ارتفاع الأسعار في تركيا يؤثّر على شعبية أردوغان

 

مع ارتفاع معدل التضخم السنوي في تركيا إلى أكثر من 80 في المئة، تعاني العائلات التركية من غلاء الأسعار، إذ تضطر إلى الاحتفاظ بالملابس والأحذية القديمة، في وقتٍ يكافح البعض من أجل تأمين وجبات الغداء المدرسية لأطفالهم.
تعتبر السياسات المالية غير التقليدية للرئيس رجب طيب أردوغان السبب الرئيسي الذي أدى إلى تفاقم أسوأ أزمة تضخم في البلاد منذ أكثر من عقدين، وهو الذي أصر على تخفيض أسعار الفائدة في تحدٍ للإجماع الاقتصادي الواسع على أن أفضل وسيلة للسيطرة على التضخم يكمن في رفعها. تسببت هذه الإجراءات الاقتصادية في تراجع شعبية أردوغان، في وقتٍ يستعد للترشح لإعادة انتخابه العام المقبل. وتقول إيسي جوسر، التي تبلغ 32 عاماً وهي أحد سكان مدينة أضنة الجنوبية وصوتت في الانتخابات السابقة لصالح أردوغان وحزبه، إن «ظروف المعيشة صعبة وقاسية جداً، وثقتي بأردوغان اهتزت بسبب الوضع الاقتصادي الذي نعاني منه».
بلغ التضخم على أساسٍ سنوي 84.4 في المئة في نوفمبر/تشرين الثاني، وفقاً للبيانات الصادرة عن معهد الإحصاء التركي، في انخفاضٍ طفيف مقارنة مع الشهر الذي سبقه حينما وصل إلى 85.5 في المائة، وهو أعلى معدل خلال آخر 24 عاماً.

يشكك بعض المراقبين الاقتصاديين بالنسبة، في إشارةٍ إلى أن المعدل الحقيقي للعديد من سكان تركيا، البالغ عددهم حوالي 85 مليون نسمة، أعلى بكثير. ومن غير المرجح أن يوفر انخفاض معدل التضخم إغاثةً فورية للأتراك، في حين تطمئن الحكومة الأتراك بأن انخفاض نسبة التضخم ستنعكس بشكلٍ فوري على حياتهم وسيشكّل نقطة تحول.
كتب وزير المالية التركي نور الدين نباتي على موقع «تويتر»: «دخلنا في اتجاهٍ هبوطي في التضخم، تاركين الذروة وراءنا، ما لم يكن هناك تطورٌ عالمي غير متوقع».
يكسب أكثر من نصف الأتراك العاملين الحد الأدنى من الأجور، والذي يساوي أقل من 300 دولار شهرياً بسبب الانخفاض الكبير في قيمة الليرة التركية مقابل الدولار، ما ينعكس على رواتب الأتراك التي تفقد القوة الشرائية.

ويقول المحلل في «غلوبال سورس بارتنرز» أتيلا يسيلادا: «لا توجد طريقة لتحقيق إيراد معقول من خلال استثمار رأس مالك في هذا البلد. لذلك، نرى تراجعاً للثروات بدرجة كبيرة. أنا واثق من وجود مستفيدين من هذه الحالة. لكن بالنسبة إلى الغالبية الكبرى من المجتمع، فإن مدّخراتهم تذوب يوماً بعد يوم».
ظلت أزمة تركيا لأعوامٍ في طور التكوين، لكن أدى الاضطراب السياسي، وما يسميه المراقبون انزلاق أردوغان نحو الاستبداد، إلى جعل البلاد أقل جاذبيةٍ للعديد من المستثمرين. تعاني تركيا من عجزٍ تجاري ودينٍ خارجي كبير. واستخدمت الحكومة احتياطاتها من العملات الأجنبية في محاولةٍ لإبطاء انهيار العملة.
وأثّرت جائحة فيروس كورونا بشكلٍ كبير على عائدات السياحة. كما أن الاضطرابات في الأسواق العالمية، التي تفاقمت بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا، دفعت إلى أن يشكّل التضخم تهديداً للاقتصادات في جميع أنحاء العالم. وفي حين رفعت أغلب دول العالم أسعار الفائدة لإبقاء الأسعار تحت السيطرة، قام أردوغان بتخفيضها.
في الشهر الماضي، أوصى صندوق النقد الدولي بأن ترفع تركيا سعر الفائدة لمواجهة التضخم ومنح المزيد من الاستقلال لمصرفها المركزي، وهو ما يُنظر إليه على نطاقٍ واسع على أنه يفي بعطاء أردوغان. لكن في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة مرة أخرى إلى 9 في المئة في أحدث سلسلةٍ من التخفيضات بعدما كانت 14 في المئة في أغسطس/آب.

انعكست هذه النسب في التضخم على الظروف المعيشية للأتراك، إذ ارتفعت الأسعار بشكلٍ جنوني. ويقول محمد كايا وهو ميكانيكي سيارات في أضنة: «كل يوم تفقد العملية التركية جزء من قيمتها، ما ينعكس على المستلزمات التي نحتاجها، إذ ارتفع سعر زيت المحركات أربع مرات منذ بدء الأزمة في 2018».
وصف أردوغان في عدة خطاباتٍ ومقابلات أسعار الفائدة المنخفضة كجزءٍ من خطةٍ لتعزيز النمو الاقتصادي من خلال تحفيز التصنيع وجعل المنتجات التركية أكثر جاذبيةً للتصدير. وألقى باللوم في المشاكل الاقتصادية للبلاد على قوىً أجنبية غير محددة، بينما أشار إلى أن العائلات التركية في الواقع أفضل حالاً من الناس في البلدان الأكثر ثراءً.
كما حاول أردوغان التقليل من شأن التضخم، قائلاً إنه ليس تهديداً اقتصادياً معوقاً، وتعهد بأن تتخذ الحكومة إجراءاتٍ فيما يخص الزيادات الباهظة في الأسعار، في حين طالب الأتراك «بالمزيد من الصبر والقوة».

لكن في الولايات المتحدة، انخفض التضخم إلى أقل من 8 في المئة سنوياً، بعد ارتفاع أسعار الفائدة، في حين أن التضخم السنوي في تركيا يزيد عن عشرة أضعاف هذا المعدل. في الوقت ذاته، يهدد ارتفاع الأسعار شعبية أردوغان التي عمل على بناءها منذ تسلمه السلطة. وتشير عدد من استطلاعات الرأي الآن إلى أنه قد يخسر انتخابات العام المقبل.
أظهر استطلاع حديث أجراه محمد علي قولات، الذي تشاور مع كل من حزب أردوغان الحاكم وأعضاء المعارضة، أن 36 في المئة من المستجيبين قالوا إنهم سيصوتون لصالح أردوغان وأن 44 في المئة سيصوتون ضده، بغض النظر عمن كان المنافس، فيما قال 14 في المئة إنهم سيقررون بناءً على من هو منافسه، مقابل ستة في المئة لم يقرروا بعد.
وفي استطلاع آخر أجرته «بانوراما تي آر»، وهي منظمة لتحليل المخاطر، قال حوالي نصف المستطلعين إنهم لن يصوتوا لصالح أردوغان، وأقل من 35 في المئة قالوا إنهم سيصوتون له. ووجدت المجموعة أيضاً أن اثنين من المنافسين المحتملين حصلوا على نسبةٍ أعلى بكثير من أردوغان.
ويقول مدير الأبحاث في المجموعة والمستشار الإعلامي السابق في حكومة أردوغان عثمان سرت إن «الاقتصاد اليوم هو المشكلة الأساسية. ولو لم تكن هناك أزمة اقتصادية، لا أعتقد أن أردوغان كان سيخسر الانتخابات، إذ أن الاقتصاد يجعل كل المشاكل الأخرى مرئية».

لا يزال يتعين على ائتلافٍ جديد من أحزاب المعارضة التي تتحدى أردوغان اختيار مرشحٍ مناسب يعمل على توحيد المعارضة. لدى أردوغان تاريخٌ طويل في النجاة سياسياً. وهو يجلس اليوم على رأس نظامٍ يمنحه قوةً هائلة لاتخاذ خطواتٍ يمكن أن تساعده في الفوز بالأصوات. يمكنه أيضاً الاعتماد على بنيةٍ تحتية واسعة للحزب وقاعدة أساسية من الناخبين المخلصين الذين سيؤيدونه بغض النظر عن الاقتصاد.
يبحث الشباب التركي عن فرص عمل بأجورٍ مقبولة تساعدهم وعائلاتهم على تحمل الظروف المعيشية الصعبة. وتقول بحر أجاويد، وهي بائعة ملابس تبلغ من العمر 24 عاماً: «لا يكفي راتبي سوى أول يومين من الشهر، وأعيش بعدها على بطاقة الائتمان»، مشيرةً إلى أن الأسعار ارتفعت بشكلٍ كبير مقارنةً براتبها إلى درجة أنها لم تستطع تحمل تكلفة معطفٍ شتوي جديد.
كانت أجاويد تأمل في السفر إلى الخارج والعثور على مستقبلٍ أكثر راحةً، مثلها مثل أغلب الأتراك، الذين يعيشون اللحظة فقط ولا يعلمون ما يخبأ لهم المستقبل في ظل ظروفٍ اقتصادية مريرة.

المصدر:نيويورك تايمز