سري ثريا أوندر: روجآفا بثت الروح في عملية السلام عام 2013

المركز الكردي للدراسات

تحدث السياسي والنائب السابق في البرلمان التركي عن حزب الشعوب الديمقراطي، سري ثريا أوندر، في حوارٍ مطول أجرته الصحافية آيشغول دوغان (Ayşegül Doğan) عن السياسة والمجتمع و العنف والسلام، والأدوات التي تتبناها الأطراف السياسية، سواءً في الحكم أو المعارضة، في تحقيق أهدافها ومصالحها. وطرح أوندر رؤيته للأزمة التي تعيشها تركيا منذ تأسيسها، الكامنة في عجزها عن حل الانقسام العمودي بين المجتمعات المتشاركة والمتجاورة في تركيا. وحدد بشكل صريح أن الإجابة عن سؤال: ما الذي يريده الكرد؟ هو: «يريد الكرد أن يكون لهم نصيباً ورأياً في مستقبل هذه الأراضي التي عاشوا عليها منذ آلاف السنين».

وتطرق أوندر إلى أزمة النظام السياسي التركي وصعوبة إيجاد شركاء للسلام. فالكتل السياسية المعارضة للحكومة هي- على حد تعبير أوندر – جزءٌ بنيوي من النظام وتشكل معه كتلةً واحدة.

واعتبر أوندر أن مسار السلام في تركيا يعاني من ضعف بنيته التحتية، وفقد تحصيناته بسبب انتصار القوى الساعية إلى الحرب. وتطرق إلى بدايات عملية السلام وكيف تطور هذا المسار وصولاً إلى خطاب عيد النوروز الذي أرسله زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان وقرأه سري ثريا أوندر في 21 مارس/آذار 2015، ونقل عنه رسالتين أخريين في عامي 2013 (تاريخ انطلاق عملية السلام رسمياً) و 2014. وقال أوندر إن العملية التي كانت تواجه الانسداد، وجدت انفراجةً وجديةً بين الأطراف (الحكومة وحزب العمال الكردستاني) بفضل ظهور قضية «روجآفا» كردستان في شمال وشرق سوريا.

إلى تفاصيل الحوار:

في عام 2011، شرحتم لطلاب في جامعة «بيلغي» عن سبب قبولكم الترشح إلى البرلمان. قلتم آنذاك، أنه كمواطن من منطقة لم «تبصر النور يوماً»، شجعكم احتمال عقد سلام على قبولكم العضوية. كنتم تقولون بأنه «إما أن نتكاتف من أجل تحقيق السلام الآن أو نخسر فرصة السلام إلى الأبد». متى يمكننا أن «نبصر النور»؟ هل فات أوان ذلك؟

للرد على هذا السؤال أعتقد أنه يجب تناوله ضمن السياق التاريخي، لأن جوهر ما نعتبره مشكلة يكمن إلى حدٍ كبير في سياقه التاريخي. كشخص تبنّى مبادرة السلام وتولّى أدواراً ومسؤوليّاتٍ خلالها، إذا طُلب منّي التحدّث بايجاز سأقول: كان هناك سؤال شائع جداً تحول إلى موضة في حينه يقول «ماذا الذي يريده الكرد؟». يريد الكرد أن يكون لهم نصيباً في مستقبل هذه الأراضي. يريدون أن يكون لهم رأي في مصير هذه الأراضي التي عاشوا عليها منذ آلاف السنين. يمكننا اختصار الإجابة إلى هذا القدر الواضح والشفاف. الآن، لماذا لم يتحقق ذلك، ولم كان دائماً موضوعاً للصراع ويستمر في كونه على هذا النحو بزخم متزايد باستمرار؟

يتعلق الأمر بالذهنية الاجتماعية للسكان في البلد، المبنية تاريخياً على الانقسام العمودي المستمر إلى يومنا هذا مع تغيّرٍ في شكله دون جوهره. حتى الجهات التي نأمل منها أن تشاركنا التطلعات في السلام، ومن هم الأقرب إلى السلام ويمكنهم فهم مطالبنا بشكل أفضل ونأمل أن نجد لديهم الدعم، يرفضون النظر في القضية على أساسٍ اجتماعي. هذه المشكلة تاريخية ومزمنة. هناك مفهوم غريب حول فكرة أصحاب الأرض. مفهوم يعتبر كل ما عدا سواه مؤقّتاً، مستأجِراً، محتلّاً. إذا تعمّقنا قليلاً في جوهر الجهات التي تظهر وكأنها ديمقراطية، مسلمة، يسارية واشتراكية أحياناً، فإننا سنجد مفهوماً «قومياً تركياً» يقف وراء أفعال وردود تلك الجهات.

الآن، هل (السلام) بعيد؟ أو فاتنا القطار؟ الجواب مكون من شقين، ومن الجيد أنه كذلك. بمعنى، أن هناك من يطالب بالسلام- وأولئك يُتهَمون باستمرار أنهم مقاتلون. بعبارة أخرى، العنف منقوش في جيناتنا الوراثية كطريقة لإنجاز أي عمل في هذه الأراضي. الحاكمون والمعارضون اختبروا دور ووظيفة العنف عبر التاريخ بشكلٍ هدّام. أقول هذا كشخصٍ بعيد عن العنف والإشادة به أو القبول بشرعيته. لكننا لم نتمكن من تغيير هذا السلوك. والآخر يتطلب جهداً دؤوباً مركّزاً وصبوراً وطويل الأمد. يتطلب الفهم في البداية ومن ثم الحوار. كنت دائماً متبنّياً مفهوماً يعتبر أن الناس طيّبون. هم طيّبون عندما يتركون لطبيعتهم وعندما يتم تطهير الأشياء التي قد تدفع بهم باتجاه أمورٍ سيئة، ولو جزئياً. الناس طيبون في كل مكان في العالم ولا يجب أن نفقد الأمل.

الجانب الثاني: على الرغم من أن الكرد دفعوا ثمناً باهظاً خلال هذا المسار برمّته، إلا أنّه لا يمكن أن نعتبر أن القطار فات، لأنهم ما زالوا يطالبون بالسلام من أعماقهم. لقد تُرِكت الساحة للمخربين فقط، وهم حالياً أصحاب الصوت الأعلى. على الرغم من الضغوطات والتعذيب والتجاهل المبالغ فيه والتجويع والبطالة المقصودة، فهؤلاء (الكرد) لا يزالون يطالبون بالسلام ويعترضون على سياسات الحرب هذه ولا يزالون متمسّكين بالسلام. لا توجد حالة صراع وحرب أبدية. بدلاً من البحث عن إجابة لهذا السؤال، من واجبنا التركيز على مسألة «ما الذي يمكننا فعله لجعل ذلك أقل كلفة؟».

كيف وافقتم على أن الانحراط في عملية السلام؟، كيف أقنعتم نفسكم بذلك؟

أنا لم أتردد حتى في الأمر. على الرغم من معرفتي بالعواقب المحتملة والاحتمال الكبير لدفع الثمن، إلا أنني قبلتها بحماس كبير ومن دون تردد. كان ذلك بمثابة فرصة كبيرة اعتبرت أن علي تأدية واجبي تجاهها. توجّب علي تقديم خبراتي وأفكاري حيال عملية السلام. وكان من الممكن أن أكون أحد الأشخاص الذين شاركوا في كتابة التاريخ لو أن العملية نجحت. كل هذه الأمور شكّلت دافعاً لي لأنخرط في عملية السلام بشكلٍ مباشر بحماسٍ وإثارة ورغبة منقطعة النظير.

لقد قاومت كثيراً رفضاً لعضوية البرلمان. في الواقع، بحسب الرئيس صلاح الدين دميرتاش، أخّروا الإعلان عن قائمة المرشّحين لمدة أربعة أيام بسببي. حاولت التهرّب كثيراً. لم أكن أرى في عضوية البرلمان عملاً يناسبني، وما زلت كذلك. فأنا شخص ذو نمط حياة مختلف. والتمثيل النيابي يتطلب نمطاً مختلفاً. لقد ترددت كثيراً في قبول العضوية، لكنني لم أفكر لثانية واحدة في قبول المهمّة الخاصة بعملية السلام.

هل شعرتم بالتعب لاحقا؟

حدث ذلك، لأن المسألة متعبة. لكن عندما أتذكّر حقوق الآخرين وجهودهم، أتردد حتى في أن أقول أنني «متعب». أسفي الوحيد يكمن في عدم النجاح.

هل تعتقدون أنكم فشلتم؟

لم ننجح. لم ننجح حتى الآن. لكن لا شيء يبقى كما هو. حتى وإن لم ننجز، لكننا على الأقل أظهرنا أن هذه القضية قابلة للحوار.

ما الذي أثار حماسكم أكثر خلال مسار عملية السلام؟

كانت البداية محبطة للغاية. بمعنى، كنا عاجزين عن التغلب عليها. من ناحية، حاولنا حل القضية الآنية. ومن ناحية أخرى، واجهنا واقع انعدام الثقة. ولكن عندما ظهرت مسألة روجآفا، بدت كبداية لحل هذا الانسداد، وشعرنا للمرة الأولى بأن الأطراف تتعامل مع المسألة بجدية. عندما أحسسنا بذلك، تعانقنا أنا والسيدة بروين بولدان والسيد إدريس في طريق العودة من قنديل. قلنا: «يبدو أن المسألة تم حلّها الآن». كانت واحدة من اللحظات التي شعرنا فيها بالفخر والتفاؤل، وكانت أملنا الأخير. وبعدها حدث ذلك الشيء الذي أسّميه الانقلاب رأساً على عقب.

كنتم حاضرين عند قراءة خطاب نوروز (يقصد بيان زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان). أتذكّر أنني كنت متحمّساً ومرتبكاً مثل طالب مدرسة ابتدائية. كنت أعلم أنه لشرف كبير أن أقرأه، وأنني آخر من يستحق هذا الشرف. ولهذا، شعرت بالخجل أيضاً. أعني أن من كان شاهداً على التفاصيل، يعلم جيداً بأنني حاولت كثيراً أن يقرأ الخطاب من دفع أثماناً ولديه خبرة طويلة في الحركة السياسية الكردية. شخص أكثر رمزية في العمل النضالي. لكن في النهاية، أصّر الأصدقاء على أن أقوم بقراءته، ومثلهم أصر السيد أوجلان. لذلك، عندما تقرر الأمر، كنت أعلم أنها لحظة تاريخية مهمّة للغاية.

لقد رأيتم منزلي، ليس لدي أي صور في المنزل. إبحث عن تلك الصورة! إذا وجدت صورة لذلك التجمع مأخوذة من زاوية جميلة، فسأحتفظ بها كذكرى عن هذه الفترة بأكملها. قراءة خطاب النوروز، الحماس والمشاعر الطيبة والفرح على شكل موجات من عيون وقلوب مليونين من المجتمعين. إنها لحظة تاريخية لا تُنسى، على أمل إحياء تجربة أفضل في أسرع وقت ممكن. لكنها من اللحظات التي لن أنساها أبداً.

يحكى عن سعيٍ متجدد للحوار. ما رأيكم؟ هل هناك احتمال بعودة الحوار؟

هناك خطأ واحد فقط في تلك المناقشات. الكل يعتقد بأنه سيتم تشكيل لجنة مجدداً لتجتمع مع الأطراف، ما سيؤدي إلى إعادة إحياء المسألة، أي مسار السلام السابق. في رأيي، حتى عندما لجأت الدولة إلى المبادرات الأكثر تخريبية، فإن العمل على إيجاد مثل هذه الفرص لم يتوقّف أبداً، ولن يتوقّف.

هل يعني ذلك بأن الحوار لم ينقطع أبداً؟

قد ينقطع الحوار وينخرط الطرفان مرة أخرى في مواقف تجعلهما عدائيين بشكل كبير، وهذا ما حدث. لكن على الرغم من ذلك، يستمر الاستعداد إلى السلام لدى الجميع. أنا لست مُنجّماً ولا أتحدث وفق معلومات واردة من أي طرف. فقط أنظر إلى الموضوع نظرة تاريخية. تشير المعلومات التي تُكشف لاحقاً أنه حتى في الفترات التي اشتدت فيها وتيرة الصراع بشكلٍ أعلى مما عليه اليوم بكثير، كان يتم الإعداد لمسار الحوار. ثانياً، لا إمكانية لدى أيٍ من البرامج والأساليب التي طورتها السلطة على مقاومة الزمن. هي ليست أشياء خالدة. بمعنى آخر، عندما كانوا يقولون: «سندمّرها، سنزيل هذه المشكلة من الأجندة»، استمرت وعودهم بدايةً لبضعة أسابيع، ثم تقلّصت لتصبح بضعة أيام. الآن، نرى أن السلطة يمكن أن تغيّر رأيها في غضون ساعات.

الأداة الوحيدة التي تستخدمها اليوم هي القوة. القوة أيضاً شيءٌ محدود. بمعنى آخر، بعد فترة، يصبح من المستحيل العثور على طرق وأساليب جديدة لبنائها فوق القوّة المستعملة، لأن الناس يبدؤون بمقاومة هذه القوة أيضاً. لذلك، بما أن الدولة لا تملك أي وسيلة ضغط أخرى، فإن تأثير استخدام القوّة لن يدوم لأنه مؤقت. وبالتالي، يبدأ الاصطدام بالواقع. ويؤدي هذا التصادم إلى تكاليف باهظة. في الواقع، بات الآن مكلفاً للغاية.

موارد هذا البلد، مستقبل هذا البلد، الوقت المهدور الآن، مع إفقار الناس، تسلل إلى حياتنا بشكلٍ قاتل. لم يكن الأمر كارثياً هكذا من قبل. بات البحث عن طرق وإجراءات أقل تكلفة وأكثر إنسانية اليوم أمراً صعباً على مستوى القاعدة الشعبية. وهذا ما سيؤدي إلى فرض وطرح عملية سلام جديدة. كيف سيكون شكلها؟ لا نعرف. ما نعرفه فقط بأنها لن تكون كسابقتها. بخلاف ذلك، يمكن أن تكون بعدة طرق لا يمكننا التنبؤ بها.

ولكن ألا يزال لربما بإمكانكم توقع شكل عملية السلام بناءً على تجربتكم؟

أعتقد أنهم يجب أن يلتقوا من دون وسيط. هذا أولاً. ثانياً، يجب أن يأخذوا الإعداد للعملية على محمل الجد. السلام عمل جاد جداً، بينما القتال بسيط للغاية، إذ يتطلب الضغط على الزناد فحسب. لكن للمصالحة تفرّعاتٍ كثيرة: الاستماع إلى المتضررين من هذه العمليات وإشراكهم في العملية، فضح وإدانة كل شيء وكل شخص تم دفعه نحو نقطة جنائية في هذه العملية. كما أنها لها أبعاداً عديدة، مثل القدرة على الاختلاط الاجتماعي وجعل المطالب شفافة تُناقش بحيوية وجدية من قبل فئات واسعة من الجمهور بعيداً عن النميمة، للحفاظ على جدية التحضير وعدم إضاعة الكثير من الوقت في تنفيذه. بعبارة أخرى، العمل بما يشبه القول المأثور «إذا طالت فترة العمل الخيّر يتحول إلى شر».

عندما تقول يجب أن يلتقوا بدون وسيط، من هم هؤلاء الذين يجب أن يلتقوا؟

يجب أن تكون الأطراف المتصارعة على اتصالٍ مباشر مع بعضها البعض، لأن المفهوم كان مختلفاً في السابق. لم تكن معاني المفاهيم نفسها بالنسبة إلى الطرفين. والأهم، أنه لم يكن هناك اجتهاد يُعتمد عليه. بعبارةٍ أخرى، المسار الذي أسسنا له خلق اجتهاداته الخاصة. على سبيل المثال، حدث شيء ما في مكان ما يعطّل عملية السلام. لم يكن لدينا أي معرفة أو خبرة بشأن كيفية التصرّف عند مواجهة مثل هذا الموقف، وما هي الطرق والأساليب التي يجب أن نعتمدها لكي لا تتحول هذه المواقف إلى عقبات. تقدمت العملية من خلال الاجتهادات الخاصة بها. تنجح في بعض الأحيان وتتعرض إلى إخفاقاتٍ جسيمة في أحيانٍ أخرى. كان ذلك في الماضي. لكن اليوم، ظهر إجماع لا يمكن إنكاره. بمعنى آخر، لا توجد مشكلة محتملة قد تنشأ اليوم من دون أن يتم إيجاد إجابةً لها بالاستناد إلى تجارب الماضي. نتربع اليوم على تجربةٍ متراكمة يمكن البناء عليها والقول مثلاً: «في ذلك اليوم قمنا بعمل كذا، وكانت النتيجة أن اقترب الطرفان أو الطرف الفلاني نحو الآخر. وبالتالي، حدث كذا وكذا». لذلك، مقارنةً مع الماضي، لم يعد هناك حاجة لإيجاد تأويلات من أجل فهم الأطراف بعضها البعض.

ألا توجد حاجة إلى صياغة نظام من أجل تفاوض الأطراف المتنازعة؟ هل يمكن أن يكون حزب الشعوب الديمقراطي أحد مصممي هذا النظام؟

حزب الشعوب الديمقراطي ليس طرفاً متصارعاً. لذلك لا يمكنه المشاركة في هذه العمليات بهذه الهوية. لن يكون من الصواب القيام بذلك أو واقعياً. يعمل حزب الشعوب الديمقراطي من أجل إحلال الديمقراطية والسلام، وأصر على المشاركة في هذه القضية على أساس بناء مستقبلٍ مشترك، ولأنه جهةٌ سياسية دفعت أثماناً باهظة. وتمسكه بهذه الهوية يشكل قيمةً كبيرة جداً لها مكانتها.

هل هذا ممكن مجدداً مع حزب العدالة والتنمية وهذه الحكومة؟

لست في وضع يسمح لي بالتمييز بين الحكومة والمعارضة في هذا الشأن، لأنه يمكن ملاحظة الاختلافات في التفاصيل والأجزاء غير البنيوية والهياكل السياسية القائمة. باستطاعتي القول، بشكلٍ عام، أنه لا يجوز وضع شخص معين أو هذا الطرف وذاك في سلة واحدة. ولكن عندما يتعلق الأمر بالجزء البنيوي الرئيسي للمشكلة، فإننا نواجه كتلةً واحدة فقط. هناك فروقٌ دقيقة واختلافاتٍ في النهج. لكننا نعلم، من تجاربنا وتاريخنا، أن البنى المطالبة والمالكة لإرادة السلام ستبدأ في ترداد ذات الأقوال بعد فترة عندما تتسلم هذه المسؤولية، من قبيل: «نعم كما تعلمون ونعلم.. الأمور لا تسير بالطريقة التي نرغب أو ترغبون بها». لهذا السبب، لا أجد أنه من الصواب التمييز بين السلطة والمعارضة. من في السلطة سيكون الطرف الذي يقابلنا في الحوار. يجب أن تكون المسؤولية الأساسية للأطراف المتفاوضة أن تتحدث عن هذه المشكلة بنفس الجدية وبنفس المحاور، وأن تطلب مساهمتها ومشاركتها في العملية قدر الإمكان. بعبارة أخرى، لا نمتلك رفاهية إقصاء أو تجاهل أي شخص.

كيف ينبغي النظر إلى السياسة الكردية والأحزاب والمؤسسات والشخصيات السياسية الأخرى التي تسير معها؟

حزب الشعوب الديمقراطي ليس هيكلاً مكوّناً من الحزب فقط. بمعنى، إنّه تشكيل سياسي ربما يكون له التراث والخبرة الأكبر في العالم في مجال السياسة المدنية وعلى المستوى الديمقراطي السياسي لجهة التنظيم والمطالبة بالسلام وإزالة العقبات على طريق تحقيقه. بعبارةٍ أخرى، نحن نتحدّث عن إرثٍ يمتد إلى ثلاثين عاماً، لا عن حزبٍ عمره سبعة أو عشرة أعوام. لذلك، سيكون حزب الشعوب الديمقراطي أحد أهم الجهات الفاعلة الرئيسية، وربما الأكثر أهمية، في مثل هذه العملية، بغض النظر عن مدى قدرته على أداء دوره ومسؤولياته. يتوجب، قبل الحديث عن عملية سلام، تهيئة أرضية الحديث عنها. هنا، تعد خبرة حزب الشعوب الديمقراطي في صياغة المطالب أمراً حيوياً.

اسمحوا لي أن أضرب المثل عن نفسي في هذه المقابلة؛ مضمون الأسئلة واضح لأن الموضوع الرئيسي الذي نتعامل معه جلي. كل سؤال تطرحونه له إجابتان أو أكثر من اجابة واحدة. لكن أحد هاتين الإجابتين ثمنه السجن لأعوام. على المستوى القانوني، لا يمكنك مناقشة هذه المسألة عندما يكون الوضع القانوني غير ديمقراطي. لا يمكنك التعبير عن نفسك بحرية. إن خبرة ونهج ومقترحات حزب الشعوب الديمقراطي بشأن كيفية تنظيم هذا الأمر في هذه الظروف هي، إذا جاز التعبير، ذهبية وحيوية. لهذا السبب، تكمن المشكلة الرئيسية هنا في أن الأطراف التي ستشارك في هذه القضية تحاول القيام بوظائف الآخرين.

من يحاول القيام بوظيفة الآخر؟

هذه المساحة في تغيرٍ مستمر في بلدنا. على سبيل المثال؛ يمكن لوزير الثقافة التحدّث بلغة رئيس الأركان، أو ممثلٍ سياسي للنظام الديمقراطي أن يتحدث بلغة الحرب. هذا ما أعنيه بفوضى المساحات. هذه مشكلة لا يمكن حلّها إلا بواسطة القوى الديمقراطية وأولئك الذين يؤمنون بالديمقراطية، لأنهم هم فقط من يؤمنون بهذا النهج وهذا المسار. عدا ذلك، يتعين على كل من البيروقراطية المسلّحة والجماعات المسلحة النظر إلى القضية من هذا المنظور، بغض النظر عن تسميات الدفاع والقتل والتدمير والتحييد. إذا كنت ستؤسس لنموذج سلام، يجب أن يكون للمؤسسات المدنية والمؤسسات الديمقراطية والممثلين رأيٌ وسلطة وقرار في هذه العملية. يجب إعداد البنية التحتية للسلام.

بالعودة إلى موضوع «كيف سيبدأ هذا؟» أعتقد أنه من الأفضل البدء بعملية نقد ذاتي جادة. بمعنى أننا بدأنا بعملية فشلت في نقطةٍ ما. هناك مسؤوليات تقع على عاتق الأطراف المشاركة في العملية، بالنظر إلى أخطائهم ونواقصهم والعوامل الخارجية التي لا تتعلق بهم. يجب إجراء تحليلات مفصّلة لمواجهتها وكشفها وصناعة الوعي، ومن ثم الشروع في نهجٍ جديد من خلالها. إن أسلوب المواجهة الصادقة والنقد الذاتي من قبل الأطراف ذات الصلة بشأن هذه القضية، وإثبات ذلك في ممارساتهم وجعلها ذات مصداقية، نهج لا غنى عنه من أجل المباشرة بعملية جديدة. وإلا، ستكون القضية عبارة عن عملية هندسة، والسلام مشكلة معقدة للغاية لا يمكن تحقيقها بجهودٍ هندسية.

هل سبق أن قمتم بعملية نقد ذاتي سواء على مستوى حزب الشعوب الديمقراطي أو على المستوى الشخصي؟ أو إذا قمتم بهذه العملية اليوم ما الذي ستقولونه؟

قمنا بذلك كأفراد وعلى مستوى الحزب. المتحدثون الرسميون والرؤساء المشاركون والأشخاص المشاركون في العملية تحدثوا عن هذا الموضوع مراراً ولا زلنا نتحدّث عنه. نحن الهيكل الأكثر شفافية في هذا الصدد. ليس لدينا أي حسابات أو توقّعات أو اهتمامات أخرى، هذا أولاً. ثانياً، عندما لا يكون هناك سلام، ندفع وحدنا الثمن الباهظ. لذلك، لا يمكن لأحد أن يشكك في صدقنا وإخلاصنا في هذا الموضوع. ربما يمكن التشكيك في صدق وإخلاص الآخرين، لأنهم لا يدفعون الثمن حينما يعودون إلى الحرب، في حين تحّل بنا جميع الكوارث. لهذا السبب، وعلى الرغم من كل هذا الوضع الصعب، قمنا بأشجع عملية مواجهة ومحاسبة في النقد الذاتي.

اسمحوا لي أن أقول ذلك مرة أخرى، جهدنا لم يكن كافياً في التنشئة الاجتماعية لمطلب السلام. كان بإمكاننا إيجاد طرق وأساليب أكثر إبداعاً للتغلب على العقبات والصعوبات، لكننا لم ننجح في ايجادها. ولهذه المشكلة أسبابها. لدينا أعذارنا بالطبع. لكن النجاح كان ليتحقق من خلال تذليل تلك العقبات. هذا كل ما استطعنا فعله. لذلك، من وجهة نظرنا، هناك نقص فينا، لكن معظم ما قيل عنا لم يكن صحيحاً.

لقد قيل الكثير عن عملية السلام بدء من اتفاق دولما بهجة وصولاً إلى داوود أوغلو، ما هي الحقبة التي تتحدثون عنها؟ هل بإمكانكم اعطاء أمثلة؟

على سبيل المثال، الادعاء بأن السياسة المدنية لم تستطيع أخذ زمام المبادرة بشكلٍ كاف للتعامل مع قضية «الخندق» كذبة كبيرة. لقد بذلت السياسة جهوداً كبيرة جداً. جميع الممثلين بذلوا جهوداً كبيرة، لكننا لم نتمكن من تجاوزها. لذلك، عندما أتحدث عن النقد الذاتي، أعني جملاً أو ثلاث جمل تلوكها أفواه الناس الذين يتغذّون بالحرب، ولا يمكن أن يكونوا إلا بالحرب. أولئك الذين لا عقل لديهم ولا قدرة على خلق لوغاريتم آخر. لكني أدين نفسي بعدم النجاح في إيجاد طرق وأساليب إبداعية للتغلب على هذه المشكلة، وبذل المزيد من الجهد لحلّها.

تقولون «بذلنا جهداً استثنائياً، لكننا لم نتمكن من منع ذلك بالطرق السياسية». بمعنى آخر، هل كان من الممكن أن تأخذ العملية منحى مختلفاً لولا أحداث الخنادق؟

لا أعتقد أنه من الصائب الحديث عن أحداث فردية بمنطق «كان من الممكن أن يكون كذا لولا كذا»، لأنه لا يمت للواقع. الحقيقة شيء هش للغاية. عندما تركز على جانب واحد، فإن أسهل شيء تقديم حجة لتبرير ذلك الجانب، لكن الأمر يصبح ديماغوجية. المسألة في عنوانها العريض، وفقاً لتقديري الشخصي، هي الانخراط في ما يسمى «الخوف من السلام». عندما تصبح الهياكل والمؤسسات والدولة والسلطة والتنظيم، أيا كانت تسميتها، قريبة من السلام، يظهر فجأة دور ما يسمى «الخوف من السلام» في أدبيّاتها مثل القلق من الحالة وعدم معرفة ما يجب القيام به أو ما سيحدث بعد ذلك. هذا ليس حكراً علينا. إنها قضية شرق أوسطية. وعندما ننظر إلى الظروف الحالية، نرى أنها مشكلة عالمية. عندما يتعلق الأمر بشؤون العالم، لن يبقى الأمر متوقفاً عندك فقط. من الحذاقة أن تحل هذه المشكلة بديناميكياتنا الخاصة من دون استغراق الكثير من الوقت. هذا ما أعنيه بعبارة «إذا استغرقت الأعمال الخيّرة وقتًا طويلاً، فإنها تتحول إلى شر». لا توجد قوة عالمية لا تأخذ المنطقة في حساباتها. كل منها لديها حساباتها الخاصة في المنطقة. لذلك، هم أكثر مهارة وأقوى منا في تغيير العملية إلى ما تتطلبه مصالحهم الخاصة، أحيانًا عن طريق مجاراة التطوّرات، وأحياناً عن طريق الاستفزاز، وتارةً بتطبيق العقوبات العلنية والعرقلة وما شابه ذلك، وكل ما يمكنها فعله.

لذلك، فإن سبب تدهور العملية يكمن في ضعف التحصينات الخاصة بالسلام، وحقيقة أن أولئك الراغبين بالسلام عاجزون عن مواجهة المقاربات المنظّمة لجميع القوى الساعية للحرب، تلك التي تتوقع الحرب أو تستفيد منها.

قلتم في إحدى المقابلات إن «كل شيء بدأ ينقلب رأساً على عقب خلال رئاسة داوود أوغلو للوزراء». هل ترون أن داوود أوغلو شكّل عاملاً مسرّعاً لانهيار عملية السلام؟

نظراً لأن الإجابة على سؤال «هل كان الأمر ليبدو مختلفاً لو كان بن علي يلدريم بدلاً من داوود أوغلو؟» هو «لا كبيرة»، لن يكون تحميل المسؤولية برمّتها لداوود أوغلو، والحال كذلك، تقييماً صحيحاً. قمت بهذا التقييم فقط لأنه كان الشخص المتواجد في منصبه في ذلك الوقت. ومع ذلك، من المستحيل القول إن لديه سجلاً رائعاً في فهم هذا اللوغاريتم وتطوير الأساليب التي يمكن من خلالها التغلب عليه. بعبارة أخرى، هو يتحمّل المسؤولية واللوم، لكن سيكون من غير المنصف القول بأن «هذه العملية برمتها انقلبت رأساً على عقب بسبب داوود أوغلو».

ما هي أحداث المسار الذي أدّى إلى اتّفاق «دولما بهجة»؟ إذ بدأ كل شيء يتدهور بعد الاتفاقية ثم انتهت عملية السلام

بدايةً، نحتاج إلى التحدث عن ماهية اتفاقية «دولما بهجة». كانت اتفاقية «دولما باهجة» الشكل الأول والوحيد لتوقيع وتسجيل نهجٍ مشترك للسلام في تاريخ هذا البلد.

من هم أطراف هذا النهج المشترك؟

لقد كانت خريطة طريق لحل القضية بين الأطراف المتصارعة، أي الدولة وحزب العمال الكردستاني، على أساسٍ ديمقراطي. وعندما ننظر إلى بنودها، نرى أن جميع المطالب تستند إلى التحول الديمقراطي الذي تصبو إليه المعارضة اليوم. وهذا يعني أنه لا توجد مطالب بشأن الأراضي ولا مطالب للحكم الذاتي. جميعها مطالب واضحة لا تحتاج إلى شرح. القضية برمتها مختزلة بأرضية التحوّل الديموقراطي. لماذا؟ لأنه عندما تجتمع أرضية التحوّل الديمقراطي مع حالة اللانزاع، سيكون من الأسهل مناقشة المسألة والمضي قدماً في أبعادها. لذلك، كان حدثاً غير مسبوقٍ حينما تفاوضت دولة الجمهورية التركية وأصدرت بياناً مشتركاً مع مجموعة كانت في صراعٍ معها. أزعجت هذه الصورة الـ«استاتيكو» كثيراً. بمعنى، لم يكن ما حصل شيئاً مألوفاً بالنظر إلى ما يقرب من 100 عامٍ من التجربة التركية، وأكثر من تلك المدة أيضاً. بدأ تجريم العملية بسرعة، وطفقت آلية ما أسمّيها «الهرولة السريعة نحو الأمام» بالعمل على مبدأ «إن وافقتم على هذا اليوم، فإنهم سيطالبونكم بأمور أخرى غداً». وبدلاً من مناقشة الوضع الناشئ، ظهر نهجٌ عدواني قائم على تشويه الحقائق والتركيز على الأخطار والتهديدات الوهمية. مقابل ذلك، كان هناك طرفان في هذا الاتفاق أحدهما هو السلطة التي لم تدافع عن هذا الاتفاق بالشجاعة والتصميم اللازمين، إذ سرعان ما اتبعت نهج التأويل.

كصحافيين كنا هناك أيضاً ننتظر عند الباب، قيل لنا إنه سيتم السماح لنا بالدخول. بمعنى، أنكم ستدلون بالبيان الصحافي بحضور الصحافيين. ولكن، لم يدلي أحد بأي تصريحاتٍ. لم يُسمح لنا بالدخول، ثم بدأنا بمتابعة الحدث عبر الشاشة، كيف؟

طرحنا هذا السؤال نحن أيضاً. قيل لنا إن أكثر من 1200 صحافي محلي ودولي كانوا متواجدين عند الباب. أي، أن هناك أكثر من 1200 ممثل لوسائل إعلام محلية ودولية. قالوا إن دخول كل هؤلاء سيكون مستحيلاً من الناحية اللوجستية. وبدلاً من ذلك، ستقوم وكالة الأناضول ببث المؤتمر على الهواء مباشرةً وليتابعه الجميع من خلال الوكالة، وهو ما حصل. أي أن كل ما تحدثنا عنه في الداخل تم نقله بالتزامن على الهواء مباشرةً. فعلياً، ليس لدينا معلومات بشأن ما الذي كانوا يفكّرون به، ولم غيّروا رأيهم. هذا كل ما قيل لنا.

ما السبب وراء عدم ارتياح الرئيس أردوغان لاتفاقية «دولما بهجة»؟

في البداية لم يعرب عن عدم ارتياحه، حتى أنه قال: «كنا نتوقع المزيد»، لأنهم توقعوا أن يحدد أوجلان موعداً لمؤتمر لنزع السلاح. وأوجلان، بناءً على تجاربه السابقة، طرح مقاربة «لندع الأحداث اللاحقة تسير تحت إشراف مراقب ثالث. سأعلن موعد المؤتمر عندما يأتي الأشخاص الذين سيقومون بدور المراقب الثالث». لذلك قال أردوغان: «كنا نتوقع المزيد». في وقتٍ لاحق، عندما بدأ إطلاق النار، تراجع أردوغان إلى نقطة قال فيها: «أنا لا أرى أن المراقب الثالث خطوة صحيحة»، على الرغم من أنه لم يعترض في البداية بل قال فقط: «توقعّنا أكثر قليلاً».

كان على علم بمتن مذكرة الاتفاق، أليس كذلك؟

بالطبع. هذه مسائل خطيرة. هذا النص نتاج لحوالى شهر ونصف من المناقشة والعمل.

لماذا قال الرئيس أردوغان إنه يتوقع المزيد ولماذا ذهب في التفسير إلى أبعد من ذلك لاحقاً؟

لا أعرف… في يوم من الأيام عليك أن تسأله ذلك.

يقال الآن أن هناك بعض المحادثات؟

لا أعلم. لذلك لا يمكنني التكهن.

بالعودة إلى موضوع إعطاء فرصة للسلام ومسألة الشراكة مجدداً، هناك تنبؤات بتجدد مثل تلك الفترة فيما يخص تركيا. هل فات القطار بالنسبة إلى الشراكة؟

ليس من عادتي أن أقول «انتهى شيء ما». لست منفتحاً على ذلك. هل لدينا فرصة أخرى؟ هذه هي الطريقة التي أفكّر بها. ليس لدينا فرصة أخرى. هل سنقاتل إلى الأبد؟ من الضروري أن نقول «توقف» عن هذا أو «كفى» في وقتٍ ما، وأن نبذل جهوداً من أجل ذلك. لذا، فإن القول بأن «القطار فات» سيكون أسلوباً انهزامياً للغاية لأن الموضوع لا ينتهي بقول هذه الكلمة فحسب. عندما تقبل هذا الأمر، عليك أن تنسحب من كل هذه الساحات أو عليك أن تتخذ شكلاً آخر. يجب الإصرار على السلام. بعبارةٍ أخرى، إذا واصل شخص واحد المطالبة بالسلام، فهناك أمل في البناء عليه. هذه هي الطريقة التي أنظر بها إلى القضية.

ماذا عن المعارضة التي اجتمعت حول الطاولة السداسية؟

المعارضة متخلفة عن الواقع العالمي في هذا الصدد، وتنبع المشكلة جزئياً من هذا. عندما أقول «معارضة»، أقصد كل الفئات خارج الحكومة. تبدو المعارضة مرتعبة من معالجة القضية على أساس مناقشة النظام. إما أنها ليست جاهزة لذلك، أو أنها غير قادرة عليه. وفي كلا الحالتين، لا يمكنها التعامل مع المشكلة على أساس النظام. المعارضة، أو المعارضة المتغيّرة في كل فترة، توجّه انتقادات جادة إلى المؤسسات. لو نظرت إلى التاريخ السياسي الحديث، لن تجد أي معارضة لم تنتقد مجلس التعليم العالي. لن تجد هيكلاً لا ينتقد المجالس المعنية بالعملية التعليمية. ولكن بعد وصولهم إلى السلطة، افترضوا دائماً أن الأمور ستصبح أفضل في حال تغيير الأشخاص على رأس هذه المؤسسات أو الشخصيات المعنية باتخاذ القرارات. لذلك، هم بعيدون عن مناقشة جوهر النظام والتفكير فيه. عاجزون عن ذلك. ربما ليس لديهم الشجاعة للقيام به. ليس لدى معظمهم مشكلة مع النظام على أي حال. لكن الأشخاص الذين لديهم مشكلة معه، والذين هم خارجه أو أولئك الذين يعلنون أنفسهم على هذا النحو، يبحثون كل شيء إلا النظام.

مناقشة الأحداث والأشخاص من دون مناقشة النظام هو علة البلاد. لقد كان الأمر كذلك منذ زمنٍ بعيد. هذا هو نهج معظم المعارضة. الاعتقاد السائد مبني على فكرة أن «الأمور ستكون أفضل إذا غادر فلان وحل بدلاً منه فلان في مؤسسةٍ ما»، فيما لا يمكن معالجة الأمور من دون بحث النظام. لا شك لدي في نوايا المعارضة الحسنة، لكنني أسميها متلازمة «أتشالي محمد الأصلع». لا أعلم ما إذا صوّر أحدهم الأمر على هذا النحو من قبل. «أتشالي محمد الأصلع» شخصية وحدث يمكن من خلاله استخلاص دروس مهمة. تعد ثورة آيدِن أحد أهم الاضطرابات التي شهدتها هذه الأراضي في 1829-1830. يعرّف إريك هوبسباوم «أتشالي محمد الأصلع» بأنه «قاطع طريق اجتماعي». يشبه الوضع ما يحصل اليوم. كان للإمبراطورية العثمانية نظام تحصيلٍ للضرائب وأناس مكلّفون بذلك. اذا أردنا التحدّث بمفاهيم اليوم وخريطة اليوم، نرى أنه يتم طرح منطقة بحر إيجه للاستثمار. السلطان يمنح هذا الاستثمار لمن يشاء، والمستثمر يوظف مكلّفين بجمع الضرائب يحصلون على الأموال من سكان هذه المنطقة. أما إذا كان هناك جفاف أو حرب أو صعوبات أخرى، يصبح من الصعب تحصيل هذه الأموال من الناس. وبالتالي، يطلب محصلو الضرائب العون من المتنفّذين الذين ينهالون على رؤوس الناس. لكن إذا كان المطلوب تحصيل 30 ألفًا للقصر، يصبح المبلغ 60 ألفاً لأن لهؤلاء نسبةً بدل عملهم، فتشتعل الاحتجاجات ويقمعونها بالعصي والقتل والنهب. في هذا الظرف، وفي هذه البيئة، يظهر «أتشالي محمد الأصلع» ويقود الاحتجاجات بناءً على فكرة تقول: «سلطاننا، سيدنا، شخص جيد لولا وجود هؤلاء الظالمين من محصّلي الضرائب». فجأةً، يتجمع الناس حوله من جميع المناطق المحيطة ببحر إيجه وآيدِن ومانيسا وإزمير من دون استخدام أي قوةٍ أو الاصطدام بأي شخص. عشرات الآلاف من الناس ينضمون إلى أتشالي محمد الأصلع. هو أحد أولئك الذين كتبوا أول دستور للمؤسسة، والذي تم تحويله اليوم إلى شيءٍ فولكلوري. حرّم رفع اليد على المرأة (ضربها) والتعدي على أي شخص يطلب الرحمة، أو سرقة حياة أحدهم أو ممتلكاته. بعد ذلك، طالب أتشالي محمد الأصلع بأكبر عددٍ ممكن من المطالب التي تم تضمينها في «التنظيمات» (الإصلاحات السلطانية). لم يتمكن القصر السلطاني من إيجاد حلٍ لأتشالي محمد الأصلع لمدة طويلة، ليبدأ أتشالي في إصدار التوجيهات والتعليمات والمراسيم التي تنظم الحياة الاجتماعية لصالح الشعب والمضطهدين. سبب تسميته بـ«قاطع الطريق الاجتماعي» هو عدم اعتراضه على القصر والضرائب التي يفرضها، ومواصلته قول إن السلطان جيد جداً، إنما هؤلاء المكلّفين بجمع الضرائب فاسدون. لم يعترض على النظام القائم. أشار الناس من حوله إليه بضرورة صناعة ختمٍ خاص به. في ذلك الوقت، تضّمن الختم عباراتٍ من قبيل «حاكم العوالم السبعة، فاتح الروم» وغير ذلك. فقام أتشالي محمد الأصلع بنقش ما يلي على الختم الخاص به: «والي الولاية، وخادم الدولة، أتشالي محمد الأصلع». يوجد اليوم تمثال نصفي له في مدينة أتشا بولاية آيدِن. وتحت هذا التمثال، نرى أيضاً نقش المهر الخاص به: والي الولاية، وخادم الدولة. هذا الأمر مهم جداً لأنه يعني أن أتشالي محمد لم يعرف شيئاً عن النظام. سذاجة التفكير في الاعتقاد أن الاضطهاد كان من قبل الوالي. أعتقد أنه تم عرض مسرحية وتصوير فيلمين وإصدار كتابٍ عنه.

لكن عندما أنظر إلى المسألة من منظور شخصٍ سينمائي، أعتقد أن لحظة وفاته هي أكثر لحظات الموت مأساوية في العالم. لأنه عندما سمع (السلطان) محمود الثاني أنه صنع ختماً خاصاً به، جمع قواته المتناثرة وأرسل جيشاً قوياً لمحاربته وقتله مع جميع رجاله. قتل بيد السلطان، على يد النظام. ربما فكر في لحظة موته «ما الذنب الذي ارتكبته؟، كنت وفيّاً جداً لسيدنا، لقد اعترضت على جامعي الضرائب فقط».

إذا لم تناقش المعارضة النظام، ستقع تحت سكاكينه هي الأخرى، وستبدأ بالتساؤل: «ما الذي فعلناه؟، نحن ننتمي إلى هذه الدولة. كنا نعطي الأولوية لهذه الدولة والأمة والعلم. كنا مخلصين لهم. لماذا تعاملت معنا الدولة هكذا؟» لكن النظام يجعل المرء يعي فقط وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. النظام شيء قاسٍ. الخائن الحاذق أعلاه يريد خادماً مطيعاً في الأسفل. لذلك، إذا كانت المعارضة منطقية، عليها مناقشة النظام. عندها فقط يمكنها أن تحمي نفسها. دعوني استخدم جملة طموحة، فقط في هذه الحالة يمكنها الاستمرار لعشرة أعوام: أولئك الذين يفكرون في ذلك، والهياكل السياسية التي يمكنها تطوير وتحويل تنظيمها والتعامل مع الجماهير على هذا الأساس هي التي يمكن أن تستمر في المستقبل. وإلا، سنرى إلغاء العديد من الهياكل السياسية التي تبدو قوية للغاية اليوم في غضون عشرة أعوام فحسب. هناك ما يسمّى بـ«جيل z». إنه قادم بالفعل. نموذج جديد، نهج جديد، آلاف الأمور التي جلبتها العولمة، فيما ما زالت (المعارضة) تواصل رؤية المجتمع وبناء المستقبل على افتراض أن هناك ذوات أمينة قائمة على أدب الأجداد. الوسائل غير ملائمة والنهج سخيف. لا توجد إمكانية للاستمرار بهذا الشكل.

عندما نقول هذا للمعارضة، يعتقد الجميع أننا أصبحنا نعارض المعارضة. الأمل يكمن في تلاقي البنى الاجتماعية السياسية الموجودة خارج السلطة. مرة أخرى، أعتقد أنهم (المعارضة) جميعاً مخلصون. لكن ما الفائدة (من هذا الإخلاص)؟

أكثر المواضيع التي تم الحديث عنها في الآونة الأخيرة، ما الذي سيتم عمله في الطريق إلى عام 2023؟ ما هو نوع اللقاء الذي سيتم؟ يضع حزب الشعوب الديمقراطي بعض الشروط فيقول: «نؤيد اتّفاقاً مفتوحاً وحواراً مفتوحاً. مع رفض أي اقتراح بشأن المرشّح المشترك من دون الأخذ برأينا، إذا لزم الأمر، سنعلن عن مرشّحنا». قلتم سابقاً: «ليتنا لم نكن مضطرين للضغط على أنفسنا». هل سيتعين على ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي أن يضغطوا على أنفسهم مرة أخرى في طريقهم إلى 2023؟

هناك بعض الفترات التاريخية، نرى حينما نقوم بمراجعة مسألة إعادة بناء تلك الفاشية أن لنا مسؤولية في وضع حجر في بنائها. لقد قمنا بتقييم عيوبنا المحتملة في العملية أو أخطائنا، والمواقف التي لم نكن موفقين فيها.

هناك أشياء في التاريخ تحدث فرقاً، وهذا هو الأهم. لنفترض الآن أن نائباً عن حزبٍ سياسي معارِض نجح في الحفاظ على مكانته من دون أن يحيد قيد أنملة عن هذه المشكلة ومن دون القلق بشأنها. لو أن مقاربة الجميع بقيت كما مقاربته، فإن سكين الجزّار ستلحق به بعد فترة. كما في القياس الألماني النموذجي: حينما اعتقلوه لم أحرّك ساكناً، ثم اعتقلوا الآخر ولم أحرّك ساكناً أيضاً. في النهاية، عندما أتوا لاعتقالي، لم يكن هناك أي أحد للدفاع عني. هذا ما أعتبره لؤماً. نحن في سعيٍ يُحدث فرقاً وذا قيمة. يقولون بلا خجل تحت مسمّى انتقاد السلطة «وأنتم، لقد قابلتم أوجلان»، ثم يريدون منا أن نضغط على أنفسنا التي لم يتركوا متسعاً فيها لتستقبل خيباتٍ جديدة. لذلك، بما أنه ما يزال هناك بعض الوقت، ربما أكون بالغت بعض الشيء أو أبدو متحدّثاً بقسوة قليلاً، ولكن إذا كنتم مهتمّين حقًا بالديمقراطية في هذا البلد، ما زال أمامنا سنة كاملة. اجلسوا وناقشوا الأمر على الأقل. أو قولوا للذين يفكرون مثلي: تفكيرك غير صحيح، تنبؤاتك وتحليلاتك ليست صحيحة. عليك أن تفعل كذا وكذا، وإلا فلا مجال لتغيير المصير المحتم.

بعد الانتخابات، لم يطرح أي مسؤول من الذين فازوا بالسلطة المحلية هذا السؤال مطلقاً نتيجة «وضع ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي الأحجار على قلوبهم». لماذا وضعتم حجراً على قلوبكم؟ «شكراً لأنكم منحتمونا أصواتكم» ولكن لماذا وضعتم حجراً على قلوبكم؟، ما الذي فعلناه؟ لا يمكن أن يكون هناك حماقة أعظم من هذا. الكل يركض خلف مصالحه. «لقد حصلنا على ما نريد وانتهى الأمر». هم يعتقدون أنه إذا لزم الأمر، فسيحصلون على ما يريدون مرة أخرى بلعبة خفيفة مثل هذه، مع الحيلة المتمثلة في عدم ترك أي خيار آخر لناخب حزب الشعوب الديمقراطي. بينما لو كنت مكانهم وجاءت قاعدة لا تنتمي إلى قاعدتي الشعبية وصوتت لي قائلة إنها تقوم بذلك مترفعةً عن آلامها، لهرب مني النوم لأيامٍ وأنا أتساءل لم انتابهم هذا الشعور؟، وكيف أنني سأبحث عن احتمالات أشياءٍ يمكنني القيام بها حتى لا يشعروا بذلك مجدداً.

ما هو أساس تحقيق هذه الاحتمالات؟

الأساس هو طرح هذا السؤال. هل ذهب أي شخص إلى من طلب من أنصاره أن يكتموا آلامهم ؟ هل قال أحدهم: «سيد صلاح الدين نأمل أن تكون بخير، ولكن لماذا قلت لناخبيك اضغطوا على أنفسكم؟» هم يعتقدون أن الأمر ينتهي بمجرد الحديث عن أنهم مسجونون ظلماً، وبأنهم سجناء سياسيون. هناك العديد من العناصر الهيكلية والتاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية الأخرى.

تحدث كمال كليجدار أوغلو عن المحاللة (التسامح)، ألا يتوافق هذا مع ما قلتموه؟

أرى السيد كمال في مكانة عالية في هذه الصورة السياسية بأكملها. أثمّن جهودهم وأساليبهم، وأعتقد أنهم يبذلون جهداً نبيلاً. ولكن هل هذا كاف؟ الجواب: لا. كما تعلمون، إن الطريق إلى الجحيم مرصوف بالنوايا الحسنة. لهذا السبب، أولاً وقبل كل شيء، إن الإداريين والأحزاب والهياكل التي وصلت إلى السلطات المحلية بتصويتنا ملزمون ببدء القضية. «أصدقائي، نحن ندخل عملية جديدة. في المرة الأخيرة وضعتم حجراً على صدوركم، لكن اليوم لم تتبق حجارة، ولا وسعٍ في صدوركم، لقد تحولت نفوسكم إلى مقابر. ماذا يمكننا أن نفعل؟» عندما يطرحون هذا السؤال، تظهر أرضية الاحتمال هذه. لكن الجميع مشغولون بالبحث عن مصالحهم فقط.

لكن يبدو أن هذا السؤال مطروح اليوم، هناك اجتماعات واستشارات بين حزب الشعوب الديمقراطي والمعارضة السداسية، وإن لم يكن بشكل علني، ومحاولة لإنشاء رؤية مشتركة لمرشح (المعارضة).

باعتباري شخصاً خاض كل هذه العمليات السابقة، لا أعتقد أنه سيكون كافياً أن تكون هناك شراكة مع أحدهم من المرشحين. من يقوم بحساباته بناءً على هذا، يجب أن يبحث عن طاولة يضع عليها قبّعته في اليوم التالي للانتخابات.

أود أن أشير إلى نهجٍ رئيسي واحد. يمكنكم التعرّف على جهةٍ مستعدّة لحل مشكلتكم من مسافات بعيدة. سوف تسمعون الجملة القائلة بأننا «سنتعامل مع مشكلتكم ونحلّها»، حتى لو تم نطقها همساً. لذلك، يجب أن تكون هذه الأمور شفافة ومكشوفة للعموم، فهي ليست سحراً. اسمحوا لي أن أسأل الطاولة السداسية، كما نفهم من بيانهم، إذ سمعنا ما كانوا يناقشونه بشأن أهم قضية في البلاد، فيا لم يعتبرنا ممثل أحد الأطراف على الطاولة جديرين بأسمائنا. أسماؤنا صلاح الدين، سري، أمين، برفين، يقول بأننا لسنا جديرين بحملها. أتساءل عما إذا كانوا سيعتبرون أسماءنا جديرة بنا عندما يصلون إلى السلطة. لا يمكنك أن تحصل على شيء قبل الإجابة على هذا السؤال. يتوجب على كل من يحسب الأمور بهذه الطريقة الجلوس ومناقشة هذه الأمور الملحّة.

هل تقولون بأن عليهم إقامة حوار مفتوح مع حزب الشعوب الديمقراطي؟

أجل. ما الذي يعيبنا؟ نحن أشرف الناس في هذا البلد. ما الذي يمنع الوقوف إلى جانبنا؟ تواصلون الحديث عن النضال من أجل الديمقراطية. نحن هيكل تعرض ثلثا حزبه إلى السجن والكثير من أبنائه باتوا تحت التراب. ما الذي فعلته أنت؟ اذكر لي ثلاثة أشخاص تنازلوا عن فنجان شاي حتى. أخبرنا مَنْ مِنْ أعضائك في السجن؟ تعتقد بأنه يحق لك إعطائي دروساً في الديمقراطية، وبعد ذلك ستعتقد أنه يمكنك التلاعب بي. لقد ولّت تلك الأيام. عليهم أن يكونوا جادين وصادقين ومصممين وشجعاناً. لقد سئم جمهورنا من أقوال مثل: «انتظروا، لنحسم الأمر بيننا، لن نتصرّف مثلهم حينما نصل إلى السلطة».

هل لا يزال حزب الشعوب الديمقراطي محافظاً على وضع «الحزب المفتاح» في الانتخابات؟

إذا وضعنا موضوع الدعاية جانباً، بالإمكان القول أنه حتى الحزب الذي يملك ألف صوت حزب مفتاح. هذا هو الحال في كل انتخابات. صوت واحد قد يغير الميزان. القضية ليست الانتخابات بحد ذاتها. ما الفرق إن فزتم في الانتخابات أم خسرتم فيها؟ قضيتي هي إيجاد جوابٍ على سؤال ماذا ستفعلون حيال ثلاث أو خمس قضايا كبرى تعيق تنمية البلاد ومستقبلها؟ سواء أصبح حزب الشعوب الديمقراطي في السلطة أم في المعارضة. سواء تم إغلاقه أو لم ينجح في تجاوز العتبة الانتخابية، لا يهم. صوّت لهذا أو ذاك في الانتخابات، هذا كلّه لا يهم. ليس «الشعوب الديمقراطي» ذلك الحزب الذي يعلن امتلاكه لخططٍ تم اعدادها سابقاً لعرضها عندما يحين الوقت. في هذا الحزب، تنضج مثل هذه المسارات من خلال المناقشة بدءاً من أصغر وحدة. تتم مناقشة جميع الأعضاء والداعمين والأصدقاء والمؤسسات المتعاطفة، لتصل بعدها إلى المستويات العليا.

هناك سلسلة من النقاشات الجدية. ومن هنا، تنبع قدرة حزب الشعوب الديمقراطي على تعبئة الجماهير بمجرد اتخاذه القرار. من الفرد في الشارع إلى الفرد في مكان العمل، ومن عضو إلى صديق، يشعر الجميع بقراراتهم وردود أفعالهم ومشاعرهم في البرنامج النهائي. هل صدف وأن رأيت حزب الشعوب الديمقراطي يواجه صعوبةً في تخطيط أو تنفيذ أي شيء؟ لا أبداً. لأن ذلك يكون نتاج عملية تبدأ من الأسفل باتجاه الأعلى.

كيف ترون مصير الطاولة السداسية؟

لست من قرّاء الطالع. يعتمد ذلك على فطنتهم السياسية ومقارباتهم. لكنني أعتقد أنه من المحتمل أن يتم تخريب الطاولة السداسية من الداخل. بعبارة أخرى، أعتقد أنهم لا يستطيعون الوصول إلى الانتخابات بهذه الرؤى. أعتقد أن المشكلة الرئيسية ستنشأ من الهياكل المكونة لتحالفهم. لا ينبع هذا القول من ضغينة، بل من خبرة. يمكنك تأخير القضايا الهيكلية حتى اليوم التالي للانتخابات. لا يمكنك تأجيل هذا النقاش إلى ما لا نهاية، وإلا لن يكون لديك الوقت لمناقشتها وإنضاجها. إذا ما تم التعامل بوضوح مع استفسارات الناس، من خلال الجلوس على الطاولة، فقد يصمد هذا الهيكل إلى حين الانتخابات، وربما حتى إلى ما بعدها. تبدو الصورة الآن أشبه بقصة الشخص الذي كان يخاف من الوشم وحاول الحصول على وشم. ذهب الرجل وقال إنه يريد الحصول على وشم. أظهروا له الرسوم فأحب رسمة الأسد. مع غرز الإبرة الأولى، قفز من مكانه خائفاً وسأل الواشم: ما الذي ترسمه الآن؟ أجابه: أرسم الذيل، فقال له: دعك من الذيل ولا ترسمه. في الإبرة الثانية، سأل: ما الذي ترسمه؟ فقال: أرسم اليد، فأجابه: دعك من اليد.. وهكذا. يبدو أن مصير الطاولة السداسية مماثل لهذه القصة. عليك التحدث عن القضايا المهمة أولاً والتوصّل إلى اتفاق، أو تظهر الحدود التي لا يمكن الاتفاق عليها، فتبحث عن إمكانيات لتطوير نهجٍ جديد. إنهم يتعاملون مع قضايا تافهة ويرحّلون القضايا الهيكلية. يقولون مرةً إنهم سيتعاملون مع أمن الانتخابات. من الجيد أن يتحدث حزب أو أحزاب عن أمن الانتخابات، لكن الحديث عن ذلك في كل اجتماعٍ مضيعةٌ للوقت. فهذه أمور تناقش في المجالس المختصة من قبل العاملين فيها، لا من قبل رؤوساء الأحزاب. إنه موضوع يتعلق بمدى إمكانية ثقتك بشعبيتك، لأنك لا تستطيع الوقوف على رأس كل صندوق اقتراع. قوّتك في تعبئة الجماهير تحدد ذلك. لـ(الرئيس الراحل) عصمت إينونو مقولة مشهورة جداً: إذا كنتم لا تريدون حل قضيةٍ ما، أحيلوها إلى الهيئات. أعتقد أنه بدلاً من الحديث عن أمن الانتخابات، يجب على حزب الشعب الجمهوري أن يسأل: «لماذا استطعنا إلغاء انتخابات البلدية عوضاً عن انتخابات المجلس (البرلمان)؟» لأنني شاهدت مسؤولاً عن الشؤون الانتخابية، على شاشة التلفزيون في زنزانتي، بعيد عن الاشتراكية الديمقراطية، جاهل بالقانون، تقدّم بالتماسٍ للاعتراض على عريضة حزب العدالة والتنمية قائلاً: «حتى وإن لم يحدث شيء، فإن شيئاً ما قد حدث»، فقلت في نفسي في حينه: هؤلاء جهلة.

ليس لديكم أفق لضمان أمن الانتخابات. إنها ليست مسألة معرفة، إنها مسألة إخلاص. إنها مسألة قناعة بأن «حياتي ستكون جحيماً إن لم أفعل هذا على النحو الصحيح».

هل كنت ترغب في أن يكون حزب الشعوب الديمقراطي على الطاولة السداسية؟ ما الذي كان ليتغير لو كان الأمر كذلك؟

أعتقد أن المشكلة في شخصي، لأنني لم أنجح في شرح مشكلتي. وعندما يكون الأمر كذلك، ابدأ بصياغة جمل غاضبة. ما الذي كان ليحدث لو أن حزب الشعوب الديمقراطي على الطاولة؟، وما الذي ما كان ليحدث لو لم يكن جزءاً منها؟ أنا لا أهتم بهذا الأمر. مشكلتي، على سبيل المثال، في صحافية علوية تقول بأن على السيد كمال كيليجدار أوغلو عدم الترشّح بسبب هويته العلوية. قالت: «أنا أيضاً علوية، وأقول الحقيقة فقط بكل صدق». لم يقل لها أحد بأن «هذا هو إعادة إنتاج الفاشية بشكل يومي. أنت تقومين بذلك عن قصد أو من دون قصد. بدلاً من قول ذلك، واجبك النضال من أجل إدانة هذا المفهوم وفضحه وليس تكراره». بمعنى، ليست مشكلتي إن كان حزب الشعوب الديمقراطي جزءاً من الطاولة السداسية أم لا. المشكلة أن عدم تواجدنا ضمن الطاولة السداسية ليس إلا إعادة إنتاج لقسوة هذه السلطة ووحشيتها تجاهنا ونهجها في التدمير تجاهنا، مرة أخرى وبشكلٍ أكثر فعالية. من يخدعون؟ سيقول الناس البسطاء لهم: «ها أنتم تهربون منهم (من حزب الشعوب) وكأنهم طاعون مثلما فعل حزب العدالة والتنمية» هذا إعادة إنتاج للفاشية. أنا لا أهتم بالطاولة. ما يهمني هذه الحقيقة الخبيثة التي لا يمكن تجاهلها. هناك العديد من المرشحين ممن يقولون إن مرشحاً ما يمتلك مكتبة (كبيرة). حسناً، ألم يقرأ هذا الشخص المعروف بمكتبته كتاباً واحداً بشير إلى أن ما يتم هو استنساخٌ للفاشية؟

إن موقف عدم التواجد على طاولة واحدة مع حزب الشعوب الديمقراطي هو إعادة إنتاج مفهوم لإدانتنا تماماً مثل السلطة، مجدداً وبشكلٍ أكثر حزماً. على من تضحكون؟ حتى أن هناك يساريون يقعون في هذا الفخ… يُفترض أنهم يساريون. هذا أشبه بمن فقد خاتمه في الحظيرة وجاء ليبحث عنه تحت عمود الإنارة، قائلاً: «حسناً، فقدته في الحظيرة لكن لا يوجد ضوء هناك. دعني أبحث عنه هنا تحت الضوء». للأسف، لا أحد يجرؤ على اقتحام مكان الظلام، فهم معصوبو الأعين.

اسمحوا لي أن أذهب إلى أبعد من ذلك. أرني هيكلاً واحداً لديه أكثر من عشرة أشخاص في السجن! حزب واحد! وسأقبل أن يقودني في النضال من أجل الديمقراطية ويكون مرشدي. جعلت الجغرافيا الكردية من السجن مسكناً ثانياً للإقامة فيه. لا حاجة لمثل هذه الألاعيب. إن كان التحالف المكون من ستة أحزاب سيفعل شيئاً ما في المستقبل، فليجلس ولنناقش النتائج الحكيمة التي يمكن الخروج بها. دعونا ننام ليلة واحدة مثلهم. أنا لا أذهب للنوم قبل السادسة صباحاً تحت وطأة التفكير بأن الشرطة قد تأتي وتأخذني من البيت. لست وحدي من يعيش هذه الحالة. إنها مصدر قلق. هل سيعطيني محاور يرى في مطاردة من يقف إلى جانب الحركة السياسية الكردية أمراً روتينياً درساً في الديمقراطية؟ إنهم يفتقرون للجدّية حتى الآن.