مقاربة لفهم الاضطرابات في إيران

محمد سيد رصاص

كان صادماً لقناعاتٍ ومسلماتٍ يسارية تلك النكتة الساخرة التي نقلها طلاب سوريون درسوا في السبعينيات في موسكو، وكلهم شيوعيون، عن مواطنين سوفييت تندروا على الوضع في الاتحاد السوفييتي بوصف بلادهم بأنها «فولتا العليا بأسلحة نووية». وفولتا العليا بلدٌ أفريقي أصبح اسمها بوركينا فاسو في 1984، وتعتبر من أكثر البلدان تخلفاً في النمو عالمياً. ناقضت تلك النكتة ما نراه على السطح من قوةٍ سوفييتية تتزعم معسكراً يسارياً يحقق انتصارات على المعسكر الغربي في الحرب الباردة من فيتنام 1975 إلى أنغولا 1976 وإثيوبيا 1977، مروراً بأفغانستان 1978 ونيكاراغوا 1979. ولا يمكن أيضاً نسيان اتفاقية هلسنكي 1975 التي اعترفت من خلالها بلدان حلف الناتو بحدود ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا واتفاقية «سالت 2» عام 1979 التي أقرّت التعادل النووي بين العملاقين الأميركي والسوفييتي وحددت عدد الأسلحة الاستراتيجية الصاروخية العابرة للقارات، عدا عن عناوين الصحف الأميركية الكبرى، خاصةً اليمينية، التي لطالما تحدثت عن تراجع الرئيس الأميركي حينها جيمي كارتر أمام ليونيد بريجينيف.

ففي تلك النكتة، هناك عمق فكري يعيدنا إلى ماقاله فريدريك إنجلز عن «التطابق بين السياسة الداخلية والخارجية»، والذي يناقض بالمناسبة ماقاله عام 1979 الأمين العام للحزب الشيوعي السوري آنذاك خالد بكداش عام بأنه يرسم تحالفه مع السلطة السورية على أساس سياستها الخارجية وليس الداخلية. إذ ما هذه القوة العظمى التي تمتلك أسلحة نووية وتغزو الفضاء، وتعجز في الوقت ذاته عن صناعة ثلاّجة أو سيارة جيدة، ويقف مواطنها تحت الثلج لساعاتٍ في طابور من أجل قطعة صغيرة من الزبدة؟. وعلى كل حال، تكشفت الأمور بعد وفاة بريجينيف في 1982، وانكشفت هشاشة الاتحاد السوفييتي بعد ظهور بيروسترويكا ميخائيل غورباتشوف منذ 1985 التي هزّت الوضع الداخلي، ما مهد لتراجع دور موسكو خارجياً إلى حد الاستقالة من وضعية القطب، لتنهار الكتلة السوفييتية خريف 1989 ويتفكك الاتحاد السوفييتي في 1991.

واليوم، يشبه وضع المرشد علي خامنئي في إيران ما كان عليه بريجينيف، لجهة تحقيقه نجاحاتٍ كبيرة في السياسة الخارجية وضعت إيران في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين في مصاف «القوة الإقليمية العظمى»، على حد تعبير القائد السابق للحرس الثوري الجنرال رحيم صفوي في 2013. وتتحكم إيران فعلاً ببلدان مثل العراق ولبنان واليمن وتمارس تأثيراتٍ على الأوضاع الداخلية في فلسطين وأفغانستان. ويتشابه خامنئي مع بريجينيف كذلك بكونه وريث ثورة قادها روح الله الخميني، مثلما كان بريجينيف وريث ثورة أكتوبر التي قادها فلاديمير لينين.

هناك زلازل وقعت في إيران منذ 1997 تشي بأن الوضع الداخلي يعيش اضطراباً عميقاً. وتلك الحركات الزلزالية، وإن كانت ليس بنفس الدرجة من القوة، إلا أنها تدل بتواترها على خللٍ كبير في العلاقة بين السلطة والمجتمع في إيران. تمثّل الزلزال الأول في إيران بانتخابات الرئاسة في مايو/أيار 1997 حينما فاز الإصلاحي محمد خاتمي بالمنصب بما يناقض خط خامنئي المسيطر على السلطة منذ يونيو/حزيران 1989. وكان الخميني، الذي فضّل التيار المحافظ، من ساعد خامنئي على تبوأ منصب المرشد مقابل أن يكون أكبر هاشمي رفسنجاني رئيساً، إذ لم يقم الخميني بإضعاف الإصلاحيين، حيث أبقى على مير حسين موسوي رئيساً للوزراء حتى وفاته في 1989. وتمت صفقة خامنئي (رئيس الجمهورية) ورفسنجاني (رئيس مجلس الشورى) على أساس إلغاء رئاسة الوزراء، ليصبح الرئيس الإيراني رئيساً لمجلس الوزراء في آنٍ معاً على النمط الأميركي. وبالتالي، فإن إبعاد موسوي في حقبة ما بعد الخميني كان صفقة بين المحافظين والوسطيين ما لبث خامنئي أن أخلّ بها عندما وضع السلطة بشكلٍ مطلق بيد المرشد خلال رئاسة رفسنجاني التي دامت ثمانية أعوام. وبذلك تحالف المرشد مع الحرس الثوري الذي أصبح مسيطراً على مفاصل السلطة العسكرية والأمنية والاقتصادية ويحدد السياسة الخارجية من خلال «فيلق القدس» الذي أدار ملفات العراق ولبنان وفلسطين واليمن وأفغانستان.

كان تهميش رئيس الجمهورية الجديد، الذي فاز بغالبية كبيرة من الأصوات أكثر من ثلثيها من الشباب والنساء، من قبل المرشد سبباً في الزلزال الثاني في يوليو/تموز 1999عندما اندلعت تظاهرات بعشرات الآلاف من جامعة طهران احتجاجاً على اغلاق صحيفة «سلام» الناطقة بإسم التيار الإصلاحي الذي ينتمي إليه خاتمي. وإن أظهرت الأصوات التي نالها خاتمي في 1997 عمق الافتراق بين البنية المجتمعية وبين البنية الدولتية-السلطوية، فإن تظاهرات 1999 كشفت عمق الافتراق بين السلطة التي انبثقت عن ثورة 1979 والجيل الذي ولد بعدها وأصبح في سن الدراسة الجامعية. وكان قمع الطلاب العنيف جواب خامنئي على هذا الافتراق، وجوابه المرسل إلى خاتمي وناخبيه قبل عامين.

ثم كان الزلزال الأكبر في يونيو/حزيران 2009 حينما اندلعت «الثورة الخضراء» احتجاجاً على منع فوز موسوي في الانتخابات الرئاسية، الذي تم إبعاده عن رئاسة الوزراء في صفقة خامنئي-رفسنجاني، لحساب الرئيس المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد. وكانت التظاهرة المليونية في 15 يونيو/حزيران في العاصمة طهران أكبر ما شهده خامنئي من تحدٍ خلال عقدين من حكمه كمرشد. وأظهر خطابه بعد أربعة أيام خلال صلاة الجمعة قدرته على تحدي تلك الموجة المجتمعية التي دلّت على أن الفئات العليا اقتصادياً والوسطى والشباب والنساء صوتت لموسوي، كما كان الحال كذلك في المدن الكبرى الثلاث: طهران، أصفهان، وتبريز، مقابل فوز نجاد بأصوات فقراء المدن وسكان الأرياف. وانكشف عنف خامنئي بعد هذا الخطاب مستنداً إلى تماسك الجهاز السلطوي ووقوف كتلة اجتماعية وراءه أثناء ذلك الزلزال، في حين رفع موسوي شعار «إيران أولاً، لا غزة ولا لبنان» في وقتٍ ترافق التمدد الإيراني إقليمياً مع اقتصادٍ أوقع خُمس الإيرانيين تحت خط الفقر وارتفعت فيه نسب البطالة والتضخم بمقدار 12 و25 في المئة على التوالي.

في ديسمبر/كانون الأول 2017، أتى الزلزال الرابع الذي انطلق من مدينة مشهد ودام بضعة أسابيع وأسبابه اقتصادية بحتة. وتميّزت التظاهرات وقتذاك بأنها بلا قيادة، عكس الزلازل الثلاثة السابقة، فضلاً عن صغر حجمها عدداً وانتشاراً.

أما الزلزال الأخير، فوقع في 16 سبتمبر/أيلول الجاري مع مقتل الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني إثر تعذيبها في مركز احتجازٍ لشرطة طهران بعد اعتقالها بسبب «مخالفة قواعد ارتداء الحجاب». وإن كانت رقعة انتشار التظاهرات كبيرة، إلا أن عدد المحتجين لا يصل إلى ما شهده عامي 1999 و2009، الذي كان الأعلى من حيث العدد والامتداد. كما أن احتجاجات 2017 و2022، عكس 1999 و2009، لم تتركز في طهران.

في الزلازل الأربعة، 1999-2009-2017-2022، نلاحظ سياسة اللاحوار واللاتنازل التي انتهجها خامنئي مصحوبةً بقمعٍ عنيف. ويساعده على ذلك وحدة جهازٍ سلطوي متماسكٍ وقوي وراءه أتاح له ممارسة القمع من دون المخاطرة بانقسام هذا الجهاز. وليس هذا قمعاً عارياً يقوم على السلطة المجردة، بل لهذه السلطة مستندٌ اجتماعي قوي يمكن القول إنها وإن كانت لا تمثل الأغلبية، إلا أنها تتحدث عن شريحة قوية وخاصةً في الأرياف وبين فقراء المدن. كما أن هناك كتلة وازنة صامتة، فيما تستند المعارضة، إلى الشباب والنساء والفئة الوسطى والغنية في المدن الكبرى، وهو دأبها منذ 1997.

باختصار، يبدو أن خامنئي يؤمن بمقولة إنجلز «الهزيمة مصير أي حكومة تسمح لحركة معادية تتطلع إلى إسقاطها بالعمل في إطار القوانين». ولكن، لا يمكن لخامنئي أن يحقق استقراراً عبر القمع والتشدد الداخليين أو النجاحات في السياسات الخارجية، فيما قام شبيهه الصيني، الزعيم الشيوعي دينغ شياو بينغ، بقمع ثورة الطلاب في ساحة «تيانانمين» عام 1989 في العاصمة بكين، وأسس لاستقرارٍ داخلي من خلال فتح كوة حريات اقتصادية قادت إلى ازدهارٍ ولّد حالة قبول اجتماعي إنما من دون حريات سياسية، ليحافظ بذلك على تفرّد الحزب الشيوعي في الحكم، ما جنّب بلاده السيناريو السوفييتي.

ويبدو أن من الصعب أن تتفادى إيران مابعد خامنئي هذا الأمر، إذ تعاني، كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي، من التفاوت بين البنية المجتمعية والبنية الدولتية-السلطوية، وتشهد وضعاً اقتصادياً مأزوماً. وكما الدولة الشيوعية السابقة، هناك طلاءٌ أممي إيديولوجي يغطي التباينات القومية. كان ماركسياً في موسكو واليوم نراه إسلامياً في طهران. سينفجر لدى أي لحظة ضعف في المركز مثلما حصل قبيل تفكك الاتحاد السوفييتي. ثم زادت قوة انفجاراته بعد التفكك، وآخرها ما يحصل الآن بين الروس والأوكرانيين في انفجارٍ قومي-قومي لا يخفي الكرملين طبيعته، قد يكون شبيهاً بما حصل في منطقة البلقان حينما أدى انفجارها إلى نشوب الحرب العالمية الأولى، على الرغم من أن التبريرات بأن سبب الحرب الحالية يرجع إلى خطط حلف الناتو المعدّة منذ 2008 في التمدد شرقاً نحو حدود روسيا وضم أوكرانيا إليه.