• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

المشرق وحروب «نحن»

12 يونيو 2026
المشرق وحروب «نحن»
Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

د.عقيل سعيد محفوض

دعونا نكون صريحين، بلا تردد ومن دون مبالغة: لم تكن “الهوية الوطنية” في هذا المشرق الجميل، سوى بناءٍ أيديولوجيٍّ هشٍّ، وأقرب إلى كذبة أيديولوجية كبيرة، ووهمٍ رمزيٍّ يُغطّي الأزمة البنيوية لـ “الدولة” المفروضة استعمارياً. تماماً كما كانت “الأمة” و”الوحدة” و”الحرية” و”العدالة” … بنسخها الأيديولوجية المختلفة، أوهاماً تُدار من فوق، بوصفها لغة طقوسية لم يؤمن بها أحد، إلا قليلاً، لكن مارسها الجميع كي لا يضطروا إلى النظر في مرآة الحقيقة القبيحة: لا توجد “هوية وطنية” ولا “مجتمع”، بالمعنى المعروف لكلمة مجتمع. كان هناك دائماً، مجموعة من الهويات المحاصرة والمكبوتة، تُحكم بالقوة والاستبداد العاري، والنفاق والتحايل الاجتماعي والثقافي، حتى تُغمض عينيها وتردد في طابور الصباح معاً: “نحن شعب واحد”.

وما يحاوله هذا النص، ليس جلداً للذات، ولو أنها بحاجة لذلك، ولا تأبيداً لأزمة المعنى في حياتنا، ولا إقراراً بالبدائل المختارة اليوم (وأمس)، بل هو نوع من التفكيك الصريح والحارّ، في أفق الوعي بالحاجة لأن نكون “نحن” فعلاً وحقاً.

الفراغ الرمزي وسقوط “الآخر الكبير”

الآن، بعد أن سقط ذلك الكيان الرمزي والسلطوي الصارم الذي كان يجبرنا على اعتناق هذا الوهم، انفجر القناع فجأة، وصرنا نرى الحقيقة العارية. سقطت الأبوية الاصطناعية، فصار “الفرد” لأول مرة صادقاً مع نفسه، وبشكل انتحاري: أنا سني، أنا علوي، أنا شيعي، أنا درزي، أنا كردي، أنا مسيحي، أنا إسماعيلي… وأما أولئك المؤمنون بـ “وطن” و”هوية وطنية” جامعة، فهم “الأقلية الحقيقية” في هذه الجغرافيا المشرقية المسماة “دولاً”.

لأول مرة منذ مائة سنة وأكثر، لم يعد “الفرد” مضطراً للكذب على نفسه، ولأول مرة يقول ما يعتمل في قاعه السيكولوجي فعلاً: “أنا لا أريد أن أكون معك، أريد أن أكون هووياً بدونك”. هذا هو المعنى العاري والانفجاري لـ الظاهرة المشرقية حالياً: الحرية من الوهم المسمى “وطناً” و”دولةً”!

كانت هذه الجغرافيا أقرب لـ فانتازيا تركيبية تُفرض بالقوة والإكراه الفوقي: ففي العهد العثماني، كانت مجرد ولايات متناثرة تجمعها أسماء كبرى مثل “الشام” و”العراق” إدارياً وريعياً. وفي الانتدابين الفرنسي والإنكليزي، تشكلت دول أو أشباه دول، تقوم على تكوينات طائفية ومناطقية وقبلية صغيرة، تحت وطأة الهندسة الجيوسياسية للاستعمار، والنزعات الأيديولوجية القومية والعروبية الصاعدة. وفي عصر ما بعد الكولونيالية، تحولت الدولة الوليدة إلى مجرد ساحة وموضوع للصراع الإقليمي والدولي، قبل أن تستقر في صيغة “بلد القائد” المصنوعة بدقة بالغة من الخوف، والدعاية، ووهم الأبد. ولاحقاً أصبح منطق الملة والطائفة هو المعادل أو البديل المفترض والمفروض لـ “الوطن”. وفي كل مرة، كان على الجماعات المذعورة أن تكبت هوياتها الحقيقية، المنتصرة منها أو المهزومة، وتتظاهر بأنها تصدق ما يقال عن بناء مجتمعات ودولٍ، لكي تنجو من المقصلة.

ستار الدُخَان: الاقتصاد السياسي للطائفية

في هذا المشهد، تحول الخطاب الطائفي الحار لـ “المظلومية” أو “الامتياز” إلى حارس أيديولوجي لما يمكن تسميته “الريع الهووي”. ويتم تجييش الأتباع والبروليتاريا الطائفية دفاعاً عن الهوية، بينما يُترجم ذلك الاستقطاب إلى احتكار وريوع مادية في حسابات النخب العابرة للجغرافيات والحدود. لقد أصبحت الهوية هنا “أفيوناً سوسيولوجياً” بامتياز، يُعطى بجرعات مدروسة للشرائح الأضعف ليتقبلوا، باستلاب تام تقريباً وطمأنينة مغسولة الوعي، نهب مواردهم اليومية!

لكن، لننظر بعمق تحت عباءة “الصراحة” الطائفية المتأججة اليوم: ألا تختبئ وراء صرخات الهوية العالية والمقدسة نبرة أخرى، أكثر ضراوة وبدائية، نبرة الصراع المحموم على “اللقمة” و”السلطة”؟ فالهويات لا تتقاتل في الميدان على الرموز، والمظلوميات، والذاكرة التاريخية فحسب؛ بل تتقاتل الموارد المادية والمعنوية: الأرصفة، والأكشاك، والأزقة الضيقة، ورخص الاستيراد أيضاً.

لقد وُظّفت الطائفية، عبر مفاصل تاريخية مديدة، لتكون “ستاراً دخانياً عظيماً” (Smoke Screen) يحجب عمليات نهب بنيوية كبرى، وإعادة توزيع هائلة للموارد والثروات بين تحالفات هجينة من المستفيدين. فالصراخ عالي النبرة “أنا سني” أو “أنا علوي” ليس بالضرورة تعبيراً عن نقاء عقدي، بل هو في حالات كثيرة مجرد “لغة مشفرة” اقتصادياً للقول: “هذه الحصة من الغنيمة والريع لي”. والنخب التي تقود صراع الهويات اليوم لم تخرج من العدم؛ بل هي غالباً النخب القديمة نفسها، أو وريثتها الشابة، التي استبدلت ولاءها الأيديولوجي “منتهي الصلاحية” بلبوس طائفي ومناطقي “أكثر فاعلية”، أو بالأحرى “أكثر ريعية” في سوق الصراع والبقاء.

وهكذا، فإن هذا “الكشف” الهووي الصادق هو أبعد ما يكون عن الصدق؛ إنه “أكثر الأكاذيب رواجاً”. ويمارس عملية تزييف قاسية، فيحوّل الإنسان من مواطن ذي حقوق اقتصادية واجتماعية مهدورة، إلى مجرد فاعل مجاني في معركة هويات عمياء. فاعل لا يطالب بحقه في العيش الكريم وتكافؤ الفرص، بل يقتل ويُقتل من أجل حق “فواعل” طائفته في الاغتنام والارتزاق. وصار القتل السيادي اليوم ليس دفاعاً عن هوية خالصة، بل تعمية مقصودة كي لا نرى أننا نذبح بعضنا على فتات ما يلتهمه غيرنا من فواعل القوة والهيمنة في الجغرافيا المشرقية، وهم كُثُر.

الاعتراف الجماعي وعقدة المكان

لقد انتهى الكبت القديم الآن، أو انهار جدار الخوف الذي كان يحميه ويغذيه. والنتيجة التي نشهدها ليست مجرد “عودة” روتينية إلى الطائفية أو القبلية، بل هي أول اعتراف جماعي صادق في تاريخ المشرق الحديث بأننا لم نكن يوماً “واحداً”. وأننا لا نريد أن نكون واحداً، وأن كل محاولة تاريخية قسرية لجعلنا واحداً كانت تكلفنا دماً، وكرامة، وكذباً بنيوياً، وقابلية للدمار.

وهنا تتبدى المفارقة المعرفية القاسية: إن الطائفية الحالية – من منظور أهلها والمنخرطين فيها – ليست مرضاً سوسيولوجياً، بل هي الشفاء المؤلم والضروري من مرض أخطر اسمه “الهوية الوطنية المفبركة”. و”البلد” أو “الوطن” بالنسبة لهؤلاء هو مجرد “مكان” فيزيائي للعيش، لكن لا يُنتمى إليه؛ مكان عارٍ من المعنى والقيمة قبل أن يحلوا فيه بما هم ملل، ونحل، وجماعات فرعية. إنه مكان جُرّد من تاريخه المشترك، بل إن مجرد التفكير في تاريخه الطويل والعميق يمثل أزمة ابستمولوجية وهوياتية حادة يجب -من هذا المنظور- علاجها وتفكيكها بشكل عاجل لشرعنة الانفصال النفسي والمكاني.

الاستبدال الكبير: سوبرماركت الأوهام المسلحة

ولكن، قبل التهليل لـ “صراحة” الطائفية، والاحتفاء بنهاية النفاق، أقصد أنماطاً محددة منه فحسب، دعونا نسأل بشيء من المرارة: ماذا لو كان هذا “الصدق” الجديد نفسه وهماً أكثر تعقيداً وزيفاً؟ وماذا لو كنا نستبدل سجناً مركزياً كبيراً بألف زنزانة انفرادية صغيرة نختار الدخول إليها بحرية متوهمة؟

أليست هذه الهويات “الصريحة” التي نرفعها اليوم (سني، علوي، درزي، مسيحي…) هي نفسها صناعات أيديولوجية حديثة جرى اختراعها، وهندستها، وحشوها بالرموز والمظالم المصنعة لتكون “أداة حرب” وتعبئة في سوق الهويات المفتوح؟

إن الناس في هذا المشرق، وفي هذا شيء من التعميم الحاد نسبياً، لا “يكشفون” عن هويتهم الجوهرية الدفينة، بل يختاروا من قائمة سوسيولوجية جاهزة هوية قتالية توائم سوق النزاع المتاح. إنهم يمارسون حرية المستهلك في “سوبرماركت الهويات”؛ ويظن واحدهم أنه حرّ لمجرد أنه اختار قيده ونوعه بيديه. والصراع اليوم ليس “صراعاً هووياً أصلياً”، بل هو مواجهة صفرية بين “أوهام مُسلّحة”، كل منها تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، متناسية برعونة أنها وُلدت بالكامل من رحم الأوهام ذاتها التي تدعي محاربتها والتحرر منها.

الجيوسياسية والتسليع: الأوهام المستوردة

وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا إلى النهاية، فلا يمكن فهم هذا “السوبرماركت الدموي” للهويات بمعزل عن الرفاق، والجيران خلف الحدود. فلم يكن “الوهم الكبير” ينهار تحت وطأة “صدقنا الداخلي” وحده، بل كان يُفكك عمداً، وبعقلانية باردة، من قبل فواعل إقليمية ودولية رأت في الجغرافيا المشرقية ساحة حرب بالوكالة، ومختبراً ممتازاً لتجارة الهويات وتجريب نرجسية الفروق الهووية الصغيرة.

إن كثيراً من الهويات “الصريحة” التي ترفع شعاراتها اليوم بحماسة، وجدت سمساراً خارجياً يموّلها، ويسلّحها، ويُطوّع روايتها التاريخية لتناسب حسابات جيوسياسية بعيدة كل البعد عن آلامنا ومستقبل أبنائنا. لقد تم “تسليع الهوية” وتحويلها إلى عُملة قابلة للتداول في بورصة الصراعات الكبرى. ونحن لم نكشف عن هوياتنا الخالصة، بل قدمناها على طبق من ذهب – أو بالأحرى، على طبق من العماء والرصاص – لفواعل دوليين جعلوا من أزمتنا سوقاً، ومن مآسينا فرصة إستراتيجية.

وهكذا، فإن “الصراحة” التي نعتز بها اليوم ليست – في جانب مهم منها – سوى الصدى الداخلي الخاضع لأوامر خارجية، و”حرية” اختيار هويتنا القاتلة جرى تمويلها بالكامل من راعٍ أجنبي، بينما “أصالتنا” المستعادة صمّمها مهندسو الفوضى عبر الحدود. لقد صرنا لا نحمل هوياتنا بل نحمل “شيفرة استخدامها” التي كتبها الآخرون، ونتقاتل بشراسة لنثبت لهم أننا الوكلاء الأكفأ والعملاء الأفضل لنفس الأوهام التي باعوها لنا.

الهوية كعَرَض للمواجهة والعداء

لنذهب أبعد من ذلك في التفكيك السيكولوجي: ربما تكون هذه “الصراحة” هي أكبر أكذوبة نرويها لأنفسنا لتبرير السقوط الأخلاقي. إذا كانت “الهوية الوطنية” كذبة قمعية فوقية، فالهوية الطائفية النقية هي كذبة انتحارية بالضرورة. لأن “الفرد”، في أعماقه، لا يريد حتى أن يكون “سنياً” أو “علوياً” أو “درزياً” أو “مسيحياً” بالمعنى القيمي أو الروحي المجرد؛ إنه يريد أن يكون “سنياً” بمواجهة “علوي” موجود أو متخيل كتهديد، أو “علوياً” خائفاً من سني محدد، وهكذا دواليك.

الهوية هنا ليست جوهراً مكتفياً بذاته، بل هي “عَرَضٌ للمواجهة”. والفاعل الهووي الجديد لا يحب هويته الخاصة، بل يحب كراهية الآخر عبر استخدامه لهذه الهوية كمتراس. وبهذا، تصبح الهوية الطائفية مجرد ذريعة لا أخلاقية للرغبة الأكثر بدائية في الطبيعة البشرية: رغبة البقاء الفردي عبر إلغاء وجود الآخر المختلف تماماً.

إن هذه الهويات الطائفية المتصارعة ليست “جواهر تاريخية نقية” كما يزعم سدنتها، بل هي “أدوات وظيفية” حديثة الصنع، أُعيد تدويرها على عجل لخوض معركة البقاء. وهنا تتبدى المفارقة الفرويدية عبر “نرجسية الفروق الصغيرة”، فالشرائح الاجتماعية في الجغرافيا المشرقية، على الرغم من تشابهها الهائل والوحشي في نمط العيش، والمأساة، والفقر المدقع، تعمد إلى تضخيم الفروق الطائفية الصغرى وتجريدها في أقانيم مقدسة. إن هذا التضخيم ليس ترفاً، بل هو حاجة سيكولوجية بائسة؛ إذ تصبح “كراهية الآخر” هي الآلية الوحيدة المتاحة لتعريف الذات في زمن الانهيار. والسوري واللبناني – وإلى حدّ ما العراقي – اليوم يصرخ: “أنا لست هو، إذن أنا موجود”، محوّلاً الاختلافات القائمة أو المتخيلة إلى جدران سميكة من العداء الوجودي، بل وصواعق تفجير كارثية.

كوابيس صغيرة

الحقيقة السوسيولوجية الصارمة هي أن جميع الهويات، الوطنية، والطائفية، والقومية، هي “بناءات متخيّلة”، وليست حقائق مطلقة نكتشفها مدفونة في التراب. والسؤال المصيري والوجودي الآن، ليس: “ما هي هويتنا الحقيقية الحبيسة؟”، بل “أيُّ بناء هوياتي نريد ونختار؟”. وأي نوع من الـ “نحن” يمكن أن نصنعه، طوعاً وعقلانية هذه المرة، لا بقوة سلاح السلطة ولا بغواية الطائفية الجاهزة؟ وهل يمكن أن نتصور هوية “ما بعد الصدمة”، تكون فيها المواطنة إطاراً جامعاً طوعياً ونفعياً، لا قفصاً حديدياً؟ إطاراً يعترف بالمظلوميات التاريخية والمخاوف المتبادلة دون أن يحولها إلى وقود أبدي لإنتاج الكراهية والقتل؟

إذا أقررنا بأن الهوية الوطنية القديمة قد ماتت، والصحيح أنها لم تكن موجودة إلا في الأيديولوجيات الحالمة أو الواهمة أو المفروضة، فإن السؤال الذي ينبثق من العراء هو: هل يمكن ولادة “نحن” جديدة؟

إن المخرج الوحيد لا يمرّ حتماً عبر الأيديولوجيات المتوترة والقاتلة، بل عبر صياغة “مواطنة ما بعد الصدمة”؛ مواطنة تتأسس على “عقد اجتماعي نفعي، وأخلاقي، وعقلاني”. عقدٌ لا يتجاهل المظلوميات التاريخية والمخاوف الوجودية للجماعات، بل يعترف بها صراحة ويديرها، ويحول المواطنة إلى إطار حقوقي طوعي يحمي التنوع ولا يلغيه، ويقوم على الشراكة في المصالح والاعتراف المتبادل بالحق في الحياة، بدلاً من أن يكون قفصاً حديدياً يُساق إليه الجميع بالهراوة والدعاية.

المهمة شبه المستحيلة!

ربما كانت هذه المهمة شبه المستحيلة هي القضية الوحيدة التي تستحق أن ينهمّ الناس بها، لا كضحايا لوهم قديم، بل كبناة لزمن جديد وعقد اجتماعي عقلاني. لكننا، ويا للأسف، فضلنا هوياتنا الجاهزة، المعلَّبة والمشوَّهة، على عناء الوعي لخلق هوية ومواطنة لم تُخترع بعد في هذا المشرق الغارق بالأكاذيب والأوهام القاتلة.

ولذلك، أيها المشرقيون الذين تبكون على “بلدانكم الضائعة” أو “المهددة بالضياع”: توقفوا عن البكاء. فالبلدان التي تحلمون بها في مخيلاتكم لم تكن موجودة أبداً في الواقع. كانت دائماً حلماً مستبداً يُفرض بالقوة على شعوب وجماعات من ملل ونِحَل منهكة، ومتأخرة، وخائفة من بعضها ومن التاريخ.

والآن، استيقظت الجماعات والمكونات من حلمها الكبير المتخيّل… لتغرق بكامل إرادتها في كوابيسها الصغيرة والواقعية. وصارت تصرخ في وجه بعضها بشراسة بدائية: “أنا أنا، وأنت لست أنا، ولا أريدك”. هذا هو الثمن الحقيقي والنزف الفعلي في الظاهرة المشرقية الآن: أن تكتشف أنك لم تكن يوماً جزءاً من “نحن”، وأنك لا تريد أصلاً أن تكون “نحن”، وأن كل محاولة تاريخية لإجبارك على هذه الـ “نحن” المشتركة لم تكن سوى ديكتاتورية حداثية وما بعد مِلِّيّة، تسربلت بلباس وطني في فضاء سوسيو-سياسي لا يزال “الوطن” و”الوطنية” فيه كلمات مستوردة، عارية من المعنى، أو مجرد أدوات وظيفية تُستخدم بقدر الحاجة والطلب في سوق البقاء والاغتنام!

إن اكتشاف الناس لهذه الحقيقة العارية، يجب ألا يكون نهاية المطاف الوجودي أو صكّ استسلام للخراب، بل هو – على العكس تماماً – البداية الحقيقية الممكنة لبناء “نحن” حقيقية وأصيلة. “نحن” لا تُفرض بالحديد والنار من فوق، ولا تنبع من غواية الانعزال الطائفي من تحت (أو من فوق)، بل تُصنع وتُبتكر بالاتفاق الشجاع، والوعي الحاد بالعراء المشترك.

إن خروج الناس من كوابيسهم وأكاذيبهم الصغيرة يفرض عليهم عناء ابتكار هوية لم تُخترع بعد في هذا المشرق، بدلاً من الاستسلام المريح في توابيت الهويات المعلَّبة والجاهزة. هذا هو الطريق: الوعي المتعب، والصادق، وشبه المستحيل. الطريق الوحيد الذي لم يجربوه بعد.

Tags: أزمة الدولة القوميةالإسلام والقوميات المتنافسة في الشرق الأوسطحروب الشرق الأوسط




آخر المنشورات

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

ما هذا الدور الذي تلعبه باكستان؟

ما هذا الدور الذي تلعبه باكستان؟

14 يونيو 2026

محمد سيد رصاص من الظواهر الملفتة التي أبرزتها حرب 28 شباط/ فبراير 2026، وهدنتها في...

المشرق وحروب «نحن»

المشرق وحروب «نحن»

12 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض دعونا نكون صريحين، بلا تردد ومن دون مبالغة: لم تكن "الهوية الوطنية"...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية