• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

لماذا لا تموت الرأسمالية؟

1 مايو 2026
لماذا لا تموت الرأسمالية؟

كتاب امبراطورية القطن للباحث سفين بيكيرت يناقش تحولات الرأسمالية في عصر ازدهار القطن

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

جيريمي أدلمان (فورين أفيرز)

مناقشة في كتاب “إمبراطورية القطن” للكاتب سفين بيكيرت

دخل العالم عصراً من التشريحات والنبوءات. فوفقاً لكثير من الباحثين والمعلقين، مات النظام الذي أشرفت عليه الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، افترض كثيرون أن هزيمة الشيوعية ستؤذن بالانتشار الحتمي لكلٍّ من الرأسمالية والديمقراطية، وكل ذلك برعاية الولايات المتحدة. لكن الديمقراطية الليبرالية هي التي تجد نفسها الآن في أزمة، مع شيوع التراجع الديمقراطي حول العالم، وتصاعد انعدام الثقة الشعبية بالمؤسسات الليبرالية، وتزايد الشكوك في حكمة التجارة الحرة والأسواق المفتوحة. وقد أظهرت السياسة الداخلية والخارجية المضطربة للولايات المتحدة هذه الأزمة بوضوح صارخ. ففي خطابه الذي بات شهيراً أمام الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير، قدّم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رثاءً للنظام الذي قادته الولايات المتحدة، وحثّ الآخرين على قبول رحيله من دون حداد أو حنين.

أما ما يأتي بعد هذا «الانقطاع»، بحسب تعبير رئيس الوزراء، فهو موضوع نقاش واسع. فعلى اليمين في الدول الغربية، يُنظر إلى هذا الانقطاع بوصفه استعادةً، وفرصةً لجعل الرأسمالية عظيمة من جديد، عبر التراجع عن أجيال من الاحتضان الكوزموبوليتي للأسواق الحرة. أما المنتقدون في اليسار فيخشون أن تكون الدول بصدد السيطرة على الأسواق لا خدمةً لشبكات أمان اجتماعي أقوى وحماية للفئات الضعيفة، بل من أجل رفع شأن أوليغارشية جديدة من نخب التكنولوجيا وترسيخها. وتكثر المراثي. فالأصوليون السوقيون يندبون عودة الرسوم الجمركية، وتضخم الدين العام، وما يعتبرونه إفراطاً في التنظيم. أما الليبراليون الوسطيون، فينظرون إلى الاضطراب ويرون فيه نهاية عصر التنوير برمته، بما حمله من التزامات بالعقل والاعتدال والمصلحة الذاتية التعاونية.

ينبثق نوع من الإجماع التقريبي من هذه السرديات المتداخلة. فقد استنفدت الليبرالية، بوصفها النظام السياسي والفلسفي الذي عُدّ يوماً حجر الزاوية للرأسمالية، طاقتها. دافع أنصار الليبرالية عن الإيمان بالاستقلالية الشخصية والحق غير المقيّد في الملكية، وهي أفكار دعمت فتح الأسواق وأسست للأناجيل الحديثة للتجارة الحرة. فعلى سبيل المثال، أصرّ الفيلسوف الليبرالي في القرن 19 جون ستيوارت ميل على أن النظام الاقتصادي الصحي يقوم على حقوق ملكية موزعة وعلى الوصول إلى التبادل في السوق. ومع ذلك، أنتجت مثل هذه الأنظمة في العصر الراهن قدراً صارخاً من اللامساواة، وتركزاً قوياً للثروة الشخصية وسلطة الدولة.

ينتظر الآن عالم ما بعد ليبرالي، قد تسود فيه رأسمالية مجردة من خصائصها الليبرالية. وربما لم يكن التحالف بين الديمقراطية والرأسمالية، الذي وُلد في أعقاب الثورة الصناعية في أواخر القرن 18 واتساع حق الاقتراع في القرن 19، سوى فصل واحد في ملحمة أكبر، ومرحلة خلقت وهماً مفاده أن الناس يجب أن يكونوا أحراراً كي تزدهر المجتمعات. ففي نهاية المطاف، قبل مرحلتها الليبرالية، اعتمدت المجتمعات الرأسمالية في كثير من الأحيان على عمل العبيد والاحتكارات الاستعمارية. ويرى هذا الإجماع القاتم أن الرأسمالية، في مرحلتها ما بعد الليبرالية، ربما تعود ببساطة إلى نسخة ما من ماضيها. ويساعد الانطباع بأن الصين قادرة على الازدهار من دون أن تقيّدها مجاملات التعددية والنقاش في ترسيخ هذا الاستنتاج.

في كتابه «الرأسمالية: تاريخ عالمي»، يقدّم المؤرخ البارز في جامعة هارفارد سفين بيكرت سرديةً تناسب هذه الأزمنة. فهو يصرّ على أن الرأسمالية، وهي الآن النظام الاقتصادي العالمي الشامل، لا تعتمد على الليبرالية. فالرأسمالية، المرتكزة إلى الدفاع عن الملكية الخاصة وحتمية السعي إلى الربح، لها جذور عميقة في عصر سابق على الليبرالية، ويمكن أن تزدهر حين تتحرر من الالتزامات المعيارية بالقيم الليبرالية. وفي نظر بيكرت، اعتمدت الرأسمالية بدرجة أقل على حرية الفرد، وبدرجة أكبر على تحالفات بين رجال المال والدول القوية. وحتى مع تعمّق الشعور بالضيق حيال التجارة الحرة والأسواق غير المنظمة، تبدو الدول كأنها تعيد عقارب الساعة إلى عصر أكثر عرياً، يتسم بالاستغلال والسعي القاسي إلى الربح. ومن هذا المنظور، ربما لا يكون مفاجئاً أن يظهر استطلاع أجرته غالوب عام 2025 أن 54% فقط من الأميركيين لديهم نظرة إيجابية إلى الرأسمالية، وهو أدنى مستوى منذ بدأت غالوب تتبع هذه المواقف عام 2010.

غلاف كتاب امبراطورية القطن

ومع ذلك، تحجب هذه النبوءات القاتمة ما جعل الرأسمالية مميزة مقارنةً بسابقاتها وبدائلها. فقد امتلكت المجتمعات الرأسمالية قدرة لافتة على ترجمة التوترات والمقاومة إلى تجديد. وكان ذلك صحيحاً خصوصاً في القرنين 19 و20، حين أتاحت الأنظمة السياسية الليبرالية مجالاً للتنازع والنقاش، وهو ما دفع إلى تعديلات ساعدت في إعادة ابتكار الأنظمة الاقتصادية. وفي كل مرة تنبأ فيها المراقبون بنهاية الرأسمالية، بدءاً من حكيمي نهاية العالم كارل ماركس وفريدريك إنجلز، كانت الرأسمالية تنهض من جديد. ووجدت قواها التعددية طرقاً لا للبقاء فحسب، بل للارتقاء بالإنتاج والتوزيع إلى مستويات جديدة. وحتى الآن، بينما ينظر كثيرون بتشاؤم إلى اتجاه الرأسمالية، يحمل ذلك الماضي إمكانية تجديد هادف وإيجابي.

التاجر والدولة

يُعرف بيكرت أكثر ما يُعرف بكتابه الحائز جوائز والصادر عام 2014، «إمبراطورية القطن: تاريخ عالمي»، وهو سرد ملحمي لصناعة القطن ودورها في تشكيل الاقتصاد العالمي. وقد مهّد ذلك العمل لهذا الكتاب الأحدث، الذي يوسّع زاوية النظر إلى حد كبير. يصرّ بيكرت على أن ظهور الرأسمالية في الألفية الأخيرة، ضمن المدى الواسع للتاريخ البشري، شكّل «افتراقاً جذرياً وانقطاعاً في الشؤون الإنسانية». فقد أخرجت الرأسمالية الاقتصادات والمجتمعات من فترات طويلة من النمو البطيء، ومن أنظمة كانت تنتج الثراء للحكام أصحاب الامتيازات، بينما تترك الآخرين عند حدود الكفاف. ويصف بيكرت الرأسمالية بأنها «عملية عالمية تكون فيها الحياة الاقتصادية مدفوعة، بصورة جوهرية، بالتراكم المتواصل لرأس المال الخاضع لسيطرة خاصة، ومُهيكَلة من قبل الدولة، وتدفع نحو تسليع متوسع باستمرار للمدخلات والمخرجات»، وهي عملية حلّت محل طرائق متعددة أخرى لتنظيم الإنتاج والعمل والعلاقات الاجتماعية. وهذا التعريف يتيح له أن يجول على نطاق واسع في هذا الإنجاز الضخم، من البنغال إلى بوينس آيرس، ومن ماركو بولو في ثمانينيات القرن 13 إلى إضرابات عمال المناجم في مدلاند بالمملكة المتحدة بعد 7 قرون.

قبل الرأسمالية، كان هناك رأسماليون. تُركّز قصة المنشأ التقليدية للرأسمالية على التحضر في أوروبا العصور الوسطى وصعود الطبقات التجارية التي ستقلب في نهاية المطاف الأنظمة الإقطاعية. أما بيكرت، فعلى النقيض من ذلك، لا يبدأ حكايته في أوروبا، بل بين تجار اليمن في القرن 12، حيث كان ميناء عدن يقع ضمن كوكبة من موانئ المحيط الهندي التجارية الصاخبة بالتجار والمقرضين. أنشأ هؤلاء أدوات مالية، مثل الكمبيالات التي عملت كشكل مبكر من الائتمان، وممارسات مثل الشراكات بعيدة المدى، جلبت الثروات إلى الموانئ المنتشرة في عالم التجارة في المحيط الهندي. ومع مرور الوقت، جمع هؤلاء التجار القوة والنفوذ. صارت أدواتهم أكثر تعقيداً وفاعلية، وراكموا رأس المال، وهو مورد قابل للتحويل يمكن إقراضه أو استثماره أو تبديده. وتكشفت عمليات مشابهة في أماكن أخرى، بما في ذلك أجزاء من أوروبا. وفي هذه المرحلة المبكرة، كان يمكن العثور على رأسماليين في بضعة تجمعات حول العالم، يمارسون أعمالهم من دون أن يمتلكوا القدرة على تشكيل شؤون الممالك الكبرى، القائمة على قواعدها الزراعية من السلطة.

بعد عام 1500، حدث شيء خاص بين الدول المتنازعة في أوروبا الغربية. صار رأس المال أكثر من مجرد أداة خاصة لإجراء التجارة وإظهار المكانة؛ أصبح مورداً يُقرض للدول كي تتمكن من بناء الجيوش والأساطيل. وحوّل هذا التحالف التاريخي المراكز التجارية إلى إمبراطوريات. اعتمد التجار على قوة الدول لحماية ممتلكاتهم، لكن الدول وجدت في التجار شيئاً لم تكن تستطيع الحصول عليه من كبار ملاك الأراضي الزراعية: احتياطات عميقة ومتجددة من المال يمكن استخدامها لتطهير الأراضي وبناء البنى التحتية للتوسع، بدءاً من الموانئ المحصنة، والأساطيل، وجيوش شركات التجارة الاحتكارية المترامية التي استولت على موطئ قدم في آسيا والأميركيتين. وجاء المال الذي ربط التجار بالدول، قبل كل شيء، من تحويل العمل إلى سلعة يمكن بيعها وشراؤها. أصبح ذلك أمراً أساسياً في تطور الأنظمة الرأسمالية. وفي القرون التالية، سيعمل الرأسماليون على تسليع العمل، مثلاً عبر تسييج الأراضي التي كانت مفتوحة سابقاً، وبذلك قضوا على الحياة الجماعية المكتفية ذاتياً للفلاحين والرحّل والقرويين المستقلين، وأجبروهم على بيع عملهم مقابل أجور وشراء ضرورياتهم من السوق. وقد فعل الرأسماليون ذلك من خلال استدعاء دعم الملوك والمحاربين، والمشرعين وأجهزة الأمن.

يدّعي بيكرت أن هذا الاعتماد المتبادل بين التجار والملوك أنتج في العالم الأطلسي، بعد عام 1492، التجسيد الأول للرأسمالية، وهو ما يسميه «رأسمالية الحرب»، حيث اعتمدت إسبانيا والبرتغال، وتبعتهما فرنسا وهولندا وإنجلترا، على الإكراه لفرض قواعد جديدة، بينما كانت تخوض حروباً مع خصومها في أعالي البحار وفي الأراضي البعيدة. وفي هذا النظام الاقتصادي، أتاحت الدول العدوانية والتوسعية للتجار فرصاً لمراكمة المال، ثم ضخ ذلك المال في مشروعات خصخصت الأرض وجعلت من الأصعب على العمال أن يكونوا مستقلين ومكتفين ذاتياً. لكن نطاق الرأسمالية ظل محدوداً. فحتى عام 1800، يكتب بيكرت، «كان جزء كبير من الرأسمالية محصوراً في جزر قليلة داخل بحر واسع من الحياة الاقتصادية المنظمة حول مبادئ أخرى: إنتاج الكفاف، والحكم الخراجي، وغياب شبه كامل للنمو الاقتصادي».

لكن سرعان ما خضعت أجزاء أخرى من العالم. فقد ظهرت «الرأسمالية الصناعية» في أواخر القرن 18 في شمال الأطلسي. وغيّر الإنتاج الآلي المجتمعات، كما غيّرتها الحاجة المتسارعة إلى المواد الخام. وأدت قوة البخار والمصانع إلى زيادة الطلب على القطن والفحم، وكثّفت الاندفاع الأوروبي نحو المناطق الداخلية طلباً للألياف والأغذية والوقود. وبعد 200 عام، لا يزال توسع حدود السلع مستمراً، حتى مع تحوّل كثير من الاقتصادات الغربية من التصنيع إلى الخدمات، بينما اتجهت بلدان أخرى إلى التصنيع.

وشهد ما يسميه بيكرت «الرأسمالية النيوليبرالية» في نصف القرن الأخير إعادة توصيل جوهرية للتقسيم الدولي للعمل، مع انتقال الصناعة من أوروبا وأميركا الشمالية إلى آسيا وأميركا اللاتينية. ويشير وصف «النيوليبرالية» إلى تراجع الدولة عن حماية العمال وفتح الأسواق الوطنية. وقد أدت الشبكات المالية الدولية وأساطيل سفن الحاويات إلى ارتفاع هائل في التجارة العالمية، لكن تفريغ الأحزمة الصناعية في الولايات المتحدة وأوروبا من مضمونها أدى إلى ردود الفعل الشعبوية والقومية الحالية، وإلى عودة المنافسة القسرية بين القوى المتنافسة. ويمكن للمرء أن يسمي ذلك «رأسمالية الحرب 2.0»، مع التركيز على الاستخراج القسري، والتنازع على الموارد، والحروب التجارية باسم الأمن القومي.

قضية خاسرة

أنتجت الرأسمالية، بما لا يقبل الجدل، ثروة عظيمة، حتى وإن ولّدت في كثير من الأحيان عنفاً استثنائياً. فمنذ الحروب النابليونية وحتى حروب ترامب التجارية، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمقدار 10 أضعاف. وتضاعف متوسط العمر المتوقع 3 مرات. ومع ذلك، كان العنف هو الخيط الممتد في الرأسمالية. يكتب بيكرت: «انطوت الثورة الرأسمالية على قدر مذهل من الإكراه والعنف: مصادرات واسعة، وتعبئات ضخمة لعمل قسري، ووحشية في المصانع والمزارع، وتدمير شرس للاقتصادات غير الرأسمالية، واستخراج هائل للموارد من أجل مكاسب خاصة».

يفهم بيكرت الرأسمالية بوصفها قلقة ودائمة التوسع، من حيث إنها تفصل الناس باستمرار عن السيطرة على وسائل الإنتاج وغاياته، إذا استعرنا لغة ماركسية. فقد دفعت الضغوط الرأسمالية الفلاحين إلى الخروج من الأرض، وقادت إلى استعباد الملايين. وخلال الثورة الصناعية، تضخم عدد العبيد الذين كانوا ينتجون القهوة والقطن والسكر وسلعاً أخرى في البرازيل وكوبا والولايات المتحدة من مليون واحد عام 1770 إلى 6 ملايين بحلول عام 1860، وهو رقم أكبر بكثير من البروليتاريا العاملة في مصانع أوروبا في ذلك الوقت. ويلاحظ بيكرت أن «العصر الذهبي للثورة الصناعية كان، بالتالي، عصراً ذهبياً للعبودية أيضاً».

وشهدت الفترة نفسها صعود عقيدة حديثة محدِّدة. فالليبرالية، كما ظهرت تقريباً في القرن 19، متشابكة مع ازدواجية الرأسمالية بين العنف المتوطن والازدهار غير القابل للإنكار. وبحلول القرن 19، بينما كانت القوى الغربية تفرض الرأسمالية حول العالم، ابتكرت آليات لتبرير الإكراه بوصفه تحريراً. ففي الصين والهند وأجزاء من أفريقيا، دفعت القوى الأوروبية بحملات رسمية وغير رسمية لحث المجتمعات على اعتناق قوى السوق غير المنظمة. وفي معظم الأحيان، كان ذلك غطاءً لسلوك مروّع، مثل تقاسم أفريقيا فيما بينها وفرض معاهدات غير عادلة على الصين. ودافع المنظرون الليبراليون عن هذا السلوك عبر «تطبيع» الرأسمالية، وهو ما يعني به بيكرت أنهم أصروا على أن الرأسمالية نظام تحكمه مبادئ مجردة من المصلحة وأيدٍ خفية، حتى وهي كانت تُدار بعناية من قبل طبقة مهنية من الكتبة والإداريين.

بحلول القرن 20، صار من قبيل الحكمة المسلّم بها في أوساط كثيرة أن الليبرالية والرأسمالية لا تنفصلان. ومدفوعين بانتشار الاستهلاك الجماهيري وتعميق أسواق السلع، مثل السيارات والسلع المعمرة الاستهلاكية، دافع ليبراليو الحرب الباردة عن تركيب غربي يجمع بين حرية التسوق وحرية التصويت في الصراع الأيديولوجي مع الشيوعية وراديكاليي العالم الثالث. وأقنع سقوط جدار برلين، واحتضان تحرير الأسواق في كثير من البلدان فيما يُسمى الآن غالباً الجنوب العالمي، كثيراً من الليبراليين بأنهم انتصروا.

لكن توهّج ما بعد نهاية الحرب الباردة سرعان ما تلاشى. فقد قوّضت سلسلة من الصدمات، بدءاً من الأزمة المالية العالمية عام 2008 والضجة التي أثارها إنقاذ البنوك الكبرى بينما فقد الملايين وظائفهم ومنازلهم، صدقية الليبرالية. ولم تؤدِّ موجات الهجرة من أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا، ومن أميركا اللاتينية إلى أميركا الشمالية، إلى إجهاد أنظمة الهجرة فحسب، بل وضعت أيضاً القيم الليبرالية المرتبطة بالتعددية الثقافية والكوزموبوليتية موضع سؤال. كما جعل صعود الصين، على حساب العمال الصناعيين في الاقتصادات المتقدمة، من العولمة كلمة سيئة السمعة. وظلت الحكومات القومية الشعبوية حول العالم تقوّض بثبات المكاسب الديمقراطية السابقة. وبعدما كانت الليبرالية أيديولوجية القرن 20 المنتصرة، تبدو الآن وكأنها تخسر.

في السنوات الأخيرة، التقى كثير من المنتقدين اليساريين واليمينيين عند خلاصة واحدة: الليبرالية، كما يقترحون، قضية خاسرة. يصرّ بيكرت على أن الرأسمالية تسعى إلى تسليع المزيد والمزيد من العالم ومن التجربة الإنسانية، وهي سمة تعريفية للنظام تضمن أن قوس التاريخ الرأسمالي كان دائماً ينحني باتجاه تدهور الكرامة وتقلص الحرية. ومهما تعددت الطرق التي قاوم بها الناس انتشار السلطة الرأسمالية، كانت انتصاراتهم دائماً عابرة، وكانت قصصهم تنتهي مراراً بالهزيمة والاستسلام والخضوع. فعلى الرغم من أن الفلاحين تحدوا تسييج الأراضي، وأن العبيد في الكاريبي أحرقوا مزارع السكر، وأن عمال المناجم البريطانيين اشتبكوا مع رجال الشرطة، فإن منطق الربح كان ينتصر دائماً في النهاية. وحتى إنهاء الاستعمار، الذي يمكن القول إنه أهم ظاهرة في القرن 20، يثير ريبة بيكرت. فهو يكتب: «واصلت مجتمعات ما بعد الاستعمار، بلا استثناء، دفع السمات الأساسية للمشروع الاستعماري». ومن حصاد السكر إلى حصاد البيانات، لا تترك قصة بيكرت مجالاً يُذكر لمسارات بديلة سوى التسليع المتواصل للعالم وسكانه خدمةً لتوليد الأرباح للقلة.

ماضٍ صالح للاستخدام

في هذه السردية، خلقت الليبرالية صمام تنفيس لنظام استغلالي. فقد قدّمت وهم الإدماج بينما ركّزت الرأسمالية السلطة والثروة بين نخبة شديدة الندرة. ومن الصعب مجادلة السجل. فكثير من الرأسماليين كانت التزاماتهم بالقيم الليبرالية قلقة ومترددة. لم تتحسر الشركات الألمانية الكبرى على تدمير النازيين لجمهورية فايمار. وكان كبار الأثرياء في الأرجنتين سعداء بالتكيّف مع الجنرالات خلال ديكتاتورية بلادهم في سبعينيات القرن 20.

تصطدم رؤية بيكرت بالسردية التقليدية، المألوفة خصوصاً في الدول الغربية، عن الرابطة الجوهرية بين الرأسمالية والحرية. وتقول هذه الفكرة إن الليبرالية غيّرت الرأسمالية. فقد حرر الإيمان بحقوق الفرد، والاستقلالية الشخصية، والحق في الملكية الناس من حكومات ونخب صاحبة امتيازات كانت تضطهدهم في السابق. وقيّدت هذه العقيدة أفعال الدولة. وبفعل ذلك، روّضت الليبرالية الرأسمالية، وإن تدريجياً وبصورة غير متساوية. وكان أشهر المدافعين عن هذا الموقف المتفائل الاقتصادي ميلتون فريدمان، الذي جادل بأن الحرية والازدهار مرتبطان ارتباطاً لا انفصام فيه؛ فالاختيار الشخصي شرط لازدهار الرأسمالية، وازدهار الرأسمالية، بدوره، يجعل الناس أحراراً. وأصر فريدمان وتلاميذه على أن المؤسسات والسياسات التي تحدّ من الاختيار الفردي تخنق روح الرأسمالية. وبالطبع، تجاهل فريدمان، على نحو سيئ السمعة، الفظائع غير الليبرالية بوضوح، مثل تلك التي ارتُكبت في تشيلي بعد عام 1973، باسم تحرير السوق. وبدا الانهيار النهائي للاتحاد السوفيتي كأنه يؤكد رؤية فريدمان. وشمَتَ كثير من الليبراليين قائلين إن الرأسمالية هي اللعبة الوحيدة في المدينة، والشكل الوحيد للتنظيم الاقتصادي القادر على صون الحرية الشخصية.

لا يحتاج المرء إلى تبنّي هذه الرؤية التفاؤلية الساذجة كي يقرّ بأن الرأسمالية والليبرالية متشابكتان. فقد تطورت الرأسمالية بطرق مرنة، خصوصاً في المجتمعات الليبرالية التي خلقت فرصاً للأقل حظاً للمطالبة بحصص أكبر من الكعكة، وللمواطنين لتقديم مطالب بسلطة سياسية أكبر. ساعدت الليبرالية السياسية في جعل الأنظمة الرأسمالية مرنة عبر فتح مساحات للنقاش والتنازع. ففي الأنظمة الليبرالية في كندا وأوروبا، على سبيل المثال، مارس العمال المنظمون أكبر قدر من النفوذ، وتعافت المجتمعات الرأسمالية من الحرب بأسرع وتيرة. وفي العقود 3 التي تلت عام 1945، شهدت أوروبا الغربية تعافياً سريعاً على نحو لافت من دمار الحرب العالمية الثانية، وتوليد نمو شامل بقوة. كما حققت المجتمعات الفلاحية التي اتبعت إصلاحات زراعية عميقة معدلات نمو مرتفعة: ففي اليابان وكوريا الجنوبية، كان تفكيك الملكيات الزراعية الكبيرة عبر عمليات إصلاح الأراضي نعمةً للنمو بعد الحرب. وعلى النقيض من ذلك، في أميركا اللاتينية في سبعينيات القرن 20، كان تراجع الأنظمة الاستبدادية عن الإصلاحات الزراعية التي جرت في خمسينيات وستينيات القرن نفسه هو ما أبطأ النمو وقاد إلى التقشف.

وكان أيضاً في ظل الأنظمة الليبرالية بعد الحرب في أوروبا أن بدأت الإمبراطوريات تتفكك، واكتسب إنهاء الاستعمار زخماً. وقد أنتج تفكيك الإمبراطوريات ونشر تقرير المصير، بدورهما، الشروط التي أعادت تشكيل التقسيم الدولي للعمل بعد عام 1945. إن تحول الحياة اليومية وصعود مراكز التسوق وأنماط الحياة الاستهلاكية في مدن مزدهرة مثل بانكوك ونيروبي يتحديان الصورة الكاريكاتورية للرأسمالية باعتبارها سبباً لفشل وبؤس لا ينقطعان، حتى وإن كان ملايين التايلانديين والكينيين لا يزالون يكافحون لتأمين احتياجاتهم. في عام 1990، كان أكثر من ملياري شخص يعيشون في فقر مدقع. وبحلول عام 2025، انخفض هذا العدد إلى نحو 800 مليون. وقد حدث تقليص الفقر المدقع في مجتمعات ما بعد الاستعمار، خصوصاً في آسيا، حيث ارتفعت حصة الناتج الصناعي العالمي بين عامي 1970 و2016 من نحو 4% إلى 40%. ولا يمكن تفسير انتقال الثروة بعيداً عن شمال الأطلسي، مع إدماج مزيد من المجتمعات في السوق العالمية، بوصفه «فشلاً» إلا إذا كان كسر قبضة الاستعمار القديمة يُعدّ مأساة. لقد أعادت القدرة التكيفية للرأسمالية الليبرالية توصيل الاقتصاد العالمي بما جعل هذا التغيير ممكناً.

منحت التوترات الكامنة في الرأسمالية طاقةً لها، وأنتجت تنويعات كثيرة، وجلبت العالم إلى حالة من الاعتماد المتبادل. ويشهد القرنان الأخيران على قدرة الرأسمالية على مزج التوافق بالصراع كي تجدد نفسها. فلا رؤية بيكرت القاتمة، ولا رؤية فريدمان الوردية، تنصفان تعقيد هذا السجل. فكلاهما يغفل ما هو مميز حقاً في الرأسمالية، خصوصاً في فتراتها التي يُفترض أنها ليبرالية. وإذا كان كارني محقاً في أن اللحظة الراهنة تمثل انقطاعاً مع الماضي، فإن ذلك الماضي نفسه، في ذلك التشابك المتناقض بين الليبرالية والرأسمالية، والحرية والتراتبية، هو المكان الذي تستطيع المجتمعات أن تجد فيه مصادر تجددها.

Tags: أزمة الليبراليةالرأسمالية التجاريةسفين بيكيرتكتاب إمبراطورية القطن




آخر المنشورات

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية