أوقفوا تركيا!

ديفيد فليبس

شنّت تركيا قصفاً جوياً على شمال وشرق سوريا منتصف ليل 19 نوفمبر/تشرين الثاني. منذ ذلك الحين، تكثّف الضربات من الطائرات الحربية والمسيّرة، فضلاً عن القصف بالقرب من الحدود التركية أو الأراضي التي تحتلها تركيا. لا ينحصر تأثير الهجمات التركية على المنطقة، بل تعرض القوات الأميركية إلى الخطر أيضاً، في وقتٍ ضربت أنقرة قاعدةً أميركية شمال الحسكة، مستهدفةً قوات سوريا الديمقراطية العاملة مع الولايات المتحدة في عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم داعش.

تلقّيت رسالةً من زميلٍ لجامعة كولومبيا في شمال وشرق سوريا:

«لم أستطع النوم تلك الليلة بسبب القصف الكثيف للطائرات التركية من دون طيار على القامشلي. كان القصف بالقرب من المكان الذي أقيم فيه. في حال حدوث أي هجوم آخر سيبدأ الأهالي بالمغادرة والابتعاد عن أماكن القصف. أما أنا، فلن أتمكن من القيام بذلك لأنني لا أملك حتى سيارة لتوصيل عائلتي إلى بر الأمان. أنا أموت هنا، فقد تُركت وحدي من دون أي نوع من المساعدة».
تكرس المادة 5 من ميثاق حلف الناتو مبدأ الدفاع الجماعي، وتنص على أن الهجوم على أحد أعضاء الحلف يعتبر هجوماً على الجميع. في الماضي، كان من المستبعد أن تقوم دولة عضو في الحلف، كما تركيا اليوم، بقصف قواتٍ من الولايات المتحدة.
وكان رد المتحدث الأميركي إن الولايات المتحدة «تعرب عن خالص تعازيها لفقدان أرواح المدنيين في سوريا وتركيا. نحث على وقف التصعيد في سوريا لحماية أرواح المدنيين ودعم الهدف المشترك المتمثل في هزيمة داعش. نتواصل مع أنقرة بشكلٍ علني وسري لوقف هذه الهجمات».

لكن من الواضح أن الرسالة لم تصل، فلا يوجد مكان للأخلاق في الأزمات. يجب على كبار المسؤولين الأميركيين إدانة العدوان التركي علناً وتقديم ضماناتٍ أمنية لقوات سوريا الديمقراطية. نحن مدينون لها لأنها لعبت دوراً على الأرض في سوريا، إذ قُتل أكثر من 11000 من قوات سوريا الديمقراطية، معظمهم من الكرد، وأصيب 24000 آخرين في محاربة داعش، في وقتٍ تحرس قوات سوريا الديمقراطية مخيم الهول الذي يوجد داخله 70 ألف عائلة من عائلات داعش.
تبرر الحكومة التركية هجماتها عبر الحدود بتورط كرد من سوريا في تفجير اسطنبول في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، والذي أدى إلى مقتل ستة مدنيين. من المفترض أن يسبق رد فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهمجي والمتهور إجراء تحقيقٍ شامل في التفجير وتحديد هوية الجاني. كذلك، كان من الممكن الاستعانة بسلطات تطبيق القانون الأميركية التي لديها الخبرة الكافية لمعرفة الفاعل الحقيقي.

يقول أردوغان إن قوات سوريا الديمقراطية هي فرع من حزب العمال الكردستاني، وهو جماعة مسلحة من الكرد الأتراك يكافحون من أجل حقوق سياسية وثقافية حرموا منها في تركيا، ويدعي أنهم يستخدمون سوريا كقاعدة للعمليات ضد تركيا. لكن في الواقع، كل هذه الأمور أكاذيب وليست واقعية.
لم يهاجم الكرد تركيا من الأراضي السورية. كانت هناك مواجهة واحدة عام 2018 عندما شنت تركيا عملية «غصن الزيتون» وهاجمت عفرين، بالقرب من الحدود مع تركيا. وردت قوات سوريا الديمقراطية بقصفٍ مدفعي بسيط جداً لا يمكن مقارنته بالهجوم التركي.
سعت تركيا على الدوام إلى إنشاء منطقة آمنة على حدودها. ومنذ 2016، نفذت سلسلةً من التوغلات وسيطرت على أجزاءٍ من شمال سوريا. وفي كثيرٍ من الأوقات عندما كانت هناك هجمات تركية بمساعدة القوات الموالية لها، تجنب الكرد المواجهة لمنع التصعيد. وحتى عندما اجتاح الجيش التركي ووكلائه جرابلس شرق نهر دجلة، لم ترد قوات سوريا الديمقراطية عسكرياً.

كانت تصرفات أنقرة متوقعة بالنسبة إلي، وأن أردوغان سيسمي الكرد بـ«الإرهابيين» ويورطهم في تفجير اسطنبول حتى مع عدم وجود دليل على تورطهم، و ستقصف تركيا شمال وشرق سوريا حيث أسس الكرد إدارة محلية، وستحاول جاهدةً تصعيد الصراع من أجل حشد الدعم المحلي.
يبدو أردوغان مصمماً على إغلاق الحدود الجنوبية وإقامة شريطٍ أمني في سوريا. وتعهّد بأن العمليات الجوية مجرد بدايةٍ لغزوٍ بري لشمال سوريا، حيث تحشد تركيا اليوم قواتها من أجل غزو كوباني، التي صمدت في وجه هجماتٍ وحشية من تنظيم داعش.

أيضاً، هناك دافعٌ سياسي للحرب، لا سيما أن أردوغان يسعى إلى تحفيز الأتراك القوميين وراء سياسته لتشويه صورة الكرد وإقصائهم، خاصةً أن الحرب مع الكرد هي سياسة رابحة في تركيا، في وقتٍ يسعى أردوغان إلى حشد الدعم لحزب العدالة والتنمية بزعامته في الانتخابات العام المقبل.

عندما هددت تركيا الكرد في سوريا في السابق، عمل المسؤولون الأميركيون خلف الكواليس لتهدئة التوترات. أما الآن، فإن إدارة الرئيس جوب بايدن في مأزق. فهي لا تريد استعداء تركيا خوفاً من ثني أردوغان عن المساعدة في أوكرانيا. في الواقع، تحصل واشنطن على القليل من تركيا التي ترفض فرض عقوباتٍ على روسيا وتعمل كملاذٍ للأوليغاركية الروسية. وعلى الرغم من ذلك، تصمت واشنطن إلى حدٍ كبير بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا وإثارة الحروب الإقليمية.

يجب على بايدن أن يدين علناً تصرفات تركيا وأن يرسل وزير خارجيته أتوني بلينكن إلى أنقرة، مع تحذيرٍ شديد بشأن عدوانها على شمال شرق سوريا. لأن الصمت وغض النظر، يجعل الولايات المتحدة شريكةً في جرائم تركيا.

المصدر:صحيفة بوليتيكو