أزمة أوكرانيا… حرب باردة جديدة أم عقدة بوتين في نيل احترام الغرب

فرهاد حمي

دفعت الأزمة الأوكرانية بين موسكو والعالم الغربي الباب مفتوحاً على سيناريوهات متباينة محملة معها تساؤلات عدة. من أبرزها: هل العالم مقبل على حرب باردة جديدة حقاً، أم أن التحشدات العسكرية الروسية على الحدود الاوكرانية، والتهديد الصادر من واشنطن وحلفائه بالرد على موسكو، مجرد غطاء يهدف من ورائه بوتين كسب الاحترام لدى المعسكر الغربي؟

الفرضية، التي ترجح كفة اندلاع حرب باردة جديدة، تسند مقولاتها على مزاعم بوتين بدنو الناتو شيئاً فشيئاً من روسيا، وتالياً، الوجوب بعدم السماح لأوكرانيا بأن تصبح جزءاً من التحالف الغربي، و بل حتى مطالبة الناتو بسحب قواته من أوروبا الشرقية. باختصار، يطالب بوتين فعلياً بأن يصبح الناتو تحالفاً ضعيفاً، وهو الرأي الذي أكده المحلل الأمريكي والسفير السابق لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، جميس غيلور، في مقالة نشره في موقع فورين بوليسي بعنوان “حرب باردة جديدة ومستقبل أوروبا والعالم”.

من المعلوم، أن الأزمة الأوكرانية لم تظهر فجأة. فقد غزت روسيا أوكرانيا سابقاً في عام 2014، تاركة وراءها قوات بالوكالة في شرق البلاد. وضمت شبه جزيرة القرم، وهي منطقة معترف عليها كأرض أوكرانية، والتي تُستخدم الآن كمنطقة انطلاق عسكرية ضدها. جاء كل هذا في أعقاب الغزو الروسي لجورجيا عام 2008 واحتلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وتمركزها في منطقة ترانسنيستريا في مولدوفا ضد رغبات حكومة ذلك البلد.

وعشية عقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة يوم الأثنين الماضي، بناء على طلب واشنطن لمناقشة مسألة حشد القوات الروسية على حدود أكروانيا، حذر الرئيس الأمريكي جو بايدن بدوره من أنّ بلاده “تواصل الدعوة لاعتماد الدبلوماسية” سبيلاً لحلّ الأزمة على الحدود الروسية-الأوكرانية. لكنها (الولايات المتحدة الأمريكية) في الوقت نفسه وفق بايدن “مستعدّة لكلّ الاحتمالات”. إزاء حشد موسكو أكثر من مئة ألف عسكري. وغالباً ستكون الاحتمالات التي في ذهن الرئيس جون بايدن معنية حول التهديد المحدود بالعقوبات، وهو عملياً دعوة لبوتين لغزو أوكرانيا حسب بعض المحللين.

 يرى جيمس غيلور في نفس المقالة المنشورة، إن هذه الأزمة لا علاقة لها بسلامة وأمن روسيا. فهذه رسالة زائفة موجهة للشعبين الروسي والأمريكي. وقد يكون الغزو خطوة تالية حاسمة في تحقيق هدف بوتين الاستراتيجي: وهو إعادة تشكيل الكتلة السوفيتية القديمة. سيما أن بوتين في عام 2005 قد أوضح بإن انهيار الاتحاد السوفيتي كان ” أكبر كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين. إن الخطوة الأساسية لعكس مسار التاريخ هي إخضاع أوكرانيا. هذا ليس لغزاً وفق ما يقوله غيلور. فقد صرح بوتين مراراً وتكراراً أن الأوكرانيين والروس هم “شعب واحد”، معرّضاً وضع أوكرانيا كدولة مستقلة للشك.

وتذهب هذه المقاربة، بإن اندفاع بوتين لتوسيع نفوذ موسكو في أوكرانيا عبارة عن استرداد حدود الاتحاد السوفياتي. وقد يشعر بوتين أن هذه هي اللحظة المناسبة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. بيد أن قواعد اللعبة تغيرت كلياً، فغالبية الدول المحررة حديثاً مثل لاتفيا وليتوانيا وإستونيا ورومانيا والمجر وبولندا وجورجيا وسلوفاكيا وجمهورية التشيك وكل الدول الأخرى من الإمبراطورية السوفيتية السابقة، لن تقبل بأن تخضع للسلطة الروسية. بناء على ذلك تطالب الكثير من التيارات الليبرالية في الغرب الولايات المتحدة مع المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا ودول أخرى بوجوب إرسال إشارات إلى هذه الدول في أوروبا الشرقية بأنها تقف معهم في زمن الأزمات.

ومع قرع طبول الحرب وظهور عبارات مثل حرب باردة جديدة، سارع الإعلام الغربي مجدداً إلى تقسيم العالم بين معسكر الاستبداد في مواجهة العالم الحر، وهو تقسيم شدد عليه أيضاً إدارة بايدن في قمة التحالف الديمقراطي مؤخراً. فالولايات المتحدة وفق رؤية إدارة بايدن تنبغي أن تقود حرباً باردة جديدة لتقرير مستقبل أوروبا، بل مستقبل العالم بأسره في ظل صعود الدول الاستبدادية مثل الصين وروسيا. لذا تكمن المهمة الوطنية أمام القيادة الأمريكية في دعم رغبة كل شعوب أوروبا الغربية والشرقية. فالهجوم على أوكرانيا هو اعتداء على حليف للولايات المتحدة – وجميع حلفاء أمريكا الآخرين وفق هذا المنظور.

وعليه، تتراوح خيارات المواجهة مع موسكو في خانة سلة من العقوبات الاقتصادية والأمنية، خاصة إذا ما عبر أي جندي روسي الحدود الأوكرانية. لكن العقوبات وحدها لن تمنع روسيا من الغزو حسب بعض المحللين. فالعقوبات التي فُرضت بعد احتلال القرم لم تزعج الكرملين ولم تثنه عن سلوكه التوسعي. إلى جانب ذلك، رفض بايدن العقوبات التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب على خط أنابيب نورد ستريم 2 المدعوم من روسيا، مشيراً إلى أن العقوبات الأمريكية في النهاية، مؤقتة.

وثمة رأي آخر، يقترح بوجوب إظهار روسيا أمام الرأي العام الدولي بأنها دولة منبوذة بين الدول المتحضّرة. وينبغي طردها من جميع المنظمات الدولية، لكن هذا الاقتراح أيضاً يصطدم بالانقسام الحاصل بين مواقف الدول الأوروبية وكذلك التشرذم الجاري داخل المجتمع السياسي الأمريكي. فاستخدام عقوبات صارمة وتجهيز قوات عسكرية يتطلب توحيد المواقف وإظهار القوة، وهو أمر يبدو غير واقعي نسبياً في ظل الخلافات بين الدول الغربية.

أمام هذا الانقسام والتشرذم الغربي ظهرت وجهة نظر من داخل الناتو خالفت كل الآراء السائدة. حيث صرح القائد البحرية الالمانية، كاي أخيم شونباخ، يوم الجمعة الماضية، بأن الرئيس الروسي يستحق الاحترام ويجب منحه هذا الاحترام، وأن كييف لن تسترد ابداً شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو. وبعد هذه التصريحات الصادمة، تتالت موجة من الانتقادات ضد قائد القوات البحرية الالمانية، حيث أعفي فوراً من منصبه بعد فترة وجيزة.

في الحقيقة، ما صرح به قائد القوات البحرية الالمانية، ربما يعكس ما هو مخفي في الدوائر السياسة الغربية، وتحديداً في مسألة عدم جدية الدفاع عن أوكرانيا بما فيه كفاية. فضلاً على أنه قد يجسد الرغبات الدفينة لدى بوتين نفسه. فموسكو إلى هذه اللحظة تشعر بالتهميش والإقصاء والإهانة من قبل المعسكر الغربي، لا سيما في مسألة صياغة القرارات الاقتصادية والأمنية والعسكرية الدولية، وهو رأي قاله يوم ما العالم الاجتماعي الأمريكي إيمانويل فالرشاتين، بأن عقدة موسكو تكمن في كسب الاحترام والود لدى المعسكر الغربي.