محمد سيد رصاص
في يوم 1 شباط/فبراير 2026، وقبيل أربعة أسابيع من مقتله بغارة إسرائيلية – أميركية، قال “المرشد الإيراني” علي خامنئي إن “على الأمريكيين أن يعلموا أنه إذا أشعلوا حرباً، فستكون هذه المرة حرباً إقليمية”.
إذا استرجعنا ما جرى في أربعين يوماً من الحرب، التي كانت طلقتها الأولى تلك الغارة التي قتلت خامنئي في 28 شباط/فبراير، فإن ما قاله قد كان السيناريو الذي اتبعته إيران في هذه الحرب، والذي لم تمارسه في حرب الـ 12 يوماً بحزيران/يونيو الماضي. وقد استطاعت طهران بهذه الحرب أن تحدد إيقاعها، فيما لم يستطع الأمريكان والإسرائيليون تحديد إيقاعها من خلال سيناريو أميركي، أريد أن يجبر إيران عبر القصف العنيف على الرضوخ للمطالب الأميركية الثلاثة التي كانت مطلوبة في المفاوضات الأميركية – الإيرانية ما قبل الحرب: تسليم الـ 450 كيلو غرام من اليورانيوم المخصب مع إيقاف البرنامج النووي والتخصيب، تفكيك وإيقاف البرنامج الصاروخي الباليستي، تخلي إيران عن دعم أذرعها الإقليمية، فيما كان هناك شيء إضافي عند الإسرائيليين لتلك المطالب الثلاثة، وهو جعل النظام الإيراني في وضع تنتجه الحرب يجعله آيلاً للسقوط، بينما أراد الأميركان – وما زالوا يريدون – صفقة مع النظام الإيراني القائم تنتجها نيران الحرب.
كان السيناريو، الذي ألمح إليه خامنئي ثم طُبِّق بعد مقتله، مبنياً على مجابهة عدو متفوق في معركة من خلال التركيز على نقاط ضعفه، أي:
1-تعطيل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر فيه خمس الطاقة العالمية من نفط وغاز مسال وبالتالي رفع أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات تضغط، عبر الداخل الأميركي ومن الحلفاء في الدول الصناعية الكبرى المستوردة للطاقة، على واشنطن لوقف الحرب.
2- توجيه معظم القوة الحربية الإيرانية (الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة) ضد دول الخليج، بوصفها نقطة ضعف أميركية أولاً، لكونها المنتج الرئيسي للطاقة العالمية مما يؤثر على الأسعار، وثانياً لإظهار أميركا غير قادرة على حماية حلفائها، وثالثاً لإظهار إيران بأن لها اليد العليا في النطاق الخليجي.
3-جعل إسرائيل تنام في الملاجئ عبر الصواريخ الباليستية والمُسيّرات، ولو أن معظمها كان يسقط في الجو، وحتى ولو كانت أقل من تلك التي أطلقتها إيران على دول الخليج.
4-تحريك إيران لذراعها الإقليمية الكبرى، أي حزب الله في لبنان، وجعله منخرطاً في هذه الحرب، مع التلويح بمشاركة أذرعها العراقية واليمنية، وهذا الخيار التحريكي للأذرع لم تستعمله إيران في حرب العام الماضي.
نجحت إيران في “حرب الأربعين يوماً” في تحديد إيقاع الحرب، فيما لم ينجح دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في ذلك، ويمكن القول إنهما قد فوجئا بما فعلته طهران في هذه الحرب، ولم يكونا يتوقعان ما حدث. والأرجح أن سيناريو كاراكاس، الذي طبقته واشنطن قبل شهرين ضد الرئيس الفنزويلي، وما أدى إليه هناك ضرب الرأس واقتلاعه إلى رضوخ جسم النظام الفنزويلي للإرادة الأميركية، قد أغرى ترامب بتكراره في طهران، حيث تم البدء بضرب الرأس من أجل الوصول لاستسلام الجسم، وهو ما لم يحصل وتم إثبات أن طهران ليست كاراكاس 2. وليس مهماً في هذا الصدد مقولة، حتى تم تردادها في واشنطن وغيرها، إن نتنياهو جرّ ترامب للحرب، فمن الواضح أن الدولة الأميركية العميقة (والبنتاغون هو المسؤول عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط) منذ 7 أكتوبر 2023 تريد العودة والارتداد عن سياسة باراك أوباما الانسحابية من الشرق الأوسط، وأن الأميركان قد أصبحوا على اقتناع بقول الجنرال ديغول إن الشرق الأوسط هو “قلب العالم”، ومن يسيطر عليه يسيطر على العالم. إذ إن الشرق الأوسط هو عاصمة الطاقة العالمية، و”القطب الواحد للعالم” لا يستطيع الاستمرار في ممارسة أحاديته القطبية من دون السيطرة على هذه المنطقة، وبالتالي الإمساك بمفتاح صنبور الطاقة العالمية، من أجل التحكم بأسعار الطاقة، ومن أجل التحكم بمستوردي الطاقة العالمية، وأولهم الصينيون والأوروبيون، ومن أجل منافسة وتحجيم العاصمة الثانية للطاقة العالمية من نفط وغاز والتي اسمها روسيا.
إيران هي العقبة أمام هذه الخطة الأميركية، لذلك جرى ضربها بحربين خلال تسعة أشهر، كانت هناك قبلهما وما بينهما جولات تفاوضية، ثم أتى الأميركان لكي يقولوا للإيرانيين في مفاوضات إسلام آباد بعد ثلاثة أيام من حرب الأربعين يوماً: “ما هو رأيكم بعد كل هذه النار؟”.
وكان جواب الإيرانيين في المفاوضات للأميركان: “ولكنكم لم تنجحوا.. وخطتكم الكاراكاسية قد فشلت.. لذلك دعونا نصل إلى حل وسط “.
هنا، يوحي ترامب، وهذا ما يقلق تل أبيب وهو أمر واضح وملموس لكل من يتابع الصحف الإسرائيلية بعد هدنة 8 نيسان/إبريل، بأنه مستعد لحل وسط، ولكن لا يعرف إن كان هذا سيكون مثل الاتفاق النووي لأوباما مع خامنئي عام 2015: (وضع سقوف للبرنامج النووي الإيراني مقابل إغماض واشنطن عينيها عن التمدد الإقليمي الإيراني)، وهو اتفاق وصفه ترامب في الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2016 بأنه “أسوأ اتفاق في التاريخ” قبل أن يسحب توقيع واشنطن عليه عام 2018، أو سيكون مثل الذي جرى تداوله عن مفاوضات ويتكوف – عراقجي بشباط/فبراير الماضي، من عرض تم تقديمه عن صفقة (وقف التخصيب والبرنامج النووي مع تسليم اليورانيوم المخصب مقابل رفع العقوبات عن إيران) مع غموض في موقف واشنطن بموضوعي الصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية، وهو ما رفضته إيران، التي عرضت وقف التخصيب لفترة زمنية محددة مع احتفاظها بالحق بالتخصيب وببقاء المنشآت النووية ولكن ضمن “برنامج سلمي”، مما قاد لبدء الحرب بعد يومين من تلك المفاوضات من قبل الأميركان والإسرائيليين.
الأمر الذي يجب أن يفحص تجاه مآلات مفاوضات العاصمة الباكستانية: هل اختلفت توازنات القوى بين واشنطن وطهران بعد الحرب، من حيث أن المفاوضات هي مرآة لتوازنات القوى؟.. وبالتالي كم تغير وضع المفاوضين في مفاوضات إسلام آباد عن مفاوضات ويتكوف – عراقجي قبل الحرب؟..
النتيجة التي انتهت إليها الحرب حكمت مفاوضات االعاصمة الباكستانية، وجعلتها مستعصية في توليد نتيجة، حيث على الأرجح أن المفاوض الإيراني شعر بأن وضعه أفضل من قبل شهرين، رغم كل ما فعلته واشنطن وتل أبيب من تدمير للقدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية. فهو يملك ورقة خوف واشنطن من استئناف الحرب التي يمكن أن تقود إلى ارتفاع أسعار الطاقة لمستويات غير مسبوقة ولمدة طويلة، في حال ضرب منشآت الطاقة الإيرانية ورد طهران بضرب منشآت الطاقة في الخليج. كما يملك الإيرانيون ورقة حذر واشنطن، بعد فشل تجربتيها في العراق وأفغانستان، من أن أي احتلال لأرض إيرانية، سواء في جزر مضيق هرمز الثلاث: قشم ولاراك وهرمز، أو في ساحل المضيق أو في أي بقعة برية إيرانية أو في جزيرة خرج، سيجعل الأميركان يغرقون في حرب طويلة غير معروفة النهاية والنتائج، والرأي العام الأميركي ليس ميالاً لذلك، بمن فيهم مناصرو ترامب في اليمين الأميركي الجديد.
من جهة أخرى، كان المفاوض الأميركي مدركاً بأنه في وضع تفاوضي هو مرآة لحرب لم تستطع فيها واشنطن وتل أبيب توجيه ضربة قاضية لإيران، وفق منطق مباريات الملاكمة، ولا الفوز عليها بالنقاط، بل هناك استراحة إما تقود لتسوية، أو لاستئناف الحرب. وواضح أن حرباً، على طراز ما خاضته الولايات المتحدة في أفغانستان 2001-2021 وعراق 2003-2011، لا يريدها ترامب. وقد أثبتت له الحرب الأخيرة بأن طهران خامنئي وما بعد خامنئي ليست كاراكاس مادورو، وأنها ليست كابول الملا عمر ولا بغداد صدام حسين، اللتين سقطتا بسهولة أمام العسكر الأميركي، ولو أن ما بعدهما كان كثير الإيلام والفشل للأميركان. هذا مع الإشارة أن الأميركان كانوا يريدون من الحرب الأخيرة إجبار النظام الإيراني على تسوية يفرضونها، ولم يبتغوا إسقاط النظام خوفاً من الفوضى الإقليمية التي سينتجها التشظّي الإيراني ما بعد سقوط النظام، بخلاف ما أراده الإسرائيليون من الحرب.
السؤال الآن: هل فرضُ ترامب بعد مفاوضات إسلام آباد للحصار على الموانئ الإيرانية، بما فيه مضيق هرمز الذي كان ورقة ضغط إيرانية كبرى في أيام الحرب، هو محاولة منه لتحسين شروط الأميركي، من دون حرب في مفاوضات قادمة بعد مفاوضات إسلام آباد، وإفقاد إيران ورقة قوة، رغم كل التداعيات المحتملة على أسعار النفط، أم أن الخطوة الأميركية المربكة لطهران ستقود إيران للمبادرة لقلب الطاولة من خلال إشعال الحرب من جديد؟





