فرهاد حمي
مع تجدد الحديث عن الاندماج بين دمشق والإدارة الذاتية، استناداً إلى اتفاقية 10 آذار، يستحضر سؤال محوري: كيف يمكن لمشروع قائم على قيم علمانية وتعددية، أن يندمج مع مشروع يستمد شرعيته من جذور الأصولية الدينية، ويعتنق أحادية صارمة في الفكر والممارسة؟
الإجابة الشائعة، وربما الساخرة، ستكون كلمة «الديمقراطية». غير أنّ في لقائه الأخير مع قناةCBS الموجّه للجمهور الأميركي، تجنّب أحمد الشرع استخدام الكلمة تماماً، لا كرمز للتعددية السياسية ولا الثقافية. بل قدّم نفسه باعتباره «الممثل الوحيد» للشعب السوري، محوّلاً سوريا إلى سلعة جيوسياسية معروضة للاستثمار الخارجي، مستهزئاً من خطاب حقوق الأقليات، ومتجنباً أي إشارة إلى مراجعة ذاتية حقيقية.
ومع ذلك، يرى بعض الأكاديميين الغربيين، أن الشرع مرّ بمرحلة تحوّل براغماتي، قادته إلى قبول العمل ضمن إطار الدولة القومية، فيما يعتقد آخرون أنّ تبنّيه بعض الطقوس الحداثوية الانتقائية، ليس سوى غطاء لفكرة التمكين، وهي فكرة متجذّرة في العقيدة الأصولية الدينية، خصوصاً فيما يتعلق باحتكار السلطة وتسيّد الدولة.
حداثة مشوهة
الشرع ليس استثناءً لظاهرة أوسع تُعرف اليوم بـ«الحداثة التسلطية»، والتي تقوم على سلطة مركزية تبرر وجودها لا عبر الديمقراطية، بل عبر وعود بالنمو والإنجاز الاقتصادي. في هذا السياق، تختزل الحداثة إلى مشروع تكنوقراطي بلا قيم، تستخدم خطاب السوق كبديل عن السياسة، والانفتاح الاقتصادي كقناع للتعتيم الأيديولوجي. بهذا المعنى، ما يقدمه الشرع ليس مشروع دولة حديثة، بل محاكاة للحداثة: حداثة بلا حرية ولا عقل عمومي. إنها نسخة متطرفة من النيوليبرالية، تختبئ وراء شعار «الخصوصية الدينية» لإعادة إنتاج الأمة الواحدة، وفي الحالة السورية: العروبة السنيّة الأصولية.
عموماً، يُقابَل التعتيم على إيديولوجية الشرع، والاستهزاء بفكرة العلمانية والدولة الدستورية، بإعجاب واضح من بعض القوى الدولية. وقد تجلّى ذلك مؤخراً، في مقالةٍ للدبلوماسي الأميركي السابق جيمس جيفري، المعروف بانحيازه للموقف التركي في سوريا، حيث دعا إلى تسريع توحيد الإدارة الذاتية مع دمشق. واعتبر أن تعثّر الاتفاق، من وجهة نظر الإدارة الذاتية، يعود إلى جملة عوامل، أبرزها العنف الموجّه ضد الأقليات، والقرارات الأحادية الصادرة عن السلطة المؤقتة.
لكن جيفري، الذي شغل سابقاً منصب المبعوث الأميركي إلى سوريا، اعتبر أنّ السبب الأعمق للتعثر، هو نموذج الإدارة الذاتية نفسه، الذي حقق استقراراً مؤسسياً نسبياً؛ إذ لا يجد الكرد دافعاً للتخلي عن تجربتهم العلمانية والتشاركية، لصالح مشروعٍ غامضٍ يقوده الشرع. وفي ختام تحليله، انحاز جيفري بوضوح إلى خيار «الاستقرار»، الذي يقدّم الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، والحدّ من النفوذ الإيراني، على فكرة بناء دولةٍ حديثة. وهو موقفٌ تتشاركه غالبية القوى الخارجية في مقاربتها للملف السوري، خاصةً بعدما تخلى الغرب عن إرثه التحريري، واستبدله بمنطق « الاستقرار أولاً».
بناءً على ذلك، تجري اليوم إعادة إنتاج مركزية جديدة، ترتكز على أغلبية سنيّة ذات طابع إسلاموي، يقودها أحمد الشرع، الذي وصفه ترامب في الرياض بـ«الرجل القوي». إنها إعادة تمثيل لنمطٍ تسلّطي، يفضّل الاستبداد على الفوضى بعد الحرب الأهلية، في محاولة غربية، خصوصاً أميركية في عهد ترامب، لتصحيح ما تعتبره «خطأ» سقوط نظام صدام حسين، متخلّية عن أيّ وهم بالحرية: فشعوب الشرق الأوسط، بحسب هذا المنطق، لا تُدار إلا بالقوة، ولو كان الثمن تجميد مشروع الدولة الحديثة بالكامل.
المفارقة أن القوة التي يجسّدها الشرع لا تعمل على إنهاء العنف بل على إدارته، على تحويله من استثناء إلى قاعدة، أي جعله المبدأ المؤسِّس للسلطة ذاتها. فبدل أن تصون حقوق المجتمع، أصبحت وسيلة لإخضاعه باسم «الوحدة القسرية»، وترسيخ رؤية شمولية ترى في التعدد خللًا يستوجب المحو. ومثل هذا الوعي لا يمكن أن يستمر إلا بإعادة إنتاج العنف: مرة بالإبادة الفعلية، وأخرى بالصهر الرمزي، كما يتجلى في مساعي إذابة الإدارة الذاتية. وهنا تتكشف العلة الأصلية للكيانية السورية منذ تأسيسها: رفض الاعتراف بالتناقض بوصفه شرطاً للحياة. فهذا النمط من التفكير لا يسأل كيف يمكن للتنوع السوري أن يستمر بعد أربعة عشر عاماً من الحرب، بل يتجنب السؤال أصلًا. إنّه وعي يرى في الاختلاف خطراً على وجوده، لا طاقةً خلاقة لتجدّد الحياة.
سبل التعايش
إجابة هذا السؤال تقود مباشرة إلى «قسد» ومنظومة الإدارة الذاتية، بوصفهما التعبير الأكثر قرباً من فكرة حقّ الاختلاف، وعن إمكانية تأسيس دولة دستورية حديثة تنبع من هذا الحقّ لا من نفيه. فـ «قسد» لا تمثل المسألة الكردية فحسب، بل تشكّل في جوهرها قوة علمانية دفاعية نادرة في زمن أفول العلمانية وصعود الأصوليات. إنّها تحاول أن تمنح معنى جديداً للحداثة، حداثة ديمقراطية تتجاوز القومية الضيقة، وتعيد تعريف السيادة انطلاقًا من التعدد لا من التجانس القسري. وهذا ما يجعلها، في نظر القوى الخارجية، مصدر إزعاج دائم، لأن وجودها بحدّ ذاته يفضح هشاشة الخطاب الذي يبني «الاستقرار» على نفي الاختلاف، وهو ما يفسّر الضيق الذي يُظهره أمثال جيمس جيفري حيالها.
بيد أنّ الإدارة الذاتية، المتمسكة بالجدل الهيغلي حرفياً في مبدئه «الوحدة ضمن الاختلاف»، تدرك طبيعة الحصار الذي تفرضه عليها القوى الإقليمية ذات النزعات القومية، وتعي في أحيان كثيرة حجم الضغوط الدوليّة. فهي تمارس سياسة براغماتية مشروطة بالمبدأ: تنخرط في التسويات والتفاهمات، لا من موقع التنازل، بل من موقع وعي عميق بضرورات البقاء والتفاوض، كبديل عقلاني عن إيديولوجية الإبادة والذوبان القسري. ومن خلال لغة التفاوض، تحافظ على منطق العلاقة مع دمشق، لتُبقي مشروعها الديمقراطي حياً في قلب المأساة السورية.
لفهم ديناميات الصراع السوري، يجدر استحضار منطق هيغل: فالتنوّع ليس خللاً يُصحح، بل شرط للوعي والحياة، والتناقض بين المركز والأطراف هو ضرورة جدلية تُنتج كلية عقلانية من الصراع السياسي ذاته. أما السعي لفرض وحدة قسرية باسم «الوطن الواحد» فهو تفكير ما قبل جدلي، يسعى لإيقاف حركة التاريخ عبر إلغاء التناقض. وبالتالي، حقيقة سوريا لا تولد إلا من خلال استيعاب هذا التناقض، أي تحويل الصراع ذاته إلى لحظة وعي، لا إلى حرب إبادة وعنف.
عند الدخول في حقل التفاوض بهذا المنطق، ومع بنود وثيقة اتفاقية 10 آذار، يصبح مبدأ الاندماج، اعترافاً بالاختلاف داخل المؤسسات المدنية والعسكرية، وليس ذوباناً في البنية المركزية، كما أشار مظلوم عبدي مؤخراً. ومع ذلك، استمر التفكير الأحادي في مقاومة التنوع خلال الأشهر الماضية، تارة عبر ضغوط مناصري الحرب في أنقرة، وتارة أخرى عبر إيديولوجية أنصار أحمد الشرع نفسه، ما أدى إلى صدام مباشر مع الواقع، مخلفاً مجازر وتهديدات متكررة بانفجار الحرب الأهلية، وهذا هو جوهر الورم البنيوي، الذي عُصِفَ به الكيان السوري منذ تأسيسه. إزاء هذا الواقع، يبدو أنّ دمشق، وربما أطرافاً خارجية، أدركت أخيراً أنّ الاعتراف بالآخر لم يعد خياراً، بل ضرورةً وجودية للحفاظ على الدولة والمجتمع، وشرطاً وحيداً لإمكانية فرض الاستقرار.
التناقض كشرط البقاء
رغم كل التجاذبات اليومية، والتطورات الإقليمية الملتهبة، يبدو أنّ التفاوض أصبح خياراً حتمياً، حتى مع ظهور دعوات وصلت إلى حد المطالبة بالاستقلال كوسيلة لوقف المذبحة السورية. فالاندماج، وفق مسار التفاوض الجاري، لا يمحو الخصوم في بوتقة واحدة، بل يعترف بالمسافات بينهم، ويحدد إطاراً للاختلاف، والاعتراف المتبادل. جوهره يقوم على ترسيم الصلاحيات، وإبراز الفروقات بين المركز والأطراف، وفصل السلطات، وحماية التنوع المجتمعي، مع منح كل طرف حقه في إدارة شؤونه الذاتية.
غير أنّ ذلك لا يعني أن يقوم التعايش على انسجام مثالي بين منظومة علمانية وأخرى أصولية، أو بين سلطة الشيوخ في المناطق ذات الغالبية السنية، ووحدات حماية المرأة. ولا يعني أيضاً فرض الحاكمية الإسلاموية على الذميين تحت غطاء «وحدة زائفة». بل يتطلب تحويل التناقض المتجذر بين خصوم ينظرون إلى العالم من منظورات مختلفة كلياً إلى مساحة مشتركة، تُدار بلغة سياسية ودستورية، مثل السيادة، والثروة الوطنية، والحدود والمعابر، والعملة، وصلاحيات المركز والأطراف، ومكافحة الإرهاب. فالاندماج لا يعني الوحدة القسرية، بل إبقاء التناقض ضمن فضاء رمزي، يحول دون الانزلاق إلى صدام إبادوي. بلا شك، ستبقى التناقضات السياسية بين هذين المشروعين قائمة وبحدة، لكن الجوهر هنا واضح: قبول العيش مع من لا نتفق معه ليس مجرد تسامح، بل واقع مشترك لا مهرب منه، وشرط حيوي لبقاء سوريا ما بعد الحرب.
إنّ قبول فلسفة التناقض، والتعامل معها يمثل شرطاً أساسياً لنجاح الاندماج، خصوصاً في ظل غياب هوية وطنية جامعة؛ فغياب هذا القبول، يترك خيار الحرب كبديل محتمل، وهو ما لا يحتمله الواقع السوري. يصبح بإمكان النموذجين التعايش اليوم، إذا تخلّت السلفية الأصولية عن الوهم المطلق الأحادي في إدارة الدولة، وقبلت التعدد نسبياً، فيما تضطر الإدارة الذاتية إلى التفاعل مع شبكة السلطة الجديدة هذه. بناءً على ذلك، تصبح كل خطوات التفاوض القادمة ملزمة بتثبيت هذه المساحات المشتركة والمختلفة، من خلال قوانين جديدة، وتعديلات دستورية، لضمان استمرار سوريا ككيان متعدد الأطراف وقادر على الصمود.





