مئة عام من الكراهية.. كيف أصبح القتل الجماعي للكرد رصيداً انتخابياً؟ 

المركز الكردي للدراسات 

يخيم الظلام على ليل مدينة القامشلي والمدن الحدودية غير المحتلة في شمال سوريا منذ أيام. فالدولة التركية قصفت بشكلٍ ممنهج البنية الخدمية الرئيسية بشكلٍ شبه كلي عبر غارات جوية.

على أن هذا الخراب، بلونه الحالي، يلاحق حيوات الكرد، أفراداً ومجتمعاتٍ، منذ مئة عام. كان هناك خرابٌ ممتد بلونٍ آخر فيما سبق وانقطع سياقه مع انهيار الدولة العثمانية. ملأت حملات القمع صفحات السياق الجديد، (قرن الظلام) من 1923 إلى 2023، كاملاً في تركيا وإيران والعراق وسوريا، إذ اتبعت الدول الأربع التي تدين بوجودها (في حالتي سوريا والعراق) واستمراريتها (في حالتي تركيا وإيران) إلى الاستعمار نفسه، قاعدة وزير الداخلية العثماني في حقبة الاتحاد والترقي السوداء المسماة «الصندوق المغلق». استخدم الوزير هذا التعبير خلال افتتاحه مؤتمراً داخلياً للإعداد لأول حملة استكشافٍ داخلية ذات طابع استعماري في كردستان وأرمينيا. في هذا الصندوق المغلق كل شيء مباح بعيداً عن أعين العالم!

خلال الأعوام المئة الماضية، عاش نموذج «الدولة القومية» مجده في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من فشلها الذريع في التنمية وحكم القانون، إلا أن هذه الدولة سجلت نجاحاً استثنائياً في تغيير المزاج الشعبي للإيمان بطهرانية الدولة وحرمانية التشكيك في طبيعتها وطبعتها السياسية الأحادية القائمة على إلغاء التنوع والتعددية. وبلغ نجاحها حداً أنها قامت بتغيير ذهنية التيارات المعارضة لها لتكون نسخةً مطابقة لها حين تكون المسألة تغيير هوية الدولة من كيانٍ عنصري استيلائي إلى دولةٍ وطنية تتشكل من أقوام عديدة متشاركة في حيّزٍ جغرافي أصبح – بحكم الظروف الدولية – واحداً. لذلك، فإن الحديث عن فشل الدولة الوطنية الحديثة في المشرق، يحجب نجاح هذا النموذج في ترسيخ العنصرية وجعلها ثقافة عامة عبر ضخ معلوماتٍ مضللة في اتجاهٍ واحد تنال من وجود الكرد وتشكك في أن لهم شأنٌ في التاريخ! والأمثلة على ذلك لا حصر لها وتنسف الرواية المضللة في أن القضية الكردية في الدول الأربع هي نتاج أنظمة سياسية. وحقاً كان الأمر كذلك في البدايات، حين كانت لجنة طلعت باشا الاستكشافية في الأناضول وكردستان ترسل نتائج صادمة إلى القيادة بأن سكان البلاد، خاصةً الأتراك، يرفضون تعريف أنفسهم بدلالة القومية التركية. لكن لاحقاً، تغير المزاج الاجتماعي إلى درجةٍ مهولة من الكراهية. هذه الأيام، لا يخلو تحليلٌ سياسي في الشأن التركي من ربط العدوان التركي على مناطق الإدارة الذاتية في في شمال وشرق سوريا بالانتخابات المقبلة. بل حتى القيادة التركية نفسها لا تنكر ذلك، وسبق أن استباحت عفرين وسره كانيه “رأس العين” وتل أبيض وأحالتها إلى أطلالٍ للوجود الاجتماعي الكردي. وهذه خلاصة مخيفة، على الرغم من أنها لا تلفت النظر كثيراً لدى المتابعين. ما الذي يعنيه أن يزيد الهجوم على شعبٍ في دولةٍ مجاورة واقتلاعه من أرضه وتدمير بيوته وتوطين غرباء عن مدنهم في دوره وأسواقه، من فرص الفوز في الانتخابات؟ حقيقة الإجابة محرجة وفق أدبيات السلام الاجتماعي، لكن أصحاب الشأن الانتخابي لا يخجلون من الخلاصة، وهو أن الكراهية والحروب مطلب لشريحة انتخابية واسعة ولها عائد ضخم من الأصوات. من أين تأتي هذه الأصوات؟ ومن أين نشأت هذه الشريحة الانتخابية التي لا تتردد في مكافأة أي قائد يقتلع شعباً مقيماً على أرضه وتشريدهم بين المخيمات وطرق الموت؟ إنها من الشريحة ذاتها التي كانت ترفض تعريف نفسها بدلالة القومية خلال الحرب العالمية الأولى. كيف حدث هذا التغيير الانقلابي؟ هنا يكمن نجاح الدولة القومية العنصرية في أنها خلقت صورة عنها داخل جزء من المجتمع.

حدث مثل هذا النموذج في تركيا وسوريا والعراق وإيران. نجحت الدولة في صناعة شخصيةٍ تتلاءم مع طبيعتها الأحادية. وسيتطلب تغيير هذا الاتجاه والتقليل من تأثيره الانتخابي والسياسي أطروحاتٍ جديدة تتبناها حكومات ذات قاعدة ائتلافية عريضة تقوم على مكافأة الخطاب التعايشي السلمي على نحو ما فعل حزب العدالة والتنمية حين وصل إلى السلطة عام 2002. لم تشهد تركيا تفويضاً اجتماعياً عارماً في تاريخها الحديث كالذي حظي به حزب العدالة والتنمية. وبدأ هذا الإنجاز التاريخي يتبدد حين انقسمت أصوات هذه الكتلة التاريخية وذهب جزءٌ منها إلى حزب الشعوب الديمقراطي وأحزابٍ أخرى أصغر نتيجة عدم التزام حزب السلطة بالوعود التوافقية التي بنى نجاحه عليها. وبدلاً من التحلي بالمسؤولية التاريخية في التعايش مع هذا التغيّر وتصحيح مساره، انزاح بشكلٍ متطرف إلى جهةٍ أخرى تحظى بدعم شرائح هامشية لا يزيد مجموع قوتها الانتخابية عن 7 في المئة. ومن أجل استقطابهم، لجأ إلى تبني خطاب أقليةٍ متطرفة ترفع شعاراتٍ خرافية تمثل أسطورة الذئب الأغبر. وحدث الأمر على نحوٍ سريع منذ عام 2015. ومنه، بدأت سياسةٌ عدوانية خارج الحدود تستهدف الكرد تحت مسميات عديدة تبرر قتلهم جسدياً، من حزب العمال الكردستاني إلى وحدات حماية الشعب ثم قوات سوريا الديمقراطية. الكارثة التربوية-الثقافية التي تشهدها تركيا حالياً أن خطاب الحرب والعدوان الخارجي ماكينة للفوز، وهذا لأن الكتلة الأناضولية العريضة التي أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002 لم تنفض عنه حين تغير خطابه من السلام إلى الحرب من دون أن يكون هناك تهديدٌ وجودي لكيان الجمهورية. والآن، سيلقى أي حزبٍ يدعو إلى إعادة السلام للداخل وتخفيف الاستقطاب الحزبي والكف عن استعمال مقدّرات الدولة في حروبٍ حزبية انتخابية هزيمةً ساحقة داخل الكتلة الانتخابية الأناضولية. وحدث هذا التحول ليس لأن المجتمع في طبيعته ينحو نحو التطرف، بل لأن السلطة، النظام الحاكم، عمل على هندسة هذا التحول. والمخيف أكثر أن القوى الدولية، من الولايات المتحدة إلى روسيا، إلى جانب القوى الإقليمية، تدعم هذا الاتجاه القائم على الكراهية داخل مجتمعات الشرق الأوسط بتفضيلها استمرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السلطة وعدم حدوث تغيير في انتخابات 2023. الحالة ذاتها تنطبق على نظامي سوريا وإيران.

إلى اليوم، لا توجد أي مؤشراتٍ على أن القوى الدولية المتصارعة ترغب في تغيير سياسي في تركيا وإيران، وليس من الصواب في شيء تبرئة القوى الدولية من رعاية خطاب الكراهية البينية وتوفير الحماية والحصانة لها، وكذلك تمكين هذه الكراهية من التعبير عن نفسها عبر تفهّم حروبها العدوانية ضد جزء من تكوينها الاجتماعي.

في الحالة التركية، يحتاج تفسير هذا التعايش، بل التحالف، بين دعاة السلام في 2002 ودعاة الحرب في 2015 ربما لأعوام من الدراسات في مجال علم الاجتماع السياسي. فكتلة السلام التي أوصلت الحزب إلى السلطة بقيت معه حين تحولت السياسة إلى ميدانٍ لحربٍ مستمرة في الداخل والخارج. في كل الأحوال، يقع العديد من الأكاديميين في سوء تقدير لقدرة الدولة على صناعة مجتمع يشبهها. إن لم يكن كل المجتمع – بالطبع ليس كله – فجزء معتبر منه. وإلا، كيف يمكن تفسير خطاب المعارضة السورية، منذ بواكير الخروج ضد النظام في 2011، التي تتبنى رؤية أكثر عنفاً من النظام ضد التعددية بكليتها. فعبر آلات إعلامية ممولة دولياً، جرى الترويج لتصور يعرف الكرد كتكوينٍ اجتماعي وافد حديثاً، وأن الوافد لا حقوق سياسية له. مثل هذه الفكرة، بتنويعاتها اللفظية المتوارية والوقحة، تتردد في أوساط الخواص والعوام بصورةٍ طاغية. فأصل التضليل جرى في وقتٍ مبكر من عمر الدولة الوطنية صنيعة الاستعمار، وتم انتقاء مرويات محددة عن التاريخ القديم والأوسط والحديث تتمحور في اتجاهين؛ الأول: نزع استمرارية الإقامة عن الكرد، والثاني: اصطناع استمرارية تاريخية أزلية للكيان الحديث جداً والذي أطلق عليه اسم.  «سوريا»  أو   «سورية»  كما يطيب تسميتها للمعرّبين.

وغالب الأمر أن سوريا اسم إداري ابتلع، بفضل الاستعمار الفرنسي الحديث، أراضٍ لا تنتمي لجغرافيته. ففي موسوعة «معجم البلدان»  لياقوت الحموي، لا يوجد كيانٌ جغرافي اسمه سوريا سوى ما ورد في باب السين تحت اسم «سورية» (بالتاء المربوطة) وجاء في تعريفها: «موضع بالشام بين خناصرة وسلمية». وقبل ياقوت، ورد اسم «سورية» في كتاب «بغية الطلب في تاريخ حلب» للمؤرخ ابن العديم (المتوفى في 1262 للميلاد) ضمن الكلام عن جبل الأحص جنوب حلب: «وفي هذا الجبل مدينة خربة، وهي سورية كانت مبنية بالحجر الأسود، وهي اليوم خراب لا ساكن بها». وفي موضعٍ آخر، ذكر سورية مرة أخرى خلال نقله القول المنسوب لهرقل الروم بعد هزيمته: «عليك يا سورية السلام». وليس بعيداً أن محقق المخطوطة، وهو سهيل زكّار، حوّل الألف في اسم سوريا إلى تاء مربوطة أساساً.

واستطرد ابن العديم: «وسورية هي الشام الخامسة، وأنطاكية منها. وقد ذكرنا أن في طرف الأحص مدينة خربة يقال لها سورية». وفي كتاب «اليواقيت والضرب في تاريخ حلب» لأبي الفداء الأيوبي (توفي عام 1331 للميلاد) ذكر ترتيباً معكوساً لأقاليم الشام فاعتبر أن : «سوريا هي الشام الأولى، وهي حلب وما حولها من البلاد على ما ذكره بعض الرواة». وأقدم من هذه المصادر كلها هو كتاب ابن عبدربه الأندلسي (توفي عام 940 للميلاد) ولم يذكر فيها اسم سوريا في تقسيمات الشام، فقال: «ثم الشام الخامسة وهي قنسرين، ومدينتها العظمى حيث السلطان: حلب.. وساحلها أنطاكية..».

وبقي اسم سوريا فضفاضاً بلا هوية ولا موضع كلما تقدم الزمن، وظهر في القرن التاسع عشر في أول شكلٍ إداري رسمي خلال التقسيمات العثمانية الجديدة في بلاد الشام فظهرت ولاية «سوريا» فجأة لتدل على دمشق وتنسلخ عن الأصل وهي حلب ووادي العاصي الشمالي إلى أنطاكيا. ومع احتلال الفرنسيين والبريطانيين الأراضي العثمانية الجنوبية، قام إداريو فرنسا باجتهادٍ «ثوري». فلأول مرة في التاريخ منذ خلق آدم وحتى عام 1920، تنضم منطقة الجزيرة إلى بلاد الشام تحت اسم جامع هو «سوريا».

الغاية من الاستطراد السابق بشأن اسم سوريا ودلالاته عبر التاريخ، وكيف تلاشى ثم ظهر فجأةً نهاية القرن التاسع عشر وتوسّع بقوة الاستعمار الفرنسي نحو الجزيرة، تفكيك الأسطرة الركيكة لوقائع الحاضر القريب والصغير جداً، وأن أحداً لا يملك سرديةً تاريخية متصلة، وأن الجميع يستطيع صناعة سرديته الخاصة الانعزالية والاستيلائية والعدوانية متى ما قررت الطبقة القيادية، سواءً في الدول أو الحركات المناهضة لها. غير أن هذا لا يولّد سوى تعميق الكراهية ومراكمة الأحقاد، إذ لا يوجد كيانٌ على الأرض يمثل إرادةً سماوية مخصصة ضد أخرى.