د.عقيل سعيد محفوض
تواجه إيران اليوم لحظة فارقة: حرب لا تستهدف برنامجها النووي فقط، بل “أنطولوجيا النظام” نفسه بوصفه كياناً ثورياً يرفض منطق الدولة القومية. وقد يكون الانكسار أو الإجهاد العسكري والاقتصادي الراهن نهاية المشروع، أو قد يكون – إن أُحسن تدبيره – فرصة تاريخية لإعادة التعريف من “الرسالة الكونية” إلى “الدولة القومية” على أسس جديدة: تعددية وديمقراطية.
التوتر البنيوي للنظام منذ 1979 ينبع من محاولة الجمع بين “الزمن المطلق” للرسالة العابرة للحدود و”الزمن النسبي” للدولة. ويتطلب التحول المطلوب -وفق التحليل- جراحة دقيقة: فصل المقدس عن السياسي أو الإداري، وتفكيك “اقتصاد المقاومة” القائم على دعم شركاء أو الوكلاء في الخارج/الإقليم، وإخضاع مؤسسات الحرس الثوري الاقتصادية للدولة المدنية. لكن النخبة تواجه معضلة وجودية: كيف تسوّق تراجعاً استراتيجياً دون انتحار هوياتي؟
يقدم التاريخ نماذج مختلفة. اليابان بعد 1945 احتفظت بالإمبراطور كرمز وجردته من الألوهية السياسية، مستفيدة من احتضان أمريكي. تركيا بعد 1922 ألغت الخلافة وبنَت دولة قومية تحت قيادة أتاتورك، ولو أن ذلك خلف توترات وإجهادات مركبة للقوميات من غير الترك مثل الكرد. لكن إيران تفتقر إلى “مشروع مارشال” خاص بها، والغرب قد يفضل إيران ضعيفة على إيران قومية منافسة. كما أن التعددية القومية (فرس، كرد، أذريون، عرب) تجعل التحول خطراً إذا تحول إلى مشروع فارسي إقصائي.
يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات مفترضة: “التحول المدار” عبر عقد اجتماعي جديد ووسيط دولي (الصين؟ وهذا مجرد افتراض لا يرتكز على مؤشرات) يوفر شبكة أمان. أو “الانهيار الهيكلي” الذي يفتح باب الوصاية الخارجية. أو “الاستمرار الكارثي” على نمط الدولة العثمانية. الهزيمة ليست نهاية بالضرورة، بل قد تكون “فعلاً تأسيسياً” إذا قُرئت كـ”إمكان” وليس كـ”قدر”. لكن السؤال الأكبر: من يضمن حسن التدبير في لحظة الانهيار؟
المقدمة
هذه ليست المرة الأولى التي تصل فيها إيران إلى مفترقٍ يجبرها على تجرّع سمّ الانكسار. ففي ذاكرتها الطويلة – الممتدة بين الأسطوري والسياسي – لحظاتٌ كانت فيها الخسارة بوابةً لتحولات جوهرية. غير أن اللحظة الراهنة تحمل خصوصيةً تستحق وقفة أعمق: فالحرب التي تشنها اليوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ليست مجرد حرب على برنامج نووي أو نفوذ إقليمي. إنها حرب على “أنطولوجيا النظام” نفسه، على كينونته بوصفه “استثناءً ثورياً” يرفض – في إيديولوجيته وخطابه – منطق الدولة القومية، ويرفض – في خطابه، وإلى حد ما في فعله – منطق السياسة العالمية السائد.
هذا الصدام بين المشروع العابر للحدود والواقعية الجيوسياسية الصارمة هو ما يجعل الحرب الراهنة أكثر من مجرد مواجهة عسكرية. إنها لحظة يكتشف فيها الفكر أن واقعه ليس امتداداً لذاته، بل مقاومة عنيدة تفرض عليه إعادة تعريف ذاته. فالنظام السياسي في إيران منذ نشأته في 1979 يعيش توتراً بنيوياً بين “الزمن المطلق” للرسالة الإسلامية العابرة للحدود، و”الزمن النسبي” للدولة القومية التي لا تنمو إلا في تراب الواقعية والمصالح الملموسة. هذا التوتر لم يكن مجرد إشكالية نظرية، بل ترجم إلى سياسات متأرجحة بين التوسع الإقليمي والانكماش الدفاعي، بين استنزاف الموارد المادية والمعنوية في “محور المقاومة” ومحاولات بناء دولة داخل الحدود.
اليوم، ومع بلوغ الاستنزاف ذروته تحت وطأة العقوبات “القصوى” والحرب المباشرة وغير المباشرة، يبدو أن النظام السياسي في إيران أمام لحظة تحد تاريخية: إما الاستمرار في التمسك بـ”الرسالة” حتى الانهيار الكامل، كما فعلت الإمبراطورية العثمانية قبل قرن؛ أو قبول “الانكسار” الذي يتيح إعادة تعريف المشروع من “الكوني” إلى “القومي”، تماماً كما فعلت اليابان بعد 1945 وتركيا بعد 1922. لكن هذا التحول – إن أمكن – ليس مجرد قرار سياسي، بل هو جراحة وجودية تمس هوية النخبة وقاعدة النظام ومعنى الثورة ذاتها، بل وقلب الظاهرة الإيرانية خلال العقود الماضية.
يحاول هذا النص استكشاف إمكانية هذا التحول من خلال عدسات متعددة: أنطولوجيا الزمن، وسيكولوجية النخبة، ودروس التاريخ، والاقتصاد السياسي، والتعددية القومية، وجيوسياسية التحولات الكبرى. وهو لا يقدم إجابات يقينية بقدر ما يضع إطاراً لفهم لحظة فارقة قد تحدد مصير إيران والمنطقة لعقود قادمة. السؤال الذي يظل مفتوحاً: هل تمتلك النخبة الإيرانية القدرة على “تدبير” الهزيمة وتحويلها إلى فعل تأسيسي، أم أن التاريخ سيعيد نفسه في انهيار سردية إمبراطورية أو دولة طامحة لم تعرف كيف تتحول في الوقت المناسب؟
أولاً: أنطولوجيا الزمن: حين يصطدم الحلم بالجغرافيا
تواجه إيران اليوم ارتطام الحلم بجدار الجغرافيا. فقد نشأت الثورة عام 1979 على وقع “زمن ممتد” – زمان رسالي غير محدود – لا يعترف بالحدود بوصفها سجناً للرسالة، ويرى في التوسع والتأثير الإقليمي امتداداً للوجود ذاته.
في مقابل هذا الزمن المقدس، تقف واقعية الدولة القومية التي يُفترض ألا تعترف إلا بـ”زمن محدد” يقاس بالمصالح والإنجازات والبقاء. وينبع التوتر التاريخي للنظام منذ 1979 من محاولته الجمع بين “الزمن المطلق” للرسالة و”الزمن النسبي” للسياسة.
فالرسالة تقتات على الوعود الميتافيزيقية العابرة للجغرافيا الدولتية، بينما الدولة لا تنمو إلا في تراب الواقعية والمصالح الملموسة. وهذا الارتطام بجدار الجغرافيا وإكراهات السياسة يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان انكساراً للمشروع أم استعادة لرشد كيان قومي أرهقه الوقوف الطويل في قاعة انتظار التاريخ.
هذا الصدام بين المشروع العابر للحدود والواقعية الجيوسياسية الصارمة هو ما يجعل الحرب الراهنة أكثر من مجرد مواجهة عسكرية، إنها لحظة يكتشف فيها الفكر أن واقعه ليس امتداداً لذاته، بل مقاومة عنيدة تفرض عليه إعادة تعريف ذاته.
ثانياً: منطقان في صراع: الرسالة أم البقاء؟ وجدلية المقدس والإداري
في أعماق الظاهرة الإيرانية توتر بنيوي بين منطقين: منطق “الرسالة” الذي يرى في الثورة مشروعاً كونياً لا يعترف بالحدود، ومنطق “البقاء” الذي يدرك أن استمرار الكيان يتطلب الانضباط داخل الجغرافيا القومية. هذا التوتر ليس جديداً، لكن الحرب الراهنة تجعله يبلغ ذروته.
الانتقال من “المهمة الإلهية” إلى “الوظيفة الوطنية” هو العبور الحاسم الذي يحدد بقاء الأمة أو تفتت الكيان. فالدولة القومية لا تعترف بشرعية من نوع “الانتظار” أو “التمكين الإلهي”، بل تعترف فقط بالشرعية الإنجازية التي تثبت نفسها في الرفاه والأمن والتنمية.
السؤال المحوري هنا: هل تستطيع النخبة الإيرانية أن تقدم للمجتمع تضحية كبرى – التخلي عن طموحات المشروع الكوني أو العابر للدولة – مقابل الحفاظ على الكيان؟ وهل سيقبل المجتمع هذه المقايضة؟
هذا التوتر نفسه واجهته السلطنة العثمانية قبل قرن: إما التمسك بـ”الرسالة” حتى الانهيار الكامل، أو قبول “الانكسار” الذي يتيح تشكّل دولة قومية حديثة. الفرق أن العثمانيين لم يختاروا، ففُرض عليهم؛ أما إيران فلا تزال (؟) أمام خيار “التدبير” – إن كانت النخبة قادرة على اغتنامه، وإن كان النظام العالمي لا يزال يتيح ذلك.
التقشف الاستراتيجي: خيار وسيط بين الرسالة والدولة
قبل الانتقال إلى معضلة النخبة، لا بد من التوقف عند مفهوم وسيط قد يفسر كيف يمكن لإيران أن تدير تراجعها دون إعلان “انتحار هوياتي” صريح. وهو ما يمكن تسميته “التقشف الاستراتيجي” (Strategic Austerity).
فليس كل تراجع يعني بالضرورة تخلياً عن الأيديولوجيا. في التاريخ المعاصر، مارست دول “راديكالية” بكيفية ما – مثل روسيا بعد 2014 أو حتى السعودية بعد 2019 – سياسة “التقشف الاستراتيجي”: خفض الالتزامات الإقليمية ليس نتيجة تغير في المعتقدات، بل بسبب “إخفاق النموذج” أو بروز “مدارك تهديد متزايدة” تحت وطأة العقوبات أو انخفاض أسعار النفط أو الاستنزاف العسكري… إلخ. الفارق أن هذه الدول كانت تمتلك هامشاً من المرونة الأيديولوجية يسمح لها بتبرير التراجع بـ”التكتيك” لا بـ”الاستسلام”.
في الحالة الإيرانية، يمكن للنخبة أن تسوّق التراجع للقاعدة الصلبة ليس باعتباره “تخلياً عن الرسالة”، بل باعتباره “إعادة تمركز” (re-centering) ضرورياً للحفاظ على جوهر المشروع. أي أن تعلن: “نحن ننسحب من ساحات القتال في سوريا واليمن ولبنان ليس لأننا تخلينا عن المقاومة، بل لأننا نريد أن نعيد بناء قوتنا من الداخل لنكون أقوى في المستقبل”. هذا هو الخطاب الذي بدأت ملامحه تظهر في بعض خطابات المرشد الأعلى (الذي اغتالته الولايات المتحدة وإسرائيل في آذار/مارس 2026) في السنوات الأخيرة، حين ربط “القوة” بالاقتصاد والتنمية وليس بالوجود العسكري المباشر خارج الحدود.
هذا المفهوم – التقشف الاستراتيجي – لا يحل معضلة النخبة، لكنه يمنحها “جسراً” للعبور: تراجعاً تدريجياً يُمَارس دون تصريح، وانسحابات تُعلن كـ”إعادة انتشار” وليس كـ”هزيمة”. وهو ما يجعل الانتقال من الرسالة إلى الدولة – إن حدث – عملية تطورية وليس انفجاراً ثورياً مضاداً.
ثالثاً: الانتحار الهوياتي: معضلة النخبة في لحظة التراجع
في قلب المعضلة الإيرانية الراهنة تكمن مفارقة وجودية عميقة: كيف لنخبة بنت مشروعيتها السياسية على “الزمن المطلق” للرسالة الإلهية أن تتراجع إلى “الزمن النسبي” للدولة القومية دون أن تنتحر هوياتياً؟ هذا السؤال ليس تكتيكياً، بل أنطولوجي بامتياز، إذ يمس جوهر الشرعية التي استمدتها النخبة الحاكمة منذ 1979.
يطرح عالم الاجتماع السياسي ماكس فيبر في تحليله لأنماط الشرعية السياسية تمييزاً حاسماً بين “الشرعية الكاريزمية” المؤسسة على الرسالة والقيادة الاستثنائية، و”الشرعية العقلانية-القانونية” المبنية على المؤسسات والإنجاز. النظام الإيراني منذ نشأته ارتكز على نمط هجين: شرعية كاريزمية (ولاية الفقيه كامتداد للغيبة المهدوية) ممزوجة بآليات مؤسساتية حديثة (برلمان، دستور، انتخابات). لكن التحول الكامل نحو “الدولة القومية” يعني التخلي عن البعد الكاريزمي-الرسالي لصالح العقلانية المؤسساتية، وهو ما يشكّل تهديداً وجودياً لنخبة تستمد وجودها من ذلك البعد الأول.
الانتحار الهوياتي كمعضلة بنيوية
يمكن القول إن النخبة الإيرانية تواجه نمطاً خاصاً من “الانتحار الهوياتي”، حيث يعني التراجع الاستراتيجي نفي الذات السياسية التي بُنيت عليها شرعية النظام برمته. فالنخبة الحاكمة في طهران ليست مجرد فاعل سياسي يدير السلطة، بل هي حاملة “رسالة” تشكل عمق هويتها الوجودية. التنازل عن هذه الرسالة لا يعني فقط خسارة السلطة، بل يعني نفي “معنى الوجود” ذاته. كيف يمكن لنخبة آمنت – ودعت الملايين للإيمان – بأن مشروعها امتداد لـ”إرادة إلهية” وتجسيد لـ”انتظار الإمام المهدي”، أن تعلن فجأة أن كل ذلك كان مجرد “مرحلة” انتهت؟
هذه المعضلة ليست جديدة في تاريخ الثورات. يشير المؤرخ السياسي كرين برينتون إلى أن كل ثورة تمر بمرحلة “العنف الفاضل” حيث تحاول النخبة الثورية فرض رؤيتها المثالية، ثم تأتي مرحلة “ردة الفعل الترميدورية” حيث يُعاد التوازن نحو الواقعية. لكن الفارق أن إيران لم تمر بعد بهذه المرحلة الثانية، أو لم تمر بها بشكل كامل، فهي لا تزال محكومة بنخبة ثورية تتمسك بالأيديولوجيا الأصلية.
كيف تُسوّق النخبة “تجرع السم” للقاعدة الصلبة؟
المشكلة لا تقتصر على النخبة الحاكمة وحدها، بل تمتد إلى “القاعدة الصلبة” التي آمنت بالمشروع ودفعت ثمنه غالياً. كيف يمكن لنظام أن يقنع الحرس الثوري، والبسيج، والملايين الذين ضحوا بأبنائهم في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بأن كل ذلك كان من أجل “مصلحة إيران القومية” وليس من أجل و”نصرة المستضعفين”؟
هنا تبرز النظرية الكلاسيكية لعالم النفس الاجتماعي ليون فستنجر حول “التنافر المعرفي”: يواجه الأفراد والجماعات صعوبة هائلة في التخلي عن معتقدات استثمروا فيها عاطفياً ومادياً، حتى لو ثبت خطأها. القاعدة الصلبة للنظام الإيراني تعاني من هذا التنافر: الاعتراف بفشل المشروع يعني الاعتراف بأن كل تلك التضحيات كانت عبثاً، وهو اعتراف يصعب على النفس البشرية تحمله.
التاريخ يقدم نماذج متباينة في هذا السياق. الاتحاد السوفييتي لم يستطع “تسويق” التراجع عن الأيديولوجيا الشيوعية، فانهار النظام بأكمله. بالمقابل، الصين الماوية نجحت في الانتقال نحو “اشتراكية السوق” عبر إعادة تعريف الأيديولوجيا دون التخلي عن قشرتها الخارجية. السؤال: هل تمتلك إيران المرونة الأيديولوجية الكافية لإعادة تعريف “الثورة” بما يتماشى مع الواقع الجيوسياسي الجديد؟
رابعاً: دروس من التاريخ: جراحة الميتافيزيقا بين النموذج الياباني والتركي
اليابان نموذجاً: الهزيمة والاحتضان الخارجي
لعل التجربة اليابانية بعد 1945 تقدم إضاءة عميقة هنا، ليس فقط لما حققته من نهضة، بل لما تكشف عنه من شروط التحول. اليابان لم تُهزم عسكرياً فقط، بل استسلمت بعد صدمة القنبلتين الذريتين وإجهاد استراتيجي تراكمي جعل استمرار الحرب مستحيلاً.
لم يكن هناك احتلال بالمعنى الكلاسيكي – لا غزو بري واسع ولا احتلال عسكري شامل قبل الاستسلام – بل جاء الاحتلال الأمريكي بعد الاستسلام كإدارة لإعادة البناء وإعادة صياغة الدستور. لكن الأهم من الظروف الخارجية هو ما فعلته اليابان داخلياً: لم تتخلَّ عن “الإمبراطور” كرمز للوحدة الوطنية، لكنها جرّدته من “الألوهية السياسية” التي كانت تبرر المشروع التوسعي.
لقد أجرت اليابان جراحة دقيقة: فصلت بين رمزية المقدس وبراغماتية القرار، بين ما يُقدَّس وبين ما يُدار. هذا الفصل لم يكن ممكناً لولا صدمة الهزيمة نفسها، ولولا الإطار الخارجي الذي وفّره الاحتلال لإعادة البناء. أصبحت اليابان اليوم ظاهرة عالمية، ليس كردة فعل مباشرة لخسارتها، بل نتيجة تدبيرها للتحديات التي أوصلتها إلى تلك الخسارة، إضافة إلى عوامل أخرى منها تحالفها مع الغرب.
النموذج التركي: دروس من انهيار الخلافة إلى الدولة القومية
لكن النموذج الياباني، رغم قيمته التحليلية، يعاني من محدودية في التطبيق على الحالة الإيرانية. فاليابان كانت إمبراطورية متجانسة ثقافياً ودينياً إلى حد كبير، واحتلت من قوة خارجية فرضت عليها دستوراً جديداً. أما إيران، فهي كيان متعدد القوميات والأديان، ولا يبدو أن احتلالاً خارجياً مطروحٌ كخيار واقعي.
لعل النموذج الأقرب – وإن اختلفت الظروف – هو النموذج التركي في العشرينيات من القرن العشرين، أي تحول الدولة العثمانية – التي كانت تحمل مشروعاً “خلافياً” عابراً للقوميات – إلى الجمهورية التركية القومية. هذا التحول لم يكن سهلاً، بل تطلب جراحة عنيفة: إلغاء الخلافة، وإغلاق الطرق الصوفية، وإجبار النخبة الدينية على الخروج من المشهد السياسي، وفرض هوية قومية تركية على حساب الهوية الإسلامية العثمانية.
ما يهمنا هنا ليس تفاصيل التحول التركي، بل “شروط إمكانه” التي يمكن مقارنتها بالحالة الإيرانية:
- قيادة كاريزمية جديدة: مصطفى كمال (أتاتورك) لم يكن رجل دين، بل كان قائداً عسكرياً استطاع أن يبني شرعيته على “الخلاص من الهزيمة” وليس على “الاستمرارية مع الماضي”. في المقابل، لا تبدو النخبة الإيرانية الحالية تمتلك رمزاً مماثلاً يمكنه أن يقود عملية “الجراحة” دون أن يفقد شرعيته أمام القاعدة الصلبة.
- تفكيك المؤسسات الدينية السياسية: أتاتورك لم يكتفِ بتهميش المشايخ، بل ألغى مؤسساتهم السياسية بالكامل. أما في إيران، فإن مؤسسة “ولاية الفقيه” ليست مجرد مؤسسة دينية، بل هي أساس الدستور والنظام برمته. تفكيكها يعني تفكيك النظام نفسه.
- الانفصال عن الإرث الإمبراطوري: تركيا تخلت نهائياً (آنذاك) عن أي طموح لاستعادة الإمبراطورية العثمانية أو “خلافة” المسلمين. في المقابل، أي تحول إيراني نحو الدولة القومية سيتطلب تخلياً صريحاً عن مشروع “الثورة” و”محور المقاومة”، وهو ما قد يكون أكثر إيلاماً للنخبة الإيرانية من التخلي عن الخلافة بالنسبة للأتراك.
- الدعم الخارجي المحدود: تركيا لم تحظَ بـ”مشروع مارشال” بحجم ما حظيت به اليابان، لكنها استفادت من حالة الفراغ الدولي بعد الحرب العالمية الأولى ومن سياسة “عدم التدخل” النسبية للقوى الكبرى في شؤونها الداخلية. إيران اليوم تعيش تحت أقصى درجات التدخل والعقوبات.
هذه المقارنة لا تهدف للقول إن إيران يمكنها أن تحذو حذو تركيا ببساطة، بل إلى التأكيد أن التحول من المشروع الديني الكوني إلى الدولة القومية ممكن تاريخياً، لكنه يتطلب شروطاً موضوعية وذاتية لا تتوفر بالضرورة اليوم. وأهم هذه الشروط وجود نخبة جديدة قادرة على حمل مشروع “الخلاص من الهزيمة” بدلاً من مشروع “الاستمرارية بالرسالة”.
فارق السياق: إيران ليست اليابان ولا تركيا 1920
بطبيعة الحال، لا يمكن استعارة أي نموذج بحذافيره. فاليابان استسلمت، ثم جاء “الاحتلال الأمريكي” الذي أعاد صياغة مؤسساتها. أما إيران اليوم فتواجه حرباً وحصاراً، دون أن يكون الاحتلال المباشر مطروحاً بالمعنى نفسه. وتركيا بعد 1922 كانت دولة منهكة حربياً لكنها لم تكن تحت الاحتلال المباشر (باستثناء مناطق محدودة)، وكانت تمتلك جيشاً وطنياً موحداً تحت قيادة أتاتورك. أما إيران اليوم، فجيشها “منقسم” بمعنى ما بين “الجيش النظامي” و”الحرس الثوري”، وهذا “الانقسام” يعكس التوتر الأيديولوجي ذاته بين منطق الدولة ومنطق الرسالة.
هذا يعني أن أي تحول في إيران – إن أمكن – يجب أن ينبع من الداخل، لا أن يُفرض من الخارج. وهذا أكثر صعوبة، لكنه – إن نجح – أكثر استدامة. لكنه أيضاً يعني أن “الجراحة” ستكون أكثر عنفاً واحتمالاً للفشل، لأنها ستتم بدون “تخدير” خارجي.
غياب “مشروع مارشال” إيراني: هل يريد الغرب إيران نهضوية؟
يكشف النموذج الياباني عن عامل حاسم آخر: الدعم الخارجي المكثف. فاليابان لم تنهض من الرماد بجهودها الذاتية فقط، بل حظيت بـ”مشروع مارشال” آسيوي غير معلن، حيث ضخت الولايات المتحدة استثمارات هائلة في إعادة بناء الاقتصاد الياباني، ووفرت لها سوقاً لمنتجاتها، ووظفتها كحليف استراتيجي أمام الشيوعية السوفييتية والصينية.
السؤال الحاسم: هل يمتلك الغرب اليوم إرادة سياسية لـ”احتضان” إيران إذا ما قررت التحول إلى دولة قومية؟ الواقع الجيوسياسي الراهن يشير إلى العكس. فإيران – حتى لو تخلت عن مشروعها الثوري – تبقى منافساً إقليمياً محتملاً للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي. إيران بموقعها الاستراتيجي، وثرواتها النفطية، ونخبتها التقنية، وعمقها الحضاري، يمكن أن تتحول – إذا استقرت واندمجت اقتصادياً – إلى قوة إقليمية منافسة.
من هذا المنظور الواقعي، قد يفضل الغرب (والإقليم) “إيران ضعيفة ومحاصرة” على “إيران قومية ونهضوية” قد تنافسه اقتصادياً وتتحدى نفوذه في الخليج والشرق الأوسط. هذه الفرضية تطرح معضلة إضافية: إذا كان الغرب لا يمتلك مصلحة في “نهضة” إيران، فإن التحول نحو الدولة القومية لن يحظى بدعم خارجي، بل قد يواجه معارضة خفية. وهذا يجعل مهمة النخبة الإيرانية أكثر تعقيداً: عليها أن تدير التحول من الداخل، وأن تبحث عن شركاء إقليميين ودوليين بديلين (الصين، روسيا، الهند، )، على صعوبة ذلك (ولا يقينيته)، قد يوفرون شبكة أمان اقتصادية دون وصاية سياسية.
حين تكون الهزيمة أرحم من النصر
ثمة لحظات قد تكون الخسارة فيها أفضل للأمم من الفوز. ليس لأن في الانكسار قيمة بذاتها، بل لما يكشف عنه من إمكان، أو لما يدشنه من تحول. فالهزيمة أيضاً تصنع الأمم، وأحياناً تكون – بالمعنى التاريخي، وفق دورات الزمن الطويلة – أكثر إنتاجية من النصر.
هل كان بإمكان اليابانيين تحقيق معجزتهم الاقتصادية لولا هزيمتهم الموجعة في الحرب العالمية الثانية؟ وهل كان بإمكان الألمان بناء ديمقراطيتهم المستقرة لولا انهيار النازية؟ وهل كان بإمكان الأتراك بناء دولتهم القومية لولا انهيار الخلافة العثمانية؟ وهذه أمور خلافية على أية حال، ونأخذ منها ما ينسجم مع خط التفكير في هذه الورقة.
يؤكد إيمانويل والرشتين هذه المفارقة: انحدار أمريكا وتراجع هيمنتها بدأ في الحقيقة لحظة انتصارها في الحرب الباردة. الانتصار يمكن أن يكون مدخلاً للهزيمة إذا لم يُحسن تدبيره، كما يمكن للهزيمة أن تكون مدخلاً للانتصار إذا أُحسن تدبيرها. ويذهب إيمانويل تود مذهباً مشابها في قراءته لأحوال الغرب اليوم.
خامساً: السيادة الجوانية: بديل عن منطق الارتماء
يحذر تاريخ المنطقة من خطر حقيقي: أن يؤدي دافع البقاء إلى الانتحار الاستراتيجي، تحت وطأة الهزيمة. في بدايات القرن الماضي، كان النقاش محتدماً حول القوة التي يُفضل أن تسيطر على المشرق. فضّل الترك انتداباً أمريكياً على بلادهم، وتجاذبت عرب المشرق نزعتان: إحداهما تفضل انتداباً بريطانياً، والأخرى انتداباً فرنسياً. لم يرَ أعيان في دمشق وبغداد والقدس وبيروت حرجاً في قبول اتفاقات سايكس-بيكو، كما لم يرَ الأمير فيصل حرجاً في الاتفاق مع حاييم وايزمن على وجود الحركة الصهيونية في فلسطين.
هذا النمط من الاستجابة المتوترة هو ما يجب تجاوزه. فالسيادة الحقيقية لا تُنتزع من طاولات المفاوضات الدولية بقدر ما تُستنبت في وجدان القاعدة الاجتماعية. فالدولة التي تستمد شرعيتها من الداخل عبر عقد اجتماعي واقعي تمتلك من المناعة ما يحول “التراجع الاستراتيجي” إلى إعادة تموضع ذكية، بدلاً من أن يكون انهياراً هيكلياً يفتح الباب أمام الوصاية الخارجية.
ما معنى “السيادة الجوانية”؟
مفهوم “السيادة الجوانية” (من “الجوف” أي الداخل) يحتاج إلى توضيح: إنه ليس مجرد سيادة قانونية، ولا مجرد اعتراف دولي، بل هو قدرة الدولة على “استنبات الشرعية من الداخل” عبر عقد اجتماعي حقيقي يربطها بمجتمعها المتعدد قومياً وثقافياً وهووياً. وهو يقوم على ثلاثة أركان:
- الشرعية الإنجازية: أن تثبت الدولة قدرتها على توفير الرفاه والأمن والخدمات الأساسية للمواطنين، بدلاً من الاعتماد على شرعية “الرسالة” أو “العدو الخارجي”.
- التصالح مع التعددية: أن تعترف الدولة بتنوعها القومي والثقافي والديني والهووي، وتترجم هذا الاعتراف إلى ترتيبات مؤسسية (فيدرالية، حكم ذاتي، تمثيل عادل، ) بدلاً من محاولة فرض هوية واحدة.
- الاستقلالية في القرار: أن تكون قدرة الدولة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية مستمدة من قوتها الداخلية ومن تماسكها الاجتماعي، وليس من رضا قوة خارجية.
هذه السيادة الجوانية هي التي تمنع تكرار سيناريو 1919، حيث فضلت النخب المحلية “الانتداب” على “الفوضى”، لأن الدولة الوطنية لم تكن قد نضجت بعد في وجدانها.
من الاغتراب المعيشي إلى الشرعية الإنجازية
ما تحتاجه إيران اليوم – وفق منطق التحليل – هو هذه السيادة الجوانية: السيادة التي تنبع من الداخل، من تصالح الدولة مع مجتمعها، وهو مجتمع متعدد الهويات والقوميات والمدارك والتوجهات، كما تتكرر الإشارة، وقدرتها على تلبية احتياجات الناس، لا من اعتراف القوى العظمى بها.
الفارق الجوهري هو بين “التراجع الاستراتيجي المنظم” الذي يدير خسائره بوعي، وبين “الانهيار الهيكلي” الذي يتبعه إملاءات خارجية تنتج دولاً وظيفية خاضعة. وهكذا، فإن الاستجابة للمطالب الأمريكية، إذا ما تمت، لن تكون بالضرورة استسلاماً إذا جاءت من موقع قوة داخلية ومن رؤية واضحة للتحول المطلوب. وهذه نقطة خلافية على أية حال.
لكن كيف يتحول “الاغتراب المعيشي” من عبء على النظام إلى “قوة ضاغطة” تجبره على العبور نحو “الشرعية الإنجازية”؟ الشعب الإيراني اليوم يعاني من فجوة عميقة بين التوقعات والإنجاز: وُعد بـ”العدالة الاجتماعية” و”استقلال القرار” و”الكرامة”، لكنه يواجه تضخماً جامحاً وبطالة مرتفعة وعقوبات خانقة. هذا الاغتراب المعيشي – إذا تحول إلى ضغط اجتماعي منظم – قد يجبر النخبة على إعادة النظر في أولوياتها: من “الثورة” إلى “بناء الدولة”، ومن “محور المقاومة” إلى “الرفاه الوطني”.
لكن هذا التحول يتطلب قنوات تعبير سياسية شرعية، وهو ما لا يتوفر بالقدر الكافي في النظام الإيراني الحالي. وهنا تكمن المفارقة: النظام يحتاج إلى “الضغط الشعبي” ليتحول، لكنه يخشى من هذا الضغط نفسه فيقمعُه أو “يحتويه”، مما يعمق الفجوة ويزيد من احتمالات الانهيار الفوضوي بدلاً من التحول المدار.
معضلة التعددية: هل تنجو إيران من فخ القومية الفارسية؟
إيران ليست دولة قومية متجانسة، بل هي فسيفساء من القوميات: الفرس (حوالي 60%)، الأذريون (16%)، الأكراد (10%)، العرب (2%)، البلوش (2%)، التركمان، وآخرون. أي انتقال نحو “الدولة القومية” يحمل خطر التحول إلى مشروع “فارسي” يقصي القوميات الأخرى، وهو ما قد يفجر الكيان من الداخل.
لكن المفارقة أن النظام الحالي – رغم خطابه الإسلامي العابر للقوميات – لم يكن أقل قمعاً للهويات القومية من أي نظام قومي فارسي. الأهواز (العرب)، والبلوش، والأكراد، وحتى الأذريون، تعرضوا لعقود من التهميش الثقافي والسياسي، وغالباً ما وُصفت مطالبهم القومية بأنها “مؤامرات خارجية” أو “انفصالية عميلة”.
هنا تبرز مفارقة التحرر القومي: الانتقال إلى الدولة القومية – إذا تم بطريقة شاملة وليست فارسية إقصائية – قد يمنح هذه القوميات فرصة تاريخية للمطالبة بحقوقها في إطار وطني موحد (فيدرالية، حكم ذاتي، مساواة لغوية، إلخ). لكنه بالمقابل قد يفتح الباب أمام نزعات انفصالية كانت مكبوتة تحت عباءة “الأمة الإسلامية”. الخوف من هذا السيناريو قد يدفع النخبة الفارسية إلى تشديد القبضة القومية بدلاً من تخفيفها، مما يؤدي إلى حرب أهلية أو تفكك.
يشير بنديكت أندرسون إلى أن الدولة القومية الحديثة هي “جماعة متخيلة” تتطلب سردية جامعة تتجاوز الانتماءات العرقية والطائفية. إيران الثورية نجحت – إلى حد ما – في خلق هوية جامعة قائمة على “الإسلام” و”تمثلات” من المذهب الشيعي و”معاداة الاستكبار”. لكن إذا تخلت عن هذه السردية، فما هي السردية البديلة التي ستجمع الفرس والأذريين والكرد والعرب تحت هوية وطنية واحدة؟
الحل النظري يكمن في نموذج “الدولة الاتحادية” أو “الفيدرالية الثقافية” التي تعترف بالتعددية القومية وتمنح الأقاليم حكماً ذاتياً ضمن إطار وطني موحد. لكن هذا النموذج يتطلب ثقة متبادلة بين المركز والأطراف، وهي ثقة تآكلت عبر عقود من المركزية والقمع. كما يتطلب نخبة سياسية قادرة على تقديم “صفقة تاريخية” للأطراف: حقوق ثقافية وسياسية موسعة مقابل الولاء للدولة المركزية. هل تمتلك إيران هذه النخبة؟ وهل تمتلك الأطراف هذه الرغبة في التسوية؟ الأسئلة مفتوحة.
سادساً: اقتصاد المقاومة مقابل اقتصاد البقاء
لا يمكن فهم أزمة النظام الإيراني بمعزل عن البنية الاقتصادية التي دعمته لعقود. فإيران ليست مجرد “ثورة”، بل هي “دولة ريعية ثورية” (Revolutionary Rentier State): اعتمدت لعقود على الإيرادات النفطية لتمويل مشروعها الإقليمي وشراء الولاء الاجتماعي.
نموذج اقتصاد المقاومة: كيف عمل؟
“اقتصاد المقاومة” (Economy of Resistance) هو المفهوم الذي صاغته النخبة الإيرانية لوصف نموذجها الاقتصادي القائم على:
- الاعتماد على الذات في مواجهة العقوبات.
- دعم الوكلاء الإقليميين (حزب الله، الحشد الشعبي، الحوثيون) كاستثمار استراتيجي منخفض التكلفة نسبياً (أو يفترض أنه كذلك) مقابل نفوذ إقليمي عالٍ.
- اقتصاد غير رسمي واسع (التهريب، شبكات الحرس الثوري الاقتصادية، الإعفاءات من العقوبات عبر وسطاء).
- مؤسسات موازية (بنياد المستضعفين، الحرس الثوري) تتحكم بقطاعات كبيرة من الاقتصاد خارج إطار الدولة الرسمية.
هذا النموذج كان قابلاً للحياة طالما كانت أسعار النفط مرتفعة، والعقوبات محدودة، وكان ثمة هامش من المناورة الجيوسياسية. لكن العقوبات “القصوى” التي فرضتها إدارة ترامب واستمرت في ظل إدارة بايدن، وزادت بعد عودة ترامب، جعلت هذا النموذج غير قابل للاستمرار.
ترسم المؤشرات الاقتصادية المتاحة (وهي بحاجة لتدقيق، إنما نأخذها بدلاتها العامة التأشيرة وليس الرقمية/الإحصائية) صورة قاتمة:
– التضخم تجاوز 40% في السنوات الأخيرة، ووصل في بعض الفترات إلى 60%.
– البطالة بين الشباب تتجاوز 25%.
– انخفاض قيمة العملة: الريال الإيراني فقد أكثر من 80% من قيمته منذ 2018.
– تراجع صادرات النفط من 2.5 مليون برميل يومياً (قبل العقوبات) إلى أقل من 500 ألف برميل في فترات الذروة.
– عجز الموازنة: الحكومة الإيرانية تعاني عجزاً بنيوياً تقدره مصادر مختلفة بين 10 و15 مليار دولار سنوياً.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعني أن “اقتصاد المقاومة” لم يعد قادراً على تحمل تكاليفه: دعم الوكلاء الإقليميين، واستمرار البرنامج النووي، وإعالة مؤسسة سياسية ودينية وبيروقراطية ضخمة. النظام أمام خيارين، ولا يتعلق الأمر بظروف الحرب: إما خفض النفقات (بما فيها النفقات العسكرية والإقليمية) بشكل جذري، وهو ما يعني تراجعاً استراتيجياً؛ وإما مواجهة انهيار اقتصادي شامل قد يؤدي إلى انتفاضات شعبية لا يمكن السيطرة عليها.
التناقض البنيوي: مؤسسات الثورة مقابل الدولة
أعمق من الأرقام هو التناقض البنيوي بين “مؤسسات الثورة” و”مؤسسات الدولة”. ففي إيران، هناك دولة رسمية (وزارات، برلمان، انتخابات) وهناك “دولة موازية” (الحرس الثوري، شبكات رجال الدين). هذه المؤسسات الموازية تتحكم بجزء كبير من الاقتصاد (تقديرات تشير إلى أن الحرس الثوري يسيطر على 20-30% من الناتج المحلي الإجمالي عبر شركاته التابعة)، وهي لا تدفع ضرائب بالمعنى الحقيقي، ولا تخضع لرقابة الدولة المدنية.
أي تحول نحو “الدولة القومية” سيتطلب “تفكيك” هذه المؤسسات الموازية، أو على الأقل إخضاعها للقوانين المدنية والرقابة المالية. وهذا يعني ضرب المصالح الاقتصادية للنخبة الحاكمة نفسها. فكيف يمكن لنخبة تستمد قوتها من هذه المؤسسات أن تدفع نحو (أو توافق على) تفكيكها؟
هنا تبرز معضلة إضافية: النخبة الاقتصادية (الحرس الثوري ورجال الأعمال المرتبطون به) هي نفسها النخبة السياسية والعسكرية. أي إصلاح اقتصادي حقيقي سيُقرأ كـ”انتحار جماعي” لهذه النخبة. وهذا يجعل سيناريو “التحول المدار” أكثر صعوبة: فالتحول ليس مجرد تغيير في الخطاب، بل هو إعادة هيكلة لمصالح مادية ضخمة.
ما الذي يمكن أن يدفع النخبة إلى الإصلاح؟
رغم هذه المعضلة، هناك عوامل ضاغطة قد تجبر النخبة على الإصلاح رغم إرادتها:
- الاستنزاف المالي: ببساطة، المال بدأ ينفد. دعم الحلفاء الإقليمي يكلف مليارات الدولارات سنوياً (تقديرات تشير إلى أن دعم حزب الله وحده يكلف 700-800 مليون دولار سنوياً، فضلاً عن تكاليف الدعم لشركاء في سوريا قبل سقوط الأسد، العراق، اليمن، إلخ). عندما لا يبقى مال، لا يبقى شركاء أو وكلاء.
- الضغط الشعبي: الاحتجاجات المتكررة منذ 2017 (الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة، احتجاجات 2019، احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” 2022) أظهرت أن الصبر الشعبي بدأ ينفد. السلطة تستطيع قمع الاحتجاجات، لكنها لا تستطيع قمع الأسباب الاقتصادية للاحتجاجات.
- تغير الأجيال: جيل الشباب الإيراني (أكثر من 60% من السكان تحت 30 عاماً) لم يعِش الثورة، ولا يملك أي ارتباط عاطفي بخطاب “المقاومة” أو “النصرة”. هذا الجيل يريد وظائف، وإنترنت، وحريات اجتماعية. أي نظام يريد البقاء يجب أن يخاطب هذا الجيل بلغة “الرفاه” وليس بلغة “الرسالة”.
- الدروس من انهيار الأنظمة المشابهة: النخبة الإيرانية ترى ما حدث للاتحاد السوفييتي (انهار لأنه لم يستطِع الإصلاح)، وما حدث للصين (نجت لأنها أصلحت اقتصادياً قبل فوات الأوان). هذا “الوعي المقارن” قد يدفع جزءاً من النخبة إلى الدفع باتجاه الإصلاح خوفاً من الانهيار الكامل.
سابعاً: تعب المتخيل: القاعدة الاجتماعية كفاعل صامت
لا يمكن فهم أزمة إيران بمعزل عن التحولات التي طرأت على القاعدة الاجتماعية. فالهزيمة الأنطولوجية لا تحدث في قمم الهرم السياسي فقط، بل تبدأ في وجدان الناس الذين لم يعودوا يجدون أنفسهم في المشروع الذي استنزف طاقاتهم لعقود.
الإنسان الإيراني اليوم – بعد عقود من العقوبات والاستنزاف – يعيش اغتراباً عميقاً: وجد نفسه محشوراً بين خطاب الثورة الذي يعد بالانتصار الكبير، وواقع المعيشة الصعب الذي لا يبشر بالخروج. هذا التعب في “المتخيل الجمعي” هو ما يجعل التحول إلى “الدولة” – إن أمكن – ليس مجرد خيار نخبوي، بل استجابة لرغبة اجتماعية عميقة في “الواقعية” بعد طول “انتظار”، وبالطبع رغبة إقليمية ودولية. فالإقليم والعالم يريدان – أو هكذا يفترض – أن تكون إيران شريكاً لا خصماً.
لكن هذا “التعب الجمعي” يحمل في طياته مفارقة: فهو قوة ضاغطة نحو التغيير، لكنه قد يتحول أيضاً إلى “عدمية سياسية” إذا لم يجد قنوات للتعبير. الإنسان الإيراني اليوم، مثله مثل الإنسان العربي بعد 1918، يعيش اغتراباً بين خطاب الرسالة الكونية وواقع المعيشة. هذا التعب الجمعي هو ما قد يجعل “الانتقال إلى الدولة” – إن توافرت الظروف – استجابة شعبية محتملة.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تقدير “فاعلية القاعدة الاجتماعية” في ظل غياب تنظيمات سياسية مستقلة. فالاحتجاجات الشعبية في إيران كانت عنيفة وعفوية، على العموم، لكنها افتقرت إلى القيادة الموحدة والبرنامج السياسي البديل. هذا يعني أن القاعدة الاجتماعية قد تكون “فاعلاً صامتاً” يضغط من الأسفل، لكنه غير قادر على تنظيم نفسه لدفع التحول في اتجاه معين. وبالتالي، يظل دور النخبة – أو أجزاء منها – حاسماً في تحديد مسار التحول.
ثامناً: فلسفة الهزيمة أو الانكسار كفعل تأسيسي
الهزيمة المادية مقابل الهزيمة الرمزية
ثمة فارق جوهري بين نوعين من الهزيمة: “الهزيمة المادية” (خسارة عسكرية، خسائر اقتصادية، تراجع جيوسياسي) و”الهزيمة الرمزية” (سقوط الأيديولوجيا، انهيار المتخيل الجمعي، نفي السردية المؤسسة). الأولى قابلة للتعافي والتجاوز، أما الثانية فقد تكون قاتلة لأنها تمس الهوية والمعنى.
اليابان بعد 1945 تعرضت لهزيمة مادية ساحقة: قنبلتان ذريتان، استسلام غير مشروط، احتلال أجنبي. لكنها -وفق التحليل- لم تتعرض لهزيمة رمزية كاملة: احتفظت بالإمبراطور كرمز للاستمرارية، وأعادت صياغة سرديتها الوطنية من “إمبراطورية عظمى” إلى “أمة تقنية متقدمة”. هذا التحول الرمزي أتاح لليابان استيعاب الهزيمة المادية وتحويلها إلى دافع للنهوض.
بالمقابل، تعرض الاتحاد السوفييتي لهزيمة رمزية قبل أن ينهار مادياً: سقوط الأيديولوجيا الشيوعية كنموذج قابل للحياة، وانهيار الثقة في “الحزب” كقائد للتاريخ، وتآكل السردية المؤسسة عن “الإنسان السوفييتي الجديد”. هذه الهزيمة الرمزية جعلت الانهيار المادي حتمياً، لأن النظام فقد مبرر وجوده قبل أن يفقد قوته.
السؤال الحاسم بالنسبة لإيران: أيهما أشد خطراً عليها، الهزيمة المادية (خسارة تطلعاتها الإقليمية، تدمير برنامجها النووي) أم الهزيمة الرمزية (سقوط سردية “ولاية الفقيه” و”الثورة”)؟ وهل يمكن للأولى أن تنقذ الدولة من الثانية؟
الصدمة الخالقة: حين يحرر الارتطام العقل السياسي
في الفلسفة السياسية، ثمة مفهوم “الصدمة الخالقة” أو “اللحظة المؤسسة”: تلك اللحظة التي تُجبر فيها الأمم على إعادة النظر في افتراضاتها الأساسية، وتخرج منها بفهم جديد لذاتها ولدورها. الأزمة تكشف عن تناقضات السردية القديمة، وتفتح المجال لسردية جديدة أكثر واقعية.
ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية مرت بـ”صدمة خالقة”: صدمة الهولوكوست وصدمة الهزيمة الكاملة أجبرتها على مواجهة ماضيها النازي. هذه المواجهة – رغم قسوتها – أتاحت لألمانيا إعادة بناء هويتها الوطنية على أسس ديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحولت من “دولة نازية” إلى “قائدة أوروبية”.
السؤال: هل ستكون الحرب الراهنة “صدمة خالقة” لإيران؟ أم أنها ستكون مجرد صدمة مدمرة تؤدي للانهيار دون إعادة بناء؟ الفارق يكمن في قدرة النخبة والمجتمع على “قراءة” الصدمة: إذا قُرئت كـ”قدر” نهائي، ستؤدي للعدمية واليأس. أما إذا قُرئت كـ”لحظة تأسيسية” لمشروع جديد، فقد تفتح باباً للتحول.
شروط التحول: قائمة مراجعة للنخبة
إذا أرادت النخبة الإيرانية أن تحول الهزيمة إلى “فعل تأسيسي”، فما الذي تحتاجه بالضبط؟ يمكن تركيز النقاش في أربعة محاور رئيسة:
الأول: على المستوى الرمزي – فصل المقدس عن السياسي أو الإداري
تحتاج النخبة إلى القيام بـ”جراحة دقيقة” تفصل بين رمزية “ولاية الفقيه” كمرجعية دينية، وبين إدارة الدولة كشأن سياسي عادي. هذا لا يعني بالضرورة إلغاء المؤسسة الدينية، بل إعادة تعريف صلاحياتها: من “ولاية مطلقة” إلى “مرجعية استشارية” أو “رمز وحدوي” مشابه لدور الإمبراطور في اليابان أو بابا الفاتيكان في إيطاليا. والتجربة التركية هنا مفيدة: أتاتورك لم يُلغِ الدين، بل أخرج الدين من السياسة وأخضع المؤسسات الدينية للدولة.
الثاني: على المستوى الاقتصادي – تفكيك “دولة الحرس الثوري”
أي تحول حقيقي يتطلب فصل اقتصاد الحرس الثوري عن الاقتصاد الوطني. ويمكن أن يتم ذلك عبر: إخضاع شركات الحرس للقوانين الضريبية والرقابية، تحويل “بنياد المستضعفين” إلى مؤسسة تنموية خاضعة للبرلمان، وفتح المجال للقطاع الخاص المستقل. وهذه العملية ستقابل بمقاومة شرسة من النخبة الاقتصادية-العسكرية، وقد تتطلب “صفقة” تعويضية: حصانة قضائية جزئية مقابل التنازل عن السيطرة الاقتصادية.
الثالث: على المستوى السياسي – إعادة تعريف العقد الاجتماعي
تحتاج إيران إلى “عقد اجتماعي جديد” يعترف بالتعددية القومية والثقافية. هذا قد يعني: دستوراً جديداً يحد من صلاحيات ولاية الفقيه، ونظاماً فيدرالياً أو لامركزياً يمنح الأقاليم (الأهواز، كردستان، بلوشستان) حكماً ذاتياً واسعاً. كما يعني قبول قواعد اللعبة الديمقراطية الحقيقية: انتخابات حرة، تداول سلمي للسلطة، استقلال القضاء.
الرابع: على المستوى الإقليمي – إعادة تعريف “القومية الإيرانية”
تحتاج إيران إلى تقديم “تسوية كبرى” للجيران: الاعتراف بشرعية الأنظمة العربية في الخليج، وقبول حدودها الدولية، ووقف دعم الوكلاء المسلحين. هذا لا يعني التخلي عن النفوذ تماماً، بل تحويله من “نفوذ عسكري-أيديولوجي” إلى “نفوذ اقتصادي-دبلوماسي” (كما تفعل تركيا وقطر والسعودية والإمارات). كما يعني فتح قنوات حوار مع الولايات المتحدة حول ملفات نووية وإقليمية، لكن من موقع قوة داخلية وليس من موقع انهيار.
هذه القائمة طموحة للغاية، وقد تبدو مستحيلة في ظل الظروف الراهنة. لكنها توضح حجم التحدي: التحول المطلوب ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل هو “إعادة تأسيس للنظام” بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، في أفق دولة بنظام سياسي ديمقراطي ومجتمع تعددي. وهو ما لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها، ولا يمكن أن يحدث دون “صدمة خالقة” حقيقية تغير معادلات القوى داخل النخبة نفسها.
تاسعاً: إعادة ترسيم الحدود الهوياتية
ما يحدث اليوم ليس مجرد “حرب بالوكالة” أو “صراع على النفوذ”. إنه إعادة ترسيم للحدود الهوياتية بين “الثورة” و”الدولة”، بين “المشروع الكوني” الذي يرتكز على سرديات ومدارك أو مقولات إيديولوجية متخيلة، و”الكيان الوطني” الذي يفترض أن يكون تعددياً قومياً وثقافياً وديمقراطياً.
وإذا استطاعت النخبة الإيرانية أن تقرأ الانكسار أو الهزيمة بوصفها “تنسيباً” (من نسبية) للمشروع و”تبيئة” له داخل الجغرافيا الوطنية، فإن إيران بذلك تختار طريقاً مغايراً: نهضة تدرك أن عظمة الأمم لا تُقاس بمدى توسعها الأفقي، بل بكثافة حضورها المؤسساتي ورفاهها الداخلي. لكن السؤال هو عما إذا كانت النخبة قادرة على هذه القراءة، وما إذا كان النظام (والظرف الإقليمي والعالمي) يسمح بها؟
تقف إيران اليوم أمام لحظتين تاريخيتين متداخلتين: لحظة 1918 (انهيار الإمبراطورية وولادة الدول) ولحظة 2011-2025 (إعادة ترسيم حدود نفوذ جديدة في المنطقة). الانكسار أو الهزيمة الحالية قد تكون نهاية المشروع، وقد تكون – في سيناريو أكثر تفاؤلاً داخلياً وحتى إقليمياً – فرصة لإعادة النظر في مسار التحول من “الرسالة” إلى “الدولة” دون تفكك كامل من الخارج. لكن هذا السيناريو يتطلب شروطاً موضوعية وذاتية لا تتوفر بالضرورة.
السيناريوهات مع مؤشرات الإنذار المبكر
السيناريو الأول (التحول المدار):
– مؤشراته المبكرة: تغيير في خطاب المرشد الأعلى من “النصرة” إلى “الإعمار”، وانسحاب نهائي من سوريا، وانسحابات تكتيكية (ربما جوهرية) من العراق (مثل نقل قوات من مواقع متقدمة إلى مواقع خلفية)، وانفتاح غير مسبوق على دول الخليج (زيارات متبادلة على مستوى وزراء الخارجية)، تغييرات في القيادة العليا للحرس الثوري لصالح عناصر أكثر براغماتية. هذا مشهد ما قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (نهاية شباط/فبراير 2026) وتداخلاتها وتخارجاتها.
– فرص النجاح: إذا تمكنت النخبة من تقديم تراجعها كـ”إعادة تمركز” وليس كـ”هزيمة”، وإذا وجدت شبكة أمان اقتصادية (الصين أو روسيا أو الغرب عبر اتفاق تسوية).
– مخاطر الفشل: اغتيال شخصيات رئيسية على يد متشددين داخل النظام، انهيار اقتصادي مفاجئ يعجل باحتجاجات شعبية لا يمكن السيطرة عليها.
السيناريو الثاني (الانهيار الهيكلي):
– مؤشراته المبكرة: تصدع مؤسسات الدولة (عجز الحكومة عن ضبط التوترات الداخلية (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية)، وانقسام الحرس الثوري إلى فصائل متناحرة، وتحول الاحتجاجات الشعبية إلى تمرد مسلح في الأطراف (بلوشستان، الأهواز، كردستان)، وتدخل خارجي مباشر (أبعد من الضربات الأمريكية والإسرائيلية للمنشآت النووية والنفطية).
– مخاطره: تفكك الكيان إلى دويلات على أسس قومية أو طائفية، ووصاية خارجية على غرار سايكس-بيكو، وحرب أهلية طويلة.
السيناريو الثالث (الاستمرار الكارثي):
– مؤشراته المبكرة: تشديد القمع الأمني بشكل غير مسبوق، تصعيد أمريكي وإسرائيلي أبعد من الضربات والحرب الحالية (حتى نيسان/أبريل 2026)، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني في الخارج أو في أحد مناطق الأطراف التي يمكن أن تخرج عن سلطة المركز. والانهيار الاقتصادي الشامل.
– مخاطره: تدمير البنية التحتية للدولة، وخسائر بشرية ومادية هائلة، وانهيار للنظام دون بديل منظم.
خاتمة: الهزيمة كإمكان
ليس المطلوب من إيران أن تستسلم، بل أن تتدبر، إذا كانت قادرة. التدبير هنا يعني القدرة على تحويل لحظة “الضغط الأقصى” إلى لحظة “إعادة تأسيس”. لكن هذه القدرة ليست متاحة بالضرورة لكل نظام، ولا هي خيار حر تماماً في سياقات الحروب والانهيارات.
معضلة إيران الراهنة لا تكمن فقط في مدى القدرة على الصمود العسكري (إلى متى تستطيع الاستمرار، حتى في حال توقف الحرب أو الدخول في هدنة؟)، بل أيضاً في القدرة على “تمثيل” الانكسار أو الهزيمة ذهنياً، وبالطبع سياسياً، إنما من منظور مختلف. فإذا قُرئت الخسارة بوصفها “نهاية للمقدس”، قد يسقط النظام في العدمية السياسية أو الانهيار. أما إذا قُرئت بوصفها “إعادة تعريف” للمشروع و”تبيئة” له داخل الجغرافيا الوطنية (والاجتماعية والقومية والثقافية المتعددة)، فقد تفتح باباً للنهوض من داخل الانكسار، بشرط توفر النخبة القادرة والمجتمع المستعد والظروف المواتية.
ليست العبرة في فداحة الخسارة المادية، بل في القدرة على “تمثيلها ذهنياً” كفعل تأسيسي، كما سبقت الإشارة. فالهزيمة التي لا تُقرأ بوصفها “قدراً” نهائياً، بل بوصفها “إمكاناً” للتصحيح، هي التي قد تمنح الأمم فرصة جراحة الميتافيزيقا الضرورية: فصل المقدس عن السياسي أو الإداري/الدولتي، وتبيئة الحلم داخل حدود الممكن الجيوسياسي.
الخيار، في النهاية، ليس بين الحرب والسلام فقط، بل بين قراءة الحرب وإجهاداتها وتداخلاتها وتخارجاتها كـ”قدر” أو قراءتها كـ”إمكان”. وهذه، ربما، هي المفارقة الكبرى في هذه اللحظة الجيوسياسية العصيبة والفارقة. فالانكسار أو الهزيمة – كما يعلّمنا التاريخ الطويل – قد تكون أرحم من “النصر” الذي يُجمِّد أو يدمِّر المجتمع والدولة معه. لكن السؤال الأكبر يبقى: من يضمن حسن التدبير في لحظة الانهيار؟





