أزمة المياه تهدد الكيان السياسي لإيران.. هل من تسوية مع كردستان؟

حسين جمو

نهر “زائنده رود” هو كأس فارس و جواب عمرانها. عرف في التاريخ المعرب باسم “زرنروذ”. وفي كتابات البلدانيين أوصاف تكاد تكون منسوخة من بعضها ، أوسعها في معجم البلدان. فوصفه ياقوت الحموي بأنه “نهر موصوف بعذوبة الماء والصحة.. ويجتمع إليه مياه كثيرة حتى يعظم أمره فيمتد منها فيسقي البساتين والرساتيق والقرى ويمرّ على المدينة ثمّ يغور في رمال هناك ويخرج بكرمان على ستين فرسخاً من الموضع الذي يغور فيه فيسقي مواضع في كرمان ثمّ يصبّ إلى بحر الهند”. والمسافة بين أصفهان وكرمان نحو 700 كيلومتر. فكيف تغور مياه النهر في الرمال، وهي الصحراء التي تفصل بين هضبة فارس وسهوبها، ثم تظهر في كرمان بعد مئات الكيلومترات؟ يردد جغرافيو العصور الوسطى رواية متداولة عن الأهالي، وهي أنهم أخذوا قصباً وعلّموه بعلائم وأرسلوه في تلك المواضع التي يغور فيها الماء خارج أصفهان فوجدوها وقد ظهرت بأرض كرمان فاستدلوا على أنّه ماء أصبهان.

كانت السبخة التي تضيع فيها مياه أصفهان في قرية برزند و كان أهلها من المجوس في زمن ابن حوقل في كتابه صورة الأرض (أنجز الكتاب سنة 977 م)، و تقديم ابن حوقل للنهر أوسع من حيث تقسيمه بين الرساتيق في موسم الزراعة، وكذلك وصفه للسبخة “فلا يقدر الإنسان أن يمشى عليها إلّا على دفّتين من خشب أو كفّتين من حبال تكون تحت قدميه وهى على طرف مفازة خراسان من نواحي كرمان”.

اليوم جفّ أغلب مجرى نهر “زائنده رود”، مثله مثل عشرات الأنهر في أنحاء إيران. وقد يأتي يوم ليس ببعيد، أن يختفي مجرى النهر ذاته كلياً. و طالما كان العمران الزراعي و التجاري قائماً على ما تجوده الطبيعة على البشر، وبما أن شروط الإنتاج لم تتغير في معظم الشرق، بل ازداد اتكالاً على الطبيعة رغم مظاهر التحديث، فإن تلاشي العمران يهدد بشكل فعلي المنطقة برمّتها، والأرجح أن تكون إيران أولى ضحايا الأزمة المزدوجة: التغير المناخي وسوء إدارة الموارد.

لأيام متتالية، خرجت تظاهرات غاضبة في أصفهان للتنديد بالسياسات المائية للحكومة. كان مجرى نهر”زائنده رود” نقطة تجمع للمزارعين وغيرهم من الناس من جميع أنحاء محافظة أصفهان احتجاجا على نقص المياه منذ 9 نوفمبر/تشرين الثاني. ورغم أن الجفاف هو السبب الرئيسي للاحتجاجات إلا أنهم يتهمون السلطات أيضا بتحويل المياه من المدينة إلى محافظة يزد، والتي تعاني أيضا من نقص شديد في إمدادات المياه. وانقطعت مياه النهر منذ نحو عقدين من الزمن، باستثناء فترات وجيزة في مراحل مختلفة حين يتم فتح بوابات سد نكو آباد. ومنذ أعوام يشكو سكان أصفهان من تحويل مياه النهر أيضا إلى محافظة يزد المجاورة.

هذه الاحتجاجات تأتي ضمن سلسلة من التعبير عن الغضب الشعبي العابر للمدن والبلدات منذ سنوات، وقد تفاقمت خلال العامين الماضيين بسبب حدة الأزمة المناخية التي فتكت بالزراعة و باتت تهدد الحياة الحضرية في العديد من المدن. و تكاد إيران تشهد حرباً بين مدنها بسبب عدم احتمال أي منطقة التخلي عن حصصها المعتادة من مياه المجاري المائية. ومن مظاهر هذا التوتر بين الأقاليم ما ذكره صحفي في وكالة فارس الإيرانية، من أن جرافتين استُخدمتا (من قبل المحتجين) لتدمير أنبوب ينقل المياه من محافظة أصفهان إلى يزد.

وقبل احتجاجات أصفهان، شارك أكثر من ألف شخص في مسيرة نحو مبنى محافظة تشهار محال وبختياري للمطالبة بإيجاد حلّ لمشكلة شحّ المياه حيث تعتمد منطقة البختيارية اللور أيضاً على نهر “زائنده رود”. وأفاد التلفزيون الرسمي بأن المتظاهرين احتجوا أيضا على مشاريع نقل المياه من المحافظة إلى مناطق مجاورة”. وأظهرت صور المئات من المتظاهرين في شوارع عاصمة الإقليم شهركرد، وردد المحتجون هتافات من بينها “لا لنقل المياه من تشهار محال”.

خلال العقد الماضي شهدت إيران موجات جفاف متكررة، خصوصا في الجنوب حيث تسجّل درجات حرارة مرتفعة نسبياً. وعلى مدى الأعوام الماضية أدت موجات حر شديد وعواصف رملية موسمية إلى جفاف في سهول خوزستان التي كانت تعرف بالخصوبة، فيما يحمّل الإيرانيون السلطات مسؤولية أزمة شح المياه.

ووصف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ، أزمة المياه بأنها “أكبر مشكلة في البلاد”. والأرقام هي التي تجعل من الاستحالة على النظام الإيراني تجاهل عمق هذه الأزمة. و بلغة الأرقام، وفقاً لحميد رضا جانباز ، مدير شركة المياه و الصرف الصحي الإيرانية، فإن من بين 304 مدن تتعرض لتحدي المياه، هناك 101 مدينة إيرانية في حالة حمراء من حيث توفر المياه. وتعاني أكثر من 5000 قرية في إيران نقص المياه، وحوالي 7000 قرية أخرى يتم إمدادها بالمياه بواسطة الصهاريج، وفقاً للمسؤول الإيراني، حميد رضا محبوب فر، الذي أوضح أن شح المياه في إيران قد نتج عن استهلاك 90% من الموارد المائية السطحية والجوفية في البلاد.

حرب المياه

مع انسحاب الولايات المتحدة  من الاتفاق النووي، وإعادة فرض العقوبات، تزايدت مصاعب إيران لتلبية متطلبات التنمية من مواردها المائية الشحيحة. فقد أدى احتكار شركات الحرس الثوري الإيراني بناء السدود إلى مفاقمة المشكلة بدلاً من حلها، بسبب ارتفاع نسبة ملوحة الأراضي قرب المجاري المائية، كما في نهر كارون. وارتفعت نسبة الملوحة في الأراضي الزراعية في محافظة خوزستان ذات الغالبية العربية بتداعياتٍ مدمرة على الزراعة. وحذر  وزير الزراعة الإيراني السابق عيسى كالانتاري أنه في حال استمرار الوضع على هذا النحو، فإن “50 مليون إيراني، أي 70 في المئة من سكان البلاد سيضطرون لمغادرتها خلال 22 عاما”. و في بداية صيف 2021، صرح كالانتاري أن هناك بوادر لاندلاع “حرب مياه” في المناطق الريفية، مما يعرض إيران لخطر “الزوال”.

في مقال نشرته وكالة بلومبرغ الأميركية في يوليو تموز الماضي، توقع الكاتب الصحفي بوبي جوش أن تواجه إيران ما وصفه علماء البيئة بأنه إفلاس مائي وشيك على خلفية فصول الصيف القادمة. ويقول جوش إنه من سخرية القدر أن ندرة المياه هي إلى حد كبير نتيجة رغبة النظام في تحقيق الاستقلال الزراعي، فطوال عقود شجعت طهران على زراعة المحاصيل الأساسية على نطاق واسع، و حفزت المزارعين على استغلال كل المياه الجوفية التي يستطيعون الحصول عليها، ونتيجة لذلك، يتوقع علماء البيئة جفاف خزانات المياه الجوفية في 12 محافظة من محافظات إيران الــ31 خلال الخمسين عاما المقبلة.

ومن الواضح أن السياسات الزراعية الخاطئة مسؤولة بشكل كبير عن مفاقمة شح المياه، فسياسة النظام الإيراني كانت تتلخص – وفق بلومبرغ- في أنه من أجل تجنب الضغوط الدولية، يجب أن يكون لدى الجمهورية الإسلامية “اقتصاد مقاومة”، وركيزته الأساسية هي الاكتفاء الذاتي الزراعي.

وبالفعل حققت إيران الاكتفاء الذاتي الكلي من القمح عام 2014، وتحولت إلى التصدير عام 2018، لكن هذه السياسة أنهكت الموارد المائية الشحيحة أصلاً. ومن المفارقات التي تشهدها إيران وبلدان أخرى في المنطقة هو عدم التناسب بين التكاليف المائية للزراعة و العائدات الفعلية.  يعد قطاع الزراعة هو المستهلك الأكبر لموارد إيران المائية، وبينما تمثل الزراعة 10% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، فإنها تستهلك أكثر من 92% من المياه في إيران. ويتألف نمط الزراعة في إيران من المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، كما أن طريقة الري الأكثر استخداماً بواسطة القنوات، فضلاً عن أن استخدام المياه في الزراعة يجعل من الصعب إعادة استخدامها نظراً لتلوثها بالمبيدات.

هل الحل في كردستان؟

الحلول التي تتبعها إيران حتى الآن إما أنها غير مجدية أو تفاقم المشكلة. فالموارد المائية التي تحتجزها أفغانستان في سدود قرب الحدود مع إيران، ليست بحجم يساعد على حل المشكلة، كما أن تقليص إيران من حصص العراق المائية يهدد أمن ومعيشة المجتمعات المحلية في العراق، وقد بدأت بالفعل التوترات الاجتماعية في محافظة ديالى بسبب النزاع على موارد المياه بين القرى، وتأخذ طابعاً طائفياً.

بَنَت الحكومة الإيرانية منذ عام 2000 في 11 سداً في محافظة كردستان الغنية بالثروة المائية رغم أنَّ الجفاف قد طال الروافد المائية المغذية لبحيرة أورميه التي كانت يوماً ما من البحيرات العملاقة. و الاستقرار الأمني في المناطق الكردية حاسم لمستقبل إيران، حيث تأمل طهران أن تستثمر في بناء المزيد من السدود في الأودية الكبيرة للاستفادة من مياه الأمطار و محاولة استجرارها إلى مناطق مجاورة تعاني شحاً مائياً.

في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، زار وزير الداخلية الإيراني، أحمد وحيدي، محافظة كردستان وأطلق وعوداً بإنعاش كردستان في كافة النواحي.  وأشاد الوزير وفق ما جاء في تقرير وكالة تسنيم على دور الكرد، قائلاً إن الكرد تعاونوا وساندوا بقية مكونات الشعب لدعم الثورة، ووقفوا بحزم ضد دعاية الأعداء وشاركوا بإحباط المؤامرات. كما أثنى على شعب كُردستان واصفاً إياه بأنه شعب شجاع وصامد، وينبغي أن يكون “نموذجاً نستقي منه العديد من دروس الشرف والكرامة و المقاومة و الاتزان”.

 وفي سياق متصل، قال وحيدي :«إن كردستان وجامعات هذه الولاية ستكون منبراً مهماً للمنطقة برمتها وهو أمر لا غُبار عليه، حيث ستؤدي دورها تجاه تنشئة الكرد والأمم الكردية في الخارج، ويتحقق ذلك عندما تكون أبواب جامعاتنا مُشرّعة أمامهم بحكم العلاقات الوثيقة التي تربطنا بالكرد عموماً، وإقليم كردستان العراق خصوصاً». واعتبر الوزير أيضاً بأنه وبخلاف دول المنطقة الأخرى التي اضطهدت الكرد بشكل عام وأنكرت وجودهم، إلا أنّ النظام الإيراني كان أكثر واقعية تجاه قضيتهم. مضيفاً:« إن الأمة الكردية كانت دائماً موحدة جنباً إلى جنب مع حضارتها وهويتها وبسالتها في الدفاع عن النظام على مرّ العصور، والتي يمكن أن تكون دروساً جيدة للآخرين». ووفقاً للتقرير الذي أوردته وكالة تسنيم، فقد اعتبر الوزير استكمال مشاريع الانشاءات الخاصة بممر الطريق السريع في غرب البلاد بات أمرا ملحاً. كما تحدث عن مشكلة مياه الشرب في ولاية “سنندج” ( ثاني أكبر المدن الكردية في إيران) وطالب بحلها في أسرع وقت ممكن. وأطلق وحيدي رؤية مستقبلية حالمة تستعيد التاريخ القديم بين الشعبين الكردي والفارسي على أرضية الأرباح المشتركة. فاعتبر أن كلاً من إيران وكردستان ستصبحان قويتين عندما تتحولان إلى مركز للتجارة في المنطقة معاً.

مثل هذا الكلام غير معهود على لسان مسؤول بمستوى وزير الداخلية. سبق وأن وصف الرئيس السابق حسن روحاني كردستان بأنها “عين إيران”، وكان يقصد محافظة كردستان التي تضم جزءاً من المناطق الكردية في إيران. لكن الوزير وحيدي تحدث عن فكرة ربما تكون رسالة للقوميين الكرد، بقوله إن جامعات محافظة كردستان ستكون “منبراً مهماً في تنشئة الكرد والأمم الكردية في الخارج”. وهي رسالة مشوشة بكل الأحوال، وليس من المرجح أن تلقى استجابة خارج القنوات الرسمية المعتادة مع إقليم كردستان العراق، رغم أن ما تطمح إليه إيران هو كسب الكرد جميعاً لضمان هدوء المنطقة الكردية حين تشتد الاضطرابات في الهضبة الفارسية.  

خلاصة

من شأن المشكلة المائية في إيران أن تثير اضطرابات اجتماعية وقومية بدوافع اقتصادية، وقد بدأت ملامح هذه الضطرابات في الظهور، لذلك تنتهجُ الدولة الإيرانية سياسات متباينة تُجاه القوميات غير الفارسية التي تحيط بالهضبة الإيرانية مثل السوار. وباعتبار أنَّ أقوى التمردات مرشّحة أن تكون في كردستان الشرقية، فإنَّ الدولة الإيرانية تبدي بعض الانفتاح المتردد على الكرد في إيران، لكنها تستمر في عمليات الإعدام ضد منتسبي الحركات الثورية الكردية. وبينما أدت السياسات الإيرانية التمييزية إلى فتور الترابط القومي بين مركزي كردستان إيران: كرمانشاه، ذات الطابع اليارساني – الاثني عشري، وسنندج (سنه) ذات التراث السني النقشبندي. وواقع الأمر أنّه على مدار التاريخ المعاصر، أرهب النظام الإيراني الحركات الكردية من الاقتراب من المدن القريبة مذهبياً من الشيعة الاثني عشرية، وتحديداً كرمانشاه، و نادراً ما تجاوزت الأحزاب الكردستانية الخط الأحمر الإيراني المرسوم أمام كرمانشاه وجنوبها، وبختياري ومحيطها. وفي الأخيرة ليست هناك بيئة في الوقت الحالي تسمح أساساً بنشاط ذو طابع كردستاني. في العموم، باتت محافظة كرمانشاه في قلب  الحركات الاحتجاجية المعيشية في السنوات الأخيرة. و تكاد المدينة تعلن تمردها النهائي على النظام السياسي، من دون أن تتضح حتى الآن وجهة الغضب الشعبي في هذا الجزء من كردستان الشرقية. على أنّ المؤكد هو حاجة طهران الملحة إلى نوع من التحالف مع بلاد ميديا القديمة للنجاة من هذه المحنة البيئية.