المسألة الكردية: الماضي والحاضر

ظهرت المسألة الكردية في بدايات القرن العشرين كمسألة “أقلوية” مرتبطة بظهور الدولة ـ الأمة الحديثة في الشرق الأوسط، ولكن بإيقاعات مختلفة، وفق اختيارات تطور الأنظمة السياسية وعلاقات القوة داخل كل دولة. في نفس الوقت، وبطبيعتها العابرة للحدود، لا يمكن فهمها في تعقيدها إذا أهملنا التواصل والتفاعل بين الأكراد أنفسهم، ولكن علينا أيضا من فهمها ضمن الإدارة الإقليمية للنزاع السوري.

1في عام 1997، نشر حميد بوزارسلان عمله ” القضية الكردية. دول وأقليات في الشرق الأوسط”، عمل تم تصنيفه من قبل الكاتب نفسه ” عمل صعب إلى حد ما”، ولكنه أصبح بحق مؤلفا مرجعيا في هذا المجال إن كان في فرنسا أو مكان آخر. بعد عقد من الزمان، في 2009، ظهر كتاب جديد لنفس الكاتب هو “الصراع الكردي. الحريق المنسي في الشرق الأوسط” ـ استطاع هذا الكتاب أن يقوم بوظيفتين: الترويج للعديد من الأفكار التي تم تقديمها في عام 1997، وتحديث إشكالية متطورة ومتغيرة منذ قرن.يمكننا أن نتساءل إذن، ما هو الهدف من كتاب جديد يلخص القضية الكردية؟ على الرغم من ضيق المساحة، إلا أن هذا الكتاب يهدف أولا للأخذ بالاعتبار الديناميكيات الجديدة الناتجة عن أحداث غير متوقعة بدأت في عام 2011 في جميع أنجاء الشرق الأوسط، بما في ذلك الفضاء الكردي، كما يهدف، ثانيا، لعرض رؤية تاريخية طويلة الأجل من خلال تحديد وتعريف القطيعة والاستمرارية في الصراع الكردي. يستند الكتاب على شبكة من القراءة على مستويات متعددة من الملاحظة ويُدخل في كل فصل تنوعا واختلافا في مستويات التحليل: الكلي، الوسطي والجزئي.

 تسمح لنا هذه العملية باقتراح شروحات وتفسيرات دقيقة وأحيانا متناقضة للقضية الكردية، لاسيما بفضل استخدام بحث ضخم في الأرشيف وخبراتي العملية على الأرض في كردستان.للقيام بذلك، يقوم الكتاب بمقاربة القضية الكردية كقضية ” أقلية” قبل كل شيء، انطلاقا من رؤية إجرائية، تفاعلية وعلائقية مع هدفين. أولا، وبعد قبول “دعوة” حميد بوزارسلان 2006، يبحث هذا الكتاب “للقطيعة مع فرضية التفرد الكردي”، واضعا القضية الكردية ضمن ديناميكية شاملة حيث الباحثين والمراقبين لا يمكنهم الاستغناء عنها. ضمن هذا المعنى، سأسلط الضوء على أوجه التشابه بين مختلف النزاعات في المنطقة، هذا من جهة، ووضع العديد من الاحداث والتغيرات المتصلة بالقضية ضمن سياق إقليمي، من جهة أخرى.

تمكننا هذه العملية من فهم العديد من الاحداث الرئيسية في الصراع الكردي، لا تجنبنا فقط التحليلات القائمة على الجانب الاستثنائي للحالة الكردية، بل أيضا حول نظرية المؤامرة المنتشرة على نطاق واسع في الشرق الأوسط.سوف نحاول أيضا تجنب السرد غير التاريخي للصراع الكردي، أو نقرأه كصراع مستمر بين “أقلية” كردية متجانسة، ترغب باستقلال كردستان، وحكومات مركزية متجانسة أيضا وتمثل “الأغلبية” العربية، التركية والفارسية. كذلك، ينبغي أن نكون حذرين في التحليل من التالي: على الرغم من أن الأنظمة التي تدعي تمثيل “الأغلبية” وأن النخب ” الأقلوية” تصدر للخارج صورة من التجانس لمجموعاتها، إلا أن الممارسات اليومية، التوترات الداخلية وتصرفات وأفعال البعض تناقض هذه الصورة.

ثانيا، وضع العديد من الأنثروبولوجيين والمؤرخين، قبل عدة سنوات، الأصبع على شرك “التجمعية” أو ميل الدراسات حول ظواهر الهوية إلى القول بأنها طبيعية، جوهرية ومفاهيمية. إن نقد “التجمعية” يشير، على العكس، إلى أن تكوين وتشكيل “المجموعات” المعرفة أنها “أقليات” هو في الحقيقية نتيجة لتاريخ من علاقات السلطة أو القوة، وبالتالي، نتيجة لعملية اجتماعية أو بنائية. بشكل آخر للقول، إن ” المجموعات” ـ”الأعراق”ـ “الأمم” ـ أو حتى “الأقليات” أو ” الأغلبيات” ـ والتي هي بعيدة عن بناء تكوينات اجتماعية إنسانية أو موجود من قبل ـ تتحول إلى فئات اجتماعية وإلى منتجات للخطابات السياسية.لدى الباحث، ضمن هذا المعنى، مهمة تحويل هذه المفاهيم إلى إشكاليات وشرح كيف أن المجموعات الاجتماعية والسياسية، التي توصف من موقعها ضمن هذه الفئات، تظهر وتتطور، بدلا من إلصاق “علامات” عليها والتي لا تكشف شيئا كبيرا حول هذه العمليات.

مع ذلك، من الواضح أن هذه الفئات يمكنها أن تكتسب قيمة دلالية أو أدائية في الحقل السياسي. على سبيل المثال، في حالات الأزمات أو العنف الجماعي، هناك أفراد لا يتعاطفون/لا ينتمون إلى مجموعة معينة يمكن أن يعتبروا بأنهم بكل بساطة، من قبل “الآخرين”، كأعضاء في “مجموعة” عرقية أو قومية. لذلك، فإن مفاهيم مثل “العرق”، “الأمة”، أو “الأقلية” تصبح كمفاتيح لتفسير العالم، كاشفة عن بعض “المنطق” في العلاقات التي تربط الأفراد، وفي نهاية المطاف، تضمن نجاح عمل أدائي/أداتي يقوم على أساس توظيف هذه المفاهيم في تعريف الهوية.

ضمن هذا المعنى، من الضروري وضع تمييز مفاهيمي آخر. إن الحديث بلغة معينة أو اعتناق دين معين، أو حتى وجود وعي عرقي و، أو، ديني، لا يعني بالضرورة الالتزام النضالي في منظمة سياسية تدافع عن “الحقوق” لهذا أو تلك المجموعة. كما هو واضح من أدبيات الحركات الاجتماعية، فإن الالتزام في حركة اجتماعية يعتمد على الكثير من العوامل ـ التنشئة الاجتماعية، الحالات الطارئة، الفرص، التأطير ـ أكثر من وجود لهوية مشتركة بين عدة أفراد. على العكس، يمكننا أن نلاحظ أن الأفراد وجماعات معرفة من خلال معيار “موضوعي” مثل اللغة يمكنها الوصول، ولأسباب مختلفة أيضا، إلى السلطة، وبالتالي، تتمركز ضد الحركات التي من المفترض أن تدافع عنها.إن الرؤية بعيدة المدى، وكذلك الأعمال على مستوى المراقبة “الصغيرة/الميكرو”، تبين لنا، من بين أمور أخرى، أن أعضاء “الأغلبية”، الذين يمثلون الدولة أو لا، و”الأقليات” أيضا، هم ليسوا متعارضين في كل زمان ومكان.

 تمكننا دراسات حالات بعينها من التعرف وتحديد فترات زمنية شاركت فيها قطاعات وعناصر مختلفة “لأقلية” عرقية أو دينية في الحياة الاقتصادية، السياسية والثقافية في بلاد بعينها، وذلك يد بيد مع أعضاء “الغالبية” في السلطة. إذن، يجب عدم إدراك ورؤية “الأقليات”، فقط، “كضحاياسلبية”، على العكس، لقد أثرت هذه الأقليات بشكل مباشر أو غير مباشر في التطور الاجتماعي والسياسي للدول نفسها، أو بشكل أكثر دقة، في بناء الدول نفسها التي تنكر وجود هذه الأقليات.يبين التاريخ الحديث لنا، وبشكل فيه تناقض، أن تعاون “الأقليات” مع السلطة أو مع القوى المعارضة لها التي تمثل “الأغلبية” ليس ضمانا كافيا لتجنب الفصول الأكثر تطرفا في العنف تجاه الأقليات. توضح هذا من عملية “الأنفال” في العراق، البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي اعترف علنيا بوجود جماعة قومية كردية، هذه العملية ضمن هذا المعنى هي حالة خاصة/نموذجية [براديغمية ] paradigmatique، وهذا ما يدعونا للبحث عن الأسباب العميقة للعنف الجماعي تجاه الأكراد أو للبحث في أبعد من عامل “الهوية”. بشكل عام، إن العلاقة بين “الأغلبيات” و “الأقليات” هي جزء من سيرورة ديناميكية والتي يجب أن نأخذ فيها بعين الاعتبار وفي نفس الوقت: الاستمرارية والانقطاع، السياقات التاريخية والتفاعلية بين مختلف الفاعلين المحليين، الإقليميين وعابري القوميات.

*ملاحظة: يعمل المركز الكردي ـ الألماني للدراسات على ترجمة الكتاب كاملا، لذلك يرجى عدم إعادة نشر ترجمة الكتاب نهائيا إلا بإذن مسبق من إدارة المركز.

ترجمة: د. صلاح نيوف