د. عقيل سعيد محفوض
في مستشفى صغير بمنطقة محاصرة أو مهملة، يُجري طبيب عملية معقدة بضوء خافت. الجرح عميق، والعدوى انتشرت، والموارد شحيحة. لا يستطيع إغلاق الجرح بشكل كامل، ولا يستطيع استئصال الجزء المصاب، فيقرر شيئاً بين بين: ينظف ما يستطيع، يترك الجرح مفتوحاً جزئياً، ويضمد بشكل يسمح بالتصريف. المريض لن يعود سليماً تماماً، لكنه قد يعيش.
هذه الصورة الجراحية تختزل حالة المشرق اليوم. فهو ليس في مرحلة “ما بعد” الصراع والحرب، بل في حالة التعايش مع جرح مفتوح. هذه الحالة التي لا هي شفاء ولا هي موت، لها اسم في الفلسفة عند جياني فاتيمو ومارتن هايدغر: “الالتواء” (Verwindung) أو التعافي المشوه، أو التحمل.
ورغم أنَّ أشكال هذا الالتواء وحِدَّته تتباين بين بلدٍ وآخر في المشرق – فثمة فرق بين التواء تحت الاحتلال، والتواء في ظلّ حروب أهلية مجمَّدة، والتواء في كنف سلطات استبدادية هشَّة – إلا أنَّ القاسم المشترك يظلُّ هو ذاك: تعايشٌ قسريٌّ مع جرحٍ لم يندمل، وتحوُّل حالة الطوارئ إلى نمط عادي للحياة.
ما الالتواء؟
عندما استعار فاتيمو هذا المفهوم من هايدغر، كان يميزه عن “التجاوز” (Überwindung). التجاوز يعني تخطي المرحلة إلى مرحلة جديدة، قطع مع الماضي، ولادة جديدة. أما الالتواء فهو: استمرار مع تغيير الشكل، مثل عظمة التئمت بشكل معوج بعد كسر. وتحمل الماضي لا تجاوزه، فنحن لا نترك الماضي وراءنا، بل نحمله معنا كندبة، كذاكرة جسدية، وتعافٍ بلا شفاء، والعودة إلى الحياة، لكن بحمل إعاقة ما.
في المشرق، الالتواء ليس مفهوماً فلسفياً مجرداً، بل هو الواقع اليومي المعاش. مجتمعات وبلدان كأجساد ملتوية، الدولة التي التوت على نفسها، لم تتعافَ من أزمتها السابقة، بل انحنت عليها حتى “التَوَتْ”، فتشوهت معالمها: من سياسات وقيم تزعم العلمانية إلى سياسات وقيم طائفية صريحة لا تنكر طائفيتها. ومن سلطات تدعي التمثيل الوطني إلى سلطات تختزل الوطن في الولاء والطاعة. ومن دول بؤسها مؤسسات شكلية إلى دول لم تعد تحتاج حتى للمظهر المؤسسي. والتحول لم يكن إلى شيء جديد، بل إلى نسخة مشوهة من القديم. النظم التي كانت تقول “شعب واحد” أصبحت تقول نفس الكلمات، لكن “الشعب” تقلص إلى فئة، و”القادة” أصبحوا سادة حرب بين حروب لا تُحسم، ثقيلة وممتدة ومعقدة.
الهوية الملتوية
الهوية، وكانت مشوهة أصلاً، لم تتحول إلى هوية جديدة، بل تمزقت وتشوهت أكثر: من “المواطنة” إلى “الطائفية”، ومن “الانتماء الوطني” إلى “انتماء مناطقي أو عشائري”. ومن “الذاكرة المشتركة” إلى “ذكريات متنافرة”. كل جماعة تذكر ما يناسبها وتنسى الباقي. حتى اللغة اِلْتَوَت: كلمات مثل “وطن”، و”حرية”، و”كرامة” فقدت معناها الأصلي وأصبحت شعارات فارغة أو أسلحة في حرب المعاني، يُلقيها الجميع ولا يؤمن بها أحد.
اقتصاد الالتواء
الاقتصاد اليوم هو نموذج صارخ لاقتصاد الالتواء: لا هو اقتصاد حرب بالمعنى الكلاسيكي (إنتاج من أجل الأسلحة والمواجهة)، ولا هو اقتصاد سلام (إعادة إعمار حقيقية)، بل هو اقتصاد الندبة: اقتصاد يعيش على تحويل الدمار نفسه إلى مصدر ربح (تجارة الأنقاض، السمسرة على الأراضي المدمرة، ..)، والتحويلات من المنفى كبديل عن الإنتاج المحلي. مئات الآلاف من العائلات التي صار عيشها على “التحويلات” من أبنائها في الخارج.
ويكتمل هذا المشهد المشوَّه بـ اقتصاد الريع تحت راية شبكات العنف، حيث تتحكم ميليشيات وأطراف نافذة بمعابر وموارد، فتحوّل السيادة إلى سلعة، والحماية إلى ابتزاز. وهكذا يدور الاقتصاد في حلقة مفرغة: الخراب يخلق فرصاً للربح السريع لهؤلاء، وربحهم السريع يعمّق الخراب ويعقِّم أيَّ أملٍ في إعادة بناء منتجة. وحيث يبدو الفساد كمحرك اقتصادي رئيسي. هذا اقتصاد لا يبني مستقبلاً، بل يدير الحاضر كـ “جروح مفتوحة”، ويُولِّد بدوره إحساساً غريباً بالزمن.
الزمن الملتوي
في الالتواء، ينحني الزمن على نفسه، فالماضي لا يمر، بل يظل حاضراً كألم. كل يوم هو ذكرى لدمار ما، لفقدان ما. والمستقبل لا يأتي، بل يتلاشى في الأفق. لا توجد خطط طويلة الأمد، فقط بقاء من يوم ليوم. والحاضر لا يكون لحظة عابرة، بل يصبح حالة دائمة: الأزمة لم تعد مرحلة، بل هي الوضع الطبيعي الجديد. وهكذا، يعيش المشرق اليوم في “زمن دائري”، ليس كالزمن الأسطوري القديم، بل كزمن كابوسي: دورة من الذكريات المؤلمة، والتوقعات المحبطة، والأيام المتشابهة.
المجتمع كنسيج ملتوي
وإذا كان جسد الدولة قد التوى، فإن نسيج المجتمع نفسه لم يسلم من ذلك. النسيج الاجتماعي لم يتمزق تماماً، بل التوى بطرق غريبة. فتشوُّه الهوية الوطنية (من المواطنة إلى التبعية الطائفية) لا يبقى حبيس الخطابات الرسمية، بل يتسرَّب إلى عروق الحياة اليومية فيتحوَّل إلى: علاقات تعايش قسري بين أناس يكرهون بعضهم لكنهم مضطرون للعيش قرب بعضهم. وذاكرة مشتركة-منقسمة، نفس الحدث يُذكر بشكلين متناقضين في نفس المنطقة. وهويات متداخلة-متنافرة.
حتى العائلات اِلْتَوَت. وقد تجد أفراداً من عائلة واحدة في مناطق مختلفة، لديهم روايات مختلفة، وربما يحملون رايات مختلفة، ويعيشون حيوات مختلفة. وظاهرة “الحديث المزدوج” (Double Talk) كتعبير عن هذا الالتواء: نفس الشخص قد يستخدم لغة طائفية في الشارع، ولغة معتدلة في المنزل، أو العكس، كاستراتيجية للبقاء.
حدود الالتواء
لكن هذه الاستراتيجية لها ثمنها الباهظ، وهو “التطبيع مع اللا إنساني”، مثل: التعود على الفقر، وعلى الخوف، وعلى فقدان الكرامة. والخطر الأكبر هو أن يتحول هذا الالتواء من “مرحلة انتقالية قسرية” إلى “طبيعة دائمة جديدة”، حيث يُنسى أصل الجرح ويُقبل التشوه باعتباره الشكل الطبيعي للأشياء. هنا يهدد الالتواء بالتحول إلى “تلف دائم”، يقتل ليس فقط طموح التغيير، بل حتى القدرة على تصور بديل. وهو ما يقودنا إلى سؤال الجوهر: هل “الدائم” اختيار أم قدر مفروض؟
في هذا السياق، الالتواء ليس فشلاً، بل استراتيجية بقاء تتمثل في: القدرة على التحمل، على العيش مع المستحيل. وهذا ليس مجرد انحناء أمام العاصفة، بل قدرةٌ مذهلةٌ على التحمل، على خلق روتين للحياة داخل الفوضى، والعيش مع المستحيل. إنها مرونة لا تهدف إلى النمو أو التحسن، بل إلى البقاء فحسب، مما يُفرغها من طاقتها الإيجابية ويحولها إلى مجرد رد فعل طويل الأمد على الصدمة كما تتمثل في: التكيف المشوه، بمعنى تغيير الذات لتناسب الواقع القاسي، حتى لو كان هذا التغيير يشوه الذات. والحياة على الهامش، بإيجاد مساحات صغيرة للعيش داخل الخراب الكبير.
الفرق بين الالتواء والاستسلام
الالتواء ليس استسلاماً كاملاً: الاستسلام يعني: “هذا هو قدرنا، نتقبله”. أما الالتواء فيعني: “هذا هو واقعنا، نحتمله، ونسعى للعيش رغمه، وربما نغير شكله قليلاً”. في الالتواء، يبقى “أمل ضئيل”، ليس أمل التغيير الجذري، بل أمل تحسين ظروف العيش مع الجرح.
لماذا “دائم”؟
وصفنا الالتواء بأنه “دائم”، لأنه لا يوجد قوة قادرة أو راغبة في فرض التجاوز: الداخل عاجز أو غير راغب، والأطراف الخارجية تستفيد من استمرار حالة التوتر والنزاع، فاقتصاد الندبة والولاءات الطائفية يخدم حساباتها الجيوسياسية أكثر من وجود دول مستقرة ومتماسكة. والمجتمع فقد طاقته التغييرية، فالشعب منهك، ومفكك، ويعيش في حالة صدمة مستمرة. والاقتصاد لا يولد بدائل، لأن اقتصاد الندبة لا ينتج طبقة وسطى، ولا ينتج مشاريع تنموية، ولا يخلق طموحات للتغيير.
إذن، فالثمن الوجودي للالتواء باهظ: فهو يُنتج زمناً دائرياً كابوسياً، وذاكرةً منشطرة، وإنساناً مهزوماً ومشوهاً ومنقسماً على نفسه. وقد يبدو المشهد ميؤوساً منه. لكنَّ إدراك حقيقة الالتواء – بوصفه استراتيجية بقاء وليس شكلاً طبيعياً – هو في ذاته خطوةٌ مقاوِمة. فهو يمنعنا من التطبيع النهائي مع التشوه، ويحفظ، تحت رماد المرونة السلبية، شرارةً من الرفض. رفضٌ ليس بالضرورة للواقع بذاته، بل لقبول هذا الواقع المشوَّه بوصفه مصيراً أبدياً.
العيش من الندوب
ربما مهمتنا اليوم ليست البحث عن “الحل” النهائي، بل تعلم فن العيش مع الندوب. هذا لا يعني الرضا بالوضع، بل يعني الاعتراف بأن الجرح عميق جداً، وأن الندبة ستظل معنا طويلاً، وأن علينا أن نتعلم كيف نحيا حياة ذات معنى رغم الندبة، أو ربما أحياناً من خلال الندبة ذاتها. فالندبة ليست مجرد علامة على الألم، بل هي أيضاً: شهادة على البقاء (إننا لم نمُت)، وذاكرة جسدية (لا يمكن نسيانها أو تزويرها بسهولة)، وأرضية للهوية الجديدة (نحن أناس يحملون ندوباً، وهذه الندوب جزء من كوننا مشرقيين أو نعيش في الشرق اليوم).
يجب ألا ننسى هنا فجوة فارقة: فـ “الالتواء” عند فاتيمو أو بنيامين هو مفهومٌ تأويليٌّ للتاريخ والثقافة في عصر ما بعد الحداثة. أما في المشرق، فقد تحوّل هذا المفهوم المجرّد إلى “بيولوجيا سياسية قاسية”. لم نعد نحمل تاريخنا كندبة في الذاكرة الجمعية فحسب، بل كأنقاض مادية تحت أقدامنا، وتشوّهات في أجسادنا، وخرائط طائفية محفورة في جغرافيا أحيائنا وقلوبنا.
ربما من هذا الالتواء الدائم، من هذا التعايش مع الجرح المفتوح، قد تولد “إنسانية جديدة”: إنسانية متواضعة، تعرف هشاشة الحياة، وتعرف ثمن السلام، وتعرف أن الوطن ليس مجرد أرض، بل هو الذاكرة المشتركة للألم والأمل، حتى وإن كانت الذاكرة ملتوية، والأمل مشوهاً.
نحن لم نتجاوز، بل التوينا. ولكن ربما في هذا الالتواء ذاته، في قبولنا أننا شعب يحمل ندوباً عميقة، ونحن في هذا كله، “لا نبدأ من الصفر أبداً”. ربما هنا نبدأ رحلة مختلفة: رحلة “التعافي البطيء”، الذي لا يعدنا بالعودة إلى ما كنا عليه، بل بالعثور على شكل جديد للوجود، يكون الندب جزءاً من جماله المكسور.





