محمد سيد رصاص
في يوم 5 تموز/يوليو2017 نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريراً عن جلسة استماع في الكونغرس الأميركي، تحدث فيها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون عن أوضاع إيران ما بعد خامنئي، في حال وفاة القائد الإيراني المتقدم في السن (مواليد 1939). التقرير المعنون “إنه الوقت للتحضير لملاقاة انهيار سياسي إيراني” يبني فرضية أنه من الممكن أن “تعجل عملية انتقال السلطة في إحداث عملية انهيار كامل النظام السياسي”. يتحدث التقرير عن أن هناك اتجاهاً في واشنطن لتفادي تكرار ما جرى في 5 آذار/مارس 1953 عندما دعا الرئيس دوايت أيزنهاور عقب وفاة جوزيف ستالين إلى اجتماع لأركان الإدارة الأميركية، من أجل البناء على الدراسات الحكومية لاستغلال أزمة خلافة الزعيم السوفياتي (مواليد1879) في الكرملين، حيث اكتشف أيزنهاور بأنه “لا خطة هناك” رغم أن هناك أمراً حكومياً أميركياً بالاستعداد لذلك منذ عام 1946.
هنا، لم تؤدِّ عملية انتقال السلطة في موسكو ما بعد ستالين إلى انهيار السلطة رغم الصراعات بين الجناح الإصلاحي بقيادة الأمين الأول للحزب الشيوعي السوفياتي نيكيتا خروتشوف والجناح المحافظ الستاليني (بيريا “رئيس المخابرات الذي أعدم في كانون الأول 1953″، ومالينكوف رئيس الوزراء، ومولوتوف وزير الخارجية). ورغم الاضطرابات التي جرت في بولونيا والمجر عام 1956، تم إبعاد مالينكوف ومولوتوف عن المكتب السياسي للحزب في تموز/يوليو1957 بعد تجريدهما من مناصبهما الحكومية في شباط /فبراير 1955، وهو ما سهّل بينهما على خروتشوف عملية نقد الستالينية أثناء المؤتمر العشرين للحزب في شباط /فبراير 1956. لم يكن ممكناً انهيار النظام السوفياتي رغم اضطرابات الكرملين واضطرابات الحديقة الخلفية بسبب الاقتصاد القوي والمكاسب في السياسة الخارجية (التحالف السوفياتي الصيني منذ انتصار الشيوعيين في بكين عام 1949 – انتصار الشيوعيين في فييتنام على الفرنسيين عام 1954 – اتجاه عبد الناصر شرقاً نحو موسكو وتخليه عن الغرب منذ صفقة الأسلحة التشيكية في سبتمبر 1955). تمت إقالة خروتشوف من قبل بقايا الستالينيين بزعامة الثلاثي (بريجنيف – كوسيغين – بودغورني) في تشرين الأول /أكتوبر 1964، بعد أن عانى الزعيم السوفياتي من التراجع أمام واشنطن قبلها بسنتين، عندما أُجبر من الرئيس جون كينيدي على سحب الصواريخ النووية السوفياتية من كوبا. زاد من استفحال سوء وضع خروتشوف انهيار التحالف السوفياتي – الصيني في حزيران /يونيو 1960 والهجوم الأميركي على الشيوعيين الفييتناميين بالشمال عقب حادثة خليج تونكين في آب /أغسطس 1964 مما أدى إلى بدء الحرب الفييتنامية.
في هذا الإطار، كانت تجربة ليونيد بريجنيف شبيهة بتجربة علي خامنئي منذ توليه السلطة في طهران عقب وفاة الخميني بيوم 4 حزيران /يونيو 1989: اقتصاد سوفياتي قوي (75% حجم الصناعة السوفياتية بالقياس للأميركية عام 1970) مما أتاح المجال للتشدّد الداخلي بعيداً عن الإصلاحات الخروتشوفية في مجال الحرية الفردية. كما أن التعثر الأميركي في الحرب الفييتنامية قد أتاح المجال للكرملين للتشدد مع الاضطراب التشيكوسلوفاكي صيف عام 1968 عندما أطاحت الدبابات السوفياتية بالزعيم الشيوعي الإصلاحي في براغ ألكسندر دوبتشيك. كان تعثر واشنطن في فييتنام هو مفتاح المرونة الأميركية مع السوفيات مما أتاح المجال لاتفاقية (سالت 1) عام 1972 لتحديد الأسلحة الاستراتيجية بين البيت الأبيض والكرملين، الأمر الذي عُدّ الانتصار الرئيسي لليونيد بريجنيف. ترافق الانسحاب الأميركي من فييتنام عقب اتفاقية باريس عام 1973 مع فضيحة ووترغيت في واشنطن ومع تراجع الدولار، مما أتاح المجال لانتصارات حلفاء الكرملين عام 1975 في فييتنام وفي أنغولا 1976 وإثيوبيا 1977 وأفغانستان 1978 ونيكاراغوا 1979، فيما تلقى الأميركان ضربة كبرى في طهران 11 شباط/ فبراير 1979 مع سقوط نظام الشاه. قدم الرئيس الأميركي جيمي كارتر لبريجنيف في اتفاقية (سالت 2) في فيينا يوم 18 حزيران/ يونيو 1979 تنازلات كبرى في مجال الأسلحة الاستراتيجية، وعلى الأرجح كانت قراءة بريجنيف للضعف الأميركي هي التي دفعته بيوم 27 كانون الأول/ ديسمبر 1979 إلى غزو أفغانستان، كممر نحو الوصول للمياه الدافئة، رغم معارضة يوري أندروبوف رئيس الاستخبارات السوفياتية. كانت النجاحات السوفياتية في السياسة الخارجية أواخر السبعينيات مترافقة مع تكلّس بنية النظام السوفياتي، والانحسار المضطرد لقاعدته الاجتماعية الداخلية، ودخول الاقتصاد السوفياتي في مرحلة الضعف، وبدء الموجة اليمينية العالمية (البابا يوحنا بولس الثاني – الخميني – صعود قوة جماعة الإخوان المسلمين – مارغريت تاتش – رونالد ريغان)، وبدء انحسار مدّ اليسار الشيوعي الماركسي البادئ منذ أكتوبر1917. كان الرد على الاضطراب البولوني بقيادة نقابة التضامن عامي 1980-1981 أضعف من الرد على اضطراب “ربيع براغ” في تشيكوسلوفاكيا عام 1968.
في مرحلة ما بعد وفاة بريجنيف 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1982 كان الاقتصاد السوفياتي الضعيف وهشاشة القاعدة الاجتماعية الداخلية للحزب الشيوعي الحاكم هما العاملان الحاسمان في سيرورة انهيار النظام السوفياتي، أولاً على الصعيد العالمي في عام 1987 وإقليمياً عام 1989 وكبنية داخلية عام 1991، وذلك بعد أن أدت مبادرة الرئيس الأميركي ريغان في آذار/ مارس 1983 عن (حرب النجوم) إلى انتفاء أساس قاعدة الحرب الباردة، أي التعادل النووي بين العملاقين، وقد كانت بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف عام 1985 تعبيراً عن استسلام سوفياتي، بعد أن كان الاقتصاد السوفياتي عاجزاً عن الدخول في سباق أسلحة حرب النجوم. وعملياً استسلم غورباتشوف في قمة واشنطن مع ريغان (ديسمبر 1987) بعد أن فشلت مبادرته بمبادلة سحب صوايخ (إس إس) السوفياتية الاستراتيجية الموجهة للعواصم الغربية مقابل سحب مشروع (حرب النجوم) . وبعد قمة واشنطن التي عَنَت استقالة سوفياتية من وضعية الدولة العظمى، وهو ما تُرجم بالانسحاب من أفغانستان أوائل عام 1989، رأينا كيف فقدت موسكو نفوذها الإقليمي في شرق ووسط أوروبا، مع انهيار النظم في البلدان المنضوية في حلف وارسو عبر ثورات داخلية في خريف 1989، ثم كان تفكك الداخل السوفياتي في عام 1991 وذلك بعد فقدان النفوذ العالمي والإقليمي للكرملين.
خامنئي يشبه بريجنيف، حيث أتى للسلطة بعد هزيمة عسكرية أمام بغداد شبيهة بهزيمة خروتشوف في كوبا، وقد أتاح له الاقتصاد الإيراني القوي في التسعينيات المجال للتشدد الداخلي وإفشال الحركة الإصلاحية للرئيس محمد خاتمي 1997 -2005، كما أن نجاحات السياسة الخارجية الإيرانية التي أتت إثر الإسقاط الأميركي لصدام حسين عام 2003 قد جعلت إيران هي “القوة الإقليمية الكبرى”، وفق تصريح محمد علي الجعفري قائد الحرس الثوري الإيراني. هذه النجاحات في السياسة الخارجية هي التي أتاحت المجال لخامنئي لكي يقضي على (الثورة الخضراء) في حزيران/ يونيو 2009، التي أظهرت ضعف القاعدة الاجتماعية للسلطة في طهران، وخاصة مع ترافقها مع بدء محادثات سرية بالشهر السابق بمدينة مسقط لعقد اتفاق أميركي – إيراني حول الملف النووي الإيراني. وقد كان باراك أوباما مثل جيمي كارتر الذي أراد تهدئة الشهوة التوسعية لبريجنيف وتقييدها عبر تنازلات في مجال الأسلحة الاستراتيجية ولكنه أدى بفعله للعكس.
يشبه دونالد ترامب في تركيزه على طهران بفترته الأولى في البيت الأبيض 2017-2021 والثانية منذ 2025 ما كانه رونالد ريغان تجاه موسكو بين عامي 1981و 1989. برأي ترامب المتشدد في فترته الأولى مع طهران أن نجاحات السياسة الخارجية، التي يعاكسها اقتصاد داخلي ضعيف وقاعدة اجتماعية ضعيفة للنظام الحاكم الإيراني، هي وصفة تدل على انهيار كامن يمكن تحويله إلى انهيار فعلي عبر ضغط خارجي عسكري أو اقتصادي، وهو ما دفعه للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي عقده أوباما مع خامنئي، وإلى فرض عقوبات اقتصادية قصوى على إيران في عام 2018، حيث كل من زار إيران يلاحظ أن الشباب الإيراني هو أقل الشباب في الشرق الأوسط تديناً، كما أن مظاهرات 2009 والانتخابات التي سبقتها قد أظهرت أن المدن الكبرى (طهران – أصفهان – شيراز – مشهد – تبريز) قد صوتت لصالح حسين موسوي ضد أحمدي نجاد، وأن الطبقات والفئات الغنية والوسطى، والمدينية المتعلمة، هي في الضفة الأخرى لسلطة علي خامنئي، من دون ذكر التركيبة القومية الإيرانية القابلة للتفجر: (فرس 51 %، آذريون 24 %، كرد 7 %، عرب 3 %… إلخ)، روزنامة العالم، نيويورك 2010، ص 791.
في مظاهرات خريف 2022، ومن ثم مظاهرات أوائل عام 2026، والأخيرة مترافقة مع تراجع النفوذ الإيراني الإقليمي بعد حربي غزة 2023-2025 ولبنان خريف 2024 ومعهما سقوط نظام بشار الأسد، هناك وضعية معاكسة لعام 2009، عندما قمع خامنئي الثورة الخضراء وكان في حالة من القوة الإقليمية الكبيرة وفي بداية التفاوض النووي مع أوباما، حيث تشهد إيران حالياً تراجعاً كبيراً في قوتها الإقليمية، ووضعها الاقتصادي بالغ الضعف، ويمكن القول إن تقرير الاستخبارات الأميركية بالشهر الأول لعام 2026 عن “أن السلطة الإيرانية هي في أضعف حالاتها منذ عام 1979” هو مطابق للواقع، ولكن من الواضح أن المظاهرات الداخلية ليست بزخم كافٍ لإسقاط النظام كما حصل عام 1979 عندما أسقطت الثورة الإيرانية نظام الشاه.
وهنا يمكن القول بأن الضغط الاقتصادي والعسكري الذي يمارسه ترامب الآن على خامنئي هدفه الدفع نحو تنازلات إيرانية كبرى في المجالات الثلاثة التي يصرح الأميركان عنها ويريدونها: (تنازلات في البرنامجين النووي والصاروخي وفي السياسة الإقليمية الإيرانية)، وهم كما يبدو، وفق تصريحاتهم، لا يريدون إسقاط النظام الإيراني – والأميركان هنا يختلفون مع الإسرائيليين – بل دفع طهران خامنئي وما بعد خامنئي إلى توليد غورباتشوف إيراني، كنتيجة لتلك التنازلات الآتية بعد تغيير التوازن الإقليمي لغير صالح إيران في شرق أوسط ما بعد 7 أكتوبر 2023. وإن لم يقرأ خامنئي ونظامه ميزان القوى الجديد ويتنازل، يبقى رهان ترامب في أن الضربة العسكرية والخنق الاقتصادي سيولدان قائداً أو قادة إيرانيين من التركيبة الحاكمة الحالية، سيقدمون التنازلات المطلوبة بعد قراءتهم للوقائع الجديدة ما بعد تلك الضربة المتزامنة مع الخنق الاقتصادي، كما قادت موسكو بريجنيف وما بعد بريجنيف إلى توليد غورباتشوف سوفياتي.
على الأرجح أن طهران خامنئي الآن في عام 2026 هي مثل موسكو بريجنيف عام 1980، لما نزلت هذه النبوءة عن المصير السوفياتي عبر الكلام التالي الذي نشر في مجلة “الإيكونوميست” بتاريخ 27 كانون الأول/ ديسمبر 1980، الصفحة 15: “لو أن التطورات استمرت على زخمها الاجتماعي والاقتصادي الراهن، مما يجب أن يرصد من قبل أي جهاز يملك ذكاءً كافياً لكي يصاب بالفزع، فإن مجمل النظام السوفياتي المتعفن يمكن أن يواجه ثورة على طراز عام 1789 قبل عام 1989”.





