جنوب سوريا.. ماذا بعد الانكفاء الروسي؟ 

رؤوف بكر

في مايو/أيار الماضي، حذّر ملك الأردن عبدالله الثاني من ملء إيران والميليشيات التابعة لها الفراغ الأمني والعسكري الذي قد يخلّفه الروس في جنوب سوريا جرّاء انشغالهم بالحرب في أوكرانيا. وعبّرت تصريحات العاهل الأردني عن تفاقم مخاوف الأردن من ازدياد وتيرة نشاطات إيران على حدوده الشمالية. في 2018، توصل النظام السوري وفصائل المعارضة المسلّحة إلى اتفاقاتٍ برعايةٍ روسية تقضي بعودة سيطرة النظام على المناطق الجنوبية وتحديداً درعا وريف دمشق، شرط إبعاد عناصر الحرس الثوري الإيراني وميليشياته عشرات الكيلومترات (بين 60 و80 كيلومتراً) عن الحدود الإسرائيلية والأردنية. واعتُبرت البنود التي تخص درعا استثناءً حينها، على اعتبار أنها سمحت بتواجد مقاتلي المعارضة بأسلحتهم الخفيفة ولم تمنح النظام السيطرة على كامل المحافظة، في ظل تواجد الشرطة العسكرية الروسية والفيلق الخامس الذي أسسته موسكو من مسلحي المعارضة السابقين. وقبل هذا الاتفاق، حظيت المعارضة بدعم ما كان يعرف بـ«غرفة الموك» التي شكّلتها دول غربية وإقليمية، من ضمنها الأردن، في 2013 قبل أن تجمّدها لاحقاً. وفي 2021، توسّطت روسيا مرة أخرى لتوقيع تسويةٍ جديدة بات للنظام من خلالها اليد العليا في درعا بأكملها.

خلال سنوات الحرب، شكّل الإيرانيون العديد من الميليشيات الموالية لهم على غرار «سرايا العرين – اللواء 313» وفصيل موالٍ من أبناء بلدة بصرى الشام، عدا عن سيطرتهم على الفرقة التاسعة والفوج 89 في محافظة درعا، فيما كان لهم محاولة فاشلة في السويداء لتأسيس «لواء التوحيد»، المدعوم من السياسي اللبناني وئام وهّاب. وقبل فترةٍ وجيزة من إعلان الكرملين شن الحرب على أوكرانيا، تخلّت الشرطة العسكرية الروسية عن دعم الفيلق الخامس، الذي بات بعهدة الاستخبارات العسكرية التابعة للنظام، ما وسّع نفوذ طهران في المنطقة عبر الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد. وبهذا، ظهرت خلال العامين الماضيين معادلةٌ جديدة عنوانها: النفوذ الروسي-الإيراني في جنوب سوريا، ما لبثت أن مالت كفتها نحو طهران التي اخترقت المجتمعات المحلية عبر مشاريع استثمارية وتقديم المعونات المالية والإغاثية، بينما يكتفي الروس بالتواصل المتقطع مع وجهاء حوران والدروز في السويداء. وتعزز السيطرة على محافظات جنوب سوريا (درعا، السويداء، القنيطرة، وريف دمشق) نفوذ طهران الاستراتيجي، ومعها إلى حدٍ ما موسكو، وتمنحها القدرة على توجيه مسار أي صفقة سياسية، سواءً فيما يتعلق بسوريا أو المنطقة ككل. وقد يكون الوجود الروسي مفيداً من الناحية العملية لجهة كبح التغلغل الإيراني، إلا أن لا تنافس أو صراع بين الدولتين في سوريا بالشكل الذي توحي به دوائر سياسية غربية، كما أن لا زواج كاثوليكياً بينهما، إذ تنسّق روسيا، على سبيل المثال، مع الجيش الإسرائيلي في طلعاته الجوية التي يقصف فيها بين حينٍ وآخر مواقع إيرانية ولحزب الله.

ومؤخراً، دخلت أنقرة على  خط تطورات الأوضاع في جنوب سوريا بعدما أطلقت الاستخبارات التركية ما يمكن تسميته «بالون اختبار»، إذ نشرت صحيفة «تركيا» المقرّبة من الأجهزة الأمنية تقريراً يتحدث عن عزم الغرب تشكيل فصيلٍ مسلّح قوامه 30 ألف عنصر من محافظات السويداء، درعا، والقنيطرة، بدعمٍ من قاعدة التنف التي تديرها الولايات المتحدة قرب مثلث الحدود العراقية-السورية-الأردنية بهدف الوقوف في وجه إيران في جنوب سوريا. وذهب التقرير إلى حد الحديث عن إمكانية إقامة حكم ذاتي في المنطقة الجنوبية. ولعل نشر الأتراك هذه الأنباء، التي لا يرجَح صحتها، يكشف لربما رغبةً تركية في فعل الأمر ذاته مستقبلاً في المناطق التي تحتلها شمال سوريا تمهيداً لابتلاعها نهائياً. لكن المعطيات تشير، حتى الآن، إلى تمسّك الأردن وإسرائيل بالنهج الذي اتبعاه على مدار العقد الماضي. أي الاعتماد على التداخل العشائري بين جنوب سوريا والأردن بما يشبه منطقةً عازلة، بالنسبة إلى عمّان، وتنفيذ ضرباتٍ جراحية وعملياتٍ نوعية ضد مراكز وقواعد عسكرية لإيران ووكلائها لمنع أي تهديدٍ استراتيجي، فيما يتعلّق بإسرائيل. وبكل الأحوال، فإن تحوّل سوريا إلى «جمهورية الكبتاغون»، كما بات اسمها في الإعلام العالمي، قد يدفع الأردن إلى البحث عن خياراتٍ جديدة لحل معضلةٍ تؤرقهم لا تقل خطراً عن فوضى السلاح، بعدما افترضت عمّان أن إعادة الجنوب إلى حضن الدولة السورية سيعني ضبط الحدود. ويقيناً أن النظام وإيران وحزب الله يرون في المخدرات سلاحاً سياسياً واقتصادياً فعّالاً. فمن ناحية، تؤمّن حبوب الكبتاغون دخلاً يصل إلى 16 مليار دولار أميركي سنوياً بما يزيد ثلاثة أضعاف عن الميزانية الحكومية المعلنة للعام 2022 والمقدّرة بـ5.3 مليار دولار، وسط حاجة دمشق وطهران المعاقبتين دولياً إلى مصادر دخل. ومن جهةٍ أخرى، يوفّر إغراق دول المنطقة بالمخدرات أداة ابتزازٍ من أجل انتزاع تنازلاتٍ سياسية من تلك الدول تهدف إلى فك عزلة الإيرانيين والنظام الدبلوماسية. وتنتشر معامل تصنيع «الكبتاغون» خاصةً في القلمون والساحل.

ويبدو أن سيناريو استنساخ نموذج جنوب لبنان في جنوب سوريا، أي نسخة سوريّة من حزب الله وجيش لبنان الجنوبي أو خلق بؤرة توتر دائمة تفسح المجال لتسوياتٍ هنا وهناك، قد يتحقق في نهاية المطاف في حال سُدّت المنافذ الأخرى. وإن حصل ذلك، سيتم من دون زج أي طرفٍ إقليمي بقواته الرسمية أو تدخله بشكلٍ مباشر، ليستمر بذلك صراع الآخرين على الأرض السوريّة بأيدٍ سوريّة. وهنا، يمكن لعاملين أن يلعبا دوراً بارزاً في تحديد آفاق الوضع لصالح أحد الطرفين: العلاقة بالعشائر والدروز، وامتدادات المكونين في الأردن وإسرائيل. وتسعى إيران بقوة إلى نسج علاقاتٍ مع عشائر حوران وشيوخ عقل الدروز وكبرى العائلات في درعا والسويداء، إلا أن الاختراقات في الأخيرة ليست بحجم تلك التي في الأولى لأسبابٍ مختلفة منها طبيعة المجتمع في السويداء المتحفّظ تجاه الأفكار الخارجية.

يبقى، أن الأزمات المالية، التي أنهكت الكثير من دول المنطقة والعالم، تكاد لا تعطي الفرصة لوضع هذه الخطط موضع التنفيذ، أقله في الوقت الحالي. فالكل يبدو منشغلاً بآثار التغيّر المناخي وتبعات كوفيد-19 التي أفرزت اضطراباتٍ اجتماعية وسياسية قد تخلط أوراقاً كثيرة.

 

* صحافي وباحث مهتم بقضايا الشرق الأوسط والشؤون الأوروبية.