تعليق: حسين جمو
واحدة من أكثر الأخبار والمواد السياسية قراءة، في الشرق الأوسط على وجه التحديد، هي تلك التي تتحدث عن أفول الهيمنة الأميركية وتقدم محاور وتكتلات حضارية واقتصادية جديدة، تارة بقيادة الصين، وتارة أخرى بقيادة مجموعات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للأمن.
على الجانب الآخر، منذ بدايات القرن العشرين، شغلت فكرة «انهيار الحضارة الغربية» عقول كبار المفكرين والمؤرخين والفلاسفة، وتحوّلت إلى محور مركزي في النقاشات الفكرية والسياسية. وقد تباينت الرؤى في تفسير هذا الانهيار بين من رآه قدراً تاريخياً حتمياً، ومن اعتبره مساراً يمكن وقفه أو عكسه إذا ما استعاد الغرب مقوماته الحضارية. ففي عمله الكلاسيكي «أفول الغرب» رأى أوسفالد شبنغلر أن الحضارات تمر بدورة حياة طبيعية تنتهي بالشيخوخة والموت، وأن الغرب دخل فعلاً مرحلة الانحطاط الروحي والسياسي التي لا رجعة فيها. وقبل ذلك بكثير، في العام 1789، وجه المؤرخ إدوارد غيبون، في كتابه «تاريخ تدهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية»، الأنظار إلى العوامل الداخلية مثل الفساد والانقسام والتراخي، معتبراً أن الإمبراطوريات تسقط من الداخل قبل أن يهزمها الخارج.
وفي ستينيات القرن العشرين، حذّر المفكر الأميركي جيمس بورنهام في كتابه «انتحار الغرب» من أن الليبرالية المفرطة أفقدت الغرب إرادة الدفاع عن ذاته، بينما قدّم صامويل هنتنغتون في «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي» رؤية مختلفة، معتبراً أن التهديد الأكبر للغرب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة يأتي من حضارات منافسة، وأن التراجع الداخلي يسهّل اختراقه من الخارج.
وفي السنوات الأخيرة، عاد هذا النقاش بزخم جديد وانقسامي كما لم يكن من قبل. فمعظم توصيفات الانحدار والتدهور الحضاري قادمة من أكاديميات يسارية ليبرالية (إذا صح التوصيف)، وهؤلاء يقسمون العالم إلى أثينا وإسبرطة، ويرون أن المحافظين واليمين ممثلون عن نموذج إسبرطة العسكري مقابل أفول الروح الأثينية التي يعتقد الليبراليون أنهم يمثلونها.
ومع اقتراب الولايات المتحدة من الاحتفال بمرور 250 عاماً على تأسيسها، يعود السؤال القديم إلى الواجهة: هل اقتربت نهاية العصر الأمريكي؟ وهل أصبحت الولايات المتحدة تشبه حضارات عظيمة سقطت مثل روما وأثينا؟ هذا ما يناقشه الباحث «جوهان نوربرغ» في مقاله بصحيفة واشنطن بوست، حيث يستعرض نوربرغ التاريخ باستفاضة ليفحص إمكانيات انحدار الأمم العظمى، وما الذي يجعلها تمرّ بنهاية مأساوية أو تستعيد نفسها من جديد.
يذكّر نوربرغ بأن سقوط الإمبراطورية الرومانية ظل هاجساً يلاحق المخيلة الغربية، مؤكداً أن حتى أقوى الأمم معرضة للانهيار، فقد استلهم الآباء المؤسسون لأمريكا، عن وعي، نموذجهم السياسي والمعماري من أثينا وروما القديمتين، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف الأمريكيون عن الخوف من تكرار المصير ذاته.
ويصف ما يسميه “الروح الأثينية” بأنها روح الانفتاح على التجارة والهجرة والابتكار والحوار، وهي ما يميز فترات الازدهار، أما التراجع فيبدأ حين تسود “العقلية الإسبارطية” التي تتسم بالانغلاق والخوف من الاختلاف والهوس بالسيطرة، كما حدث في إسبرطة القديمة حين بلغت ذروة قوتها العسكرية بين عامي 650 و371 قبل الميلاد. ويُسقط هذا النموذج على الصين والولايات المتحدة معاً؛ فالصعود الصيني في عهد دينغ شياو بينغ (1978-1992) كان ثمرة للانفتاح، بينما يميل عهد شي جين بينغ نحو الانغلاق الذي ميز نهايات الإمبراطوريات السابقة، وعلى المنوال ذاته، شهد الغرب في العقود الأخيرة تراجعاً في التسامح بفعل الإرهاب وجائحة كورونا والأزمات الاقتصادية، ما زاد حدة الانقسام الداخلي.
ويرى نوربرغ أن صعود اليمين القومي واليسار غير الليبرالي يعكس ميلاً مشتركاً لقمع الرأي المخالف وفرض التجانس الفكري، وهو ما يشكل تهديداً جوهرياً للديمقراطية.
النظام الراكد ونهاية صعود القوى
في السياق، تناول مايكل بيكلي الأستاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة تافتس الأميركية، هذه المناقشات في مقال مطول نشره في مجلة «فورين أفيرز»، وفيما يلي ملخص انتقائي، ومطوّل، لما كتبه:
في عام 1898، وبينما كانت المملكة المتحدة تنضم إلى القوى الكبرى الأخرى في تقطيع أوصال إمبراطورية تشينغ الصينية المنهارة، حذّر رئيس الوزراء البريطاني لورد سالزبوري جمهوراً في لندن من أن العالم ينقسم إلى «أمم حية» و«أمم تحتضر». فالأمم الحية كانت هي القوى الصاعدة في العصر الصناعي، وهي الدول ذات السكان المتزايدين، والتقنيات التحويلية، والجيوش ذات المدى والقوة النارية غير المسبوقة. أما الأمم الميتة فكانت إمبراطوريات راكدة مثقلة بالفساد، تتشبث بأساليب بالية وتنزلق نحو الخراب. كان سالزبوري يخشى أن يؤدي صعود البعض واصطدامه بانحدار الآخرين إلى جرّ العالم إلى صراع كارثي.
اليوم، تنتهي هذه الحقبة من التحولات الكبرى في ميزان القوى. فللمرة الأولى منذ قرون، لا توجد دولة ترتفع بقوة كافية لقلب التوازن العالمي. لقد استُنفدت تقريباً الطفرات الديموغرافية، والاختراقات الصناعية، وعمليات التوسع الإقليمي التي كانت تغذي صعود القوى الكبرى. الصين، آخر الصاعدين الكبار، بلغت ذروتها بالفعل؛ اقتصادها يتباطأ، وسكانها يتناقصون. اليابان وروسيا وأوروبا توقفت منذ أكثر من عقد. أما الهند فلديها شباب وفير، لكنها تفتقر إلى رأس المال البشري والقدرة المؤسسية لتحويله إلى قوة. الولايات المتحدة تواجه مشكلاتها الخاصة ــ الدين، تباطؤ النمو، خلل السياسة ــ لكنها لا تزال تتفوق على منافسين يغوصون في تدهور أعمق. لقد أفسح التصاعد السريع الذي ميّز الجغرافيا السياسية الحديثة المجال أمام التصلب والجمود: العالم اليوم نادٍ مغلق من قوى هرمة تحيط بها قوى متوسطة ودول نامية ودول فاشلة.
هذا الانعكاس يحمل عواقب عميقة. فعلى المدى الطويل، قد يجنب العالم دورة الدمار التي ترافق عادة صعود القوى الكبرى ومساعيها وراء الأراضي والموارد والمكانة، والتي كثيراً ما تنتهي بالحروب. أما في المدى القريب، فإن الركود والصدمات الديموغرافية تولّد أخطاراً حادة: دول هشة تنهار تحت وطأة الديون وانفجار الشباب، وقوى متراجعة تلجأ إلى العسكرة والتوسّع القومي لدرء التراجع. وانعدام الأمن الاقتصادي يغذي التطرف ويقوض الديمقراطيات، بينما تنزلق الولايات المتحدة نحو نزعات أحادية عنيفة. إن حقبة صعود القوى تنتهي، لكن ما بعدها قد لا يكون أقل عنفاً.
ورغم رواج تشبيه الصين بأثينا الصاعدة والولايات المتحدة بإسبرطة المهددة، فإن مفهوم «القوى الصاعدة» هو ظاهرة حديثة. فقد نشأ فقط قبل 250 عاماً، مع الثورة الصناعية، حين حررت الطاقة المستخرجة من الفحم والبخار والنفط المجتمعات من «فخ مالتوس»، الذي كانت فيه كل زيادة في الثروة تُلتهم بزيادة عدد السكان، فيبقى مستوى المعيشة ثابتاً عند حدود الكفاف. وللمرة الأولى، أصبح بإمكان الثروة والسكان والقوة العسكرية أن تتوسع معاً، وأن تتعاظم بدلاً من أن تلغي بعضها البعض، مما أتاح للدول تراكم القوة على مسار صاعد مستمر. واستند هذا التحول إلى ثلاثة محركات: تقنيات عززت الإنتاجية، وتفجر سكاني وسّع القوة العاملة والجيوش، وآلات عسكرية مكّنت من الغزو السريع.
لم يكن للعالم ما قبل الصناعي هذه الديناميات. فمنذ العام 1 حتى عام 1820، لم يزد الدخل العالمي للفرد إلا بنسبة 0.017٪ سنوياً، أي أقل من 2٪ في القرن. ومع هيمنة الفقر، كانت التحولات في القوة تأتي على نحو متقطع، غالباً من خلال انتزاع الموارد النادرة. فالإمبراطوريتان الصينية والهندية راكمتا فوائض زراعية، والبندقية والعثمانيون فرضوا ضرائب على التجارة، وإسبانيا والبرتغال نهبتا الفضة، ووسّعت سلالتا هابسبورغ وبوربون نفوذهما عبر الزيجات الأسرية. أما الاختراقات العسكرية ــ الفرسان تحت حكم المغول أو البارود لدى العثمانيين والصفويين والمغول في الهند ــ فقد كانت تغيّر التوازن مؤقتاً، إلى أن يتكيف المنافسون معها. حتى الدولة المالية العسكرية البريطانية الشهيرة لم تفعل سوى استنزاف المزيد من الموارد من عالم شحيح.
لقد كسرت الثورة الصناعية قبضة الندرة وجعلت الإنتاجية أساس القوة، فنقلت المجتمعات من القرون الوسطى إلى العصر الحديث في أقل من قرن. فالبريطاني المولود عام 1830 دخل عالماً من الشموع والعربات الخشبية والسفن الشراعية، وبحلول شيخوخته كان يركب القطار، ويرسل برقيات، ويمشي في شوارع مضاءة بالكهرباء ومحاطة بالبضائع المصنّعة والسباكة الحديثة. وفي عمر واحد فقط، تضاعف استهلاك الطاقة للفرد من خمسة إلى عشرة أضعاف.
هذا التحول الضخم أنتج أولى القوى الصاعدة الحديثة. ففي القرن التاسع عشر، زاد نمو الدخل الفردي بمعدل 30 ضعفاً عن حقبة ما قبل الصناعة، وتركّزت المكاسب في حفنة من الدول، مما خلق اختلالات هائلة في القوة. وبحلول عام 1900، كان سكان الدول الصناعية المتقدمة يكسبون ثمانية إلى عشرة أضعاف دخل الفرد في الصين أو الهند، وأضعاف ما في روسيا وإمبراطوريتي هابسبورغ والعثمانيين. لقد تحوّل «التكافؤ التقريبي» إلى «الانقسام العظيم» بين الغرب وبقية العالم.
وقد أطلق نمو الإنتاجية طفرة سكانية. فالمجتمعات ما قبل الصناعية بالكاد كانت تنمو، وكان يتطلب الأمر ألف سنة حتى يتضاعف عدد السكان. أما مع التصنيع، فقد تحطمت تلك السقوف: في القرن التاسع عشر نما عدد السكان العالمي بمعدل يزيد عشرة أضعاف عن متوسطه بين العام 1 و1750. الزراعة المميكنة، والصرف الصحي، والكهرباء، والتبريد، والطب الحديث رفعت متوسط العمر العالمي بأكثر من 60٪ بين 1770 و1950، ما جعل السكان يتضاعفون كل جيل أو جيلين. قادت ألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة هذه الطفرة، وتبعتها اليابان وروسيا، بينما تخلّفت الصين والهند والإمبراطوريتان الهابسبورغية والعثمانية.
لقد وفّر البشر الطاقة البشرية للجيوش الصناعية، وهي المكوّن الثالث لقوة الصعود. فالحروب قبل العصر الصناعي كانت وحشية لكنها محدودة. الجيوش كانت صغيرة وموسمية، تعيش على ما تصادره من الأرض، وتتحرك بسرعة الخيل أو السفن. بأسلحة بدائية ولوجستيات ضعيفة، كانت الحروب كثيرة لكن غير حاسمة. أما مع التصنيع، فقد تغيّر كل شيء: القطارات، والسفن البخارية، والتلغراف مكّنت من التعبئة الجماهيرية، بينما البنادق والمدافع الرشاشة والمدفعية الثقيلة ضاعفت القدرة التدميرية. وبحلول أوائل القرن العشرين، كانت الإمبراطوريات الصناعية تسيطر على أربعة أخماس الكوكب، وتحولت الخريطة إلى رقعة شطرنج يهيمن عليها عدد قليل من القوى الصاعدة.
من الرياح المواتية إلى المعاكسة
الآن، تُغلق تلك الأبواب. الإنتاجية تتباطأ، السكان يتناقصون، والغزو يزداد صعوبة. التقنيات الحالية، رغم روعتها، لم تغيّر نمط الحياة كما فعلت الثورة الصناعية. أما الذكاء الاصطناعي، فرغم التوقعات المبالغ فيها بأنه سيرفع الإنتاج العالمي بنسبة 30% سنوياً، فإن أغلب الاقتصاديين لا يتوقعون أكثر من نقطة مئوية واحدة إضافية سنوياً. فهو يتفوق في المهام الرقمية، بينما الاختناقات الكبرى في العمل تقع في المجالات المادية والاجتماعية.
في ظل غياب النمو الاقتصادي أو الانتعاش الديموغرافي، قد يبدو الغزو وكأنه المسار الأخير المتاح أمام من يسعون إلى صعود القوى. لكن هذا الطريق أيضاً يضيق باطراد. فانتشار التقنيات الصناعية ــ مثل السكك الحديدية، والتلغراف، والكهرباء ــ سهّل بناء الدول وإنهاء الاستعمار، ما أدى إلى تضاعف عدد الدول القومية أربع مرات منذ عام 1900. ومنذ ذلك الحين، غرق أكثر من 160 احتلالاً أجنبياً في مستنقعات التمردات، إذ حوّلت البنادق الرخيصة وقذائف الهاون والقذائف الصاروخية القرى إلى مناطق قتل. كما جعلت الأسلحة النووية مخاطر الغزو على مستوى وجودي، فيما تتيح الذخائر الموجهة بدقة والطائرات المسيّرة حتى للميليشيات الهزيلة مثل الحوثيين تعطيل السفن والدبابات. وفي الوقت نفسه، تراجعت غنائم الغزو: فالأراضي والمعادن التي كانت تغني الإمبراطوريات لم تعد ذات قيمة تُذكر، إذ بات ما يقارب 90% من أصول الشركات في الاقتصادات المتقدمة أصولاً غير ملموسة ــ برامج، وبراءات اختراع، وعلامات تجارية ــ لا يمكن نهبها.
أما بالنسبة إلى القوى الصاعدة الطموحة في العالم النامي، فالصعود أكثر انحداراً. فالشركات متعددة الجنسيات من الدول الغنية تهيمن على رأس المال والتكنولوجيا، فيما أصبح الإنتاج العالمي مجزّأً ومركّباً، ما يحكم على المتأخرين بأدوار منخفضة القيمة ــ مثل تجميع السلع أو تصدير المواد الخام ــ دون فرصة لبناء شركات قادرة على المنافسة عالمياً.
لقد تباطأ الحراك التاريخي بشكل حاد. فباستثناء حالات قليلة، فإن الدول الغنية والقوية في عام 1980 ما زالت كذلك اليوم، بينما بقيت معظم الدول الفقيرة فقيرة. بين عامي 1850 و1949، برزت خمس قوى كبرى جديدة، لكن خلال 75 عاماً التالية لم تظهر سوى قوة واحدة: الصين. وقد تكون الأخيرة.
«صعود الباقين»
بوصفها القوة المهيمنة عالمياً، تحدد الولايات المتحدة الوتيرة التي ترتفع أو تنخفض مقارنة بها بقية الدول. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، كانت هذه الوتيرة كارثية. ففي عام 2001، تعرضت الولايات المتحدة لأكبر هجوم على أراضيها في تاريخها. وخلال العقد التالي، خاضت اثنتين من أطول ثلاث حروب في تاريخها، كلفتها مئات آلاف الأرواح، بينهم آلاف الأمريكيين، و8 تريليونات دولار، دون تحقيق نصر حاسم. وفي عام 2008، شهدت أسوأ انهيار مالي منذ الكساد الكبير.
في الأثناء، كانت اقتصادات أخرى تغلق الفجوة. بين عامي 2000 و2010، قفز الناتج المحلي الإجمالي للصين (بالدولار) من 12% إلى 41% من الناتج الأمريكي. تضاعفت حصة روسيا أربع مرات، وتضاعفت حصة كل من البرازيل والهند أكثر من مرتين، وحققت الاقتصادات الأوروبية الكبرى مكاسب ملموسة. ورأى كثير من المراقبين في هذه التحولات مؤشراً على انتقال ملحمي للقوة، وهو ما وصفه الكاتب فريد زكريا بـ«صعود الباقين» في عالم «ما بعد أمريكا». لكن المدّ سرعان ما انعكس. ففي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تراجعت معظم الاقتصادات الكبرى.
عواصف تتجمّع
إن عصر القوى الصاعدة يشارف نهايته، وتداعيات ذلك تُغذّي الصراع بالفعل. أحد التهديدات أن الدول الراكدة تُسَرِّع عسكرتها لاستعادة أراضٍ «مفقودة» والحفاظ على مكانتها. فقد رمت روسيا النرد في أوكرانيا، وإن تُركت من دون رادع فقد تتجه إلى جيرانٍ أغنى مثل دول البلطيق أو بولندا. وقد تُقدِم الصين على شيء مشابه ضد تايوان. فبالنسبة إلى قوى كانت صاعدة وتواجه اليوم ركوداً، يبدو الغزو مُغرِياً – للاستيلاء على موارد وهيبة، وضمّ سكانٍ قد يكون نصيب الفرد من دخلهم ضعف نظيره المحلي، وإتاحة الفرصة للقادة ليتقمّصوا دور البنّائين الإمبراطوريين بدلاً من أوصياء التراجع.
ما ينتظرنا ليس حفلاً متعدد الأقطاب تتقاسم فيه القوى الكبرى العالم، بل إعادة إنتاجٍ لبعض أسوأ ملامح القرن العشرين: دول متعثرة تُسرّع التسلّح، وأخرى هشّة تنهار، وديمقراطيات تتعفّن من الداخل، و«ضامنٌ مفترض للنظام» ينكفئ إلى أنانيةٍ وطنية.
إذا أمكن احتواء أخطار اليوم، قد تفضي نهايةُ عصر القوى الصاعدة إلى مستقبلٍ أكثر إشراقاً. لقرون، أطلق صعود القوى وسقوطها أدمى الحروب في التاريخ. ومن دون متحدّين جدد، قد ينال العالم قسطاً من الراحة من أشدّ الدورات تدميراً: منافسات الهيمنة.
كما لاحظ غراهام أليسون، شهد القرنان والنصف الماضيان عشر حالاتٍ واجهت فيها قوةٌ صاعدة قوةً مهيمنة؛ انتهت سبعٌ منها بالمجازر. قد نختلف على عيّناته، لكن النمط واضح: القوى الصاعدة أشعلت حرباً كارثيةً تقريباً كل جيل.
لن ينهي عالم بلا قوى صاعدة الحروب، لكنه قد يبدّد شبحَ تلك الصراعات المُحطِّمة للنظام. وقد يفضي عالمٌ أقل دينامية إلى منافسة براغماتية بين نظمٍ ليبرالية وأخرى استبدادية بدلاً من الحملات الشمولية للفاشية والشيوعية التي خرجت من عواصف التصنيع وسعت إلى «إعادة تشكيل الإنسان». لن تنتهي «نهاية التاريخ»، لكن فصله الأكثر كارثية قد يُطوى.
المؤكد أن السياسة العالمية طوال قرنين ونصف دُفعت بصعود القوى الكبرى السريع، وأن القوى التي جعلت تلك القفزات ممكنةً تتراجع الآن. هذا لا يضمن الاستقرار، لكنه يؤشّر إلى انعطافة عميقة: إن الصراع المألوف بين «أمم حيّة» و«أممٍ آيلةٍ للموت» يأفل، وتبدأ كتابة قصة أخرى ما زالت غير واضحة!





