إبراهيم سيدو آيدوغان حول هجوم باريس: لدينا أدلة على إتصالات بين القاتل و الغلاديو التركي

 

أعدّ المركز الكردي للدراسات ندوة عبر تطبيق «زووم» بشأن الهجوم الإرهابي الذي وقع الشهر الماضي واستهدف مقر جميعة «أحمد كايا» في العاصمة الفرنسية باريس، والذي نفذه مواطن فرنسي، وأسفر عن مقتل ثلاثة من الناشطين الكرد (السياسية أمينة كارا، والفنان مير برور، والناشط عبد الرحمن كزل). وهو الهجوم الثاني الذي يستهدف ناشطين ومسؤولين كرد، بعد الهجوم الذي وقع في باريس عام 2013 وأسفر عن مقتل ثلاثة نساء كرديات (القيادية ساكنة جانسز، الناشطة فيدان دوغان، الناشطة ليلى سويلمز). وشارك في الندوة الدكتور إبراهيم سيدو آيدوغان، أستاذ اللغة والأدب الكرديين في فرنسا، والذي كان حاضراً ساعة وقوع الجريمة وشاهداً على ما جرى هناك. كما أنه أحد مسؤولي الجالية الكردية في فرنسا الذين تولوا الإتصالات مع السلطات الفرنسية مباشرة بغية الاطلاع على التحقيقات الجارية مع القاتل والكشف عن دوافع الجريمة والأسباب التي دفعته للهجوم على مقر الجمعية الكردية وقتل المواطنين الكرد فيها، ومعرفة الجهات التي تقف وراءه، وحقيقة كون الجريمة سياسية مخططٌ لها وهدفها أشخاصٌ معينين كان لهم دورٌ نضالي في محاربة الإرهاب. ورأى المركز الكردي للدراسات ترجمة نص مداخلة الدكتور إبراهيم سيدو آيدوغان إلى اللغة العربية واطلاع قراء العربية عليها.

نص المداخلة:

تأكيداً لما تم تداوله على وسائل الاعلام، وأضيف من عندي لكوني كنت في موقع الحدث، ولو أنني تأخرت بضعة دقائق لكان من الممكن أن أكون الآن من بين ضحايا الهجوم، ولكن يبدو أنه كان للقدر رأي آخر، توجهت لكي أوقف سيارتي، وأثناء ذلك وقع الهجوم.

في البداية، لا بد من القول بأنه ينبغي علينا التركيز على نقطتين أولهما: بأننا وخلال الأيام الستة الأولى من الحدث المذكور أعلاه لم نستطع التصدي للأخبار المزيفة والبعيدة كل البعد عن الحقيقة بالرغم من محاولاتنا المستمرة بهذا الصدد، حيث يقول في هذا الشأن مارك توين «بينما تتمكن الحقيقة من الظهور، يكون الكذب نجح في الدوران حول العالم ثلاث مرات». ومفاد هذا القول هو ان ثمة أقاويل كثيرة يتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام المتنوعة بشأن هوية القاتل وأهدافه ومآربه من هذا الهجوم.

لا يهم أسم وهوية القاتل بقدر ما يهم الحدث الذي دفعه لارتكاب جريمته المتمثلة باستهداف الناشطين الكرد وتصفية كل منخرط بالقضية الكردية في أي مجال كان (فني – سياسي – ثقافي…الخ). أعلم بأنكم سوف تتساءلون كيف للمرء ان يربط كل ذلك؟ فأقول مستذكراً: في بداية القرن المنصرم أصدروا قائمة تصفية بأسماء المثقفين الكرد أمثال البدرخانيين وجميل باشا زادة ومدحت سليم بك وأمثالهم من الوطنيين، ما دفع هؤلاء إلى الهجرة من تركيا إلى كل من سوريا و لبنان. وفي حقبة الشيخ سعيد بيران، لاحقوا من انخرط في الانتفاضة،وحتى من لم يكن له حضور مؤثر تم إعدامه في ديار بكر. كان من بينهم السيد عبد القادر رئيس جمعية التآخي والترقي وهو ابن الشيخ عبدالله النهري. وعلى الرغم من انتفاء وجود صلة بينه وبين الشيخ سعيد بيران، إلا أن ذلك لم يشفع له لإعفائه من عقوبة الاعدام. وفي ستينات القرن المنصرم، أعدوا قائمة تتضمن ألف و خمسمائة اسم للتصفية، كان جلهم من المثقفين والسياسيين الكرد، وكل من بإمكانه أن يلعب دوراً في لم شمل البيت الكردي مستقبلاً. أنسيتم من كان ضمن هذه القائمة؟ موسى عنتر، فقي حسين ساغلج، فايق بوجاق، والدكتور شفان. لقد تم اختيار وانتقاء هذه الشخصيات بعناية لما لهم من حضورٍ وثقل على الشارع الكردي آنذاك. فيما بعد انقلاب 1980، تم ملاحقة الثوريين والسياسيين و الطلبة الكرد. ألم يضطر هؤلاء إلى مغادرة تركيا للحفاظ على حياتهم؟.

وفي تسعينيات القرن الماضي شهدنا كيف أن سبعة آلاف من الكرد تم تصفيتهم عبر استهدافهم بالرصاص في الرأس مباشرةً وبشكلٍ مباغت، وسجلت الدولة تلك الحوادث على أنها ضد مجهول. وفي بداية الألفية، شهدنا أيضاً اعتقال اعضاء ومناصري حزب الشعوب الديمقراطي، ذاك الحزب المدافع عن القضية الكردية. ومؤخراً، تم اعتقال اكثر من عشرة آلاف عضو ومناصر لحزب الشعوب الديمقراطي، ومن ضمنهم رؤساء البلديات المنتخبين من قبل الشعب، إضافةً إلى العشرات من البرلمانيين وممثلي الشعب الكردي، كما اضطر العديد منهم للهجرة القسرية (المنفى).

وما هذه الجرائم المرتبكة في باريس إلا استمرارٌ لذات النهج والعقلية التي تهدف إلى طمس الهوية الكردية عبر استهداف الناشطين والنخب الكردية. فمهما اختلفت الوسيلة، سيبقى الهدف هو ذاته: أي إسكات صوت الكرد أينما ظهر. كلنا أهداف لهم، وبإمكانهم إزاحتنا جميعاً عبر استهدافنا والنيل منا. بإمكانهم وضع قنبلة تحت سيارتي، أو استهدافي على الطريق، أو في مدخل باب منزلي وقتلي حين الدخول للمنزل. هذا ما وددت التنويه إليه في مطلع حديثي. إن هوية وشكل القاتل المجرم غير مهم، بقدر ما يهم الهدف الذي دفعه لارتكاب هذه الجريمة الشنيعة والتي تصنف على انها استمرارٌ للعقلية الفاشية التركية. وما أريد قوله ثانياً، هو أن نتريث إلى حين أن يصدر موقفٌ وتوضيح رسمي عن العدالة الفرنسية بخصوص هذا الهجوم، ونبذ ونفي كل ما يصدر من جهاتٍ غير رسمية، وعدم الاصغاء إلى ما يشاع هنا وهناك، حيث تتابعون على وسائل الاعلام بأن الفعاليات الكردية لا زالت مستمرة إلى اللحظة بهدف عدم السماح بتمييع الجريمة، وبالتالي طمس الملف كما حدث مع الملف الذي سبقه. لماذا؟ لأنه سبق وتم طي ملفٍ مشابه. وبالتالي نريد للشعب الكردي أن يثق بنا، ويعلم بأننا لن نتخاذل في بذل أي مجهود يُطلب منا بهذا الصدد.

وجواباً على سؤالكم المتعلق بتفاصيل الهجوم، أقول: كان لدينا اجتماعٌ يومها واتفقنا انا والرفيقة أفين (أمينة كارا) وعدد آخر من الرفاق أن نجتمع حوالى الساعة 12 في مقر الجمعية. في الساعة 11:39 وصلتُ إلى الحي الذي يقع فيه مقر الجمعية. وإلى أن أوقفت سيارتي، وقع الهجوم. أي أن الهجوم حدث بالضبط ما بين الساعة 11:39 و11:42 باعتبار أنني في هذه المدة كنت أهم بإيقاف سيارتي. و لدى عودتي إلى الشارع، وجدته خالياً من المارة لأدرك فيما بعد أنه هرب كل من كان في الشارع وقتذاك نتيجة سماع أصوات الرصاص. توجهتُ إلى مدخل مقر الجمعية لأتفاجئ بجثتين أمام باب الجمعية، وما من أحد سوى هاتين الجثتين. وبالنسبة لمن يعرف مقر الجمعية، فإنه لكي تصل إلى الباب الرئيسي تحتاج لصعود المدخل الذي يتكون من حوالى اثنا عشر درجة. ولدى وصولي إلى المدخل، وجدت في الجهة اليسرى جثة عبد الرحمن قزل ملقيةً على الأرض، وفي الجهة اليمنى كانت جثة أفين ملقاة هي الأخرى على الأرض. للوهلة الأولى، ولدى مشاهدتي لهذه المشاهد، لم أتخيل انهم تعرضوا للقتل. تخيلت بأن ما يجرى هو على سبيل الدعابة، أو ما شابه، وبأن هذه المشاهد تمثيلية. تساءلت في نفسي: ما الذي يحدث؟ وأنا لا زلت وسط هذه الصدمة، وجدت شخصاً يحاول إنعاش أفين عبر الضغط على قفصها الصدري. لم يخطر ببالي مطلقاً ان يكون ثمة هجوم مسلح حدث في مقر الجمعية. بعدها، خرج شابٌ من داخل الجمعية وصرخ: لقد تم استهدافهم أمام عيني. ترافق ذلك مع خروج امرأة من الداخل وهي تصرخ: ثمة جريح آخر في الداخل. هنا، أدركت الموقف وعرفت بأن ما وقع هو هجوم ارهابي. خلال هذه الدقائق القليلة، صعدتٌ للجمعية للتأكد في ما إذا كانت أفين هناك أم لا، لأننا اتفقنا ان نجتمع هناك. وجدت شاباً مفتوح العينين، لأتفاجئ فيما بعد بأنه الفنان مير برور، حيث كانت جثته ملاقاة على الأرض، ولا وجود لآثار دماء عليها. مددت يدي له وسألته: هل أنت بخير؟. نظر في عينيّ دون رد. وفي هذه اللحظات لم يمضي دقيقة على الموقف، حتى وصلت سيارة الاسعاف. وسمعت أصوات سيارة الشرطة، لأنادي عليهم بأنه ثمة شخص بالداخل جريح ولكنه غير فاقد للوعي. استغرق عمل الاسعاف والشرطة حوالى 25 دقيقة. لكنه، ونتيجة تدخل الاطباء، لم يستطيعوا انقاذ مير برور، وفارق الحياة بعد ذلك. بعد استهدافه مير برور، التفت القاتل ليشاهد شاباً يمعن النظر فيه من داخل صالون حلاقة، ليتوجه صوبه محاولاً قتله. دخل إلى صالون الحلاقة، ما دفع المتواجدين هناك إلى الهرب إلى الغرفة الخلفية. كان القاتل بارد الأعصاب، غير متوتر. ونشرت الفيديو الذي انتشر من داخل صالون الحلاقة قبل ان تقوم الشرطة بوضع يدها عليه. مشاهد الفيديو تثبت بأن القاتل كان غير متوتر مطلقاً، وبأنه جاء لارتكاب مجزرة وقتل أكبر عدد ممكن من الكرد. ولأنه طاعن في السن، لم يتمكن من أن يقاوم الشباب الذي هاجموه وأحكموا السيطرة عليه، ريثما يصل أعضاء الشرطة الذين استغرقوا حوالى ثلاث دقائق ليصلوا مكان الحادث.

اعتقدنا في اليوم الأول بأن الشرطة تأخرت كثيراً، وانا نفسي اعتقدت بأنني وصلت متأخراً لموقع الحدث. لكن في ما بعد أيقنت بأن الشرطة وصلت خلال ثلاث دقائق. ولدى مقارنتنا للرسائل الصادرة عن الرفاق الذين استشهدوا، تأكدنا بأن الهجوم حدث بالضبط في ما بين الساعة 11:37 و 11:40، وأنا كنت أمام الباب في الساعة 11:42، والشرطة وصلت تمام الساعة 11:44 إلى الجمعية. وبفضل الشباب الذين كانوا في صالون الحلاقة تم القاء القبض على القاتل. والمهم في هذا أنه كان من الممكن أن يقتل القاتل عدداً أكبر من الناس، لولا أن تمت محاصرته من قبل الشبان داخل صالون الحلاقة.

لم اكن بعيداً عن دائرة الاستهداف والاصابة، لكوني كنت احد الأعضاء الذين كان من المفروض أن يحضروا الاجتماع. حيث كان اجتماعاً اعتيادياً، وليس كما يتم تداوله في بعض وسائل الاعلام، بانه كان اجتماعاً على مستوى رفيع، باعتبارنا لسنا قيادات رفيعة المستوى. لقد كان اجتماعاً عادياً يهدف لتنظيم فعاليات ثقافية فلكلورية.

الواضح أن القاتل تم إعلامه وإيصال معلومات له من قبل جهة استخباراتية بأن الاجتماع سينعقد في مقر الجمعية في الساعة 12. ولدى تفتيش حقيبته تم العثور على 29 مخزن ممتلئ بالطلقات النارية جاهزة للاستخدام، ما يعني بأن القاتل كان ينوي على اقل تقدير اصابة ليس أقل من 400 شخص. وقال القاتل في محضر التحقيقات الأولية لدى شرطة باريس، بأنه تواجد بالقرب من مقر الجمعية لأكثر من مرة، دون ان يرى أي حشد من الناس، كان يعتقد انه سوف يصادفه في الاجتماع، فقرر إطلاق النار على المتواجدين داخل الجمعية وفق ما افاد للشرطة.

النقطة الثالثة هي ما قاله القاتل للشرطة حول سبب استهدافه للجمعية الكردية وأعضائها، بأن السبب وراء ذلك هو عدم اقدام الكرد على إعدام عناصر تنظيم داعش الذين وقعوا في أسر القوات الكردية أثناء المعارك مع التنظيم لإرهابي. هذا الكلام كذب ولا أساس له من الصحة، جاء فقط لتضليل الرأي العام. لن نثق بهذه الأقاويل مطلقاً، لأنها بعيدة كل البعد عن حقيقة وأسباب الاستهداف. لو كان الدافع هو بالفعل عنصرياً، لماذا استهدف الكرد بالذات؟ الكرد ليسوا مميزين عند الفرنسيين، وعددهم قليل. في كل فرنسا، لا يتجاوز عدد الكرد أكثر من 250 ألف إلى 300 ألفاً، ناهيك عن حب واحترام الفرنسيين للكرد بسبب محاربتهم داعش، وعدم تطرفهم الديني. فهم مسلمون معتدلون. يكن الفرنسيون للكرد المحبة أكثر من أي مكون آخر من الشرق الاوسط، وفق ما ينقله الاعلام الفرنسي بشكلٍ دائم. إن كل ما يتم تداوله حول أن عنصرية القاتل وحقده على اللاجئين وكراهيته لهم كان السبب من وراء هجومه على مقر الجمعية الكردية، هو عار عن الصحة. ثمة صلة بين القاتل والاستخبارات التركية. ويبقى السؤال هنا: هل كان ثمة تواصل بين الاستخبارات الفرنسية والاستخبارات التركية في ما يتعلق بهذا الهجوم أم لا؟

وجواباً للسؤال حول كيفية الوقاية من مثل هذه العمليات مستقبلاً، أجيب: عندما لا يكون المرء مدركاً لحيثيات الموضوع بشكلٍ واقعي، فإنه ينصح بالتزام معايير الحماية، ولكن كيف لنا ان نحمي انفسنا، ومِن مَن؟ إن الأمر مستحيل وخيالي. لكل منا التزامات، مثل اصطحاب الاولاد للمدرسة كل صباح. الذهاب لشراء الخبز كل صباح. اللقاء بالأصدقاء كل صباح. لا يمكن الانعزال عن المجتمع تحت يافطة الحماية والحذر، فهل يعني ذلك أن نتسلح مثلاً؟ أو أن نتحرك بوجود مرافقة مسلحة؟ لا يمكن فعل ذلك، فالذي يريد قتلك، سيقتلك على أي حال. لأن الذي يريد قتلي بإمكانه فعل ذلك في أي لحظة نتيجة نشاطاتنا اليومية المعتادة وتواجدنا في نفس الأماكن والطرقات. ليس من وظيفتي أن انشغل بحماية نفسي، بل ذلك هو واجب الحكومة والدولة. فعندما تدرك الدولة بأنها غير قادرة على حماية مواطنيها، فهذا يعني انهيار الدولة بشكلٍ فعلي. عندما تقول لنا الدولة: احموا أنفسكم بأنفسكم، فعلى الدولة حينها أن تزودنا بالسلاح لكي نحمي نفسنا. على فرنسا والنمسا وسويسرا وألمانيا أن يدركوا بأن الدكتور شرف كندي، وقاسملو تم تصفيتهما بعملياتٍ مشابهة. علينا أن نعلم أن المجزرتين المرتكبتين في باريس عامي 2013 و2022 تنطلقان من ذات العقلية، ولهما ذات الاهداف، وهي من أعمال أعداء الشعب الكردي. ويبدو أن هؤلاء الأعداء لن يتوانوا عن تصفية النشطاء الكرد أينما كانوا. هناك قناعة لديهم بأن مثل هذه العمليات لن تؤثر على العلاقات الدبلوماسية بين الدول التي يقيم فيها الكرد وبين الدولة التركية، الجهة المنفذة لهذه الجرائم.

ينبغي التشهير بهؤلاء المجرمين وفضحهم أمام الرأي العام، وليس التكتم على جرائمهم، حرصاً على المصالح والعلاقات الدبلوماسية في ما بين الدول التي يقيم فيها الكرد والدول الداعمة لمثل هذه الجرائم مثل تركيا. التشهير بهذه الجرائم وفضح العقلية التي تقف وراءها في الأوساط الدولية، ومحاكمة الفاعلين ومن يقف ورائهم، سواء كانت تركيا أو ايران. أياً كانت هوية الجهة التي تقف وراء مثل هذه التصفيات، سواء كانت الاستخبارات التركية أو أي جهة اخرى، ينبغي محاكمتها وفضحها لكي تنال العقاب المناسب على جرائمها. وعليه، ينبغي علينا أن نتابع هذه القضية للوصول إلى هوية ودوافع الجناة، ولإحاطة العالم بأن الكرد المقيمين في دول الاتحاد الاوروبي هم عرضة للاستهداف من قبل الدول المغتصبة لكردستان.

يجب الاهتمام بالكرد المقيمين في دول الاتحاد الاوربي، من الذين هربوا من بطش الدول المحتلة لكردستان، ولجؤوا لأوروبا. هؤلاء الكرد المدنيين العزل يتعرضون اليوم للتصفية والملاحقة. كما يجب إيجاد حل للقضية الكردية في الشرق الاوسط، فعبر التاريخ تم تصفية الآلاف من الكرد، بغية طمس قضيتهم. لكن الكرد لم ينتهوا بمثل هذه السياسية. فرغم عمليات القتل والإبادة إلا ان الكرد باقون ولم يتم القضاء عليهم وإزالتهم. إذن هذه السياسة عقية ويجب أن تنتهي ويبدأ الحل الديمقراطي السياسي.

حقيقة الأمر إننا ككرد، نستطيع التفكير وفق المعايير والقيم الانسانية، لكن العدو لا يستطيع التعامل وفق هذه القيم. من مسؤوليتنا معرفة طريقة تفكير العدو وخططه. العدو الذي كان في الماضي يقيم حساباً للنساء والأطفال، الآن يفعل العكس، فهو يستهدف كل االكرد، حتى أطفالهم ونسائهم. العدو يكره المرأة الكردية ويستهدفها. هو يخاف من حضور المرأة الكردية ومن نضالها، لذلك يستهدفها في كل مكان. العدد يحقد على المرأة الكردية لأنها حاربت تنظيم داعش، وتصدت له بكل قوة. في عام 2013 تم تصفية ثلاث نسوة كرديات في باريس. وفي هذا العام أيضاً كان الهدف هو ناشطة كردية. ولو كنا بجوار هذه الناشطة أفين، لكان تم استهدفنا نحن أيضاً. بناءً عليه، ينبغي مواصلة النضال الذي بدأه هؤلاء الرفاق الذين تم تصفيتهم. علينا مواصلة المسيرة والتمسك برسالتهم السامية، وإعلاء رايتهم في كل العالم. ينبغي تبني نهجهم وإحاطة العالم بما كانوا يطمحون إلى تحقيقه، لكيلا تذهب دمائهم سُدى. ولو تكاسلنا عن الاستمرار على نهجمهم، فلن يتكاسل العدو عن استهداف المزيد من النشطاء الكرد. نحن نتحمل المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقنا حيال القضية الكردية وحيال تضحيات الشهداء، ولكوننا الشهود بمحض الصدفة، أو هكذا أراد القدر، على هذه الجريمة، فإننا نتحمل هذه المسؤولية لآخر يوم في عمرنا. تأخرت في الوصول ثلاث دقائق، فوجدت جثث رفاقي ملقاة هنا وهناك، ووجدت مير برور ملقىً على الارض فاقداً للوعي.

لذلك أنا مدين لهم ما حييت، وعليّ أن أواصل مسيرتهم النضالية وأن اتمسك باهدافهم. لن أسمح أن يطوي النسيان قضيتهم، بل على العكس، سأقدم المساعدة للوصول إلى الحقيقة ومشاركتها مع الرأي العام العالمي، لكي لا تتكرر الجريمة مرة أخرى. لا شيء أسوأ وأكثر انحطاطاً من استهداف المدنيين. وهذه الحقيقة يتجاهلها العدو عبر استخدام ساحة أوروبا للتصفيات السياسية. نحن على قناعة بأن علاقات تركيا مع دول حلف الناتو، والعلاقات مع ايران وروسيا تساعد الدولة التركية على تمرير مشاريعها المعادية للشعب الكردي، وملاحقة الكرد والتضييق على النضال الكردي. لقد رأينا كيف تم تسليم ناشط كردي مقيم في السويد إلى تركيا. ومن المتوقع أن تسعى تركيا للضغط على فرنسا للتنازل لها، رغم اضطراب العلاقات بين البلدين الآن. إن ما يقلقنا هو أن تعمد فرنسا إلى التنازل لتركيا، ويكون الهدف هو المكون الكردي. نحن لسنا بصدد تشويه صورة فرنسا، لكن على الساسة الفرنسيين إقناعنا بأنه ليس لهم صلة بهذا الهجوم، وتوضيح ذلك للرأي العام العالمي. بحوزتنا معلومات لا يمكن الافصاح عنها اليوم للرأي العام وسيتم نشرها فيما بعد. لن نوفر مجهوداً في سبيل الوصول لحقيقة هذا الهجوم. كل الطرق التي سلكناها انتهت إلى وجود روابط وثيقة بين المجرم والحكومة التركية، لكننا لازلنا نسعى لتوفير دلائل قاطعة بهدف مشاركتها مع الرأي العام العالمي.

أنا مقيم في فرنسا من 22 عاماً، وفي كل مرة كنا ننظم فعالياتٍ كبيرة بهدف إيصال صوت الكرد لصناع القرار، وكانوا يقولون بأنه ينبغي علينا التظاهر بطرقٍ أكثر سلمية. نحن لم نقم بأعمال شغب بأي شكل من الأشكال، ولم نستهدف محلات الناس، لكن بعض المتظاهرين الغاضبين قاموا بإلحاق أضرار ببعض السيارات في الشارع، والبعض الآخر أفرغ حاويات القمامة وأضرم النار فيها، ورشق البعض الآخر رجال الشرطة بالحجارة. لمن لا يعرف سبب ما جرى، سيُتهم الكرد بالجنون، على اعتبار أن قضيتهم مشروعة، ولكن طريقة تعبيرهم غير لائقة. لهؤلاء يمكنني القول بأنه خلال أول خمس ساعات لم يشهد الشارع أي تظاهرة أو فعالية، بل اجتمع الناس واحتشدوا بشكلٍ عفوي للإطلاع على حقيقة ما جرى. بعد مضي حوالى أربع ساعات، تم توقيفنا من قبل الشرطة في أحد المحلات على اعتبار أننا شهود في موقع الحدث. وبعد أن جاء وزير الداخلية، طلبت الشرطة مننا مغادرة المكان. ذهبت لكي أنضم للناس في الشارع. لم يكن هنالك أي حدث أو فعالية. تعالت الشعارات المنادية بالعدالة، ما دفع الشرطة لاستخدام الغاز المسيل للدموع. تفرق الناس ليجتمعوا في ما بعد بشكلٍ أكبر، ويطالبوا بكشف المعلومات بشأن الجريمة. اجتمع وجهاء ومسؤولو الجالية الكردية في فرنسا، من ضمنهم أنا وبعض الاشخاص الآخرين. خاطبنا الحكومة بأننا نستطيع وقف التظاهرات، ولكن ينبغي على الشرطة بدورها التوقف عن استخدام العنف ضد المتظاهرين. تقدمت إلى الشرطة، والمتظاهرين خلفي. تحدثت إليهم على أنني ممثل شعبي حيث قلنا للشرطة الفرنسية أننا ممثلين عن المتظاهرين، ولا نريد التصعيد، لكنهم جابهونا بشكل عنيف وهددونا بالضرب. لم يفهموا حساسية الموضوع وغضب المواطنين الكرد ورغبتهم في معرفة أسباب الهجوم الإرهابي ضد الجميعة، ومقتل ثلاثة من الكرد. لكن الشرطة واصلت أسلوبها العنيف وهددت باستخدام القوة. حينها تراجعنا إلى الخلف، وتقدم الشباب الكردي الغاضب.

ألقى وزير الخارجية الفرنسي بياناً أوضح فيه بانه وحكومته ليسوا مسؤولين عن العنف، وأنهم دعوا الشرطة إلى ضبط النفس، لكن قائد الشرطة هو من اتخذ قرار مهاجمة المتظاهرين واستخدام العنف. لم تع الشرطة حساسية الموضوع وإصرار المتظاهرين على فهم ملابسات الجريمة وتسلم جثث الشهداء. وبعد ذلك، جاء مسؤول في الشرطة وطلب مقابلتنا. قلنا له إن لدينا ثلاثة مطالب: سحب الشرطة من هنا، ومعلومات عن الهجوم الإرهابي، وتسليم جثث الشهداء لإقامة مراسيم الدفن. طلب منا ساعة واحدة مهلة، وايقاف الشباب عن التظاهر. طلبنا من الشباب التوقف عن التظاهر وضبط النفس، وفعلوا ذلك. ومنذ ذلك الحين، جرت عشر تظاهرات لم يتخللها أي عمل تخريبي. عمد بعض العنصريين الأتراك إلى استفزاز المتظاهرين الكرد، ما دفع بعض الشباب الكردي للهجوم عليهم. لكن عدا ذلك، كانت كل التظاهرات سلمية ومن دون أي عملية تخريبٍ أو صدام. ومن جهتها، أبلغتنا الحكومة الفرنسية بأنها تتفهم ردة فعل الكرد، وتعي مشروعية القضية الكردية. وقال وزير العدل إنه تلقى طلباً سابقاً من الكرد بإحياء ذكرى شهيدات باريس الثلاث ساكنة وروجين وروناهي، اللاتي مرت عشرة أعوام على استشهداهن. وأبدى رغبته في تقديم كل أشكال المساعدة لنا.

ومنذ ذلك الوقت، يتواجد عناصر للشرطة أمام مقار الجمعيات الكردية بهدف الحماية، لكن هل بإمكانهم حمايتنا من القتل؟ لا أعتقد ذلك. على أقل تقدير، سيأخذ من يأتي لقتلنا بالاعتبار التواجد الأمني الكثيف وسيحتاط منه. لدينا تواصل مع بلدية باريس ومع الساسة الفرنسيين، وهناك اتفاق على إجراء مراسم خاصة من قبل بلدية باريس للشهداء. وهذا ما اكده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيانٍ ألقاه وكان إيجابياً. وأعيد وأكرر هنا أننا ما زلنا ننتظر المعلومات من الحكومة الفرنسية، ونريد إعادة الثقة ما بين الكرد والحكومة الفرنسية، والتأكد بأنها غير ضالعة في هذه الجريمة. ليس من شأني الدفاع عن الحكومة الفرنسية ومحاولة تبرأتها من المسؤولية. بل يقع على عاتقها ذلك عبر إقناعنا أن لا صلة لها بالجريمة التي وقعت على الأراضي الفرنسية. لدينا الكثير من الأدلة التي لم نطلع الرأي العام العالمي عليها، وهي تثبت وجود اتصالات بين القاتل و«الغلاديو» التركي.