• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

 روسيا وسوريا 2011-2024.. من الإنقاذ إلى الانهيار

27 أكتوبر 2025
 روسيا وسوريا 2011-2024.. من الإنقاذ إلى الانهيار

صورة فلاديمير بوتين على بوابة قاعدة حميميم في اللاذقية | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

محمد سيد رصاص

بعد أيام قليلة من التدخل العسكري الروسي في سوريا (30 أيلول 2015) قال ديمتري ريكوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي لشؤون الصناعات الدفاعية وهو مهندس غزو القرم عام 2014، إن “أولادنا يخمدون حرباً في سوريا ضد روسيا في سهول بعيدة”1، وهو تصريح أعاد للذاكرة ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لوفدٍ من هيئة التنسيق المعارضة في سوريا زار موسكو في نيسان 2012 (ضمّ حسن عبدالعظيم، صالح مسلم، هيثم مناع، عبد العزيز الخير) في تبرير دعم روسيا للسلطة السورية: “نحن ندافع عن موسكو في دمشق”.

يمكن أن يكون هذا التفكير الروسي نابعاً من حسابات عند موسكو بأن انتصار الإسلاميين في سوريا، بفترة ما بعد 2011 التي شهدت وصول الإسلاميين للسلطة في تونس ومصر، يمكن أن تكون له تداعيات على الاتحاد الروسي (المسلمون 10% من السكان، وفي موسكو يعيش مليونان من المسلمين) وعلى الدول ذات الغالبية المسلمة المجاورة في آسيا الوسطى، وكلهم سنة ما عدا أذربيجان. وقد عبّر لافروف عن هذا القلق أو شيء قريب منه في لقاء 7 أيار 2013 بموسكو مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، عندما قال: “موسكو قلقة من عدم الاستقرار المنتشر في الشرق الأوسط ومن تنامي الرديكالية الإسلامية.. /وعبّر عن/ قلق موسكو من تحول سوريا إلى دولة إسلامية متطرفة”2، وكان بشار الأسد، في لقاء مع قوى وأحزاب لبنانية، قد لامس الهاجس الروسي في سوريا، عندما قال “إن الدعم الروسي ليس حباً بنا أو بشعبنا وليس كرمى لعيوني، وإنما لأن روسيا تعتبر أن معركة الدفاع عن دمشق هي معركة الدفاع عن موسكو ومصالحها” 3.

من هنا، يمكن القول إن الحرب الروسية في سوريا بجانب النظام السوري كانت حرباً وقائية من وجهة نظر الكرملين في مكان بعيد للدفاع عن روسيا، وفي يوم التدخل العسكري الروسي كان النظام السوري في لحظة سياسية آيلاً للسقوط فيها، وقد منعه التدخل الروسي العسكري الذي كان بتأييد ضمني أميركي حيث كان الرئيس باراك أوباما بعد سقوط الموصل في 10 حزيران 2014 بيدي داعش وتمددها في العراق وسوريا قد توحّد مع الإيرانيين والروس في مواجهة خطر الإسلاميين الراديكاليين السنة، ولم يكن يريد لدمشق أن تسقط بأيديهم آنذاك، حيث كانت حمص مهددة بالسقوط بعد سيطرة المعارضة الإسلامية المسلحة على كامل محافظة إدلب وعلى أغلب منطقة الغاب، وكان فصيل (جيش الإسلام)، المتمركز في دوما، قد استطاع السيطرة في أيلول 2015 على أجزاء من الطريق الدولي دمشق – حمص بين عدرا وحرستا، وكان بشار الأسد في يوم تدخل الروس العسكري فاقداً للسيطرة على 70% من الأراضي السورية.

كانت هناك اعتبارات أخرى عند الروس، تضاف لذلك، تتمثّل في استغلال المنصة السورية للتأكيد لأول مرة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 أن روسيا دولة عالمية لها حضور في مناطق أبعد من جوارها الإقليمي، وأنها ليست مجرّد قوة تلعب بإقليمها في جيورجيا (2008) وأوكرانيا (2014)، أو قوة تنشغل في داخلها (الشيشان عامي 1999و2000)، كما أن فلاديمير بوتين، الذي أخافته موجات التغييرات التي أطاحت عبر الشارع بحكام عرب في تونس ومصر وليبيا، كان يخاف من امتداد ذلك إلى موسكو4. وترينين أيضاً يؤكد أن “موقف موسكو في سوريا قد تم رسمه.. من خلال الشكوك القوية فيما يخص تركيبة المعارضة السورية، ومن الشكوك تجاه دوافع الولايات المتحدة في سوريا” (ص1)، و”الإستراتيجيون في موسكو يرون أن الصراع في سوريا، والعنف الطائفي في العراق، والثورة المجهضة في البحرين، ليست سوى أماكن صراعات بالوكالة تُخاض من أجل من يكون الأقوى في الإقليم” (ص2)، والروس يرون أن “الولايات المتحدة تريد الإطاحة بالأسد لتسلب ايران حليفها الوحيد في العالم العربي” (ص2).

والأرجح أن هذا ما يفسر تصريح لافروف لإذاعة “كوميرسانت إف إم” الروسية في يوم 21 آذار 2012 بأن “الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سوريا، فستنبثق رغبة قوية وتمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سني في سوريا، ولا تراودني أية شكوك بهذا الصدد” (جريدة “الأنباء “اللبنانية” 22/3/2012، وصحيفة “الشرق الأوسط” 23/3/2012).

جهاد الزين في جريدة “النهار” (عدد 12/7/2012) تلمس ذلك في مقال بعنوان: “لماذا الحلف الروسي مع الإسلام الشيعي؟” قال فيه: “بتنا اليوم أمام المعادلة التالية: حلف دفاعي روسي مع الإسلام الشيعي مقابل حلف هجومي أميركي مع الإسلام السني.. /هناك/ اتجاه روسي بقيادة بوتين والاستابلشمنت الأمني الذي يمثله.. باتجاه التعامل مع الخطر الأصولي على أنه سني”، ويبدو أن بوتين رأى نفسه آنذاك في وحدة حال مع خامنئي باتجاه الدفاع عن بشار الأسد، ولكن لأسباب مختلفة، بالنسبة إلى طهران للدفاع عن “المحور” الذي تشكل سوريا جسر التواصل بين أجزائه، وعند موسكو للأسباب المشار إليها أعلاه.

يمكن أن يضاف لهذه الدوافع الروسية للانخراط في الصراع السوري 2011-2024، ما ذكرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، في عدد 30 آب 2013، أن السلطة السورية قد رفضت عرضاً قطرياً عام 2009 لمشروع من أجل نقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر أنبوب يمتدّ من قطر للسعودية والأردن وسوريا حتى تركيا، ومن الأخيرة إلى أوروبا، ليكون بديلاً عن خط الغاز الروسي الذي كان آنذاك هو المزوّد الرئيسي للأوروبيين بالغاز، وهو ما كان سيشكل مكسباً إستراتيجياً للغرب الأوروبي – الأميركي وضربةً كبرى لموسكو. وكانت موسكو تخشى من اتجاه أميركي منذ وصول أوباما للبيت الأبيض عام 2009 نحو فطم أوروبا عن الطاقة الروسية حيث “رؤية إدارة أوباما أن مستوى اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية غير مقبول.. وأن هذا سيقود موسكو إلى استغلال رابط الطاقة المتزايد لترسيخ علاقتها مع الغرب الأوروبي، وأن هذا من وجهة نظر واشنطن سيضعف الروح الأوروبية – الأطلسية، ويقود بالنهاية إلى انتهاء القيادة الأميركية العابرة للأطلسي”5، وفي مقال آخر في “آسيا تايمز” (28/2/2013)، بعنوان: “موسكو تنسج علاقات واسعة في حوض المتوسط”، يقول بهادار كومار إن “الأبحاث الجيولوجية الأميركية تقدر بأن الحوض الشرقي للبحر المتوسط، والممتد من سوريا إلى مصر، يحوي 122 تريليون قدم مكعب من الغاز ومليار و700 مليون برميل من النفط”. وعلى الأرجح أن من بين دوافع بوتين للانخراط في الصراع السوري كان دافع أن يكون له موطئ قدم جغرافي يمنع تحويل سوريا إلى ممرّ للطاقة الشرق أوسطية عبر المعبر السوري – التركي إلى أوروبا سواء كانت تلك الطاقة من الحوض الشرقي للبحر المتوسط أم من دول الخليج.

ولكن الموقف من الإسلاميين وتغيره عند واشنطن منذ ربيع 2013 عمّا كان عليه في عامي 2011 و2012 قد جعل الأميركيين يقتربون من الروس في سوريا. فمنذ لقاء موسكو بين كيري ولافروف في 7 أيار 2013 اتّجه الأميركيون نحو التعاون مع الروس في سوريا، وقد رأينا في الشهر التالي تنحي أمير قطر، ثم بالشهر الذي بعده سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، وقد شهد ربيع وصيف 2013 بداية افتراق واشنطن عن الأتراك ليس فقط في سوريا وإنما أيضاً في موضوع الموقف من الإسلاميين في مصر، وذلك مع الإسلامي رجب طيب أردوغان، الذي ظهر في فترة تلاقي واشنطن مع إسلاميي مصر وتونس، بعامي 2011 و2012، بوصفه المعتمد الأميركي الأول في عموم المنطقة بما فيها سوريا. وفعلاً منذ ربيع 2013 لم تعد واشنطن تصرّ على “رحيل الأسد”، وهذا ما توازى مع ابتعادها عن أنقرة واتجاهها للتعاون مع الروس في اتفاق الكيماوي السوري (14/9/2013)، وفي مؤتمر جنيف 2 (كانون الثاني – شباط 2014) الذي انهار بسبب الخلاف الأميركي – الروسي على أوكرانيا بعد مظاهرات في كييف قادت لهروب الرئيس الأوكراني الموالي لموسكو من القصر إلى موسكو، وهو ما ردّ عليه بوتين باحتلال شبه جزيرة القرم، ثم استؤنف التعاون الأميركي – الروسي في سوريا مع التدخل العسكري الروسي لوقف تقدم الإسلاميين المسلحين، وهو ما ترجم سياسياً بعد شهرين ونصف من التدخل بصدور القرار 2254 (18/12/2015) وفي مؤتمر جنيف 3، الذي كان يراد منه فرض حلّ أميركي – روسي من فوق رأسي السلطة والمعارضة، وهو ما أفشله رياض حجاب عبر وقف المفاوضات مع النظام بإيعاز من أردوغان في نيسان 2016 في لحظة كانت فيها أنقرة على خلاف مع واشنطن وموسكو في سوريا.

يمكن لما سبق أن يفسّر السلوك الروسي في سوريا في فترة ما بعد انفجار الأزمة السورية منذ درعا 18 آذار 2011، حيث كانت الساحة السورية أول مجابهة للروس مع الأميركيين في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1989، حيث لم يكتفِ الروس بالفيتو في مجلس الأمن بيوم 4 تشرين الأول 2011، وهو ما لم يفعلوه في آذار 2011 تجاه الموضوع الليبي، وإنما تم إرسال قطع حربية روسية إلى ميناء طرطوس في تشرين الثاني 2011، وفي أثناء اقتحام قوات النظام لحي بابا عمرو في حمص بشهري شباط وآذار 2012 كان الروس في موقف الداعم لبشار الأسد. وفي الذكرى الخامسة للتدخل العسكري الروسي في سوريا قال سيرغي شويغو وزير الدفاع الروسي إن “القوات الروسية نفذت 44 ألف طلعة جوية قتالية وقتلت 133 ألف مسلح، منهم 4500 من روسيا ورابطة الدول المستقلة” (جريدة “الشرق الأوسط”، 11/10/2020)، والملاحظ في معركة حلب الشرقية في الفترة الممتدّة من تشرين الأول إلى كانون الأول 2016 أن الطيران الروسي كان هو الممهّد والرديف الجوي لهجوم قوات النظام السوري والقوات الإيرانية والموالية لطهران، وأغلب ما دمّر في الأحياء الشرقية لحلب كان بفعل الطيران الروسي، وكذلك طيلة سنوات، ومنذ خريف 2015، ظلّ الطيران الروسي في محافظة إدلب يقوم بغارات لم تنقطع وشملت أماكن مدنية في الغالب، وهذه عقيدة قتالية روسية طبقت عامي 1999 و2000 في العاصمة الشيشانية غروزني وتقوم على نظرية تدفيع كلفة كبيرة في الأرواح والمنشآت للحاضنة المدنية للمسلحين المعارضين من خلال ضربها وإظهار التكلفة الكبرى لوجود المسلحين هناك، وذلك لدفع تلك الحاضنة للتخلي عن المسلحين أو لإثارة قلاقل ضدهم.

صحيح أن موسكو قد توافقت مع واشنطن على بيان جنيف (30 حزيران 2012)، الذي يتضمن تشكيل جسم حكم انتقالي تتوافق عليه المعارضة والسلطة ويملك كامل السلطة التنفيذية، ولكن لم تكن هناك آليات لتنفيذ البيان. وحتى عندما انعقد مؤتمرا جنيف 2 (2014) وجنيف 3 (2016)، وهدفهما المعلن وفق القرارين 2118 (2013) و2254 (2015) هو تنفيذ بيان جنيف عبر آلية متفق عليها، فإن الروس والأميركيين لم يقوما بتجسير خلافات المعارضة والسلطة، ولا بذلا جهداً مشتركاً لتقديم تصور  أميركي – روسي، وكأن اللعبة كانت انتظارية عندهما، أو أنهما كانا يستخدمان الساحة السورية كساحة للضغط من أجل قضايا أخرى، بالرغم من أن مؤتمر جنيف 3 قد سرت إشاعات في أروقته بأن الأميركيين والروس سيفرضان تسوية على السوريين في نهاية تموز 2016 بعد انقضاء مدة ستة أشهر على عملية التفاوض بين السلطة والمعارضة، وهو ما أنهاه رياض حجاب من خلال عملية وقائية عندما أعلن وقف التفاوض، بعد ثلاثة أشهر، من طرف واحد بدعم تركي.

هناك لحظة سياسية واحدة أوحى الروس فيها باستعدادٍ للتضحية ببشار الأسد، في كانون الأول 2012، في ذروة هجوم شنته قوات المعارضة منذ نهاية الشهر السابق على أطراف مدينة دمشق بدءاً من المطار ثم امتدّ إلى أطراف دمشق الشرقية من جهة الغوطة. استغرق ذلك الهجوم لمدة شهرين وأسبوع، وسيطرت فيه المعارضة على جوبر وحرستا وزملكا وعربين ومخيم اليرموك، ولكنه فشل في اختراق قلب مدينة دمشق أو الوصول لأماكن حساسة مثل ساحة العباسيين عبر جوبر أوغيرها.

في فترة ذلك الهجوم وبعد أسبوعين من بدئه، صدرت تصريحات فيها استعدادٌ روسيٌّ غير مسبوق للتنازل أو الابتعاد عن التمسك ببشار الأسد. ففي خلال مائدة مستديرة بموسكو تحت عنوان “روسيا والعالم المتغير” صرح وزير الخارجية سيرغي لافروف: “نحن لسنا متمسكين بالأسد أو بأي شخصية أخرى” (جريدة “الحياة”، 9/12/2012)، ثم اتبع هذا المسار نائبه ميخائيل بوغدانوف في كلمة ألقاها في الغرفة الاجتماعية الروسية: “فيما يتعلق بالاستعداد لانتصار المعارضة، فلا يجوز استبعاد ذلك بالطبع. يجب النظر إلى الوقائع. هناك توجه إلى هذا المسار. النظام والحكومة يفقدان السيطرة على البلاد أكثر وأكثر” (جريدة “الحياة”، 13/12/2012).

مع فشل هجوم المعارضة السورية المسلحة على مدينة دمشق لم يعد الروس إلى تلك التصريحات بل عادوا إلى موقفهم المتمسك ببشار الأسد. وهذا أتى بالتساوق مع اتجاه واشنطن منذ ربيع 2013، والأرجح بسبب أو مع فشل هجوم المعارضة المسلحة على  مدينة دمشق، لبدء التخلي الأميركي العلني عن تصريح أوباما في 18 آب 2011 الداعي إلى  تنحي بشار الأسد، وهو ما بدأ مع تصريح لوزير الخارجية الأميركي جون كيري في 13 آذار 2013، حيث كان التفسير المعلن لبيان جنيف 1 عند الأميركيين، فيما يتعلق بهيئة الحكم الانتقالي التي تضم السلطة والمعارضة، هو (أن لا يكون بشار الأسد ضمنها أو يكون تشكيلها متزامناً مع رحيله)، إذ في ذلك اليوم (13 آذار 2013) أطلق الوزير كيري تصريحاً قال فيه: “المطلوب جلوس الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة السورية على طاولة التفاوض لإنشاء حكومة انتقالية بحسب الإطار الذي تم التوصل إليه في جنيف” (13 آذار 2013، وكالة “يو بي آي UPI”)، ثم عقد كيري ولافروف اتفاق 7 أيار 2013 الذي كان فيه إدخال أميركي للروس إلى إدارة الملف السوري بالتعاون مع واشنطن التي اتجهت منذ ذلك الشهر لمخاصمة أردوغان. وليس صدفة أن يشهد يوم 25 حزيران 2013 تنحي أمير قطر ووزير خارجيته، ثم أن يسقط بعد ثمانية أيام حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حيث أعطت هذه الإشارات الثلاث التركية والقطرية والمصرية مؤشّرات على طلاق واشنطن مع الأصولية الإسلامية الإخوانية بعد زواج استغرق عامين. استمرّ هذا التعاون الأميركي – الروسي في سوريا في 14 أيلول 2013 مع اتفاق الكيماوي السوري الذي أنتج القرار 2118 الذي دعا لتطبيق بيان جنيف وعقد مؤتمر جنيف 2، ثم أعقب الدخول العسكري الروسي إلى سوريا توافقاً أميركياً – روسياً رأيناه في القرار 2254 ومن ثم في مؤتمر جنيف 3.

مع فشل مؤتمر جنيف 3 (نيسان 2016) اتجهت العلاقات الأميركية – الروسية إلى إدارة الأزمة السورية، وهو ما تمثّل بتقاسم النفوذ: حميميم – التنف، شرق الفرات – غرب الفرات، وعلى الأرجح، وهذا ما حصل بالتزامن، أن انتشار داعش في سوريا بقوة خلال أعوام 2014 و2015 و2016، قد كان أحد العوامل الكبرى (وليس كل العوامل) التي قادت، خلال فترة ما بعد الدخول العسكري الروسي بسوريا (30 أيلول 2015)، إلى رسم لوحة تقاسم النفوذ في سوريا بين نفوذ أميركي في شرق الفرات (ومنطقة التنف) ونفوذ روسي في غرب الفرات، ثم  ما حصل بعد ذلك من تعاون الروس مع الأتراك على تكريس منطقة تركية في الشمال (خط جرابلس – الباب – إعزاز 2016-2017 ثم عفرين 2018 ثم خط تل أبيض – رأس العين 2019)، وذلك بعد بدء تقاربات أردوغان وبوتين في الشهر التالي لمحاولة انقلاب 15 تموز 2016 الفاشلة ضد الرئيس التركي والتي على إثرها اتّهم مسؤولون أتراك واشنطن بالضلوع بها، فيما سكت الروس والأميركيون والأتراك عن نفوذ إيراني في غرب الفرات بين البوكمال وديرالزور وفي منطقة الحدود اللبنانية – السورية الممتدة من القصير إلى الزبداني، وقد كشف موقع “DW” في يوم 21 تشرين الأول 2015 عن تفاهم أميركي – روسي على تجنب اصطدام طائرات البلدين فوق سوريا، ويبدو أن إقامة قاعدة حميميم الروسية عام 2015 كان متّفقاً على استتباعها بالعام التالي بقاعدة أميركية في التنف ولاحقاً بقواعد أميركية في شرق الفرات، إضافة لسكوت الروس والنظام السوري على مئات الغارات الإسرائيلية على مواقع القوات الإيرانية أو الموالية لإيران في سوريا في فترة 2015-2024، والأرجح أن الأميركيين والروس كانوا على اتفاق بأن نهر الفرات هو الخط الفاصل لنفوذهما السوري مع استثناء التنف.

أطلق المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري 2018-2020 في يوم 12 أيار 2019 تصريحاً قال فيه إن “مهمتي جعل سوريا مستنقعاً للروس من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات لمنع عودة الوضع الطبيعي لمناطق سيطرة النظام، وإثارة أزمات متجددة، وبالتالي جعل سوريا تتحول من ورقة إلى عبء على موسكو وطهران” (جوناثان سباير: “سياسة ترامب السورية تعمل”، مجلة “فورين بوليسي”،1/7/2020(. الأرجح أن هذه كانت سياسة جديدة عند واشنطن فيها نزعة تجابهية مع موسكو في سوريا، غير تلك التي كانت موجودةً منذ اتفاق 7 أيار 2013 والتي نتج عنها التعاون الثنائي، ثم منذ 2016 وفشل مؤتمر جنيف 3 مع سياسة إدارة الأزمة من قبل الأميركيين والروس.

في تعليق من فيتالي نعومكين على ما قاله جيفري، ونعومكين هو رئيس معهد الاستشراق لأكاديمية العلوم الروسية، نجد التالي: “ربما كان من الصواب أن نطلق على هذا الدبلوماسي ذي الخبرة، والذي لا يرمي الكلام عبثاً، اسم المبعوث الخاص ليس إلى سوريا ومكافحة الإرهاب، وإنما للحرب ضد روسيا” (مقال في جريدة “الشرق الأوسط”، 20/5/2020، بعنوان: “ما الذي تنتظره روسيا من سوريا؟”). ويبدو فعلاً أن تصريح جيفري كان إعلاناً عن بدء الحرب الأميركية على روسيا وجعل “سوريا مستنقعاً روسياً” ولكن عبر أدوات اقتصادية كان أولها وأساسها هو قانون قيصر الذي دخل حيّز التنفيذ في يوم 17 حزيران 2020 بعد أن أصدره الكونغرس في 18 كانون الأول 2019.

يجب البحث عن سبب هذا التغير الأميركي في الموقف من روسيا في سوريا، من التعاون 2013-2016 إلى إدارة الأزمة منذ منتصف عام 2016 حتى تصريح جيفري في 12 أيار 2019 الذي اعتبره نعومكين، وهو الخبير الروسي الأكبر بشؤون المنطقة، بمثابة حرب على روسيا.

هل السبب تعاون روسيا مع إيران في سوريا ومحاولة جذب تركيا شرقاً والابتعاد عن المدار الأطلسي، من خلال ما قدّمه بوتين لأردوغان من الكعكة السورية، وغضب ترامب من ذلك وهو الذي اتجه لسياسة تجابهية مع إيران بتخليه عن توقيع أميركا على الاتفاق النووي عام 2018، ثم عاقب أنقرة بحرمانها من الاشتراك في برنامج تطوير طائرة إف 35 بعد شرائها الصواريخ الروسية إس 400؟ أم أن البنتاغون، الذي كان وما زال هو المتولي للملف السوري، أراد تطبيقاً في سوريا لسياسة المجابهة العالمية مع روسيا التي أعلنها في الشهر الأخير من عام 2017 مع صدور نصّ “إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة”، الذي فيه انزياح (عند المجمع العسكري – الأمني، أي وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات، الذي يقرر أو هو الأقوى في تقرير سياسات الأمن القومي الأميركية) عن سياسة أميركية ثابتة  استمرت حتى نهاية عهد أوباما 2009-2017، وكانت قد بدأت منذ عام 1971 مع هنري كيسنجر، لتفريق الروس والصينيين ومنع اجتماعهما كما جرى بين ستالين وماوتسي تونغ في الحرب الكورية 1950-1953، حيث يضع نصّ 2017 الصين وروسيا ضمن القوى المهددة للأمن القومي الأميركي معاً ولو مع اعتبار الصين الخطر الرئيسي؟

فعلاً بدأت الحرب الأميركية على روسيا في سوريا من خلال طلقة قانون قيصر عام 2020 وأريد منها “إنشاء مستنقع روسي” يغوص فيه بوتين من خلال جعل حليفه في دمشق في حالة الشلل الاقتصادي وما يُستجرّ من ذلك من ترجمات اجتماعية وسياسية في المناطق التي يسيطر عليها النظام. الانتقادات التي وُجِّهت للنظام من الروس في ربيع وصيف 2020، والتي وجهها أناس قريبون من دوائر صنع القرار في موسكو، مثل السفير السابق في بلدان عديدة بمنطقة الشرق الأوسط ألكسندر إكسينيوك، وتقارير لـ (المجلس الروسي للشؤون الخارجية) والذي يرأسه وزير الخارجية السابق إيغور ايفانوف، ومنها تقرير يحذّر من أن “الأسد يعمل لجرّ موسكو لسيناريو أفغاني” (جريدة “الشرق الأوسط”: “حماية الأسد أصبحت عبئاً”، عدد 6/5/2020)، كانت تشي بأن الكرملين بدأ يستشعر خطر تحول سوريا إلى أفغانستان ثانية، التي غرق الاتحاد السوفياتي في مستنقعها بين عامي 1979 و1989 وكان أيضاً مستنقعاً من صنع أميركي.

ولكن السؤال الذي طرحه روبرت فيسك لعنوان مقاله في “الاندبندنت”، 16/4/2020: “هل تنقذ روسيا الاقتصاد السوري كما أنقذت النظام عسكرياً؟” قد أجابت عليه سنوات أربع لاحقة بالنفي، ليس فقط لأن روسيا لا تملك القدرة الاقتصادية على إنقاذ نظام متهالك وفاسد ومهترئ بنيوياً، بل أيضاً لأن روسيا قد غرقت منذ يوم 24 شباط 2022 في المستنقع الأوكراني، حيث تحوّلت تلك الجمهورية السوفياتية السابقة وما زالت ساحة لحرب أطلسية على روسيا بوتين، غُرز سيد الكرملين في وحلها، لا يعرف فيه التقدم ولا التراجع، وهو الخاسر في كلتا الحالتين.

حاول بوتين، للخروج من هذا المأزق السوري، تشجيع انفتاح عربي بدأته الإمارات ثم الأردن على النظام السوري مع مبادرة “الخطوة خطوة” عام 2021، على أن تكون الخطوات الأولى تنفيذ قضايا عودة اللاجئين ووقف تجارة الكبتاغون والإفراج عن المعتقلين وكشف مصير المفقودين، ويكون مقابلها خطوات انفتاح ديبلوماسية واقتصادية عربية. ورغم إعادة النظام السوري لشغل مقعد سوريا في الجامعة العربية في قمة جدة في أيار 2023، فإن عدم تجاوب النظام في الخطوات التي حددت له قد جعل المبادرة العربية ذات حصيلة صفرية. أيضاً حاول بوتين بين عامي 2022 و2024 إيجاد تقارب بين بشار الأسد وأردوغان، ولكن عناد بشار الأسد وعدم تجاوبه قد جعل الرئيس الروسي يصطدم بالحائط.

زاد المستنقع السوري مع حربي غزة ولبنان 2023-2024 في فترة ما بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي شنته حركة حماس على غلاف غزة، وقد كان اجتماع ضعفِ بوتين الأوكراني مع ضعفِ إيران الإقليمي، مضافاً إليه هزيمة حزب الله في حرب 17 أيلول 2024 – 27 تشرين الثاني 2024، مؤدياً إلى أن يكون النظام السوري لقمة سائغة تمّ أكلها بيسر وسهولة في عملية “ردع العدوان” التي بدأت صباح انتهاء حرب لبنان في فترة أيام 27 تشرين الثاني – 8 كانون الأول 2024، حيث سقط النظام السوري في اثني عشر يوماً، وهو كما كانت موسكو وإيران وحزب الله قد منعوه من السقوط بفترة 2011-2015 فإن ضعف الثلاثة بفترة 2022-2024 قد جعله آيلاً للسقوط وبسهولة، لأنه لم يكن يملك المناعة الذاتية طوال فترة 18 آذار 2011 – 8 كانون الأول 2024، وقوة الخارج حمته لفترة وضعف الخارج فتح الباب على مصراعيه لسقوطه السهل.

اسم “ردع العدوان” كان يوحي بأن العملية العسكرية، التي قادتها (هيئة تحرير الشام) من إدلب باتجاه حلب، لها أهداف محدودة، ولكن تكشّف ضعف النظام وانهيار قواته منذ اليوم الأول قد جعل الطريق مفتوحاً.

الشيء الذي يترك أجوبة مفتوحة هو السلوك الروسي في الأيام الاثني عشر السورية تلك، فبعد مساندة محدودة بالطيران للنظام في حلب باليوم الأول، وقف الروس جانباً، ولم يكرّروا ما فعلوه من مساندة جوية للنظام والإيرانيين وحزب الله بالسنوات السابقة.

الشيء المحيّر والذي ما زال من دون تفسير هو بيان اجتماع الدوحة في ظهر وعصر يوم السبت 7 كانون الأول 2024 لدول مسار أستانا (روسيا وإيران وتركيا)، مع حضور قطر والسعودية ومصر والأردن والعراق، الذي ورد فيه “ضرورة وقف العمليات العسكرية تمهيداً لإطلاق عملية سياسية جامعة استناداً إلى قرار مجلس الأمن 2254” (المركز الإعلامي لدولة قطر).

الأسئلة التي تُطرح وما زالت: هل سيرغي لافروف من السذاجة حتى  يوافق على هكذا بيان إن كان يعرف أو كان متواطئاً أو موافقاً على دخول قوات المعارضة المسلحة لمدينة دمشق بعد ساعات قليلة من صدور ذلك البيان؟ ثم ألا يتطابق ذلك مع إشاعات سرت ذلك المساء وتأكدت من مطَّلعين في دوائر النظام عن أن بشار الأسد قد طلب من بثينة شعبان ذلك المساء إعداد خطاب يلقيه صباح اليوم التالي بما يتوافق مع بيان الدوحة؟ ثم هل من المعقول (وفق تحقيق نشرته جريدة “نيويورك تايمز” في 16 تشرين الأول 2025 عن الليلة الأخيرة للنظام السوري) أن يكون اللواء علي مملوك نائماً في بيته كالمعتاد ثم يتمّ إيقاظه الساعة الرابعة فجراً ليهرب إلى السفارة الروسية بعد دخول قوات المعارضة المسلحة لمدينة دمشق، ويكون رئيس إدارة المخابرات العامة اللواء حسام لوقا يرى الوضع عادياً حتى منتصف ذلك الليل، ثم يفرّ على عجل الساعة الثانية من مكتبه: ألا يدلّ ذلك على تطورات غير متوقعة عندهما – هي غير تطورات متوقعة عندهم – ما جعلهما على اطمئنان؟ ثم ألا يدلّ هروب بشار الأسد من القصر من دون إخبار أحد عند منتصف الليل بمعونة الروس على تطورات لم تكن متوقعة لهم وله، أكثر مما يدلّ على تواطؤ من الروس مع القادمين الجدد إلى دمشق؟

هل يعطي كلام ألكسندر دوغين، وهو العقل المفكر للنظام الروسي، الجواب على ذلك عندما قال بعد ثلاثة أيام من سقوط النظام السوري: “أردوغان خان كلاً من روسيا وإيران في سوريا وانقلب عليهما”؟ (“العربية نت”، 11/12/2024). ثم ألا يتوافق كلام دوغين مع إطراء ترامب على الرئيس التركي: “أردوغان حلّ المشكلة في سوريا، هذا نصر كبير لتركيا، وأنا أريد أن أعطيه الفضل في ذلك”.

هوامش

1 – (NYR daily””،8\10\2015، “لماذا روسيا تحتاج سوريا؟”، 5 صفحات، ص3).

2 – (بيتر إليتسوف: “كيف يؤثر المسلمون بالداخل الروسي في سياسة موسكو السورية؟”، معهد واشنطن، 14\6\2013، 3 صفحات، ص2).

3 – ( جريدة “السفير”، 22\4\2013).

4 – (ديمتري ترينين: “خط الرمل الروسي في سوريا”، SCIS مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، 10\2\2012، 3 صفحات).

5 – (م. ك. بهادار كومار: “الولايات المتحدة تعطي الحياة لحرب باردة جديدة”، جريدة “آسيا تايمز”، 7\6\2011).

Tags: العلاقات الروسية السوريةفلاديمير بوتينقاعدة حميميم




آخر المنشورات

دور العوامل الخارجية في التاريخ السوري 1945-1963

دور العوامل الخارجية في التاريخ السوري 1945-1963

6 يونيو 2026

محمد سيد رصاص في 1 شباط/ فبراير 2008 نشرت صحيفة "هآرتس" دراسة مطولة وضعها مائير...

سوريا من الهوية المؤسِّسة إلى المواطنة المتكافئة

سوريا من الهوية المؤسِّسة إلى المواطنة المتكافئة

6 يونيو 2026

د. مسلم عبد طالاس يفتح مقال الكاتب السوري محمد أمير ناشر النعم، المعنون "العربية في...

المجتمع والسياسة.. مجاعة كردستان عام 1918

المجتمع والسياسة.. مجاعة كردستان عام 1918

3 يونيو 2026

حسين جمو خلص مقال سابق في المركز الكردي للدراسات بعنوان «المجتمع والسياسة في كردستان 1915...

محافظة الرقة السورية: صورة تظهر منطقة غمرتها مياه نهر الفرات بعد الإرتفاع الكبير لمنسوب المياه |أ.ف.ب

كاكيستوقراطية: ما السياسة تحت “حكم الأسوأ”؟

3 يونيو 2026

محمد سامي الكيال يعتبر مصطلح "كاكيستوقراطية" Kakistocracy إشكالياً للغاية في الخطاب السياسي الحديث، وربما أقل...

بعيداً عن “نظرية المؤامرة” وقريباً منها

بعيداً عن “نظرية المؤامرة” وقريباً منها

1 يونيو 2026

د.طارق حمو امتدت رئاسة علي خامنئي لإيران من عام 1981 حتى 1989، أي أنها غطّت...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية