شورش درويش
من بين ما تؤسّس له انهيارات الدول متعدّدة القوميات، أو الدول التي تدخل في دورات حروب أهلية أو نزاعات مسلّحة ووصول سلطات فئوية (قومية أو دينية) إلى الحكم، هو انتعاش الكلام عن حق تقرير المصير للجماعات الثقافية والإثنية والشعوب.
ولعلّ جزءاً من هذا الانتعاش تشهده سوريا من خلال الحديث عن هذا “الحق” داخل الأوساط الدرزية والعَلويّة، وبعض الأوساط الكردية، وبمعزل عن جدّية الطرح أو وجود إجماع داخلي لدى هذه الجماعات فيما خص الذهاب للمناداة بأحقية تقرير المصير، فإن النقاش السوريّ الغاضب يحجب أهمية هذا المبدأ الراسخ في الأدبيات السياسية الذي نما قبل قليل من الحرب العالمية الأولى وانتشر في أعقابها؛ فبعد أن كان هذا الشعار، الذي أطلقه الرئيس الأميركي ودروو ويلسون وقبله الزعيم الشيوعي فلاديمير لينين في مقالته الشهيرة “حق الأمم في تقرير المصير (فبراير – مايو 1914)”، ملهماً للشعوب الخارجة من حطام الأمبراطوريات المهزومة، بات الحديث عن حق تقرير المصير نذير شؤم للدول الخارجة من تفكك تلك الأمبراطوريات، وغدت إلى ذلك الحدود الدولتية التي رسمها الاستعمار الأوروبي موضع تقديس وانهجاسٍ جديد بما سيسمّى “الوحدة الترابية” للدول التي تضمّ أخلاطاً إثنية وطائفية.
لينين والاشتباكات زمن الأممية الثانية
وفّرت الأممية الثانية (1889- 1916) منصّة جدل عميق حول مناقشة المسألة القومية، ومن ضمن ذلك حق الأمم في تقرير مصيرها، فبرزت إلى سطح الخلافات بين ثلاثة اتجاهات متباينة، مثّلت أحدها روزا لوكسبمورغ الراديكالية الممثّلة للنزعة الأممية، وثانيها لينين المؤيّد المطلق والمدافع الأوضح عن حق الأمم في تقرير مصيرها، وثالثها تمثّل بنظرية أوتو باور ومشروعه الملتبس المسمّى “الحكم الذاتي الثقافي” وهو أقرب إلى توليفة وسطية بين الاتجاهين.
في مقاله الشهير (حق الأمم في تقرير مصيرها 1914) ذهب لينين إلى أقصى ما يمكن بلوغه، فحق تقرير المصير يعني بوضوح “الانفصال السياسي وتشكيل دول قومية مستقلّة”. دعّم لينين موقفه بالبراهين والأمثلة وبالاتكاء على مقالات كاوتسكي وبليخانوف وغيرهما، فيما الأهم هو اعتماده على قراءة مواقف ماركس من مسألة فصل إيرلندا عن إنكلترا ذلك أن “الأمّة التي تضطهد أمة أخرى تشكّل سلاسلها المقيّدة”. وفّر ماركس بذلك المادّة الخام التي صنع منها لينين تفكيره الحر والراديكالي، وهو، بطبيعة الحال، الموقف الذي سيكرّره في مقاله ويتوسّع إلى ذلك في الردود والانتقادات اللاذعة التي لا تخلو من التقريع والسخرية من موقف روزا لوكسبورغ واتجاهها المفرط في الأممية على حساب حقوق الشعوب. وإذا كانت روزا قد عزّزت منطقها الرافض لتقرير المصير لأنه سيؤدّي إلى “التعصب القومي البرجوازي” فإن لينين الحصيف لم تفته هذه التحذيرات حين ربط المسألة برمّتها، وبصورة قاطعة، برفض التعصّب القوميّ: ” لا يمكن السير نحو هذا الهدف (تقرير المصير) بدون محاربة نزعات التعصّب القومي على اختلافها”.
بالنسبة للينين يمثّل حق تقرير المصير ورقة عبّاد الشمس التي تكشف تفكير كلّ الرفاق الشيوعيين، مستلهماً في ذلك، إحدى مقولات ماركس الساخرة، إذ كان من عادة ماركس أن “[يفحص أسنان] معارفه من الاشتراكيين، لكي يتأكد من درجة وعيهم وصلابة عقيدتهم”، وبهذا المعنى جهد لينين إلى فحص أكثر من فمٍ اشتراكي خلال الأممية الثانية.
لم يفُت لينين انتقاد التحفّظ والوسطية عند الثنائي أوتو باور وكارل رينر النمساويين اللذين حاولا عبر منطقهم القائل “بالاستقلال الذاتي القومي – الثقافي” الحؤول دون تفكك الإمبراطورية النمساوية – المجرية، وكان مبدأهما ينطلق من قاعدة “تشجيع الوحدة الأممية ضمن التنوّع الوطني”.
في عام 2017 أطلقت مجموعة روسية مسوّدة لدستور سوري، ووزع الوفد الروسي نسخاً منها على المشاركين خلال مفاوضات أستانا. قوبلت المسوّدة برفض النظام والمعارضة على حدّ سواء. آنذاك قال دبلوماسيون روس أن مسوّدة الدستور ما هي سوى اجتهاد من خبراء روس، وجرى وقف أيّ نقاش فيما خصّ تلك المسودة كي لا تثير عواصف معارضة ضد روسيا؛ أما اللافت في ذلك المشروع الروسي فقد كان المادّة الرابعة التي تحدّثت عن الحكم الذاتيّ الثقافيّ، بشكلٍ يتماثل مع رؤية أوتور باور المشار إليها أعلاه، أيّ أن النصّ الروسي استلهم من نقاشات الأممية الثانية ما رآه كتبة المسوّدة ملائماً للحالة السورية وحلّاً أوّلياً للقضية الكردية. فقد جاء في مورد تلك المادّة (الفقرة 2) “تستخدم أجهزة الحكم الذاتي الثقافي الكردي ومنظّماته اللغتين العربيّة والكردية كلغتين متساويتين”، هذا علاوة على المادّة الثانية (الفقرة 2) التي تحدثت عن “الشعب السوري المتعدِّد القوميات والطوائف” وباعتبارهم هنا الشعب فهم بالتالي “المصدر الوحيد لسلطة الدولة”.
أيّاً يكن مصدر الاجتهاد الروسي الواعد، فإن النقاش في حق تقرير المصير والحكم الذاتي كان بمثابة الأرض المدنّسة التي رفضت المعارضة والسلطة السير عليها، وذلك تحت وطأة العقلية المركزيّة والانهجاس بالوحدة الترابية بصورة مرضيّة، إضافةً إلى العامل الإقليمي الرافض لارتقاء السوريين في نقاشاتهم الوطنية فيما خصّ اللامركزية والحكم الذاتي. إن رفض الطرفين الخوض في مسألة اللامركزية آنذاك، حتى بالدرجة المخفّفة التي تطرّق إليها المشروع الروسي، عنى أن زمن المشكلات الداخلية المزمنة لن ينتهي بفوز نظام الأسد أو انهياره.
تقرير المصير الغامض عند ويلسون
برز اسم الرئيس الأميركي وودرو ويلسون خلال إعلانه في خطابه أمام الكونغرس في 8 يناير/كانون الثاني 1918، عن نظرة بلاده لعالم ما بعد الحرب العالمية الأولى والتي عرفت بمبادئ ويلسون الأربعة عشر. اصطحب ويلسون معه رؤيته تلك إلى مؤتمر السلام بباريس 19 يناير/كانون الثاني 1919. غير أن مبدأ ويلسون القاضي بحق الشعوب في تقرير مصيرها بدا غامضاً إلى درجة أن الدبلوماسي والكاتب الأميركي ريتشارد هولبروك الذي أشاد بالمبادئ الويلسونية الرائدة أعاب عليها درجة غموضها. وفي مؤلّفها المميز (كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب) تذهب إليزابيث ف. تومبسون إلى أن الأصل في تعبير ويلسون حول تقرير المصير إنما جاء في سياق “حق الشعب في أن يكون له صوت في العملية السياسية، وليس الحق في الانفصال أو إعلان الاستقلال من جانب واحد”. بيد أن معجبي ويلسون، لا سيما في أوروبا، كان لهم فهمهم الخاص لهذه المسألة، وقد أعابت تومبسون على ويلسون عدم قيامه “بتصحيح ذلك الفهم” وبالتالي تركه مفتوحاً على الترجيحات والاحتمالات المتباينة.
الواضح في رؤية ويلسون، رغم كثرة الالتباسات والغموض التي أثارتها، هو تأييده لفكرة أن يكون للشعوب الخارجة من إهاب الأمبراطوريات المهزومة صوتها ضمن العملية السياسية اللاحقة لتفكّك تلك الأمبراطوريات. وقد بدا “السوريون” بعد انهيار الأمبراطورية العثمانية بقيادة الشريف فيصل بن الحسين سبّاقين في تلقّف تلك المبادئ ودعوتهم إلى حق تقرير مصيرهم لئلّا يعودوا إلى حكم العثمانيين مجدّداً، وليقفوا كذلك في مواجهة الأطماع الاستعمارية الأوروبية.
والحال أن التأسيس الأوّل لسوريا جاء مبنياً على مبدأ الحق في تقرير المصير بما يعنيه من انفصال عن الدولة العثمانية، ثم الاستقلال السياسي القومي في مواجهة القوى الانتدابية الغربية، فيما تعيش سوريا في وقتنا الراهن، بعد أكثر من مئة عام على المناداة بتقرير المصير، موجاتٍ مصغّرة ومحلّية من الدعوة لهذا الحق على ما تحمله من مساحاتٍ غامضة تدعو إلى الانفصال أو الحكم الذاتي، ففي حالة الانفصال/الاستقلال يمكن الحديث عن العودة إلى المفهوم اللينيني الراديكالي الذي يعني استحالة البقاء في دولة أحادية دينية وقومية وثقافية وربّما فئوية، فيما يعني الحكم الذاتي أو الفدرالية فتح المجال أمام المشاركة السياسية بالمعنى الويلسونيّ وإعادة صياغة العلاقة تالياً بين الجماعات والشعوب داخل الدولة الواحدة على أسس تعاقدية محدّدة وواضحة.
في العامل الذاتيّ/الداخلي
من وجهة نظر تاريخية، وراهنة كذلك، لا ينمو حق تقرير المصير من تلقاء نفسه فهو بحاجة على الدوام إلى حركة انهيار كبرى تطاول البنية القائمة لصالح بُنى جديدة ناهضة، كما لا يمكن فرض تقرير المصير وفق مشيئة خارجية سامية، على ما ذهب إليه مشروع هنري غورو مطلع استعمار سوريا وتقسيم حصّتها من بلاد الشام إلى أربع دويلات. هل يمكن هنا إعادة الاعتبار لمشروع غورو؟ مطلع تأسيس الكيان السوري لم يكن السوريون شعباً واحداً متمايزاً بقدر ما كانوا جماعات خارجة من انفجار الدولة العثمانية، ولا ينبغي بالتالي تحميل المشروع الفرنسي وزر ما كانت عليه البلاد العثمانية من تخلّف قانوني وإداريّ وسياسيّ واجتماعيّ، وعليه، كانت الرؤية الفرنسية واقفة أمام طريقين: فصل الجماعات العثمانية الطائفية والجهوية في سوريا الجديدة عن بعضها، أو الاجتهاد في اختراع أمّة مستحدثة. ولعلّ اختيارها الطريق الأوّل بدا واقعياً وفق القياسات الفرنسية لعالم ما بعد الأمبراطوريات المهزومة.
بكلمات أخرى، ينبغي في الحالة السورية التحقّق من الوصم التاريخي الملحق بالمبدأ الاستعماري “فرّق تسد” لسببين على الأقل: الأوّل، إن فرنسا كان يمكنها أن “تسود” سواء فرّقت الجماعات الأهلية (العلويين والسنة والدروز) وقسّمت خريطة سوريا إلى متروبولين متنافسين (حلب ودمشق)، أو قامت بتجميع كل السوريين ضمن إدارة واحدة، ففي كلا الحالتين كان يمكن لفرنسا حكم سوريا الضعيفة والمنهكة. فيما يمكن إرجاء السبب الثاني إلى فلسفة التجريب الفرنسية التي جهدت في ترجمة استحالة عيش شعوب العالم العثماني القديم تحت صيغة الدولة – الأمّة، فلم تمنح فرنسا السوريين فرصة اختبار تصوّراتهم عن دولتهم الجديدة وموقع الأقليات فيها، ولذلك لم تعش سوريا الفرنسية أو تجرّب مرحلة “التعايش الطوعي”. فالأصل في تقرير المصير أن ينبع من متخّيلات الجماعات لنفسها أوّلاً، وتجريبها لفكرة الوطن المشترك ضمن شروط الاعتراف بالخصوصية والتمثيل والمساواة، والأهم هو أن سياسات الجماعات الطائفية والإثنية تُبنى على ما تقرّره السياسات المركزيّة، أي أنها في نهاية المطاف تتوقّف على جدارة المركز في إدارة التنوّع وتنفيذ سياسات تقوم على العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
في الأحوال السورية الراهنة، ليس هناك من يستحضر لينين أو رفاقه على تعدّد مستويات وعيهم بحق تقرير المصير، كما لن نعثر على من يستحضر مبادئ ويلسون ومن آمن بأفكاره عن السلام وحرّية الشعوب لا سيما السوريين قبل قرنٍ من الآن، لكنّ الأكيد أن الجماعة التي تسيطر على الدولة في هذه الأثناء هي التي تغذّي الأفكار الأولية عن حق الجماعات في تقرير مصيرها، فتضع حواجز فصل حادّة بين الجماعات لصالح أكثرية دينية وعرقية متخيّلة، وهي بالتالي تقدّم النموذج الأسوأ لإدارة التنوّع لقيامه على أفكار الإخضاع والإذلال، والاستبعاد عن مدار تشكيل الدولة والمشاركة في صياغة هوّيتها العمومية. إن حق تقرير المصير في حالتنا هو ردّ فعل طبيعي على الأنانية المعرّفة بالنظام المركزيّ والغلوّ في تقدير الذات المسيطرة على الدولة وتحقير من لا ينتمي إلى الحقل الديني والإثني الذي حدّدته السلطة مسبقاً، ولأجل ذلك قد تحمل السنين المقبلة كل بذور نزاعٍ داخلي مديد بين من يدعو لتقرير المصير ومن يهتف لإخضاع السوري/الآخر للدولة المركزيّة عبر سياسات القمع والقهر والأمر الواقع.





