تداعيات التطبيع مع دمشق على السياسة التركية

شورش درويش 
تسارع الحكومة التركية الوقت لتطبيع العلاقة مع دمشق قبل الوصول إلى موعد الاستحقاق الانتخابي في يونيو/حزيران 2023. يفرض مضي أنقرة ودمشق في مسار التطبيع تحفيز التحليلات التي تنصبّ على خيارات أطراف ثلاثة هم المعارضة السورية، والإدارة الذاتية، واللاجئين السوريين، بوصفها الأطراف التي يستهدف التطبيع مصيرها. إلا أن الحديث عن التداعيات على  السياسة التركية في حال الاستمرار على نهج المصالحة والتطبيع يكاد يغيب عن التحليلات، لا سيما تلك التي تحاول تفسير دواعي الاستعجال التركي وغياب التنسيق مع الحلفاء خاصةً الولايات المتحدة، وجدوى المصالحة واحتمالات مساهمتها في إرساء السلام في سوريا، وكذلك العوائق التي قد تعطّل الوصول إلى تطبيع كامل بين أنقرة ودمشق.
دواعي الاستعجال التركي
تحثّ الحكومة التركية الخطى للوصول إلى لقاء يجمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنظيره السوري بشار الأسد قبل موعد الانتخابات التركية الحاسمة.  جاء التلميح الأولي، والأقرب إلى محاولة جسّ نبض الشارع التركي والدول المعنية بالملف السوري، في أغسطس/آب 2022  حين صرح أردوغان أنه لا يسعى إلى الإطاحة بالأسد، ثم في الشهر التالي صرّح لمجموعة صحافيين أنه بات يمتلك خريطة طريق لحل الأزمة السورية بين أنقرة ودمشق. غير أن التصريح الأشد وضوحاً جاء في 6 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي حين أبلغ مراسلين بأن لقاء الرئيس السوري سيتمّ «عندما يحين الوقت». بعدئذ، بدأت الدعوات للقاء مباشر تتكرر على لسان الرئيس التركي. ولعل آخر تلك التصريحات والدعوات جاءت في الخامس من الشهر الجاري. وبات الوصول إلى لقاءٍ مشترك متوقّفاً على محادثات وزراء خارجية البلدين برعاية روسية، وهو ما يعني نقل مستوى المحادثات من المستوى الأمني العسكري الذي دشنته موسكو عبر محادثات وزراء دفاع سوريا وتركيا ومدراء مخابرات البلدين في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى مستوى دبلوماسي على مستوى وزراء الخارجية، وبما يمهد الطريق للقاءٍ رئاسي.
لعل الديناميات التي تؤدي إلى استعجال أنقرة للوصول إلى حل ما مع دمشق مبنية على مسألتين يغلّفهما شعار «صفر مشاكل» الذي يبدو شعاراً متهافتاً بعد أن ساءت علاقات تركيا خلال العقد الأخير مع جوارها، ومع الدول العربية على وجه التحديد. أولى المسألتين تتمثّل بإعادة اللاجئين السوريين وهي مسألة مبنية على ما يفرضه مزاج الناخب التركي، وهو من الملفّات الضاغطة على الحكومة التركية على ما تقوله مراكز الاستطلاع التركية، والذي تحوّل إلى موضوعة رئيسية في الدعاية الانتخابية للمعارضة وكمحفّز  للحكومة لإطلاق تطمينات للناخب التركي فيما خص إعادة اللاجئين. وهو ما يجعل قراءة الاستبيان الذي قامت به مؤسسة متروبول التركية في ديسمبر/كانون الأول 2022 أكثر راهنية في المشهد التركي، إذ يجد 59 في المئة من الشريحة المستبانة من الناخبين أنهم يريدون أن يلتفي أردوغان بالأسد في مقابل 28.9 في المئة قالوا لا في الاستبيان. وهو ما يعني أن الناخب التركي بات يرى أن التطبيع مع الأسد قد يكون الخيار الأمثل للتخلّص من مشكلة اللاجئين في ظل أزمةٍ اجتماعية واقتصادية تعيشها البلاد، وفي ظل انعدام البدائل الأخرى.
المسألة الثانية التي تدفع إلى الاستعجال هي الرغبة في تشكيل تحالف جديد لمواجهة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مكون من تركيا والنظام السوري وإيران، يعيد إلى الأذهان اجتماعات ما عرف بلجان التنسيق الأمنية التي تعاونت فيها الدول الثلاثة في تسعينيات القرن الماضي بغية تطويق «الخطر الكردي». ويأتي ذلك بعد أن عدمت تركيا الوسيلة لشن عملية برية على مناطق سيطرة «قسد»، وإبداء واشنطن رفضها الواضح لأي عملية تركية. وبطبيعة الحال، كان رفض موسكو وطهران للعملية البرية يهدف إلى مواصلة الضغط على أردوغان لأجل القبول بالحل الوحيد المتمثّل في الاعتراف الرسمي بالنظام السوري وتالياً مفاوضته والوصول إلى شكل من أشكال التطبيع معه.
مواجهة دبلوماسية مع واشنطن
لم تبدر أي أصوات اعتراضية على رغبة أردوغان تعويم النظام السوري، عدا الموقف الواضح الذي أعلنته واشنطن على لسان الناطق بإسم الخارجية الأميركية نيد برايس الذي قال للصحافيين «نحن لا ندعم الدول التي تعزّز علاقاتها أو تعرب عن دعمها لإعادة الاعتبار لبشار الأسد الدكتاتور الوحشي»، وهو موقف شبيه بذلك الذي أبدته واشنطن والمفردات ذاتها إبان «الانفتاح» الإماراتي على دمشق والذي دشّنه وزير خارجية الإمارات عبدالله بن زايد آل نهيان مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2021.
تنبع خشية الولايات المتحدة من التقارب التركي السوري، في أنها تشكل بداية لتشبيك التحالف مع موسكو على نحوٍ أوثق، ما يمثّل خطراً على مصالح واشنطن في المنطقة ويؤذي بطبيعة الحال الجهود المشتركة لقوات التحالف وقوات سوريا الديمقراطية للقضاء على تنظيم داعش. فضلاً عن أن أي خلل في ميزان القوى داخل سوريا سيكون في مصلحة التمدد الإيراني. وبالتالي، يدفع تصوّر مثل هذا السيناريو واشنطن إلى اتخاذ خطوتين في آن معاً، تتمثّل الأولى بثني أنقرة عن المضي في تمتين تحالفها مع موسكو، داخل سوريا على الأقل، ومصالحة نظام الأسد تالياً. فيما تتمثّل الخطوة الثانية بزيادة دعم «قسد» بما يمكّنها من مواجهة تهديدات «التحالف الجديد» الذي قد ينجم عن التطبيع، ومواجهة سيناريو تطبيق اتفاقية أضنة الأمنية 1998.
بطبيعة الحال، يبدو أن واشنطن لا يمكنها وقف الجموح التركي نحو التطبيع مع دمشق، ولا إلى وقف التعاون الاقتصادي والعسكري التركي مع روسيا. إذ تدرك أنقرة أن تحالفها مع موسكو بات يقوّي من مركز الحكومة التركية على نحو ما بات يراه المواطنون الأتراك أنفسهم. ففي استبيانٍ آخر أجرته مؤسسة متروبول التركية، يرى 53.7 في المئة أن مصلحة تركيا إقامة علاقات جيدة مع روسيا، فيما قال 48.6 في المئة أن العلاقة مع روسيا ستساعد أردوغان على الفوز في الانتخابات. الأمر الذي بات يعني أن روسيا أصبحت فاعلاً رئيسياً في السياسة الداخلية التركية وليس الخارجية فقط، ودائماً على حساب التحالف التاريخي بين واشنطن وأنقرة.
من المتوقع أن يدفع الاستعجال التركي إلى مزيد من التصعيد الدبلوماسي بين أنقرة وواشنطن، كما يُحتمل أيضاً  أن تتحوّل «الهدايا» الروسية لأنقرة داخل سوريا عبر منحها مسارح عملياتٍ عسكرية جديدة في مناطق سيطرة «قسد»، إلى منطلقٍ لمزيد من التصعيد الدبلوماسي وإلى اشتداد الاستقطاب بين البلدين.
هل يمكن التوفيق بين التطبيع والبقاء؟
الحيرة التركية تكمن في أن مشروع التطبيع، أو كما بات يروّج له على أنه «عملية سلام»، ينطوي على أمرين يخالف واحدهما الآخر. إذ تتطلّب رغبة القضاء على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية استمرار البقاء في سوريا على ما يتطلّبه الأمر من عدم الانسحاب من المناطق المحتلة، فيما تتطلّب إعادة اللاجئين السوريين الانسحاب من الأراضي السورية وتسليم المناطق المحتلّة تباعاً لحكومة النظام السوري. وعليه، فإن التناقض بين هاتين الغايتين التي تسعى إليهما الحكومة التركية قبل موعد الانتخابات يضع أنقرة أمام خياراتٍ ضيّقة.
يضاف إلى ذلك أن الحكومة التركية قد تواجه حالة غضب جديدة من السوريين العالقين في مدار السياسة التركية، أي مواجهة نحو أربعة ملايين في إدلب والمناطق التي تحتلها تركيا رفقة فصائل المعارضة المسلّحة، وقرابة 3.6 مليون لاجئ على الأراضي التركية. ولا يمكن تالياً التحكم بمصائر مئات آلاف السوريين عبر السياسات الأمنية.
يبدو أن تركيا، وعلى لسان مسؤوليها، مضطربة وتتقاسمها الحسابات الناجمة من العوائد السياسية من مسألتي البقاء أو الانسحاب. لذا، فإن التصريحات المتناقضة باتت تشي بصعوبة الخيارات التركية، إذ صرح وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو في 16 سبتمبر/أيلول الماضي أن مطالب النظام السوري بخروج القوات التركية من سوريا «غير واقعية»، في حين صرّح الوزير نفسه قبل يومين من نهاية عام 2022 بأن بلاده تعتزم نقل السيطرة في مناطق تواجدها حالياً إلى دمشق، إذا تحقق الاستقرار السياسي في سوريا، الأمر الذي أربك المعارضة السورية المتعاونة مع أنقرة أيضاً، ودفعها إلى الخوض في تبريراتٍ لم تحظَ بأدنى قبول لدى السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
خاتمة
بات في حكم المفهوم أن البحث عن انتصارٍ سياسي، مع تعذّر تحقيق انتصار عسكري داخل سوريا، يدخل في صميم الحسابات الانتخابية. إذ تصرّ حكومة أردوغان على الاستثمار في مسألة الأمن القومي التركي واللاجئين السوريين، وتحويلها إلى القضية الرئيسية التي تؤمّن لأردوغان دفقاً دعائياً قبل موعد الانتخابات الحاسمة، على الرغم من أن العوامل الضاغطة على السياسة التركية الداخلية تتصدّرها الأوضاع الاقتصادية ومسار الديمقراطية وسياسات الرئيس والمسألة الكردية. فيما لا تقف مسألة اللاجئين أو القضاء على الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا على سلّم أولويات المواطنين/الناخبين الأتراك قياساً إلى بقية الأوضاع. لكن نجاح المعارضة في رفع موضوع اللاجئين إلى مستوى المشكلات الأساسية أدى إلى جعلها أولوية في الدعاية الانتخابية، الأمر الذي دفع العدالة والتنمية إلى الاستفادة مجدداً من هذا الملف، فيما تحتل مسألة الحرب على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية مركزاً متقدّماً في خطاب التعمية الحكومي على المشكلات الداخلية، في حين يفيد الإصرار على معاداة «قسد» والإدارة في التقرّب إلى الناخبين القوميين الأتراك.
كان لقرار دعم العسكرة في سوريا، ثم الانخراط في مشاريع الاحتلال والأحزمة الأمنية تأثيره على السياسة التركية الداخلية. وقد يكون لمشروع التطبيع انعكاساته على الداخل التركي. إن كانت تركيا، بحربها في سوريا، خلّفت أعداء كثر، فإنها في «سلامها» الذي تسعى إليه تخلّف أعداءً ومتضررين جدد.