ردع إيران واستقطاب روسيا إلى صفها.. “بيغن-السادات” يكشف عن الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل في سوريا

يعقوب لابين* | معهد “بيغن-السادات”

تستند حرب الظل الإسرائيلية في سوريا إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل في إقناع الجمهورية الإسلامية بأن استثماراتها في آلة الحرب ستضيع هباءً، فقد اختارت إيران حتى الآن التغلب على الاضطرابات الداخلية وتغيير تكتيكاتها دون التخلي عن مشروعها في سوريا.

في بداية شهر يوليو/تموز، ظهرت تقارير إعلامية حول موجة واسعة من الضربات الإسرائيلية المزعومة على أهداف المحور الإيراني في جميع أنحاء سوريا. وتُعد التقارير بمثابة تذكير بحرب الظل المستمرة التي تدور بين تل أبيب وطهران، وتسلط الضوء على الهدف الاستراتيجي طويل الأجل لإسرائيل.

يُقال إن الضربات الإسرائيلية أصابت مواقع أسلحة إيرانية وحزب الله، وشملت مرافق التطوير والتخزين والنقل، والتي يبدو أن بعضها مدمج في القواعد العسكرية للنظام السوري. وقيل أيضا إن الأهداف المحيطة بـ”دمشق وحمص” وغرب سوريا، قد أُصيبت جميعها، ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا.

قبل فترة طويلة من بدء الولايات المتحدة لسياسة الضغط الاقتصادي الأقصى على إيران، كانت إسرائيل تطبق سياستها الخاصة بالوقاية المسبقة -ولكن المنخفضة- في سوريا، وهذه السياسة لا تزال مستمرة.

باستخدام معلومات استخباراتية متقدمة مقرونة بقوة عسكرية دقيقة، أعطت مؤسسة الدفاع الإسرائيلية الأولوية لهدف تعطيل بناء آلة الحرب الإيرانية في سوريا. وقد تصرفت إسرائيل أيضًا في العديد من المناسبات لمنع إيران من استخدام سوريا كمنطقة عبور وإنتاج للأسلحة المتقدمة، مثل الصواريخ الموجهة، لصالح حزب الله في لبنان.

يتضمن هذا الجهد تتبع الرحلات الجوية ومصانع الأسلحة والقوافل البرية المشبوهة ومجموعة من أنشطة إنتاج الأسلحة الإيرانية وتهريبها في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

ووفقا للتقارير، شملت حملة الحرب بين التحركات الإسرائيلية أيضا ضربات ضد الجهود الإيرانية لبناء ممر بري يربط العراق بسوريا، بغرض نقل الأسلحة والميليشيات التي تدعمها إيران.

وتمثل تقارير الضربات الإسرائيلية المزعومة قمة جبل جليدي كبير للغاية، حيث إنه في مقابل إجراء وقائي أُعلن عنه من قبل إسرائيل، يمكن الافتراض بأن هناك العشرات غيره التي لم يعلن عنها ولا تزال غير معروفة لعامة الناس.

باختصار، إسرائيل مصممة على عدم السماح لإيران ببناء قواعد هجومية للطائرات بدون طيار ومصانع صواريخ وشبكات إرهابية بالوكالة لتهديد مواطني إسرائيل، ويعمل سلاح الجو الإسرائيلي بسرعة عالية على مدار الساعة لمراقبة التهديدات الناشئة وتعطيلها.

وقد تم توضيح الهدف الاستراتيجي الشامل لإسرائيل في هذه الضربات من قبل مدير الاستخبارات الإسرائيلية “الموسادة يوسي كوهين، بعد ساعات من الهجوم المزعوم في 1 يوليو، عندما صرح في مؤتمر “هرتسليا” الأمني الذي ينعقد سنويا: “أعتقد أن إيران ستصل إلى استنتاج مفاده أن الأمر لا يستحق العناء”.

يعكس هذا التصريح الهدف الإسرائيلي الأوسع نطاقًا، والذي لا يقتصر فقط على إيقاف تعزيز القوة الإيرانية في سوريا فعليًا. وبدلاً من ذلك، فإن هدف إسرائيل هو جعل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وفيلق الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) وقوة القدس التابعة له، يصلون إلى استنتاج مفاده أنهم لن يكونوا قادرين على تهريب وتعزيز القدرات الهجومية إلى سوريا، دون أن تلاحظ إسرائيل وتتخذ إجراءات حيثما تشعر أنها ضرورية.

تم تنفيذ مئات الضربات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة لدفع إيران إلى تغيير مسارها وتقليص مشروعها في سوريا. ومن المأمول أن تكون النتيجة النهائية لتلك الضربات هي أن إيران تصبح مجبرة على إجراء تحليل للتكاليف والفوائد، وأن تستنتج أن استثماراتها في سوريا ستضيع هباءً.

كان رد إيران حتى الآن هو انتهاج لعبة القط والفأر مع إسرائيل: فقد قامت بتقليص أنشطتها مؤقتًا قبل إعادة تعزيزها مجددا وتحويل تركيز أنشطة تعزيز قواتها بعيدًا عن جنوب سوريا، بالقرب من الحدود الإسرائيلية ودمشق، ونقلها نحو الصحراء العميقة الوسطى السورية.

وقد أكد “كوهين” هذا في كلمته، قائلاً إن “الموساد” لديه معلومات عن بناء الإيرانيين وحزب الله قواعد في الشمال السوري.

ويتضمن هذا على الأرجح المحاولات الإيرانية لاستخدام قاعدة T4 الجوية في وسط سوريا، كبديل لمطار “دمشق” الدولي لتهريب الأسلحة المتقدمة وتخزينها قبل توزيعها إلى سوريا ولبنان. وقال “كوهين” خلال خطابه: “إنهم يعتقدون خطأً أنه سيكون من الصعب الوصول إليهم”.

في الأسابيع الأخيرة، حاولت إسرائيل استكمال خطواتها العسكرية بضغوط دبلوماسية إضافية على إيران لدحر أنشطتها في سوريا. وجاء ذلك في شكل اجتماع ثلاثي مهم، عقد في القدس في 24 يونيو/حزيران، حضره مستشارو الأمن القومي من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل لمناقشة سوريا.

ولا تزال نتائج تلك الجهود غير واضحة. علنًا، على الأقل، أشار مستشار الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف إلى أن “موسكو” ليست في عجلة من أمرها لحل تحالفها مع إيران في سوريا، الأمر الذي جعل البلدين ينسقان العمليات الجوية والبرية لتأمين نظام بشار الأسد الوحشي.

وقال “باتروشيف” خلال المؤتمر: “لقد كانت إيران وستكون حليفة وشريكة لنا، حيث قمنا بتطوير العلاقات تدريجياً لبعض الوقت، على الصعيدين الثنائي ومتعدد الأطراف.. إن أي محاولات لجعل طهران تبدو وكأنها التهديد الرئيسي للأمن العالمي، ووضعها في نفس سلة داعش أو أي جماعة إرهابية أخرى، غير مقبولة. لقد ساهمت إيران كثيرًا في مكافحة الإرهاب في سوريا، ما ساعد على استقرار الوضع. ندعو شركائنا إلى ممارسة ضبط النفس وبذل الجهود لتخفيف المخاوف والتوترات. يجب بذل الجهود لتخفيف التوترات بين إسرائيل وإيران”.

يبدو أن موقف “موسكو” العلني يوحي بأنه على الرغم من استعداد روسيا للضغط على إيران للابتعاد عن الحدود الإسرائيلية، فإنها إما لا تستطيع أو لن تعمل على طرد الإيرانيين ووكلائهم من سوريا. لا يزال الوجود الإيراني ضروريًا لتحقيق الاستقرار بالنسبة لنظام “الأسد”، ولا يزال للإيرانيين دور استراتيجي يلعبونه في المشروع الروسي طويل الأجل في سوريا، على الرغم من الخلافات والتوترات الواضحة التي تظهر بين “موسكو” و”طهران” بسبب تباين المصالح في سوريا.

إيران، من جانبها، تعمل على مواجهة محاولات إسرائيل لتجنيد روسيا ضد المحور الإيراني. في الأيام الأخيرة، صرح عضو في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بمجلس الشورى الإيراني أنه على الرغم من العلاقات الروسية الإسرائيلية، تمكنت “طهران” من الاستفادة القصوى من “البطاقة الروسية” في أنشطتها في سوريا، وفقًا لتقرير صادر عن مركز مئير عميت للاستخبارات ومكافحة الإرهاب.

يبدو أن التنافس الإسرائيلي الإيراني على النفوذ الروسي مستمر، ما يضع موسكو في موقف صعب في سوريا، وهو ما يناسب هدف روسيا المتمثل في العودة إلى وضعها كقوة عظمى في الشرق الأوسط.

لذلك، كان رد إيران الشامل هو محاولة التغلب على الضربات الإسرائيلية وأن تكون مرنة في مقاربتها لبناء قوة في سوريا، دون التخلي عن طموحها في تحويل البلاد إلى امتداد لجبهة حزب الله-لبنان ضد إسرائيل.

وفي مواجهة ضغوط العقوبات الاقتصادية الأمريكية المتزايدة، يمكن لإيران أن تسعى إلى تنشيط الوكلاء أو الأصول في سوريا لاستهداف إسرائيل. ويبدو أن إيران قد حاولت بالفعل مثل هذا الاستفزاز في الأول من يونيو، عندما تم إطلاق صاروخين على جبل حرمون/الشيخ من سوريا. وقد استهدف الانتقام الإسرائيلي مدفعية نظام “الأسد” وبطارية دفاع جوي ومراكز مراقبة.

ووفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، أسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة جنود سوريين وسبعة “مقاتلين أجانب”، وهم أفراد إيرانيين وحزب الله.

يبدو أن الصراع الإسرائيلي الإيراني في سوريا سيستمر، ويسعى الجانبان لتجنيد روسيا ضد الآخر. وبشكل حاسم، أظهرت إسرائيل تصميمها على تفعيل القوة العسكرية لإبقاء إيران تحت المراقبة في سوريا. وقد عبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن هذا العزم في 14 يوليو، خلال زيارة لكلية الدفاع الوطنية التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي. وقال: “في الوقت الحالي، الجيش الوحيد في العالم الذي يقاتل إيران هو الجيش الإسرائيلي”.

——

*يعقوب لابين: باحث مشارك في مركز “بيغن-السادات” للدراسات الاستراتيجية. متخصص في مؤسسة الدفاع الإسرائيلية والشؤون العسكرية والبيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد