محمد سيد رصاص
في عام 1966 كتب علي خامنئي الكلمات التالية في مقدمة ترجمته إلى الفارسية لكتاب سيد قطب “المستقبل لهذا الدين”: “القوى الغازية الطامعة وجدت أنه لا بد من قمع القوة المعنوية في الشرق باعتباره خطوة أولى لفرض الهيمنة، لأن هذه القوة يمكن أن تشكل عقبة أمام أطماعهم التوسعية، وفي بلدان الشرق لم تكن هذه القوة المعنوية سوى الإسلام، فالإسلام يمنح أبناءه شخصية يرون فيها أنهم الأعلون، ويسمون حزب الله، وأن حزب الله هم الغالبون.. ويبشرهم بأنهم الأمة التي ستستخلف في الأرض، وتكون الشاهدة الوسط على ساحة التاريخ، ويدفعهم نحو حركة جهادية دائبة.. ويفرض عليهم اتخاذ موقف الغلظة والشدة تجاه الأعداء وينهى عن الركون إليهم” (نص المقدمة على الرابط).
هنا، من يعود لكتاب سيد قطب المذكور، والمطبوع في مكتبة وهبة بالقاهرة عام 1960 ومؤلفه كان لا يزال في السجن، يرى في الصفحات 110-111-112 من طبعة القاهرة المذكورة أن الإسلام لم يكن فقط أداة مقاومة في المراحل الثلاث (الصليبية – التترية – الاستعمارية)، بل أيضاً ممانعاً روحياً – ثقافياً، وعصياً على الذوبان حتى “وإن وقعت الهزيمة الظاهرية في بعض الأحايين” (113)، وهو البديل الحضاري “بعد أن انتهى العصر الذي يسود فيه الرجل الأبيض، لأن حضارة الرجل الأبيض قد استنفدت أغراضها المحدودة القريبة” (56)، حيث يرى سيد قطب أن مضمون البديل الحضاري يتمثل في أن “الإسلام هو وحده القادر على إنقاذ البشرية مما يحدق بها من أخطار ماحقة تدلف إليها مقودة بسلاسل الحضارة المادية البراقة، وهو وحده القادر على منحها المنهج الملائم لفطرتها ولاحتياجاتها الحقيقية، وهو وحده الذي ينسق بين خطاها في الإبداع المادي وخطاها في الاستشراف الروحي” (ص109).
من نص مقدمة علي خامنئي يبدو أنه يرى من خلال وعبر كتاب سيد قطب هذه القضايا الثلاث: الإسلام هو أداة مقاومة، وقوة معنوية ممانعة تمنع الذوبان حتى مع حصول “الهزيمة الظاهرية”، وهو البديل الذي سيجعل المسلمين هم “الأمة التي ستستخلف في الأرض”.
بين نشر الكتاب في مصر والترجمة الفارسية في إيران كانت هناك ستة أعوام جرت فيها مياه كثيرة في نهر مقاومة ما أسماه الخميني وخامنئي لاحقاً بـ “قوى الاستكبار العالمي”. مع حصول الخلاف الصيني – السوفياتي عام 1960 بدأ مدّ الحركة الشيوعية العالمية بالانحسار بعد أن بدأ مع ثورة أكتوبر1917، وفي عام 1962 أظهرت أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا تراجعاً في قوة الكرملين أمام البيت الأبيض، وعندما بدأت الحرب الأميركية على فيتنام الشمالية (آب 1964) ظهرت هانوي متروكة بفعل الخلاف الصيني – السوفياتي، وعندما حاول الكوبيون إعادة الوئام، وأولهم أرنستو تشي غيفارا الذي ذهب لبكين وقابل ماوتسي تونغ عام 1965 لرتق الخلاف الصيني مع الاتحاد السوفياتي في مرحلة ما بعد إبعاد خروتشوف (تشرين الأول 1964) وفشل، فإن غيفارا وفيديل كاسترو قد وجها نظرهما باتجاه (القارات الثلاث: أميركا اللاتينية – أفريقيا – آسيا) ونحو (فكرة جنوب ضد شمال) و (فكرة العالم الثالثية)، وأصبحا على اعتقاد بأن القوة الثورية لم يعد منبعها في أوروبا، كما كان يفكر ماركس وإنجلز ولينين وستالين، ولا أن تحرّر المستعمَرات يعتمد ويأتي من تحقق الاشتراكية في البلدان المستعمِرة، كما كان يعتقد الشيوعيون في الهند ما قبل خروج البريطانيين عام 1947، بل إن الثورة قد أصبحت في منبعها ومركزها في الجنوب و”العالم الثالث”.
كان فرانز فانون، في كتابه “معذبو الأرض” الصادر عام 1961، قد أطلق هذه الجملة، التي نرى رديفاً لها في كتاب سيد قطب: “أن ننتقل إلى الضفة الأخرى.. لنترك هذه الأوروبا التي لا تفرغ من الكلام عن الإنسان وهي تقتله حيثما وجدته” (دار الطليعة، بيروت 1966،ص295)، ولكننا نجد في كتاب فانون أن التحرر الوطني من الاستعمار الأوروبي هو عملية مقاومة عنيفة: “سواء أقلنا تحريراً وطنياً، أم نهضة قومية، أم انبعاثاً شعبياً، أم اتحاداً بين الشعوب، وكيف كانت العناوين المستعملة والمصطلحات الجديدة، فإن محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائماً”(41)، وهو “يستهدف تغيير نظام العالم… برنامج لقلب النظم قلباً مطلقاً”(41)، وهو يرى بديلاً في (الثقافة القومية) عن ثقافة المستعمِر، ولكن “التحرير القومي وانبعاث الدولة شرط لوجود الثقافة” (231)، أي أنها تتكون بعدهما.
في عام 1965 اجتمع كاسترو والرئيس الجزائري أحمد بن بيللا والرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو على فكرة مؤتمر القارات الثلاث، وكان المنسق لأعمال التمهيد للمؤتمر هو السياسي المغربي المهدي بن بركة، وجرى الاتفاق على عقد المؤتمر في العاصمة الكوبية بالشهر الأول من عام 1966 (توجد تفاصيل وافية عن أعمال التحضير للمؤتمر في كتاب سافيريو تيتينو: “تاريخ الثورة الكوبية”، دار الحقيقة، بيروت 1971، ص ص 286-288).
في حزيران 1965 أُطيح بحكم بن بيللا بانقلاب عسكري قاده هواري بومدين، ثم أطيح بسوكارنو بانقلاب عسكري رعته وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA في أيلول، وفي شهر تشرين الأول 1965 تم اغتيال وتصفية وإخفاء جثة المهدي بن بركة في باريس بعملية ما زالت غامضة التفاصيل، ولكن المؤشرات تدل على اشتراك أجهزة استخبارات مغربية وإقليمية ودولية فيها.
في أيلول 1965 أعلن كاسترو “عن الرحيل السري لأرنستو تشي غيفارا نحو بلدان أخرى ونضالات أخرى” (تيتينو: “المرجع المذكور”، ص287)، ليلقى الموت في بوليفيا بخريف1967.
عُقد مؤتمر هافانا في موعده، ولكن غيوم الفشل كانت واضحة في أجوائه.
على الأرجح أن علي خامنئي (مواليد 1939)، الذي كان متأثراً بالميول العالم الثالثية التي أتت إليه من المفكر الإيراني علي شريعتي 1933-1977 والمتأثر بدوره بفرانز فانون، كان يتابع تلك التطورات التي رافقت مؤتمر هافانا، وبالتأكيد كانت في ذهنه عندما كتب بعام 1966 المقدمة لكتاب سيد قطب، ولكن من الواضح من المقدمة أن (الإسلام) ، وليس “الثقافة القومية” عند فانون ولا الماركسية عند كاسترو وغيفارا، هو (المقاومة) و (الممانعة) و (البديل الحضاري) عند خامنئي.
صحيح أن الخميني في كتابه: “الحكومة الإسلامية” (مجموعة دروس ألقيت في النجف عام 1970، ثم جمعت في كتاب، نشر عام 1971، طرحت فيه فكرة “ولاية الفقيه”) يرى أن الإسلام هو “دين المجاهدين الذين يريدون الحق والعدل، دين الذين يطالبون بالحرية والاستقلال، والذين لا يريدون أن يجعلوا للكافرين على المؤمنين سبيلاً” (ص8، من نسخة إلكترونية بي دي إف، 154 صفحة، على الرابط: www.al-mostafa.com)، وصحيح أنه في رسالته إلى غورباتشوف، في كانون الثاني 1989، يعتبر “الإسلام، بمواجهة الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي معاً، هو الوسيلة الوحيدة لراحة وإنقاذ الشعوب وحلّ كافة الأزمات الأساسية التي تعاني منها البشرية” (نص الرسالة موجود في كتاب الخميني: “ريادة الفقه الإسلامي ومتطلبات العصر”، دار الهادي، بيروت 1993، نص الرسالة ما بين الصفحات 69-80، الاقتباس صفحة 73)، إلا أن ما طرحه علي خامنئي، بالاستناد إلى سيد قطب، يبقى الأكثر تفصيلاً ووضوحاً في تقديم الأسس الفكرية لخط (المقاومة والممانعة). وسيد قطب كان قد طرح هذه الفكرة التي يطرحها الخميني في رسالته إلى غورباتشوف (أي، تلاقي البيت الأبيض والكرملين في المبادئ مع خلاف على المصالح، وأنه انقسام غير عميق) منذ كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” الصادر عام 1949 متحدثاً عن انقسام ما بعد 1945 ما بين المعسكرين الغربي والشرقي: “وأما نحن فنعتقد أنه انقسام ظاهري لا حقيقي، وأنه انقسام على المصالح لا على المبادئ، وأنه صراع على السلع والأسواق لا على العقائد والأفكار، فطبيعة التفكير الأوروبي الأميركي لا تفترق في حقيقتها عن طبيعة التفكير الروسي، كلتاهما تقوم على تحكيم الفكرة المادية في الحياة” (ص214، طبعة دار الشروق، القاهرة 1993). وعلى الأرجح من هذه الفكرة القطبية قد أتت فكرة (لا شرقية ولا غربية، بل إسلامية) التي طرحتها الثورة الإيرانية منذ عام 1979، ولكن باعتبار أميركا هي (الشيطان الأكبر) والاتحاد السوفياتي هو (الشيطان الأصغر). وعلى الأرجح أن زوال الاتحاد السوفياتي عام 1991 قد جعل إيران لا يتملكها الوسواس من التحالف مع روسيا فلاديمير بوتين.
هنا، يمكن القول بأن ما قدمه علي خامنئي، بعد توليه منصب “المرشد” عقب وفاة الخميني في 4 حزيران 1989 وحتى مقتله في غارة إسرئيلية – أميركية في 28 شباط 2026، يمثل الممارسة العملية لخط (المقاومة والممانعة)، وهو المؤسس لما أطلق عليه اسم (محور المقاومة والممانعة).
هذه الممارسة العملية تضمنت إنشاء شبكة عالمية من منظومة (حزب الله في العالم) تتبع مباشرة لـ “المرشد”، وتليها أحزاب وحركات إسلامية شيعية مسلحة وغير مسلحة تؤمن ولائياً بـ “ولاية الفقيه”، بالترادف مع تحالف إيران مع حركات إسلامية سنية تؤمن بنظرية (المقاومة والممانعة) مثل حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، هذا غير العلاقة المتناغمة لإيران بقيادة خامنئي مع قيادة التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين وأغلب فروع الجماعة بالعالم، وكذلك علاقة إيران مع أنظمة عربية مثل نظام حافظ الأسد وابنه حيث رأى خامنئي في سوريا جسراً ضرورياً لـ “محور المقاومة”، وأيضاً مع أنظمة مثل تركيا أردوغان الذي ظلت علاقته جيدة معه طوال فترة 2002-2026 بعد وصول (حزب العدالة والتنمية) للسلطة في أنقرة.
على الصعيد العالمي نسج خامنئي تحالفاً مع روسيا والصين ومع كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا لمواجهة “قوى الاستكبار العالمي”.
على الصعيد غير الحكومي، هناك كثيرون من العروبيين، وهناك الماركسيون (وهذا يشمل الكثير من الماركسيين في أوروبا وأميركا اللاتينية)، الذين يؤمنون بخط (المقاومة والممانعة)، أو يلتقون معه من منطلق أن التناقض الرئيسي مع واشنطن وإسرائيل، ومن هنا رؤيتهم للتلاقي ووضع كل التناقضات جانباً والتلاقي مع كل من يقاوم ويمانع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبغض النظر عن طبيعة نظامه وأيديولوجيته وممارساته.
بالمجمل: تجربة خامنئي في (المقاومة والممانعة) لها أسس فكرية محبوكة نظرياً، وهي إن كانت تحوي ممارسات عملية، تنبني فيها التحالفات والتلاقيات على أسس ذرائعية مصلحية، سواء كانت مع الشيوعيين في الصين، أو مع النموذج الذي يمثله فلاديمير بوتين الذي يجمع القومية الروسية والمسيحية الأرثوذكسية، أو مع حافظ الأسد وابنه، وأيضاً مع هوغو شافيز ونيكولاس مادورو في فنزويلا، وحتى لم يتملك الوسواس علي خامنئي عندما تلاقى وتعاون، في حالة من البراغماتية الشديدة المدى، مع جورج بوش الابن في غزو واحتلال أفغانستان 2001 وعراق 2003، إلا أنه – في هذا كله – يؤمن بعكس ما قاله إدوارد برنشتين: “الهدف لا شيء، الحركة كل شيء”، فبالنسبة له “الحركة لا شيء، الهدف كل شيء”، وبالتالي كل الممارسات يجب أن تكون من أجل الهدف.
ولكن السؤال الآن: هل نجح علي خامنئي، أم فشل؟!





