د. مسلم عبد طالاس
الملخص
تتناول هذه الورقة التحولات الجارية في العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكردية منذ عام 2024، في سياق الصراع الممتد بين الطرفين منذ إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) الكفاح المسلح عام 1984. وتجادل الورقة بأن العملية الحالية لا تمثل انتقالاً كاملاً من الحرب إلى السلام الديمقراطي، بل تعكس تحولاً تدريجياً في نمط إدارة الدولة التركية للمسألة الكردية.
تنطلق الدراسة من فرضية أن نموذج الحسم العسكري الذي حكم الصراع لعقود بدأ يصل إلى حدوده السياسية والاجتماعية والإقليمية، رغم التطور الكبير في القدرات العسكرية والأمنية التركية بعد عام 2015. وفي المقابل، لم تتمكن الحركة الكردية من تحويل قوتها العسكرية وامتداداتها الإقليمية إلى تسوية سياسية مستقرة.
وفي هذا السياق، ترى الورقة أن الدولة التركية تتجه نحو نموذج هجين يجمع بين الإدماج السياسي المحدود، والضبط القانوني، والحوكمة، واستمرار بعض أدوات الأمننة، بهدف إدارة الصراع بكلفة أقل دون إعادة تعريف جوهر الدولة القومية التركية.
كما تركز الورقة على التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجال الكردي، بما في ذلك التوسع الحضري، وصعود شبكات الرعاية الاجتماعية، وتزايد أهمية الإدارة المحلية، وتوضح كيف أصبحت أدوات التنمية والاحتواء الاجتماعي جزءاً من إدارة مرحلة ما بعد الكفاح المسلح.
وتبين الدراسة أن العملية الحالية ما تزال تواجه تناقضات بنيوية مهمة، أبرزها الفجوة بين خطاب السلام واستمرار الممارسات الأمنية، وحدود الاعتراف السياسي بالكرد، إلى جانب اختلاف أولويات الفاعلين الكرد داخل تركيا وخارجها.
وتخلص الورقة إلى أن العملية الجارية قد تقود إلى شكل من “الإدماج السياسي المضبوط” والاستقرار النسبي، لكنها لا تمثل حتى الآن تسوية تاريخية شاملة للمسألة الكردية، بل تعكس إعادة تنظيم أكثر مرونة لإدارة الصراع داخل حدود الدولة القومية التركية.
المقدمة
شهدت العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكردية خلال العقود الأربعة الماضية واحدة من أكثر حالات الصراع الممتد تعقيداً في الشرق الأوسط المعاصر. فمنذ اندلاع النضال المسلح لحزب العمال الكردستاني (PKK) عام 1984، لم تعد المسألة الكردية في تركيا مجرد قضية تتعلق بالهوية الثقافية أو الحقوق السياسية، بل تحولت تدريجياً إلى إحدى القضايا المؤسسة لعلاقة الدولة التركية بالأمن القومي ووحدة الجمهورية وحدود التعددية السياسية داخل النظام الجمهوري التركي (Yeğen 1999). وفي المقابل، تطورت الحركة الكردية من تنظيم مسلح ذي خطاب قومي – ثوري إلى فضاء سياسي وعسكري واجتماعي متعدد المستويات يمتلك امتدادات عابرة للحدود في سوريا والعراق وأوروبا (Gunter 2013).
كما تشير بعض الأدبيات الحديثة إلى أن المجال الكردي في تركيا لا يمكن فهمه فقط بوصفه فضاءً أمنياً أو مسرحاً للصراع المسلح، بل أيضاً بوصفه مجالاً حضرياً واجتماعياً أعادت تشكيله الدولة والحركة الكردية والمجتمع المحلي بصورة متداخلة عبر الحرب والتحضر والحوكمة المحلية (Gambetti and Jongerden 2015; Watts 2009).
غير أن الصراع التركي – الكردي لا يمكن فهمه فقط بوصفه مواجهة بين الدولة وحركة مسلحة، بل باعتباره جزءاً من تاريخ أطول يتعلق ببناء الدولة القومية التركية وإدارة التعددية الإثنية والسياسية داخلها. فمنذ تأسيس الجمهورية عام 1923، ارتبط مشروع بناء الأمة التركية بمركزية الهوية القومية الواحدة، الأمر الذي جعل المطالب الكردية تُقرأ غالباً ضمن إطار التهديد لوحدة الدولة واستمرارية الجمهورية، لا ضمن إطار التفاوض السياسي حول التعددية والتمثيل (Yeğen 1999; McDowall 2004).
ومع تصاعد الصراع المسلح منذ الثمانينيات، تشكلت بنية طويلة الأمد من الأمننة (securitization) أحاطت بالمسألة الكردية، بحيث لم يعد التعامل معها مقتصراً على المجال العسكري، بل امتد إلى القانون والإدارة المحلية والخطاب السياسي والمجال المدني وسياسات التنمية والحوكمة في المناطق الكردية (Buzan, Wæver, and de Wilde 1998; Jongerden 2007). ومع ذلك، لم تقتصر العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكردية على منطق المواجهة العسكرية المستمرة. فمنذ وقف إطلاق النار الذي أعلنه القائد المؤسِّس لحزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان عام 1993 خلال مرحلة الرئيس تورغوت أوزال، مروراً بمحادثات أوسلو وعملية السلام بين 2013–2015، شهدت تركيا سلسلة من المحاولات المتقطعة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والحركة الكردية والانتقال من الحرب المفتوحة إلى ترتيبات سياسية أكثر استقراراً (Savran 2020). غير أن هذه المحاولات ظلت محكومة بالتوتر بين منطق الأمن والسيادة من جهة، ومطالب الاعتراف السياسي وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والكرد من جهة أخرى.
ورغم التحولات الكبيرة التي شهدها ميزان القوة خلال العقد الأخير، لم يتمكن أي من الطرفين من تحقيق حسم نهائي للصراع. فالدولة التركية نجحت، خصوصاً بعد انهيار عملية السلام عام 2015، في تطوير قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة سمحت لها بتقليص المجال العملياتي لـ PKK داخل تركيا، وتوسيع عملياتها العابرة للحدود في العراق وسوريا، مع اعتماد متزايد على الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة والتنسيق الاستخباراتي (Kasapoğlu 2021). إلا أن هذا التفوق الأمني لم يتحول إلى تسوية سياسية مستقرة للمسألة الكردية.
وفي المقابل، لم تتمكن الحركة الكردية، رغم قدرتها على التكيف والاستفادة من التحولات الإقليمية بعد الحرب السورية، من تحويل قوتها العسكرية وامتداداتها الإقليمية إلى ترتيب سياسي مستدام ومعترف به بصورة مستقرة. كما كشفت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا حدود الاعتماد على التوازنات الدولية والإقليمية المتغيرة، رغم ما وفرته من فضاء سياسي جديد للفاعلين الكرد في المنطقة (Gunes and Lowe 2015).
وترافقت هذه التحولات مع تغيرات داخلية مهمة في تركيا نفسها. فقد شهد المجال الكردي خلال العقود الأخيرة توسعاً حضرياً متزايداً واندماجاً أعمق داخل الاقتصاد الوطني والمدن الكبرى، بالتوازي مع صعود طبقات وسطى كردية وتوسع شبكات المشاركة السياسية والاجتماعية. وفي المقابل، بدأت الحرب الطويلة تفرض كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة على الدولة التركية، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع فعالية التعبئة القومية التقليدية مقارنة بمرحلة ما بعد 2015 (Yörük 2012).
ضمن هذا السياق، بدأت منذ عام 2024 تظهر مؤشرات على إعادة فتح مسار سياسي جديد بين الدولة التركية والحركة الكردية، ترافق مع تحولات لافتة في الخطاب السياسي التركي، بما في ذلك انخراط شخصيات قومية بارزة في دعم العملية أو الدفاع عن بعض مخرجاتها المحتملة. وكان من أبرز هذه التحولات تصريحات دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية (MHP) والحليف الأساسي للرئيس رجب طيب أردوغان، حول ضرورة إيجاد إطار سياسي أو قانوني يسمح لعبد الله أوجلان بلعب دور في إنهاء الصراع المسلح (Reuters 2026).
لكن العملية الحالية لا تبدو مجرد استئناف لمسار 2013–2015، كما لا يمكن اختزالها في كونها “مبادرة سلام” تقليدية. فالتحولات التي شهدتها تركيا والمنطقة خلال العقد الأخير أعادت صياغة طبيعة المسألة الكردية نفسها وحدود الحرب وأدوات الدولة في إدارة الصراع. كما تتقاطع العملية الجارية مع بيئة إقليمية شديدة السيولة بعد 7 أكتوبر 2023، وتصاعد التوترات المرتبطة بسوريا وإيران وإعادة تشكيل موازين القوى في المشرق.
وتجادل هذه الورقة بأن العملية الحالية لا تمثل انتقالاً كاملاً من الحرب إلى “السلام الديمقراطي”، بل تعكس تحولاً تدريجياً في نمط إدارة الدولة التركية للمسألة الكردية: من نموذج يقوم على مكافحة النشاط العسكري والأمننة المكثفة، إلى نموذج هجين يجمع بين الإدماج السياسي المقيد، والضبط القانوني، والحوكمة، واستمرار بعض أنماط الأمننة، ضمن حدود تفرضها البنية القومية المركزية للدولة التركية والتحولات الإقليمية المحيطة بها.
وفي هذا السياق، لا تستخدم الورقة مفهوم “الحركة الكردية” بوصفه كياناً سياسياً متجانساً بالكامل، بل تميز بين حزب العمال الكردستاني (PKK)، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، انطلاقاً من افتراض مفاده أن مصالح هذه الأطراف واستراتيجياتها ليست متطابقة بالضرورة، حتى مع وجود روابط سياسية وتنظيمية وتاريخية بينها.
وتعتمد الورقة على إطار تحليلي يجمع بين أدبيات الأمننة (Securitization)، ونظرية التسوية السياسية (Political Settlement Theory)، والمؤسسية التاريخية (Historical Institutionalism)، وأدبيات إدارة ما بعد التمرد (Post-Insurgency Governance). وينطلق هذا الإطار من افتراض أن الصراع التركي – الكردي لا يمكن تفسيره فقط بوصفه نزاعاً أمنياً أو إثنياً، بل باعتباره جزءاً من تحولات أوسع تتعلق بإدارة الدولة وإعادة تنظيم المجال السياسي وإدارة التعددية والحوكمة والتحولات الإقليمية.
وتستخدم الورقة مفهوم “الإدماج السياسي المضبوط” للإشارة إلى نمط من إدارة الصراع تسمح فيه الدولة بقدر محدود ومحسوب من المشاركة السياسية والتمثيل القانوني والاندماج المؤسسي للفاعلين الكرد، مع احتفاظها في الوقت نفسه بأدوات قانونية وأمنية وإدارية تتيح لها ضبط حدود هذا الإدماج ومنع تحوله إلى إعادة تعريف جوهرية لطبيعة الدولة القومية في تركيا.
وتسعى الورقة للإجابة عن السؤال التالي:
هل تمثل العملية الجارية بين الدولة التركية والحركة الكردية انتقالاً من الحرب إلى تسوية سياسية مستقرة، أم أنها تعكس إعادة تنظيم أكثر مرونة وأقل كلفة لإدارة المسألة الكردية داخل بنية الدولة التركية؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تنقسم الورقة إلى أربعة أقسام رئيسية. يناقش القسم الأول التحول من الأمننة والحرب الطويلة إلى استنزاف نموذج الحسم العسكري. أما القسم الثاني، فيحلل إعادة تشكيل المسألة الكردية من خلال الانتقال من منطق العمل المسلح إلى الإدارة السياسية والقانونية للصراع. ويتناول القسم الثالث الاقتصاد السياسي للإدماج والاحتواء، مع التركيز على الحوكمة والتنمية والإدارة المحلية. أما القسم الرابع، فيناقش حدود العملية الحالية واحتمالاتها المستقبلية، بما في ذلك التناقض بين الاستقرار الأمني والاعتراف السياسي وحدود التحول داخل الدولة القومية التركية.
القسم الأول: من الأمننة إلى استنزاف نموذج الحسم العسكري
لا يمكن فهم العملية السياسية الجارية بين الدولة التركية والحركة الكردية بمعزل عن التحولات التي طرأت على بنية الصراع خلال العقود الأربعة الماضية. فالمسألة اليوم لا تتعلق فقط بوجود إرادة سياسية جديدة للحوار، بل بوصول نموذج الحرب الطويلة الذي حكم العلاقة بين الطرفين منذ الثمانينيات إلى حدوده السياسية والاجتماعية والإقليمية. ومن هذا المنظور، لا تبدو العملية الحالية نتيجة “انتصار” نهائي لأي طرف، بقدر ما تعكس إدراكاً متزايداً لحدود نموذج الحسم العسكري نفسه.
بناء الدولة والأمننة الطويلة
تأسست الجمهورية التركية الحديثة على مشروع قومي سعى إلى بناء أمة سياسية متجانسة تتمحور حول الهوية التركية ووحدة الدولة. وفي هذا السياق، لم يُعترف بالكرد بوصفهم جماعة قومية متميزة داخل الجمهورية، بل جرى التعامل معهم لفترة طويلة ضمن خطاب الإنكار أو الاحتواء، حيث صُوّروا رسمياً باعتبارهم جزءاً من الأمة التركية أو “أتراك الجبال” (Yeğen 1999). وقد رافقت هذه المرحلة سلسلة من الانتفاضات الكردية، أبرزها ثورة الشيخ سعيد عام 1925 وانتفاضة ديرسم في أواخر الثلاثينيات، والتي واجهتها الدولة عبر مقاربة عسكرية – أمنية هدفت إلى إعادة فرض السيطرة المركزية ومنع تشكل أي تعبير سياسي كردي مستقل (McDowall 2004).
ومع إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK)العمل المسلح عام 1984، دخلت تركيا في واحدة من أطول حروب حركات الكفاح المسلح في الشرق الأوسط المعاصر. وخلال العقود التالية، تعاملت الدولة التركية مع الصراع بوصفه تهديداً وجودياً لوحدة الجمهورية وأمنها القومي، ما أدى إلى ترسيخ بنية طويلة الأمد من الأمننة امتدت إلى المجال العسكري والقضاء والإدارة المحلية والتعليم والمجال المدني (Jongerden 2007). ومن منظور أدبيات الأمننة، لم تعد المسألة الكردية تدار بوصفها قضية سياسية قابلة للتفاوض داخل المجال العام، بل باعتبارها “استثناء أمنياً” يبرر توسيع صلاحيات المؤسسة الأمنية والقضائية وإخضاع المجال الكردي لرقابة استثنائية طويلة الأمد (Buzan, Wæver, and de Wilde 1998).
ولم تقتصر هذه البنية الأمنية على العنف المباشر، بل شملت أيضاً إعادة تشكيل المجال الاجتماعي والديموغرافي والإداري في المناطق الكردية. فقد شهدت التسعينيات، خصوصاً خلال حالة الطوارئ(OHAL)، لجوء الدولة التركية إلى سياسات تهجير واسعة وإفراغ مئات القرى الكردية ضمن استراتيجية مكافحة النشاط المسلح، ما أدى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجال الكردي عمرانياً واجتماعياً (Jongerden 2007).
الحرب الطويلة وتحول الدولة التركية
مع استمرار الصراع، لم تتغير الحركة الكردية وحدها، بل تغيرت الدولة التركية نفسها. فقد ساهمت الحرب الطويلة في توسيع دور المؤسسة الأمنية وتعزيز مركزية الدولة وتطوير بنية متقدمة لمكافحة النشاط المسلح، كما جرى الربط بصورة متزايدة بين الأمن القومي وإدارة المجال الكردي.
لكن التحول الأبرز جاء بعد انهيار عملية السلام عام 2015، حين انتقلت الدولة التركية إلى نموذج أكثر تطوراً في مكافحة العمل المسلح اعتمد بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة والتنسيق الاستخباراتي والعمليات العابرة للحدود، إلى جانب استهداف البنية التنظيمية لـ PKK في العراق وسوريا (Kasapoğlu 2021). وقد سمح هذا التحول بتقليص المجال العملياتي لـ PKK داخل تركيا وإضعاف قدرته على تنفيذ عمليات واسعة النطاق كما كان الحال خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية.
ورغم هذا التفوق العسكري، لم تتمكن الدولة التركية من تحويل النجاح الأمني إلى تسوية سياسية مستقرة للمسألة الكردية. وفي المقابل، لم يعد نموذج الحرب الطويلة ينتج التعبئة السياسية نفسها التي عززت الاستقطاب القومي خلال مرحلة ما بعد 2015. فمع تراجع العمليات المسلحة داخل المدن التركية واتساع الاندماج الحضري للكرد، بدأت فعالية الحرب بوصفها أداة لإعادة إنتاج الإجماع القومي تتراجع تدريجياً.
التحولات الاجتماعية والاقتصادية
ترافقت هذه التحولات الأمنية مع تغيرات اجتماعية واقتصادية مهمة داخل تركيا والمجال الكردي نفسه. فقد شهدت المناطق الكردية خلال العقود الأخيرة توسعاً حضرياً متزايداً واندماجاً أعمق داخل الاقتصاد الوطني، بالتوازي مع صعود طبقات وسطى كردية وتوسع شبكات التعليم والهجرة الداخلية (Yörük 2012).
كما لم يعد الكرد متركزين فقط في المناطق الحدودية أو الريفية مثلما كان الحال خلال العقود السابقة، بل أصبحوا جزءاً أساسياً من البنية الاجتماعية والاقتصادية للمدن الكبرى مثل إسطنبول وإزمير وأضنة ومرسين. وقد ساهم ذلك في إعادة تشكيل طبيعة المطالب الكردية وأدوات التعبئة السياسية نفسها.
كما أدت التحولات الحضرية واتساع المشاركة المحلية إلى إعادة تشكيل المجال السياسي الكردي نفسه، بحيث أصبحت البلديات والفضاءات المدنية والتمثيل المحلي عناصر متزايدة الأهمية في السياسة الكردية داخل تركيا، إلى جانب الفاعلين المسلحين التقليديين (Dorronsoro and Watts 2009; Watts 2010).
وفي هذا السياق، لم تعد الدولة التركية تدير المسألة الكردية عبر الأمن والعسكرة فقط، بل من خلال مزيج أكثر تعقيداً من الحوكمة والتنمية والمساعدات الاجتماعية وإعادة دمج المجال الكردي اقتصادياً وإدارياً. ويشير أردم يورك (Erdem Yörük) إلى أن سياسات الرعاية الاجتماعية والمساعدات الحكومية خلال حكم حزب العدالة والتنمية لم تكن مجرد أدوات تنموية، بل لعبت أيضاً دوراً في احتواء التوتر السياسي وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي، خصوصاً في المناطق الفقيرة والمتأثرة بالصراع (Yörük 2012).
ومن هنا، فإن التحول في إدارة المسألة الكردية لا يتعلق فقط بالانتقال من الحرب إلى السياسة، بل أيضاً بالانتقال من نموذج السيطرة العسكرية المباشرة إلى نموذج أكثر تركيباً يجمع بين الأمن والحوكمة والإدماج الاقتصادي والضبط الإداري.
سوريا وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية
أصبحت حدود نموذج الحسم العسكري أكثر وضوحاً بعد الحرب السورية. فمن جهة، سمحت التحولات في شمال شرق سوريا للفاعلين الكرد بتطوير تجربة حكم وإدارة محلية غير مسبوقة نسبياً، مدعومة بتحالف عسكري مع الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (Gunes and Lowe 2015).
لكن تجربة الإدارة الذاتية كشفت أيضاً هشاشة الترتيبات السياسية المعتمدة على التوازنات الإقليمية والدولية المتغيرة. فرغم المكاسب العسكرية والسياسية، بقي المشروع الكردي في سوريا معرضاً لضغوط تركيا والنظام السوري والتحولات في السياسة الأميركية والتوازنات الإقليمية الأوسع.
وفي المقابل، دفعت الحرب السورية الدولة التركية إلى توسيع نطاق استراتيجيتها الأمنية خارج حدودها عبر عمليات عسكرية مباشرة في شمال سوريا والعراق، وخلق مناطق نفوذ أمنية عابرة للحدود. غير أن هذا التوسع لم يؤد إلى “حل” المسألة الكردية، بل أعاد إنتاجها ضمن فضاء إقليمي أكثر تعقيداً.
كما أن التحولات التي أعقبت 7 أكتوبر 2023 زادت من ارتباط الحسابات التركية بالمخاوف المتعلقة بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في سوريا وإيران، وليس فقط بإدارة المجال الكردي داخل الحدود التركية. ومن هذا المنظور، لم تعد المسألة الكردية بالنسبة للدولة التركية قضية داخلية فقط، بل أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية المحيطة بتركيا.
من الحسم العسكري إلى إدارة الصراع
تشير هذه التحولات مجتمعةً إلى أن الحرب الطويلة وصلت تدريجياً إلى حدود قدرتها على إنتاج استقرار سياسي مستدام. فالدولة التركية نجحت في تقليص التهديد العسكري المباشر داخل أراضيها، لكنها لم تتمكن من إنهاء المسألة الكردية بوصفها قضية تتعلق بالاعتراف السياسي والتمثيل وإدارة التعددية داخل الجمهورية.
وفي المقابل، لم تستطع الحركة الكردية تحويل العمل المسلح أو التحولات الإقليمية إلى ترتيب سياسي مستقر ومعترف به بصورة دائمة.
لكن هذا الوضع لا يعني بالضرورة انتقالاً مباشراً إلى “السلام” أو إلى تسوية ديمقراطية شاملة، بل يشير إلى تحول تدريجي في نمط إدارة الدولة التركية للمسألة الكردية: من محاولة “الحسم العسكري” الكامل إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على الاحتواء السياسي والإدارة القانونية والحوكمة وتقليص كلفة الصراع دون إنهائه بصورة نهائية.
ومن هنا، تبدو العملية الجارية منذ 2024 أقل ارتباطاً بمنطق “إنهاء الحرب” بالمعنى التقليدي، وأكثر ارتباطاً بمحاولة إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجال الكردي بعد استنفاد نموذج الحرب الطويلة وحدود المقاربة العسكرية الصلبة.
القسم الثاني: إعادة تشكيل المسألة الكردية من التمرد إلى الإدارة السياسية
إذا كان القسم السابق قد بيّن كيف وصلت الحرب الطويلة إلى حدود قدرتها على إنتاج استقرار سياسي مستدام، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما طبيعة النموذج الذي تحاول الدولة التركية بناءه بعد استنزاف نموذج الحسم العسكري؟
تجادل هذه الورقة بأن العملية الجارية منذ 2024 لا تهدف فقط إلى إنهاء العنف المسلح، بل إلى إعادة تنظيم المجال الكردي ضمن نموذج أكثر مؤسساتية وقانونية، يقوم على مزيج من الإدماج السياسي المقيد والضبط القانوني وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفاعلين الكرد، دون الوصول بالضرورة إلى إعادة تعريف قومية شاملة للجمهورية التركية.
ومن هذا المنظور، فإن التحول الجاري لا يمكن فهمه فقط عبر مفهوم “السلام”، بل بوصفه انتقالاً تدريجياً من إدارة الصراع عبر الحرب المفتوحة إلى إدارته عبر القانون والمؤسسات والحوكمة السياسية.
لماذا تختلف عملية 2024 عن مسار 2013–2015؟
رغم التشابه الظاهري بين العمليتين، فإن السياق الذي جاءت فيه عملية 2024 يختلف جذرياً عن سياق 2013–2015. فعملية السلام السابقة قامت أساساً على تفاهمات سياسية غير رسمية بين حكومة حزب العدالة والتنمية وعبد الله أوجلان، وافتقرت إلى إطار قانوني واضح وآليات تنفيذ مستقرة وضمانات سياسية متبادلة، الأمر الذي جعلها شديدة الهشاشة أمام التحولات الإقليمية والسياسية (Savran 2020).
وقد ساهمت الحرب السورية وصعود الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، والتحولات التي أعقبت معركة كوباني، في إعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي بصورة دفعت الدولة التركية إلى التعامل مع الصعود الكردي الإقليمي بوصفه تهديداً استراتيجياً يتجاوز حدود المسألة الكردية داخل تركيا.
ويشير أرين يافوز سافران (Arin Yavuz Savran) في دراسته حول فشل عملية السلام التركية – الكردية إلى أن انهيار عملية 2013–2015 لم يكن فقط نتيجة غياب الثقة أو ضعف المؤسسات، بل ارتبط أيضاً بتحولات ميزان القوة بعد الحرب السورية، حيث اعتبرت الدولة التركية أن صعود الفاعلين الكرد إقليمياً قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المجال الكردي بصورة تهدد التوازنات التقليدية داخل تركيا والمنطقة (Savran 2020).
أما العملية الحالية، فتأتي بعد سنوات من التصعيد العسكري وتراجع قدرة PKK على العمل داخل تركيا، واتساع التدخلات التركية العابرة للحدود، إلى جانب تحولات اقتصادية واجتماعية داخل تركيا نفسها، وبيئة إقليمية أكثر اضطراباً بعد 7 أكتوبر 2023. ولهذا، فإن السؤال المركزي لم يعد يتعلق فقط بكيفية وقف الحرب، بل بكيفية إدارة المجال الكردي بعد استنزاف نموذج الحرب الطويلة.
أوجلان والتحول من الحرب إلى الإدارة
لا يمكن فهم العملية الحالية دون تحليل التحول الفكري والسياسي في خطاب عبد الله أوجلان منذ اعتقاله عام 1999. فمنذ ذلك الوقت، بدأ أوجلان يبتعد تدريجياً عن نموذج الدولة القومية الكردية بوصفه الهدف النهائي للحركة، وطرح بدلاً منه مفاهيم مثل “الأمة الديمقراطية” و”الكونفدرالية الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية الديمقراطية” (Öcalan 2011).
لكن هذا التحول لا ينبغي فهمه فقط بوصفه مراجعة فكرية مجردة، بل باعتباره تعبيراً عن إدراك متزايد لحدود الحرب الطويلة وحدود نموذج الدولة القومية الصلبة في السياقين التركي والإقليمي.
ومن هذا المنظور، لم يعد الهدف الأساسي للحركة الكردية ــ أو على الأقل لجزء مهم من خطابها السياسي ــ يتمثل في تأسيس دولة قومية مستقلة، بل في إعادة تنظيم العلاقة بين الكرد والدولة ضمن صيغ أكثر مرونة تتعلق بالإدارة المحلية والتمثيل السياسي والاعتراف الثقافي وإعادة توزيع السلطة داخل المجال السياسي.
وقد فسرت بعض الدراسات هذا التحول بوصفه انتقالاً أيديولوجياً داخل الحركة الكردية من نموذج التحرر القومي والدولة المستقلة إلى نماذج الديمقراطية الراديكالية والإدارة الذاتية واللامركزية السياسية، خصوصاً بعد اعتقال أوجلان عام 1999 وإعادة صياغة الخطاب السياسي للحركة الكردية (Akkaya and Jongerden 2012; Gunes 2020).
كما أن موقع أوجلان نفسه داخل العملية الحالية يختلف عن موقعه خلال مراحل سابقة. فبالنسبة للدولة التركية، لم يعد يُنظر إليه فقط بوصفه قائد حركة مسلحة، بل أيضاً باعتباره الفاعل الأكثر قدرة على منح الشرعية لأي انتقال من السلاح إلى السياسة. وفي المقابل، ما يزال يحتفظ داخل جزء مهم من الحركة الكردية بموقع رمزي وتنظيمي يسمح له بالتأثير على مسار التحولات الحالية.
كما ربطت أطراف كردية مختلفة بين نجاح العملية الحالية وبين إعادة تعريف الوضع القانوني لأوجلان، باعتباره المرجعية السياسية الأساسية القادرة على إدارة الانتقال من العمل المسلح إلى التفاوض السياسي والمؤسساتي. وفي هذا السياق، برزت مطالب تتعلق بتطبيق “الحق في الأمل” والسماح بتوسيع قنوات التواصل السياسي والقانوني معه ضمن إطار العملية الجارية (وحدة الدراسات التركية 2026).
ولهذا، فإن الجدل المتزايد حول “الحق في الأمل” وظروف اعتقاله وإمكانية منحه دوراً تفاوضياً أو قانونياً، لا يتعلق فقط بقضيته الفردية، بل بموقعه داخل عملية إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والحركة الكردية. وتشير تقارير حديثة إلى أن نجاح العملية الجارية بات يُربط بصورة متزايدة بقدرة أوجلان على لعب دور “المخاطَب الرئيسي” أو “الوسيط الداخلي” في أي انتقال منظم نحو إنهاء العمل المسلح (Al-Monitor 2025).
أردوغان والتحولات داخل الدولة
لكن العملية الحالية لا ترتبط فقط بالتحولات داخل الحركة الكردية، بل أيضاً بإعادة تنظيم التوازنات داخل الدولة التركية نفسها. فخلال السنوات الأخيرة، واجه النظام السياسي التركي صعوبات اقتصادية ممتدة وتراجعاً نسبياً في الهيمنة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، إلى جانب تحولات في أنماط الاستقطاب السياسي وتراجع فعالية التعبئة القومية التقليدية مقارنة بمرحلة ما بعد 2015.
وفي هذا السياق، تبدو المسألة الكردية جزءاً من عملية أوسع تتعلق بإعادة تنظيم المجال السياسي والانتخابي داخل تركيا، لا مجرد ملف أمني منفصل.
كما أن خسارة التحالف الحاكم لانتخابات البلديات عام 2024 ساهمت في إعادة تقييم كلفة استمرار الاستقطاب القومي الحاد، خصوصاً مع ازدياد أهمية التصويت الكردي في المدن الكبرى.
غير أن التحول الأكثر أهمية يتمثل في تغير موقع التيار القومي – الأمني نفسه. ففي عملية 2013–2015، كان الانفتاح على أوجلان وPKK يواجه رفضاً قومياً واسعاً، بينما تأتي العملية الحالية في ظل انخراط شخصيات قومية بارزة ــ وعلى رأسها دولت بهتشلي ــ في دعم بعض جوانب العملية أو الدفاع عن ضرورة إيجاد إطار سياسي وقانوني لها.
ولا يعني ذلك أن التيار القومي التركي تخلى عن تصوره التقليدي لوحدة الدولة، لكنه يشير إلى تغير جزئي في تعريف “المصلحة القومية”. فبدلاً من النظر إلى أي انفتاح سياسي تجاه الحركة الكردية باعتباره تهديداً بحد ذاته، بدأت قطاعات داخل المؤسسة القومية – الأمنية ترى أن إدارة نهاية النضال المسلح للحركة الكردية بصورة مضبوطة قد تكون أقل كلفة وأكثر استقراراً من استمرار الحرب المفتوحة.
من الحرب إلى الإدارة القانونية والسياسية
أحد أبرز التحولات في العملية الحالية يتمثل في انتقال النقاش تدريجياً من المجال العسكري والأمني إلى المجال القانوني والمؤسساتي. فخلال عامي 2025–2026، بدأ الحديث بصورة متزايدة عن قوانين خاصة بالعملية ولجان برلمانية وترتيبات تتعلق بنزع السلاح، إلى جانب إصلاحات قانونية مرتبطة بالإدارة المحلية والتمثيل السياسي.
كما ربطت بعض التصريحات الصادرة عن قيادات كردية وعن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) بين نجاح العملية وبين تبني “قوانين سلام” وإجراء إصلاحات قانونية تضمن توسيع المجال السياسي والمدني الكردي، بما في ذلك الحقوق الثقافية واللغوية والدينية (Al Jazeera Arabic 2025).
كما شهدت المرحلة الحالية نقاشات متزايدة حول إنشاء إطار قانوني ومؤسساتي ينظم عملية الانتقال من العمل المسلح إلى المجال السياسي، بما في ذلك قضايا نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين والإصلاحات القضائية والإدارة المحلية وقانون “الحق في الأمل” المرتبط بأوجلان. وقد ناقشت لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” في البرلمان التركي عدداً من هذه الملفات ضمن مقترحات تتعلق بقوانين الإرهاب ووضع البلديات والضمانات القانونية لمرحلة ما بعد الصراع (وحدة الدراسات التركية 2026).
وأشارت تقارير أخرى إلى وجود نقاشات داخل البرلمان التركي حول إنشاء لجنة سياسية – قانونية لمتابعة العملية، إضافة إلى بحث تعديلات محتملة تتعلق بالأوصياء على البلديات وبعض مواد قانون مكافحة الإرهاب وملف “الحق في الأمل” المرتبط بأوجلان (France 24 Arabic 2025; Al Majalla 2025).
لكن هذا الانتقال إلى الإطار القانوني لا يعني بالضرورة تحولاً ديمقراطياً شاملاً، بل قد يعكس محاولة لإعادة تنظيم المجال الكردي ضمن نموذج أكثر استقراراً وأقل كلفة أمنية، مع الحفاظ على الحدود الأساسية التي تفرضها الدولة القومية التركية.
وفي هذا السياق، تبدو العملية الحالية أقرب إلى نموذج “الإدارة السياسية – الأمنية الهجينة”، الذي يجمع بين الإدماج المحدود والاحتواء والضبط القانوني واستمرار بعض أدوات الأمننة.
ولهذا، فإن العملية الجارية لا تعكس نهاية كاملة للصراع التركي – الكردي، بل تحولاً في أدوات إدارته وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجال الكردي بعد استنزاف نموذج الحرب الطويلة.
القسم الثالث: الاقتصاد السياسي للإدماج والاحتواء
لا تُدار المسألة الكردية في تركيا عبر الأمن وحده. فإلى جانب العسكرة والقانون ومكافحة النشاط العسكري، طورت الدولة التركية خلال العقود الأخيرة أدوات أخرى لإعادة تنظيم المجال الكردي، من بينها التنمية والمساعدات الاجتماعية والإدارة المحلية والحوكمة الحضرية. ومن هنا، فإن فهم العملية الحالية يتطلب النظر إليها ليس فقط بوصفها تحولاً من الحرب إلى السياسة، بل أيضاً بوصفها انتقالاً من السيطرة العسكرية المباشرة إلى نموذج أوسع للاحتواء الاجتماعي – الاقتصادي والإداري.
يُعد عمل عالم الاجتماع التركي إردم يورك (Erdem Yörük) حول المساعدات الاجتماعية والصراع الكردي من أهم الدراسات التي تناولت هذا التحول. فقد جادل يورك بأن برامج المساعدة الاجتماعية في تركيا وُجهت بصورة غير متناسبة إلى الكرد والمناطق الكردية، خصوصاً النازحين داخلياً في المدن، وأن هذا التفاوت لا يمكن تفسيره بالفقر وحده، بل يرتبط باستخدام الرعاية الاجتماعية كأداة لاحتواء الاضطراب السياسي الكردي. ويخلص إلى أن الدولة التركية لا تقدم المساعدة فقط حيث يوجد الفقر، بل حيث يصبح الفقراء مسيّسين (Yörük 2012).
وبهذا المعنى، لا يظهر الإدماج الاقتصادي والاجتماعي بوصفه بديلاً كاملاً عن الأمننة، بل باعتباره امتداداً لها بوسائل مختلفة. فالدولة لا تكتفي بتقليص القدرة العسكرية لـ PKK، بل تسعى أيضاً إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي الذي مكّن الحركة الكردية من الاستمرار والتوسع. ويشمل ذلك إدماج الفئات الكردية الفقيرة في شبكات الرعاية، وتوسيع حضور الدولة في المدن الكردية، وربط السكان المحليين بمؤسسات الدولة عبر الخدمات والمساعدات والتنمية.
وقد اكتسب هذا البعد أهمية خاصة بعد موجات النزوح الداخلي خلال التسعينيات. فسياسات الطوارئ والتهجير في المناطق الكردية أدت إلى انتقال واسع للسكان من القرى إلى المدن، سواء داخل الجنوب الشرقي أو إلى المدن الكبرى في غرب تركيا. ووفقاً ليورك، أسهم هذا التحول في خلق بروليتاريا كردية حضرية فقيرة أصبحت جزءاً مهماً من السياسة الحضرية والانتخابية والاجتماعية في تركيا (Yörük 2012).
ومن هنا، لم تعد المسألة الكردية محصورة في الجبال أو الحدود أو الريف، بل أصبحت حاضرة في الأحياء الفقيرة والبلديات وسوق العمل غير الرسمي وشبكات الرعاية الاجتماعية وسياسات التنمية المحلية. وتكمن أهمية هذا التحول في أنه يفسر لماذا لم يعد نموذج مكافحة النشاط العسكري وحده كافياً. فالمجال الكردي لم يعد فضاء عسكرياً فقط، بل أصبح مجالاً حضرياً واجتماعياً واقتصادياً واسعاً يتطلب أدوات إدارة أكثر تعقيداً.
وفي هذا السياق، يمكن فهم “الإدماج السياسي المضبوط” بوصفه جزءاً من اقتصاد سياسي أوسع للاحتواء. فهو لا يعني الاعتراف السياسي الكامل بالكرد، ولا إعادة تأسيس الجمهورية على قاعدة تعددية، بل يشير إلى توسيع محدود ومحسوب لقنوات الاندماج الاجتماعي والسياسي، مع بقاء الدولة قادرة على ضبط حدود هذا الاندماج قانونياً وإدارياً.
وتظهر الإدارة المحلية بوصفها أحد أهم ميادين هذا التوتر. فمن جهة، تمثل البلديات الكردية مجالاً مركزياً للتعبير السياسي والخدمات والتمثيل المحلي. ومن جهة أخرى، تعاملت الدولة معها مراراً بوصفها فضاء محتملاً لإعادة إنتاج النفوذ السياسي الكردي، خصوصاً عبر اتهامات الارتباط بـ PKK . ولهذا، فإن سياسة تعيين الأوصياء على البلديات المنتخبة تمثل نموذجاً واضحاً للتداخل بين الإدماج والضبط: تسمح الدولة بالمشاركة الانتخابية، لكنها تحتفظ بحق تعطيل مخرجاتها عندما تُقرأ بوصفها تهديداً أمنياً أو سياسياً.
وقد ناقشت نيكول واتس (Nicole Watts) في دراساتها حول السياسة الكردية المحلية في تركيا كيف أصبحت البلديات الكردية منذ التسعينيات فضاءات بديلة لإعادة إنتاج الهوية السياسية الكردية وبناء شبكات اجتماعية وخدمية محلية، الأمر الذي جعلها محل توتر دائم مع الدولة المركزية (Watts 2010).
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العملية الحالية، لأن بعض التقارير الحديثة تشير إلى أن النقاشات البرلمانية حول الإطار القانوني للعملية تشمل تعديلات محتملة تتعلق بعزل رؤساء البلديات المنتخبين وتعيين الأوصياء، إلى جانب نقاشات حول “الحق في الأمل” لأوجلان وبعض الترتيبات القانونية المرتبطة بنزع السلاح. ففي تقرير نشرته France 24 Arabic حول النقاشات البرلمانية المرتبطة بالعملية الجديدة، أُشير إلى أن الحكومة التركية تدرس حزمة إصلاحات قانونية مرتبطة بالإدارة المحلية وقوانين الإرهاب في إطار العملية الجارية (France 24 Arabic 2026). كما تناولت مجلة المجلة في تقرير تحليلي بعنوان: “تركيا… الخلاف الدستوري يعيق عملية السلام” الجدل الدائر داخل الدولة التركية حول حدود الإصلاحات الممكنة دون المساس بالبنية المركزية للجمهورية (Al Majalla 2025).
لكن هذا لا يعني أن الدولة تتجه بالضرورة إلى لامركزية ديمقراطية واسعة. فالأرجح أن ما يجري يتمثل في محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع المجال الكردي، بحيث تُفتح بعض قنوات الإدماج السياسي والقانوني، مع الحفاظ على قدرة الدولة المركزية على التدخل عند الضرورة. وهنا يظهر الطابع الهجين للعملية: فهي ليست قمعاً عسكرياً خالصاً، وليست أيضاً تسوية ديمقراطية شاملة، بل نموذج يجمع بين الإدماج والاحتواء.
وبذلك، فإن الاقتصاد السياسي للعملية الحالية يكشف أن الدولة التركية تسعى إلى إدارة مرحلة ما بعد الكفاح المسلح عبر ثلاث أدوات متداخلة: تقليص القدرة العسكرية للحركة المسلحة، وتوسيع قنوات الإدماج الاجتماعي والسياسي المحدود، والحفاظ على أدوات الضبط القانوني والإداري التي تمنع تحول الإدماج إلى اعتراف سياسي كامل.
ومن هنا، فإن نجاح العملية الحالية لن يتوقف فقط على نزع السلاح، بل على ما إذا كانت الدولة ستسمح بتحول الإدماج من أداة احتواء إلى مسار سياسي مستقر. فإذا ظل الإدماج مشروطاً ومحدوداً ومصحوباً باستمرار الأوصياء والملاحقات القانونية، فقد تنتج العملية استقراراً أمنياً قصير المدى، لكنها ستبقي جذور المسألة الكردية قائمة. أما إذا ترافق الإدماج مع إصلاحات قانونية ومؤسساتية حقيقية في الإدارة المحلية والتمثيل السياسي والحقوق الثقافية، فقد يتحول إلى مدخل لتسوية أكثر استدامة.
القسم الرابع: حدود العملية الجديدة واحتمالاتها
رغم التحولات التي تشهدها العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكردية، فإن العملية الجارية ما تزال محكومة بتناقضات بنيوية عميقة تجعل مستقبلها مفتوحاً على أكثر من احتمال. فبينما تشير التطورات الحالية إلى انتقال تدريجي من الحرب المفتوحة إلى إدارة أكثر مؤسساتية للصراع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدولة التركية تتجه نحو تسوية ديمقراطية شاملة أو اعتراف سياسي كامل بالكرد بوصفهم جماعة مؤسِّسة داخل الجمهورية.
ومن هنا، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بإمكانية إنهاء العنف المسلح، بل بطبيعة النظام السياسي الذي قد ينتج عن نهاية الحرب نفسها.
الفجوة بين الخطاب والممارسة
أحد أبرز تناقضات العملية الحالية يتمثل في الفجوة المستمرة بين خطاب “التطبيع” أو “السلام” وبين الممارسات الأمنية والقانونية على الأرض. فبينما يجري الحديث عن قوانين سلام وإعادة إدماج وحلول سياسية، تستمر في الوقت نفسه سياسات تعيين الأوصياء على البلديات الكردية والملاحقات المرتبطة بقوانين الإرهاب والقيود المفروضة على المجال السياسي والمدني الكردي.
ويشير هذا التناقض إلى أن الدولة التركية لم تغادر بالكامل بنية الأمننة التي تشكلت خلال العقود السابقة، بل تحاول إعادة تنظيمها ضمن إطار أكثر قانونية ومؤسساتية. أي أن التحول الجاري قد يمثل انتقالاً من الأمننة العسكرية المباشرة إلى أشكال أكثر مرونة من الضبط القانوني والإداري.
وقد تناولت مجلة المجلة هذا التناقض في تقريرها حول العملية الجديدة، مشيرة إلى أن الخلافات داخل الدولة التركية لا تدور فقط حول كيفية إنهاء الصراع، بل أيضاً حول حدود الإصلاحات الممكنة دون المساس بالبنية المركزية والقومية للجمهورية (Al Majalla 2025).
كما أن استمرار الجدل حول الأوصياء والاعتقالات السياسية وقوانين الإرهاب يشير إلى أن المجال الكردي ما يزال يُنظر إليه، جزئياً على الأقل، من خلال منطق التهديد الأمني حتى داخل مرحلة “الإدماج”.
كما أن حالة الجمود التي شهدتها العملية خلال عام 2026، واستمرار القيود المتعلقة بزيارة أوجلان، والتباطؤ في تنفيذ الإصلاحات القانونية التي جرى الحديث عنها، عززت الشكوك داخل الأوساط الكردية بشأن حدود التحول الجاري ومدى استعداد الدولة للانتقال من الخطاب السياسي إلى التغيير المؤسساتي الفعلي (وحدة الدراسات التركية 2026).
حدود الإدماج السياسي
تطرح العملية الحالية أيضاً سؤالاً يتعلق بطبيعة “الإدماج” نفسه. فالدولة التركية تبدو مستعدة لتوسيع بعض قنوات المشاركة السياسية والقانونية للكرد، لكنها لا تُظهر حتى الآن استعداداً واضحاً لإعادة تعريف الأسس القومية المركزية التي قامت عليها الجمهورية.
ومن هنا، فإن “الإدماج السياسي المضبوط” قد يسمح بتوسيع المجال السياسي القانوني وإعادة دمج بعض الفاعلين السابقين وتقليل العنف، لكنه لا يعني بالضرورة الاعتراف الدستوري بالكرد أو الانتقال إلى نموذج تعددي واسع أو إعادة توزيع جوهرية للسلطة بين المركز والأطراف.
وقد أظهرت دراسات محمد ورومانو وآخرين حول الصراع الكردي أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالعنف أو التنمية أو التهميش الاقتصادي، بل أيضاً بمسألة الاعتراف السياسي والهوية الجماعية (Mohammed and Romano 2025). ومن هذا المنظور، فإن أي عملية تركّز فقط على الاستقرار الأمني دون معالجة سؤال الاعتراف قد تبقى محدودة القدرة على إنتاج تسوية طويلة الأمد.
كما أشارت نيكول واتس وغيرها من الباحثين إلى أن التوتر بين مركزية الدولة القومية والمطالب الكردية المتعلقة بالتمثيل والاعتراف ظل واحداً من الثوابت الأساسية التي حكمت تطور الصراع حتى خلال مراحل الانفتاح السياسي النسبي.
تعدد الفاعلين الكرد واختلاف الحسابات
من جهة أخرى، لا يمكن التعامل مع “الحركة الكردية” بوصفها كتلة سياسية موحدة بالكامل. فهناك اختلافات بين PKK، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، والفاعلين الكرد في الشتات الأوروبي.
فبينما قد يكون PKK معنياً بإدارة انتقال منظم من العمل المسلح إلى المجال السياسي، تتحرك القوى السياسية الكردية القانونية داخل تركيا ضمن أولويات مرتبطة بالانتخابات والإدارة المحلية والحقوق القانونية والمدنية.
أما الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، فتواجه تحديات مختلفة مرتبطة بمستقبل النظام السوري والعلاقة مع الولايات المتحدة والضغوط التركية والتوازنات الإقليمية الأوسع.
ولهذا، فإن أي عملية سياسية داخل تركيا ستظل متأثرة بالتباين بين أولويات الفاعلين الكرد أنفسهم، لا فقط بالعلاقة بين الدولة وPKK.
كما أن المجتمع الكردي داخل تركيا لا يمثل كتلة اجتماعية أو سياسية متجانسة، بل يضم فاعلين وشرائح اجتماعية متنوعة تشمل أحزاباً قانونية ونخباً محلية وطبقات وسطى حضرية ومنظمات مجتمع مدني وشبكات اقتصادية وثقافية تختلف في أولوياتها ومقاربتها للعلاقة مع الدولة التركية. ولهذا، فإن استقرار أي عملية سياسية لن يتوقف فقط على التفاهم بين الدولة وPKK، بل أيضاً على قدرتها على إنتاج شرعية اجتماعية أوسع داخل المجتمع الكردي نفسه (Watts 2010; Gunes 2020).
الأزمة بوصفها أزمة هوية واعتراف
تشير الأدبيات الحديثة حول “الأمن الوجودي” (Ontological Security) والصراعات الهوياتية إلى أن بعض النزاعات لا تستمر فقط بسبب المصالح المادية أو الحسابات الأمنية، بل أيضاً بسبب المخاوف المرتبطة بالهوية الجماعية وإدراك الذات والآخر (Rumelili and Çelik 2017).
وفي الحالة التركية – الكردية، لا يبدو الصراع مجرد نزاع على السلطة أو الحقوق، بل أيضاً صراعاً يتعلق بتعريف الأمة والجمهورية وحدود الانتماء السياسي والثقافي داخل الدولة.
وقد ناقشت بهار رومليلي وسنان جلال تشيليك مفهوم “السلام التنافسي” أو “السلام الصراعي” (Agonistic Peace)، مشيرين إلى أن بعض الصراعات قد لا تُحل بالكامل، بل يُعاد تنظيمها ضمن إطار يسمح بإدارة التنافس والاختلاف دون العودة إلى الحرب الشاملة (Rumelili and Çelik 2017).
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الحالة التركية الحالية، لأن العملية الجارية قد لا تؤدي إلى توافق قومي شامل، بل إلى شكل من التعايش المتوتر أو الاستقرار الهش أو إدارة الخلاف ضمن حدود مؤسساتية مضبوطة.
كما أن الأدبيات المتعلقة بـ “الضحية التنافسية” (Competitive Victimhood) و”أخلاقيات الصراع” (Ethos of Conflict) تشير إلى أن عقود الحرب الطويلة خلقت سرديات متنافسة داخل المجتمعين التركي والكردي حول الشرعية والذاكرة والعنف والهوية. وهو ما يجعل الانتقال من الحرب إلى السياسة أكثر تعقيداً من مجرد التوصل إلى اتفاق أمني أو قانوني.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء هذه التناقضات، تبدو العملية الحالية مفتوحة على ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
أولاً: الإدماج المضبوط والمستقر نسبياً
وهو السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى القريب، حيث تنجح الدولة التركية في خفض مستويات العنف وإعادة دمج بعض الفاعلين الكرد ضمن النظام السياسي، إلى جانب توسيع محدود للمجال القانوني والسياسي، دون إجراء تحول جذري في طبيعة الدولة القومية التركية.
وفي هذا السيناريو، تتحول المسألة الكردية من ملف أمني مفتوح إلى قضية تُدار عبر القانون والبرلمان والإدارة المحلية والاحتواء السياسي.
ثانياً: الجمود المُدار
وفيه تستمر العملية شكلياً دون تقدم سياسي جوهري، بحيث يتحقق نوع من خفض التوتر أو التجميد النسبي للصراع، دون الوصول إلى تسوية مستقرة أو معالجة قضايا الاعتراف والتمثيل والإدارة المحلية.
وتدعم بعض التطورات الأخيرة هذا الاحتمال، خصوصاً مع تباطؤ تنفيذ التوصيات القانونية المتعلقة بالعملية، واستمرار الخلاف حول ترتيب خطوات نزع السلاح والإصلاح السياسي، إضافة إلى تداخل الحسابات الانتخابية الداخلية مع التطورات الإقليمية المحيطة بتركيا (وحدة الدراسات التركية 2026).
وفي هذه الحالة، قد يتحول “السلام” إلى مجرد إدارة طويلة الأمد للأزمة.
ثالثاً: العودة إلى الأمننة
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في انهيار العملية وعودة المقاربة الأمنية الصلبة، خصوصاً إذا ارتبطت المرحلة المقبلة بتصعيد إقليمي جديد أو تغير الحسابات الانتخابية داخل تركيا أو انهيار التفاهمات الحالية أو فشل بناء الثقة بين الأطراف.
لكن، حتى في هذا السيناريو، تبدو العودة الكاملة إلى نموذج التسعينيات أكثر صعوبة، لأن الحرب نفسها غيّرت الدولة التركية والحركة الكردية والبنية الاجتماعية للمجال الكردي والبيئة الإقليمية المحيطة بتركيا.
ولهذا، فإن العملية الحالية لا تبدو مجرد محاولة لإنهاء صراع مسلح، بل جزءاً من تحول أوسع في طريقة إدارة الدولة التركية للمسألة الكردية وحدود التعددية السياسية داخل الجمهورية.
تنويه
استُخدمت أدوات الذكاء الصناعي بصورة محدودة في المساعدة على التحرير اللغوي، وتحسين التماسك النصي، وتنظيم بعض الصياغات الأكاديمية في هذه الورقة. وقد جرت مراجعة جميع المحتويات والتحقق منها وصياغتها النهائية من قبل الباحث، الذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن التحليل والاستنتاجات والمحتوى الوارد في البحث.
*شكر وتقدير
يتقدم الباحث بجزيل الشكر والتقدير إلى الصديقين الدكتور أحمد يوسف والأستاذ جلنك عمر على ملاحظاتهما النقدية ومناقشاتهما القيمة، التي أسهمت في إغناء هذا البحث وتحسين بنيته التحليلية وصياغته النهائية.
المراجع
Akkaya, Ahmet Hamdi, and Joost Jongerden. 2012. “Reassembling the Political: The PKK and the Project of Radical Democracy.” European Journal of Turkish Studies 14.
Al Jazeera Arabic. 2025. “الجزيرة. تفاصيل عملية تسليم العمال الكردستاني سلاحه وخلفياتها | سياسة | الجزيرة نت
Al Majalla. 2025. “” المجلة. تركيا… الخلاف الدستوري يُعيق “عملية السلام” | مجلة المجلة
Al-Monitor. 2025. “Debates over Öcalan’s Role in the New Kurdish Peace Process.” Al-Monitor.
Buzan, Barry, Ole Wæver, and Jaap de Wilde. 1998. Security: A New Framework for Analysis. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers.
Dorronsoro, Gilles, and Nicole F. Watts. 2009. “Toward Kurdish Distinctiveness in Electoral Politics: The 1977 Local Elections in Diyarbakır.” International Journal of Middle East Studies 41(3): 457–480.
France 24 Arabic. 2025. “نقاشات داخل البرلمان التركي حول إصلاحات قانونية مرتبطة بالعملية الكردية.” فرانس 24 عربي.
France 24 Arabic. 2026. البرلمان التركي يقر إصلاحات قانونية لدفع عملية السلام مع “حزب العمال الكردستاني” مشروطة بنزع سلاحه – فرانس 24 / France 24
Gambetti, Zeynep, and Joost Jongerden, eds. 2015. The Kurdish Issue in Turkey: A Spatial Perspective. London: Routledge.
Gunes, Cengiz, and Robert Lowe, eds. 2015. The Impact of the Syrian War on Kurdish Politics Across the Middle East. London: Chatham House.
Gunes, Cengiz. 2020. The Kurdish National Movement in Turkey: From Protest to Resistance. London: Routledge.
Gunter, Michael M. 2013. The Kurdish Spring: A New Map of the Middle East. Costa Mesa, CA: Mazda Publishers.
Jongerden, Joost. 2007. The Settlement Issue in Turkey and the Kurds: An Analysis of Spatial Policies, Modernity and War. Leiden: Brill.
Kasapoğlu, Can. 2021. “Turkey’s Drone Warfare Doctrine and Counterinsurgency Strategy.” EDAM Analysis.
McDowall, David. 2004. A Modern History of the Kurds. 3rd ed. London: I.B. Tauris.
Mohammed, S. J., & Romano, D. (2025). The Kurdish conflict in Turkey: The central role of identity recognition (or lack thereof). Ethnopolitics, 24(3), 260-277.
Öcalan, Abdullah. 2011. Democratic Confederalism. Cologne: International Initiative Edition.
Reuters. 2026. “Bahçeli Signals Support for a Political Framework Involving Öcalan.” Reuters.
Rumelili, Bahar, and Sinan Çelik. 2017. “Ontological Insecurity in Asymmetric Conflicts: Reflections on Agonistic Peace in Turkey’s Kurdish Issue.” Security Dialogue 48(1): 3–21.
Savran, Arin Yavuz. 2020. “Why the Kurdish Peace Process Failed in Turkey: Regional Dynamics and Shifting Power Relations.” https://bradscholars.brad.ac.uk/entities/publication/2a8a0801-623c-435d-9913-f1f2d7f260fe.
Turkish Studies Unit. 2026. “Developments in the ‘Peace Process’ Between the Kurds and the Turkish State.” NLKA The Kurdish Centre for Studies , May 16, 2026. https://nlka.net/archives/1493
Watts, N., 2000. Relocating Dersim: Turkish state-building and Kurdish resistance, 1931–1938. New Perspectives on Turkey, 23, pp.5-30.
Watts, Nicole F. 2010. Activists in Office: Kurdish Politics and Protest in Turkey. Seattle: University of Washington Press.
Yeğen, Mesut. 1999. “The Kurdish Question in Turkish State Discourse.” Journal of Contemporary History 34(4): 555–568.
Yörük, Erdem. 2012. “Welfare Provision as Political Containment: The Politics of Social Assistance and the Kurdish Conflict in Turkey.” Politics & Society 40(4): 517–547.





