شورش درويش
تحاول هذه الورقة رصد المساعي الكردية للنجاة من “الإبادة الثقافية” ومواجهتها من خلال الأدوار التي أدّتها النخب والنشطاء الكرد خلال ما يزيد عن المئة عام، ولئن كانت الإبادة الثقافية قد دخلت إلى عالم الأدبيات السياسية في عالم ما بعد الهولوكوست وإعادة النظر في الإبادات الفيزيائية التي تعرّضت لها شعوبٌ بأسرها، فإن الحالة الكردية تقدّم نموذجاً واضحاً لسياسات الإبادة التي تحتاج إلى أكثر من مساحة للتفكير فيها وتبيان كيف نجا الكرد جزئياً من تلك السياسات الإلغائية والشوفينية.
في هذه الورقة نستعرض فضاءً عاماً لسياسات الإبادة الثقافية التي جرى العمل عليها في عالم ما بعد لوزان 1923، وكيف نمت الثقافة الكردية في سوريا الانتدابية، وكيف تقدّمت مرحلة “الدفاع بالقلم” من خلال الاشتغال على اللغة والأندية والصحف، كما تحاول الدراسة الوقوف على ثلاث مراحل من عمر العمل القومي الكردي الثقافي في سوريا: الانتداب، ما بعد الانتداب، وحقبة القوميين والبعث وما استجرّته من سياسات إنكار للهوية الكردية وحظر تعبيراتها وقمع المشتغلين بها والساعين إلى الحفاظ عليها وتنميتها.
بدايات الإنكار وقمع اللغة والهوية الكردية
نمت الهوية الكردية بصعوبة بالغة ضمن فضاء قمعي وسياسات إنكار دشّنتها الجمهورية التركية الفتيّة بعد قليل من اتفاقية لوزان 1923، واتخاذ التركيّة هويّة تلبّي تطلّعات التحديث القسري الذي يقوم عليه نموذج الدولة – الأمة؛ فقد أصدر مصطفى كمال أتاتورك في 3 آذار/مارس 1924 مرسوماً يحظر جميع المدارس والجمعيات والمطبوعات الكردية، وحُظرت الكردية تحت طائلة العقاب، حتى أن كلمة “كرد” أو “كردستان” صنّفت كمخالفة قانونية تستوجب العقاب، وامتد الحظر ليشمل التخاطب بالكردية الذي استمر حتى عام 1991 حين رفع تورغوت أوزال الحظر و”مَنح” الكرد حق الكلام بالكردية في الشارع.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ وُضعت أسس قانونية صارمة لتنفيذ سياستي النفي وتشتيت الكرد، واعتماد تسميتهم “أتراك الجبال” منذ أيار/مايو 1932، أي بعد أقل من عام على إخفاق ثورة آرارات/آغري المسلحة و”الإدارة الذاتية” المدنية المعلنة فيها. وبطبيعة الحال كان النجاح النسبي لسياسات الإنكار والتشتيت والنفي التركي قد وجدت صداها في بلاد فارس (إيران لاحقاً) حيث أمر رضا بهلوي، حتى قبل أن يتسلّم الحكم، بإبعاد الكرد إلى الولايات الجنوبية ومنع تعليم اللغة الكردية في المدارس، ومُنعت إلى ذلك المطبوعات الكردية منذ عام 1923، كما شملت عملية الملاحقة الملامح البصرية للهوية الكردية مثل حظر الثياب والموسيقا والرقص واستبدال أسماء القرى والمدن الكردية بأخرى فارسية (السبكي: 1999)، بل كان حيازة كتاب كرديّ واحد تكلّف الحائز عقوبة تصل إلى السجن سبع سنوات (الإثنية والدولة: 2006)، فيما كانت الأوضاع أقل صخباً في البلدين الانتدابيين العراق وسوريا، بل إن الانتدابين البريطاني والفرنسي ساهما في نموّ الهوية الكردية بتعبيريها: اللغة والثقافة. كذلك يمكن ملاحظة رعاية السوفيات لعملية تنمية الهوية الكردية في أرمينيا السوفيتية بوسائل تكاد تتطابق مع ما جرى في العراق وسوريا.
في إزاء الطابع القسري لعملية الإبادة الثقافية، ثمة جانب طوعيّ يمكن تسميته “التنكّر الذاتيّ” للهوية القوميّة الكردية، فبعض منظّري القومية التركية كانوا من الكرد والمشتغلين على إبراز الهوية الكردية في وقت سابق، كضياء كوك ألب وشكري صكبان، فقد بدا لهما، ولآخرين كما في حالة محمد كرد علي في سوريا، أن طريق التحديث يمرّ باختيار هويّة قومية جديدة جامعة ومختلقة لإرساء نموذج الدولة – الأمّة الويستفالي. إلّا أن هذا التنازل الطوعي ترافق مع عملية امتناع كردية موازية ومقاومة ثقافية لما يمكن تسميته عملية تصنيع الدول القومية التي اتبعتها تركيا وإيران، ثم العراق وسوريا في وقت لاحق.
داخل مسار طويل ومتعرّج لعملية الإبادة، كانت سوريا الانتدابية قد شهدت محاولة توليد هوية كردية يمكن أن تكون هوية كردستانية عامة رغم حالة التشظّي السياسي وتنوّع اللهجات وغياب اللغة المعياريّة، فجهود حركة خويبون (1927) والأخوين جلادت وكاميران بدرخان، جعلت من الوجود الكردي حالة أقرب إلى “البيمونت” الكرديّ (أسوةً ببيمونت التي انتشر منها الوعي القومي وعملية توحيد إيطاليا)، فيما كانت عملية إحياء اللغة والثقافة قد استلهمت نموذجي اللاتينية والعبريّة وطرق إحيائهما (غورغاس:2013). بطبيعة الحال كانت السلطات الانتدابية تُخضع مسألة الهوية الكردية لميزان العلاقة الفرنسية التركية، فقد مرّ مسار النهضة الثقافية الكردية بمزيج من التسامح وغض الطرف في فترات، والتشديد ووقف الدعم والمساندة في أوقات أخرى، فيما بدأت مرحلة الجمهورية الثانية انطلاقاً من عام 1946 تكرّس أحادية الثقافة واللغة، وبالتالي شكلت الهوية السورية وفق نظرية الدولة الأمة أو بتعبير ديفيد ماكدويل لحظة “انتصار القوميين العرب” (ماكدويل: 2004). تمكّن القوميون من إطباق سيطرتهم الإيديولوجية على مفاصل الدولة، ومع وصول حزب البعث للسلطة وتشدّده جرى تبنّي سياستي التعريب وإنكار الوجود وحجب الهوية الكردية، أو بكلمات أكثر إيجازاً: بدأت مرحلة الإبادة الثقافية، الأمر الذي استلزم بذل جهود مضاعفة وتنوّع أشكال المقاومة لمواجهة هذه الإبادة.
كان عباس ولي قد تحدّث عن أن التصدي لإنكار الهوية الكردية، ومقاومة الهويات القومية المفروضة، يبقيان السبب الأساسي للثورات الكردية. ويحدد “ديالكتيك الإنكار والمقاومة” الشكل السياسي للقومية الكردية وطابعها، فالنزعة القومية هي سياسة توكيد الهوية القومية الكردية، ولئن كانت الهوية الكردية نتاجاً للحداثة، فإنها “نتاج خاص من الحداثة” يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤسسات الدولة الحديثة. في مكانٍ آخر يجادل ولي حول أهمية الهوية في الصراع الذي خاضه الكرد خلال عقودٍ متواصلة، “فالقمع الدائم للهوية الكردية هو شرط آخروية (من آخر) الكرد في المجتمعات وموقعهم كغرباء في وطنهم، وإن بقاء الكرد غير قابلين للتمثيل فتلك هي القضية الأساسية لانهجاس الكرد بهويتهم” (الإثنية والدولة: 2006).
هوية نامية في ظل السياسة الانتدابية الفرنسية
بني الاهتمام الفرنسي بقضايا الإثنيات على طبيعة سياستها التي وجدت صعوبة في اختلاق أمّة سوريّة، والإيمان بفكرة فصل الشعوب الخارجة من إهاب الدولة العثمانية، لا سيما مع إدراكها لفكرة أن الكرد انفصلوا عن الهوية العربية الإسلامية خلال العهد العثماني ونشأ إسلام كردي صوفي خاص في كردستان، وما عادت تجمع الكرد الكثير من الوشائج الثقافية بجيرانهم الذين اختاروا الهويات القومية المتحاجزة، وبالتالي فإن الهوية الكردية وإن كانت ذات طابعٍ شفاهيّ إلى حدّ بعيد فإنها كانت قابلة لإعادة التوظيف والتجديد على ما قالته تجارب النخب القومية الكردية في إسطنبول مطلع القرن الماضي. لكن المعرفة الفرنسية بالكرد وبمجتمعات المنطقة كانت أقل شأناً مما كانت عليه معرفة البريطانيين، إذ لا تجد من يضاهي غيرترود بيل وت.إ. لورنس ومارك سايكس (غورغاس:2013). جانب القصور هذا دفع الفرنسيين إلى إعادة التفكير بالخريطة الإثنوغرافية للمشرق، لذا سنشهد دعم المفوضية العليا للحركة القومية الكردية بواسطة المعهد الفرنسي بدمشق ممثلة في شخص الكابتن روبير مونتانيه. وهكذا انطلاقاً من عام 1922 فصاعداً، بدء الاهتمام بالكردولوجيا (علم الكردية) الموجّه للغربيين وبرزت أسماء استثنائية متعاطفة مع الكرد مثل بيير روندو وروجيه ليسكوت وتوماس بوا، وبدأت الأعمال المشتركة والنقاشات العلمية حول الهوية الكردية تأخذ مناحي مختلفة، هذا إضافة إلى الدعم المالي للأنشطة الثقافية الكردية.
أدخلت فرنسا قضايا التعدد الإثني والديني في حساباتها السورية، ولأجل ذلك ترددت المفوضية العليا في شأن مستقبل المناطق الكردية، وبرزت تقاطعات المصالح الكردية الفرنسية، وبخلافها حاولت السلطات الانتدابية تهدئة التوترات مع الجانب التركي على حساب الكرد. لكن، داخل هذا التذبذب الفرنسي تصاعد نموّ الهوية الكردية، ورغم حالة التشظّي التي شهدتها حركة خويبون وخلافاتها الداخلية برزت الهوية الكردية كفعل مغاير للهوية التركية أوّلاً، ثم العربيّة فيما بعد، فعملت النخبة الكردية المثقفة القادمة من المتن العثماني المتأخر على ربط الهوية الثقافية بالتطلعات السياسية، فبدأت مرحلة تحديث الهوية والمطالبات بتعليم الكردية عبر عرائض قدّمت لسلطات الانتداب، لذا سيشهد عام 1928 معروضاً حمل توقيع خويبون مطالباً بفتح مدارس لتعليم اللغة الكردية، ثم إرسال عرائض أخرى تدعو لاستخدام الكردية لغة رسمية للدوائر في المناطق التي يسكنها الكرد.
من مفارقات الانتداب الفرنسي أنه أفسح المجال أمام اللغة الكردية في قضاء جرابلس عام 1922، لا في الجزيرة التي لم تلحق بسوريا حتى ذلك الوقت ولكنها كانت تخضع لسلطة الانتداب، أو في كرد داغ (عفرين) ذات الحضور الكردي التاريخي الراسخ، إنما في منطقة دخلت في اعتبارات سلطة الانتداب السياسية، فمع فصل جرابلس عن سنجقي دير الزور وحلب وجعلها قضاءً مستقلاً، تمّ اعتبار الكردية والعربية والتركية “لغاتٍ على قدم المساواة، واشترطوا في الموظفين العموميين أن يتقنوها (باروت: 2013). على أساس أن يكون التعليم فيه [في القضاء] باللغات العربية والكردية والتركية”. وعليه كان الاعتراف بالكردية لغة رسمية في التعليم أوّل أمر يخص الكرد يرد “في وثيقة قانونية ورسميّة فرنسيّة”. وبخلاف ذلك، ورغم وجود أغلبية كردية في كرد داغ إلّا أن رفض السلطات الفرنسية اعتبار الكردية لغة رسمية أو لغة تعليم إلى جوار العربية والتركية، يشير إلى عدم رغبة الفرنسيين استفزاز الأتراك في المناطق القريبة من لواء الإسكندرون.
كان لكاميران بدرخان أفكار ثورية فيما خص تعليم الكردية، إذ اقترح على المفوضية العليا افتتاح مدرسة داخلية كردية في الجزيرة، ولتغطية نفقات المدرسة وإيجاد ما يشبه “الدير القوميّ”؛ اقترح إقامة مزرعة بمساحة خمسة آلاف دونم، وقرية كردية من خمسين منزلاً، أما الطلاب فيكونون من أبناء زعماء العشائر والوجهاء والطبقات الاجتماعية الأخرى (غورغاس: 2013). ربما يحاكي النموذج الذي طرحه بدرخان نمط المدارس الداخلية التي استحدثها الآباء الدومينيكان في سوريا، أو حتى مدرسة العشائر بإسطنبول زمن السلطان عبد الحميد الثاني التي كانت ترمي لتوليد هوية عثمانية جديدة. بيد أن الغاية الفعلية من المشروع كان “تنشئة نخبة قومية”، ولاحقاً طالب كاميران ببناء دار معلّمين ابتدائية في الحسكة لتعميم التعليم بالكردية جهد المستطاع.
وإلى جانب بدرخان تسلّم عضو خويبون ممدوح سليم وانلي عام 1930 وظيفة مفتش التعليم في الجزيرة، ليصار إلى تعيين الكرد في المدارس، ويقدّم التسهيلات إلى جانب الآباء الدومينيكانيين للنخبة الكردية التي كانت ترسل مطالبها للمفوضية العليا، إلّا أن الحكومة السورية عزلت سليم من منصبه الأمر الذي شكّل “خسارة للتحالف الكردي الدومينيكاني”.
خلال أكثر من عقدين من العلاقة الكردية الفرنسية، نجحت النخبة الثقافية الكردية ذات التوجهات السياسية المعلنة في إعادة تشكيل الهوية الكردية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تأثيرات الإبادة الثقافية الحاصلة في تركيا، غير أن وصول القوميين إلى السلطة في دمشق زاد من عبء رجال الثقافة الكرد، وأُضيف إلى الاعتراضات التركية، اعتراض داخليّ عرقل مسار تطوّر الهوية الكردية انطلاقاً من عام 1936، ودفع بالنخب إلى التركيز على المطبوعات والإذاعة والأندية وإنجاح مشروع لتننة الكتابة (الكتابة باللاتينية)، وإعادة ادماج الكرد في ما يجري في العالم خاصة في سنوات الحرب العالمية الثانية، عبر تسليط الضوء على وقائع الحرب والتواصل مع القوى الدولية وخطب ودّها ومصالحها.
إن مشروعات التعليم بالكردية والمطالبة بإنشاء المدارس ووضع تصوّرات نحو لغة جديدة وجامعة في سوريا الانتدابية لم يكن مقطوع الصلة بما جرى في إسطنبول مع إنشاء جمعية التعاون والتقدّم الكردية (كرد تعاون وترقي 1908-1909) التي تأسست بعد عام من انقلاب الاتحاديين على عبد الحميد الثاني، فقد ربطت الجمعية مظاهر التمدّن بتأسيس المدارس ونشر المطبوعات؛ وكانت مسألة فتح المدارس في كردستان والاعتراف باللغة الكردية والسماح بإصدار الصحف والمجلّات أهم الأهداف التي عملت عليها الجمعية (جاوان: 2012)، ويمكن مع تفحّص الأسماء المؤسسة لجميعة تعاون وترقي كرد إيجاد رابطة أسريّة لحمَلة المشروع في وقت لاحق إلى سوريا، فمن المؤسسين نلحظ اسم أمين عالي بدرخان والد جلادت وكاميران وثريا.
الكتابة والصحف والأندية الكردية تنمو في سوريا
“الصحف والمجلات هي وحدها الصالحة والمحترمة في عصر الحداثة، في المقابل، فإن زمن الأناشيد قد ولّى”- الشاعر الكردي صبحي قادري كويي 1890.
إثر وضعه تحت الإقامة الجبرية وإخفاق ثورة آغري، بدأت بالنسبة لجلادت بدرخان مرحلة “الدفاع بالقلم”، فبعد محاولات الإصلاح اللغوي التي قدّمها إسماعيل حقي بابان لطريقة الكتابة الكردية بالرسم العربي ومحاولات عبد الرزاق بدرخان الكتابة بالكردية بواسطة الأحرف السيريلية (الأحرف الروسية والسلافية)، جاهد يوسف وهبي بك في كردستان الجنوبية لأجل اعتماد الرسم اللاتيني في الكتابة الكردية منذ عام 1929 مع إصداره كتاب قواعد اللغة الكردية، وقد كان لوهبي اجتهادات فيما خص التحديث الثقافي حيث أصبح شغله الشاغل مع نشره مقال “كيف نكتب لغتنا الكردية؟” عام 1924 (التآخي: فائق محمد حسين)، فيما كان الأخوان بدرخان يعتقدان أن توحيد اللغة يمرّ بتوحيد صورة الكتابة، وقد دفعت الرغبة المشتركة وهبي والأخوين بدرخان للعمل المشترك، وانتظر البدرخانيان قدوم يوسف وهبي إلى دمشق عدة أشهر للإعلان عن مشروعهما المشترك وإطلاق الأبجدية الجديدة، لكن في النهاية لم يصل وهبي إلى اللقاء المنتظر ما اضطرهما إلى الإعلان عن نتائج عملهما عام 1931.
كانت اللتننة بداية القطيعة مع الرسم العربي بالنسبة للناطقين بالكرمانجية. وفي مقابل ذلك فإنه رغم تنامي الوضع الثقافي في كردستان الجنوبية بالنسبة للناطقين بالسورانية و”تشريع اللغة الكردية في العشرينيات والسماح بإدخالها في التعليم الابتدائي”، فقد رفضت الحكومة العراقية اعتماد اللاتينية والإبقاء تالياً على الألف باء العربية مع ما طرأ عليها من تحسينات. ربما رأى معارضو اللتننة أن في وسع هكذا مشروع إحداث قطيعة جديدة مع العراق العربي، فأصبح الحرف العربي بمثابة الخيط الذي بإمكانه رتق الكيانية العراقية الناشئة والمنقسمة على أمّتين (عربية وكردية). وهنا تكمن مفارقة أخرى تعرّضت لها الهوية الكردية، ففي إزاء حظر الألفباء اللاتينية في العراق، حَظرت تركيا الألفباء العربية، بينما تنعّم كرد سوريا بالمقدرة على التجريب ومحاولة تحديث اللغة وشكل كتابتها واعتماد اللغة المعيارية، أي الانتقال من اللهجات المتعدّدة إلى القواعد المؤسِّسة للفصحى.
كان من الصعب على النخب الكردية أن تسعى إلى كسب الاعتراف الرسمي باللغة الكردية، ذلك أنها مسألة مثيرة لحساسية الفرنسيين والكتلة الوطنية التي تنامى دورها بعد عام 1936، ولأجل ذلك عوّل الأخوان بدرخان على العمل الفردي لتذليل العقبات، فكان على كل متعلّم للكردية أن يتحرّك بوصفه معلّماً للآخرين. كذلك يجب أن يكون هناك جهد أسريّ من المرأة “أمهات الأمّة” بشكل خاص (تيجيل: 2021)، حيث إن التعويل على الأسرة ودور الأم يساهم في عملية الحفاظ على اللغة والذاكرة والهوية، وقد يشكّل حلقة الوصل بين الهدف النهائي، وهو الاعتراف باللغة الكردية، ومتعلّمي الكردية، لذا يمكن تفهّم مناشدات البدرخانيين “للأمهات الكرديات” في هذا السياق، إذ ستخفّف مجهوداتهن على النشطاء عناء التعليم إذا اندثرت اللغة الشفاهية من ألسنة الكرد.
ساهم وضع تصوّرات حول اللغة الكردية المعيارية واللتننة في إطلاق مشروع أبعد تأثيراً من المشافهة والتنظيم السياسي، كما أن إخفاق ثورة آغري ألقى بظلاله على النخبة المنفية في دمشق لتعوّل على العمق الثقافي في عملية التعبئة وتعزيز موقع الهوية الكردية في عالم ما بعد انهيار الدولة العثمانية.
جرى اختبار الأحرف اللاتينية في الصحف والمجلّات التي أصدرها الأخوان بدرخان، فقد شكّلت صحف الأخوين بدرخان، ابتداءً من هاوار “النداء” (1932- 1943)، أبرز ملامح الحداثة الثقافية وأداة لتعميم الألفباء الكردية الجديدة، واضطلعت بنشر الأدب الكلاسيكي والشعر الحديث الغنائي والقومي لشعراء شباب من بينهم جكرخوين وقدري جان وكاميران بدرخان، إضافة إلى النثر والمسرح ومقالات الرأي وموضوعات تخص الفلكلور، كما بلغت الكراريس التي أنتجتها “مكتبة هاوار” 17 كراساً (غورغاس:2013)، كذلك الأمر بالنسبة إلى روناهي “الضياء” (1942-1945) التي اهتمت بأخبار العالم والحرب العالمية الثانية، وبالمثل قامت مجلّة روجا نو “اليوم الجديد” (1945) بنشر مواد مقاربة لتلك التي نشرتها هاوار فيما أصبحت ستير “النجمة” الملحق المصوّر للمجلة.
إلى جوار تجديد اللغة والسعي إلى توحيدها، وإلى جانب الصحف والمجلات ودور إذاعة الشرق من بيروت (1941) في تغذية الثقافة الكردية ومقاومة سياسات الإنكار والإبادة الثقافية في تركيا، يأتي دور الأندية والجمعيات الكردية التي أسست لها النخب القومية المنفيّة بعد إخفاق ثورتي شيخ سعيد وجمعية آزادي 1925 وثورة آرارات/آغري 1931سعياً إلى إعادة تجميع الشعب الكردي ضمن حلقات اجتماعية – ثقافية – سياسية، ويمكن وصف الاتساع في بناء الأندية والجمعيات بأنه كان عبارة عن تفرّعات للجمعية الأم خويبون، إذ سيلعب المنضوون فيها أدواراً في إنشاء الأندية والجمعيات الجديدة خلال فترة الانتداب، ثم سيكون للشخصيتين المفتاحيتين، أوصمان صبري ونور الدين زازا، دورهما في تأسيس ورعاية العديد من المنظّمات قبل أن يصبحا أهم شخصيتين خلال تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي 1957.
الحقبة الثقافية الباردة (1946-1957)
لم يعد النشاط الثقافي الكردي على ما كان عليه بعد جلاء القوات الفرنسية عن سوريا، وانتهت إلى ذلك مرحلة جعل سوريا مختبراً لمسائل تمايز الهويّة الكردية عن سائر الهويات القومية في المنطقة، فإلى حدٍّ بعيد تعطّل الاشتغال على مسارات اللغة المعيارية والثقافة والفلكلور والصحافة وإنشاء الأندية والجمعيات، ويمكن القول إن الأوضاع استقرّت على ما تمّ إنتاجه في مرحلة الانتداب. عززت الانقلابات العسكرية من مخاطر انخراط النشطاء في الشأن الثقافي واللغوي الكردي، غير أنه بعد ديكتاتورية أديب الشيشكلي (1951-1954) استفاد النشطاء الكرد من نهاية تلك الحقبة وإشاعة حالة من الحريات العامّة في سوريا، إذ أسس كل من أوصمان صبري وروشن بدرخان جمعية إحياء الثقافة الكردية في دمشق عام 1955 بهدف أساسي وهو تعليم الأبجدية اللاتينية (تيجيل: 2021)، وهو ما عنى أن الجيل الذي اشتغل على مسائل اللغة في الثلاثينيات يواصل عمله ضمن شروط باتت أصعب، إذ إنه رغم حالة “الانفتاح” فإن المضايقات بقيت مستمرة، فقد صودرت عام 1955 كتب “ألفباء” من أوصمان صبري ولم تُرَد إليه رغم مراجعته رئيس الدولة.
وفي عام 1957 حين تأسس الحزب الديمقراطي الكردي السوري صدرت صحيفة صوت الأكراد/دنكى كرد بالرسم اللاتيني، ما عنى أن اللغة الكردية خرجت من المساحة الخاصة التي اشتغل عليها النشطاء إلى المجال الكردي العام، وما عكس صلاحية جعل الكردية لغة السياسة فيما خصّ عموم الكرد السوريين، وهو ما تطلّب جهوداً لأجل “محو أمّية” عشرات آلاف الكرد السوريين غير القادرين على تعلّم لغتهم بصورة مدرسيّة. بيد أن تلك المرحلة لم تكن طويلة الأجل إذ ستقطعها فترة الاندماج السوري المصري خلال دولة الوحدة عام 1958.
قوميون في مواجهة القومية الكردية
مرّت سنوات الوحدة السورية المصرية (1958-1960) قاسية على النشطاء الثقافيين وعلى الحزب الكردي السوري، فقد تم رفض المقترحات المقدّمة مباشرة من قبل المتحدّثين باسم كرد سوريا إلى الرئيس الاتحادي جمال عبد الناصر؛ فجوبهت الطلبات التي دعت إلى تدريس اللغة الكردية وبث اللغة الكردية من خلال إذاعة دمشق بالرفض، فخلال الفترة التي سبقت الدعوة إلى منح الكردية فرصة البث الإذاعي كانت الأُذن الكردية قد تلقّفت عبر الأثير الأخبار والموسيقا الكردية تُبث من إذاعات ييريفان وبغداد والقاهرة وقبل ذلك بيروت، الأمر الذي حدا بالنشطاء الكرد إلى المطالبة بطبعة سورية لعمل تلك الإذاعات.
خلال موجة الاعتقالات التي أودت بآلاف المؤيدين والمنتسبين للحزب الكردي السوري إلى غياهب سجون “الجمهورية العربية المتحدة”، برزت رؤية رئيس الحزب نور الدين ظاظا (زازا) من خلال المرافعة التي قدّمها لرئيس محكمة أمن الدولة في 31 ديسمبر/كانون الأول 1960، إذ وصف ما يتعرّض له الكرد بأنها “حوادث تفرقة وتمييز عنصري”، وفي معرض وصفه للكرد فإنه شدّد على أن الكرد هم “شعب له لغته وعاداته وتقاليده الخاصة به. وهو غيور على هذه اللغة والعادات والتقاليد وقد حافظ على مقوماته من غناء وشعر وموسيقى، وهي لا تقل روعة عن أية لغة من اللغات المجاورة”. لقد كرّر زازا مكانة اللغة الكردية وأهميتها في ديباجة مرافعته حيث إنها (اللغة) “لم تَضِع” وإن اللغة الكردية “لم تكن في يوم من الأيام مصدراً من مصادر التفرقة والخلاف بين الشعبين العربي والكردي”، ودعا كذلك إلى المحافظة عليها وتنميتها. من خلال العودة إلى المرافعة تأخذ اللغة الكردية مكانة مركزية في خطاب رئيس الحزب الكردي ويرفعها إلى مستوى المطلب الأوّل، وهو على الرغم من التماسه الدعوة إلى الاعتراف وتنمية اللغة الكردية لم يغفل طبيعة الشعب الكردي الذي يُدفع “إلى إشباع تلك الرغبة الطبيعية بشتى الطرق والوسائل الممكنة”. وإلى جوار اللغة لم يغفل زازا ذكر ثلاث وقائع ستشكّل في وقت لاحق صُلب السياسات الشوفينية البعثيّة: 1- تغيير أسماء المدن والقرى من الكردية إلى العربية. 2- منع وإهانة الكرد الذين يسعون إلى تسجيل مواليدهم بأسماء كردية. 3- إهانة مدير ناحية الدرباسية مواطناً كردياً لاعتماره عمامة كردية وتهديده إن استمر بارتدائها (زازا: ميراني).
يبرز من خلال مرافعة زازا (شهادته على عصره) مقدار القمع الذي تعرّض له النشطاء الكرد ومصادرة كتبهم الكردية كما في حالة مصادرة دواوين الشاعر جكرخوين، ومعاقبة بعضهم الآخر لاقتنائهم كتباً كردية (حالة عبد المجيد حاجو) أو لمجرد وجود “إخبارية” بأن الشخص الفلاني يحوز كتباً كردية (حالة حمزة نويران أحد مؤسسي الحزب الكردي الأوّل).
تراجعت طباعة الأعمال الكردية خلال حقبة تسلّم القوميين الحكم في الحقب الثلاث: دولة الوحدة – الانفصال – البعثيين. فخلال أعوام 1960 – 1980 تمّت طباعة ثلاثة كتب فقط باللغة الكردية، طُبعت في بيروت ووُزّعت سرّاً في سوريا. وفي مجال الدوريات الثقافية عملت مجلة كلستان التي أصدرها الشاعر جكرخوين 1968 ومجلة كلاويج 1979 في ظل ظروف صعبة للغاية (تيجيل:2021)، ولا تكاد العقود الأولى لتسلّم القوميين الحكم تشير إلى أي مرحلة انفتاح أو استجابة لمطالبات النشطاء والسياسيين الداعيةِ إلى رفع الحظر عن اللغة والثقافة الكردية.
خلال التسعينيات شهدت الساحة الكردية ما يسمّيه جوردي تيجيل “صحوة” ثقافية، ففي مقابل 3 كتب نشرت خلال السبعينيات والثمانينيات، جرت طباعة 111 كتاباً في التسعينيات، بحسب ما نقله تيجيل عن مالميسانج، وبفضل تعلّم الكردية سرّاً شهدت التسعينيات نهضة ذاتية لكرد سوريا من خلال التوسّع في حقل نشر الأدبيات والدوريات والصحف بالكردية، ومع دخول الإنترنت إلى سوريا مطلع الألفية تنامى عدد المشتغلين في المجال اللغوي الكردي، وكذلك ازدهرت الكتابات بالكردية، ولم يعد بوسع نظام البعث رغم حالة القمع والإمعان في تصفية الهوية الكردية وقف حالة الانبعاث الكردية هذه.
لقد عانى المشتغلون على استعادة ملامح الهوية الكردية، التي شهدت تطوّراً في ثلاثينيات القرن الماضي، الكثير من المآسي جرّاء سياسات الإنكار والإبادة الثقافية ومعاقبة المشتغلين في الثقافة الكردية، وكانت حقبة البعث الأشدّ سوءاً لجهة التدابير المناهضة لنموّ الثقافة الكردية ومحاولة تطويقها، إذ صدرت تعاميم وقرارات تحظر التحدّث بالكردية وتدعو إلى تغيير أسماء المدن والقرى الكردية واستبدالها بأخرى عربية، والحال نفسه فيما خص أسماء المحال التجارية، كما حُظرت في فترات محددة تسمية المواليد بأسماء كردية ومنع الغناء والموسيقا الكردية، فضلاً عن مضايقة الفرق الفلكلورية خلال يوم نوروز من خلال التنكيل بالمشتغلين في مجالات المسرح والشعر والخطابة والرقص الشعبي (للاستزادة يمكن العودة إلى مقال: موجز تاريخ الأذى المنشور في المركز الكردي للدراسات 15 يناير 2024).
لا يذكر معظم جيل الألفية الكرديّ (جيل (Zمقدار ما قاسته النخب والنشطاء الكرد في حقول اللغة ونشر الثقافة والفلكلور الكرديين، ذلك أنه بعد عام 2012 شهدت الساحة الكردية الكثير من التغيير وحالةَ رفضٍ واسعة لأدوات الإبادة الثقافية، وبدأت الهويّة الكردية تنمو في ظلال الإدارة الذاتية ومؤسسات حماية وتطوير اللغة والإذاعات والتلفزة، وبفضل انتشار الدوريات والمقالات والكتب التعليمية والتدريس شبه الرسمي بالكردية، وكذلك بفضل الأدوار الذي قدّمها النشطاء المستقلّون، وعليه، بات الإصرار على حماية المسار اللغوي/الثقافي وحتى التعليمي بالكردية، الذي نادت به الأجيال المتعاقبة منذ الثلاثينيات، مطلباً لم يعد بمقدور أيّ آلة قمع أن تتجاوزه أو تغضّ الطرف عن كونه المطلب الأثير والأشدّ إلحاحاً لكرد سوريا.
المصادر
- آمال السبكي: تاريخ إيران السياسي بين ثورتين، عالم المعرفة، الكويت 1999
- فالح عبد الجبار وهشام داود ومجموعة مؤلّفين: الإثنية والدولة، معهد الدراسات الإستراتيجية، بغداد-بيروت 2006
- جوردي غورغاس: الحركة الكردية التركية في المنفى، ترجمة: جورج البطل، دار الفارابي/آراس، بيروت-أربيل 2013
- ديفيد ماكدويل: تاريخ الأكراد الحديث، ترجمة: راج آل محمد، دار الفارابي، بيروت 2004
- محمد جمال باروت: التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2013
- جاوان حسين فيض الله الجاف: الكورد ودورهم في جمعية الاتحاد والترقي، دار الزمان 2012
- جوردي تيجيل (غورغاس): كرد سوريا: التاريخ والسياسة والمجتمع، ترجمة: محمد شمدين، دار الزمان 2021
- فائق محمد حسين: منارات عراقية … توفيق وهبـي سياسي عسكري وأديب وباحث كوردي، صحيفة التآخي: https://2u.pw/jplOer
- مذكرة رئيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا الدكتور نور الدين ظاظا إلى محكمة أمن الدولة العسكرية العليا بدمشق https://2u.pw/6skfHH
- شورش درويش: كرد سوريا: موجز تاريخ الأذى، المركز الكردي للدراسات https://2u.pw/ZME0A6





