شورش درويش
بين وقتٍ وآخر تصدر عن مسؤولين أتراك تصريحات تدعو إلى تسريع تنفيذ اتفاقية 10 آذار/مارس الموقّعة بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وسلطة دمشق، فيما يعني التسريع والتنفيذ وفق المخيال الرسمي التركي، نزع الطابع المؤسسي والوطني لقسد والانضمام تالياً كأفراد للجيش “العربي” السوري. ومن الطبيعي أن هذه الرؤية التركية تعني أمراً واحداً وهو حلّ قسد لا دمجها وفق ما تحمله كلمة دمج من معانٍ واضحة. ولعلّ هذا المطلب التركيّ تجاوزته كل من قسد ودمشق اللتين اتفقتا مطلع أكتوبر الماضي على تصوّرات أوّلية للدمج بمباركة أميركية. ومفاد تلك التصوّرات، تحوّل قسد إلى مجموعة فرق وألوية عسكرية بصورة تعزّز من خلالها هيكلية وزارة الدفاع الهشّة، التي باتت تثير ريبة واشنطن بعد الخرق الكبير داخل قطاعها الأمني الذي تكشّف إثر هجوم تدمر ومقتل جنود أميركيين.
في الأيام القليلة الماضية خرج وزير الدفاع التركي يشار غولر، ليستكمل مهمّة وزير الخارجية هاكان فيدان، في التلويح بخيارات وسيناريوهات فُهم منها أنها تسعى إلى الضغط على قسد من خلال الإبقاء على الخيار العسكري قائماً، ولعل فتح فصائل تابعة لسلطة دمشق المواجهات في الشيخ مقصود مساء الاثنين انعكاس لأدوات الضغط التركية في جانب منه. رغم ذلك، تبدو حدّة الغضب التركي مفتعلة وقليلة الأثر بالنظر إلى مسار متعرّج وصعب تخوضه تركيا منذ شباط/فبراير الماضي، مع إعلان مؤسّس العمال الكردستاني عبدالله أوجلان إنهاء مسيرة الكفاح المسلّح والذهاب إلى الخيار السياسيّ عوضاً عن رحلة الصراع المسلّح الدائري والمكرّر. وبالتالي فإن ما يجري داخلياً يمثّل كسراً لحلقة النزاع المسلّح لصالح النضال الديمقراطي والمدني والشعبي. وتشهد تركيا منذ ذلك الحين عملية سلام نشطة توارب تركيا في إطلاق مسمّيات أخرى عليها. ورغم أن شروط السلام الصعب تتطلّب مقداراً من ضبط النفس لئلّا تنتكس جهود السلام، فإن تركيا تجد في التصريحات متنفّساً لصالح امتصاص احتقان الاتجاهات الفاشية والشوفينية الرافضة للتسوية وتصويب العلاقة الجدلية بين الكرد والأتراك.
داخل هذا الجوّ المشحون بالتوجّس المتبادل، أدلى وزير الدفاع التركي يشار غولر خلال الأيام القليلة الماضية بتصريحات صحفيّة مغالية تجاه قسد، مطالباً إياها بالانضمام للجيش على شكل أفراد وتسريع عملية الدمج، رغم عدم وجود مؤسسات أمنية وعسكرية راسخة أو واضحة المعالم في سوريا. دعوة غولر تعني في بابٍ ما ذهاب قسد ومن خلفها مناطق شمال شرق سوريا بخطى مسرعة نحو الهاوية والفوضى وتجدّد الحرب الأهلية، خاصّة أن المبدأ الذي طرحه في المؤتمر الصحفي يوم “دولة واحدة وجيش واحد” لا ينطبق على بلد متصدّع تتناهبه فصائل لم تتحوّل إلى جيش بعد، وهو ما يعني أن الأولوية ينبغي أن تنصبّ على تشكّل دولة واحدة وفق تعاقد جديد تحتل فيه مسألة بناء جيش وطني، فوق فئوي أو فصائلي، أولوية قصوى.
ظاهرياً، تبدو وزارتا الدفاع والخارجية متحفّظتين على مسار السلام السوري، وتبديان الكثير من التطرّف والاستفزاز الخطابي والسعي لتعطيل اتفاقية آذار وإثارة المخاوف من الارتدادات المحتملة على مسار السلام الداخلي التركي. تشمير المؤسسة العسكرية عن ساعديها يحيلنا إلى ما جرى في التاريخ التركي القريب، تحديداً الفترة بين الأعوام 2007 – 2008، إذ جهدت وزارة الدفاع إلى تحطيم كل أمل للوصول إلى تفاوض حرّ ومشرّف مع حزب العمال الكردستاني، وذهبت باتجاه اختبار خيار الحرب بثقة مفرطة. كان يبدو أن خيار الثنائي رئيس الوزراء أردوغان والرئيس عبدالله غُل وقتذاك أقلّ ميلاً للخيارات العسكرية المكلفة متحسبةً إمكانية فشل الجنرالات في اجتراح معجزة إلحاق هزيمة مبرمة بالكردستاني. ضحّى الجنرالات بمكانتهم المثيرة لمتاعب الحكومات التركية، وتعرّضوا لهزيمة كبرى في منطقة زاب بكردستان الجنوبية، وربّما هي التي غيّرت معادلة ثقل المؤسسة العسكرية العقائدية داخل تركيبة الدولة، وبالتالي عدّلت تلك الحرب كفّة الميزان الداخلي، حيث اضطرّ معسكر الرافضين لعملية السلام عبر التفاوض إلى التسليم بحقيقة أن المسألة لا يمكن أن تبقى أمنية وعسكرية، ويمكن إدارتها بالسياسة والتفاوض عبر شبكات من الوسطاء الكرد والغربيين.
آنذاك، بدا وزير الدفاع يشار بويوكانت مندفعاً للحرب، غير أن ما حصل خالف كل تفاؤل بإحراز تقدّم على المسار العسكري؛ فعلى وقع الهزيمة، وبعد مرور حوالي شهر عليها، توجّه الرئيس العراقي جلال طالباني إلى أنقرة، والتقى بأردوغان وغُل ورئيس جهاز المخابرات إيمري تانر، وإثر انتهاء اللقاء الرسمي بقي أردوغان وغل بمفردهما معه في الداخل. وبعد أن أغلقا الباب سألاه: “ماذا حدث في زاب؟ ما هو وضع حزب العمال الكردستاني؟”. شرح طالباني لهم الوضع الميدانيّ، لكنه علّق بعد عودته إلى السليمانية قائلاً: “ما رأيته هو التالي: هزيمة الجيش التركي في زاب جعلت من غل وأردوغان سعيدين. كانت عيونهما تضحك!”. من خلال الركون إلى شهادة الرئيس العراقي الراحل، يمكن استنتاج صورة الانقسامات الحادّة والمزمنة داخل المؤسسات التركية فيما خصّ الموقف من ملف السلام، حيث إن هزيمة اتجاه داخل الدولة حينها كان يعني بالضرورة انتصار اتجاهٍ آخر، والحال أن ما جرى لم يكن لعبة تبادل أدوار، بل تنافساً على من يملك القرار؛ فهل تشهد تركيا في وقتنا الراهن انقساماً فيما خصّ معالجتها لملف قسد أم أن المسألة برمّتها لا تتعدّى كونها لعبة تبادل أدوار؟
من وجهة نظر حذرة، يمكن وضع التصريحات التركية المتشدّدة تجاه قسد بأنها إشارات إلى احتمالين: الأول، حدوث انقسام وتصدّع داخل بيت السلطة على ما حصل في أعوام 1993 و2005 و2007- 2008 و2013- 2014 وانتهى إلى هزيمة التيار المعتدل في الدولة والحكومة لصالح القوى “التجريبية” التي رأت بأن هزيمة المقاتلين الكرد ممكنة وفق تهويمات سياسية استمدّت قوّتها من الظرف الإقليمي والدولي. فيما يقوم الاحتمال الثاني على أن ما يجري من تصريحات متشدّدة وأخرى دافعة للتفاهم مع قسد يأتي في سياق لعبة تبادل الأدوار لدفع قسد لتقديم تنازلات أكبر. لكن في الحالتين، ثمّة قاسم مشترك يشير إلى وجود عطب داخل “الدولتين” العميقة والظاهرة، ومردّه الرغبة في “التجريب” وعدم اعتبار السلام بين تركيا والعالم الكردي مسألة استراتيجة تنتقل تركيا بموجبها إلى عصر الجمهورية الثانية القائمة على المساواة والاعتراف.
يبقى أن التهديدات التركية باللجوء إلى “سيناريوهات” أخرى للتعامل مع قسد، في إشارة إلى الخيار العسكري، تبدو غير مقنعة بالنظر إلى تموضع ودوران السياسة السورية حول القرار الأميركي، وتبدو بذلك وسيلة لإعادة هندسة اتفاقية آذار وفق رؤية قومية تركية لم تعد تهمّ الولايات المتحدة ودول المنطقة. وفي الأثناء، تشدّد واشنطن على المضي في تطبيق الاتفاقية غير آبهة بتصورات الأتراك حول آلية الدمج، ذلك أن طريق الاستقرار في سوريا وفق المنظور الأميركي يمرّ بتموضع قسد في قلب المنظومة الدفاعية السورية، إذ لا تزال قسد تشكّل الرافعة الصلبة في مسار محاربة تنظيم داعش على ما كشفته حادثة هجوم تدمر المربكة لكل من تصوّر أن زمن الاعتماد على قسد شارف على الانتهاء.
أصبح من البديهي القول إن أيّ قرار عسكري تركي متهوّر لن يعني إغضاب واشنطن فحسب، بل سيعني تحطيم عملية السلام الكردية التركية برمّتها. والغالب على الظنّ، إن التهديدات التركية تأتي وفق تصوّر تركي استباقي يقوم على فكرة أن تقدّم حلّ القضية الكردية في سوريا سيرتدّ حتماً إلى داخل تركيا، ولأجل ذلك تحاول أنقرة التخفيف من نتائج “الحلول العادلة” لهذه القضية في سوريا، حتى لا تنتقل إليها عدوى تلك الحلول العادلة.





