيهة سيكون الدافع الأخير في تقرير ما إذا كانت سيسحب عضويتها في الحلف. لا ينص الميثاق التأسيسي للتحالف على الطرد أو التعليق، لكن مبدأ القانون الدولي المتمثل في rebus sic stantibus – «كما تبدو الأمور الآن» – يوفر أكثر من أساسٍ كافٍ للقيام بذلك. سيكون للهيئة الحاكمة لحلف الناتو السلطة الكاملة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها المؤسسي.
لم يتصرف أردوغان كحليفٍ. كان أسوأ تصرفٍ له في الأعوام الأخيرة شراء نظام الدفاع الجوي الروسي S-400 المتطور في 2017. لم يتوافق هذا القرار مع تدابير الدفاع الحالية للحلف وعرّض طائرات الشبح الأميركية F-35 للخطر، ما يهدد أمن «الناتو» وشركاء الشرق الأوسط. .
كان ينبغي على الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أن يفرض عقوباتٍ صارمة على الفور بموجب قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة. لكن تقاربه مع أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين منعه من ذلك. لم يتم الإعلان عن العقوبات حتى 14 ديسمبر/كانون الأول 2020، بعد أن وافقت تركيا على التسليم وبدأت في اختبار صواريخ S-400، وبعد أن خسر ترامب إعادة انتخابه. منع الكونغرس تركيا من إنتاج وبيع مقاتلات F-35 في 2018-2019، لكن تأجيل ترامب الموافقة على العقوبات أرسل إشاراتٍ متضاربة، فيما استمر أردوغان غلى نفس المنوال.
تعتبر الجوانب الأخرى لسياسة أردوغان الخارجية مُسيئة بنفس القدر وتحمل تطلعاتٍ «عثمانية جديدة» لاستعادة نفوذ تركيا في شؤون الشرق الأوسط. دفعت هذه الجهود إلى ترسيخ الهيمنة التركية على شمال سوريا وسط الحرب الأهلية في البلاد. أما التهديدات المباشرة بدخول القوات التركية سوريا، يعرّض الجهود الأميركية لهزيمة تنظيم لداعش إلى الخطر.
خلال الحروب الإقليمية الطويلة التي أعقبت الربيع العربي، ابتز أردوغان أوروبا من خلال تسهيل تدفق اللاجئين عبر تركيا إلى البلدان المجاورة. وحدث كل ذلك أثناء التدخل في الفوضى السائدة في جميع أنحاء سوريا. عداءه المستمر لإسرائيل يعكس بالمثل مخططاته الأوسع للهيمنة في الشرق الأوسط.
بينما نال أردوغان الاستحسان لتزويد أوكرانيا بطائراتٍ من دون طيار بعد الغزو الروسي، بالأمكن اعتبار هذه الخطوة بمثابة حيلة دعائية للإعلان عن برنامج الطائرات من دون طيار، ولا ينبغي كذلك أن تحجب تهديداته المستمرة في مكانٍ آخر. ولعل أكثر هذه الأمور وضوحاً خطته لعرقلة عضوية فنلندا والسويد في حلف الناتو، وحملته المزمعة ضد الكرد وقمع المعارضة داخل تركيا وفي الشتات التركي. هذه المعاملة الفجة لمقدمي الطلب ليست سوى سلوك أردوغان الاعتيادي. ويبدو أن البيت الأبيض يشترط بيع طائرات F-16 إلى تركيا مقابل دعمها انضمام فنلندا والسويد. لكن معارضة الكونغرس للمبيعات قوية، ما يعكس استياء الولايات المتحدة على نطاقٍ واسع من عراقيل تركيا.
يتفق المراقبون الأتراك والأجانب على هزيمة أردوغان في الانتخابات في حال كانت العملية حرةً ونزيهة، وبقيت المعارضة موحدة بما يكفي لشن حملةٍ فعّالة. سيكون من الصعب أن يخرّب تصويت الناخبين في حال جذب «الناتو» الاهتمام الدولي عبر التهديد بطرد بلاده. وإذا نجح أردوغان في سرقة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، لن يصبح بإمكان الحلف تجاهل الضرر الذي ألحقه بالحلف وأعضائه.
من الواضح أن التفكير بجدية في طرد تركيا أو تعليق عضويتها عملٌ خطير. لكن الأمور ستزداد سوءاً فقط إن فشل التحالف في مواجهة سلوك أردوغان السام.