• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

الصين وإيران.. شراكة على مفترق طرق

1 أكتوبر 2025
الصين وإيران.. شراكة على مفترق طرق

جانب من مناورات بين الصين وإيران بمشاركة روسيا | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

د. طه علي أحمد

مع تسارع وتيرة التحولات التي تطرأ على بنية النظام الدولي وتنامي المنافسة بين القوى الكبرى، يبرز التقارب الصيني – الإيراني كأحد المسارات المؤثرة في معادلات الشرق الأوسط، حيث لا ينفصل هذا التقارب عن حاجة بكين المتزايدة إلى تنويع مصادر الطاقة وضمان أمن إمداداتها، كما لا ينفصل عن سعي طهران إلى كسر طوق العقوبات الغربية وتعزيز موقعها الاقتصادي والسياسي عبر بوابة الشراكات الآسيوية لاسيما بعد المواجهات العسكرية الأخيرة مع إسرائيل. ومع تعدد العوامل الدافعة والضاغطة، تبرز أهمية استشراف السيناريوهات المحتملة لهذا التقارب ورصد انعكاساته على موازين القوى الإقليمية، بما يساعد صانع القرار والباحث على فهم اتجاهاته ومآلاته المستقبلية.

أولًا: محددات التقارب الصيني – الإيراني

الطاقة والاقتصاد

تُمثّل صادرات النفط الإيراني حجر الزاوية في العلاقة بين بكين وطهران، ليس فقط بوصفها تبادلاً تجاريًا، بل باعتبارها آلية استراتيجية تمنح الطرفين أدوات ضغط ومجالات مناورة، وتظهر أهمية ذلك في عدة مستويات:

حجم الصادرات واتجاهها: فقد بلغت واردات الصين من النفط الإيراني ما بين 1.3 و1.4 مليون برميل يوميًا خلال النصف الأول من عام 2025، وهو ما يعكس اعتمادًا ثابتًا رغم القيود المفروضة على طهران، حيث تُباع النسبة الأكبر من هذه الشحنات إلى شركات (أو مصفاة) التكرير الصينية المستقلة المعروفة باسم “teapots” ومقرها مقاطعة “شاندونغ”، حيث تعد أكثر مرونة مقارنة ببقية المصافي الوطنية الكبرى، ما يجعلها قناة مثالية لاستيعاب النفط الإيراني بعيدًا عن التدقيق الدولي.

الخصومات والتسعير: حيث تضطر طهران إلى تقديم خصومات متزايدة تتراوح أحيانًا بين 8 و12 دولارًا للبرميل مقارنةً بخام برنت أو حتى الخامات الخليجية المنافسة، وتحقق هذه الآلية فائدتين متوازيتين فمن ناحية تحصل بكين على إمدادات بأسعار أقل في وقت يتسم بتباطؤ اقتصادي وطلب ضعيف على الطاقة، مما يخفّض التكلفة على الصناعات المحلية ويعزز احتياطياتها الإستراتيجية، ومن جهة أخرى تستمر تدفقات العائدات الدولارية لإيران، حتى وإن كانت أقل من الأسعار العالمية وهو ما يمنحها سيولة نقدية مفيدة لتمويل الموازنة وتجاوز قيود التحويلات المصرفية.

إدارة المخاطر والمخزونات: رغم قيام مصفاة  teapotsبخفض وتيرة الشراء بسبب امتلاء المخازن وتراجع الطلب المحلي، إلا أن الصين استمرت في الاستيراد لأسباب تتجاوز الاحتياجات الآنية، ومن بينها زيادة المخزونات الإستراتيجية تحسبًا لاضطرابات مستقبلية في أسواق الطاقة العالمية، وتنويع مصادر التوريد لتقليل الاعتماد على نفط الخليج التقليدي أو على واردات من روسيا المعرضة لعقوبات أشد.

التحايل على العقوبات: حيث توفر بكين لطهران منفذًا عمليًا للالتفاف على العقوبات الأميركية، عبر أنماط دفع معقدة تشمل التسويات بالعملة الصينية “اليوان” أو المقايضة بسلع وخدمات، وبهذا تضمن إيران استمرار تجارتها النفطية بعيدًا عن المنظومة المالية الغربية، بينما تعزز الصين حضور عملتها في المعاملات الدولية.

ما سبق يمنح الطرفين بُعدًا جيوسياسيًا ينطوي على أوراق ضغط مزدوجة لكلا الطرفين؛ فإيران تستخدم صادراتها إلى الصين كـ”شبكة أمان” تبقي اقتصادها حيًا رغم الحصار، في حين توظف الصين الورقة الإيرانية كورقة مساومة في علاقاتها مع واشنطن والاتحاد الأوروبي، لافتةً بذلك إلى أن بدائلها في الطاقة لا تمر فقط عبر الخليج أو روسيا.

ثانيًا: المسار الدبلوماسي والقانوني

على المستوى الدولي، يُعَدّ موقف الصين أحد أهم دعائم طهران في مواجهة الضغوط الغربية، خصوصًا فيما يتعلق بمحاولات إعادة فرض العقوبات عبر آلية “السناب-باك” أو “كبح الزناد”، التي تم إدراجها في اتفاق 2015، حيث تنص على إعادة فرض العقوبات الدولية بشكل تلقائي في حال انتهاك إيران لشروط الاتفاق، من دون الحاجة إلى تصويت في مجلس الأمن، تفاديًا لاحتمال استخدام الصين أو روسيا حق النقض “الفيتو”، ويتجلى ذلك في عدة جوانب مثل:

الموقف القائم بمجلس الأمن: حيث قادت بكين، بالتنسيق مع موسكو، جهودًا للدفاع الرافض لتفعيل آلية “السناب – باك”، معتبرة أن واشنطن فقدت شرعيتها القانونية لاستخدام هذه الآلية بعد انسحابها من الاتفاق النووي في 2018، وقد منح هذا الموقف إيران غطاءً سياسيًا قويًا داخل أروقة الأمم المتحدة، ورسالة بأن لديها حلفاء من أصحاب العضوية الدائمة في المجلس.

إطالة أمد التفاوض: حيث تسعى الصين لكسب الوقت عبر الدعوة إلى تمديد المُهَل الزمنية للتفاوض، بدلًا من الانزلاق نحو إعادة فرض العقوبات الشاملة، وهو ما يخدم مصلحة طهران التي تحتاج إلى فسحة زمنية لتخفيف الضغوط، كما يخدم مصلحة بكين التي ترى في استمرار التفاوض أداة لاحتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، بما يحافظ على استقرار نسبي في أسواق الطاقة.

المواجهة في الأمم المتحدة: فمع فشل مجلس الأمن في منع عودة العقوبات، نتيجة الفيتو المزدوج الأميركي – الأوروبي، أعلنت بكين موقفًا صريحًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة برفضها ما أسمته “الإملاء القسري” في إعادة فرض العقوبات، وهو ما لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي، بل خطوة رمزية رسّخت صورة الصين كقوة مدافعة عن التعددية الدولية، ومعارضة لنهج العقوبات الأحادية الأميركية.

بشكل عام، أتاح هذا التموضع لإيران تعزيز سرديتها السياسية بأنها ليست معزولة دوليًا، وأن القوى الكبرى نفسها (الصين وروسيا) ترى العقوبات غير مشروعة، كما فتح الباب أمام صفقات مرحلية مع شركات صينية وروسية، مستفيدة من غطاء سياسي يحمي تلك الشركات نسبيًا من الضغوط الغربية، كما أسهم ذلك في إبقاء أفق التفاهم مفتوحًا، بما يسمح لإيران بالمناورة بين الالتزام الجزئي بالاتفاق النووي، والضغط المقابل عبر رفع مستوى تخصيب اليورانيوم. بجانب ذلك، وعلى المستوى الإستراتيجي، لا ينحصر دعم الصين لإيران في البعد القانوني فقط، بل يندرج ضمن رؤيتها الأشمل لمعارضة الهيمنة الأميركية على النظام الدولي؛ فكلما اصطدمت واشنطن بطهران، تجد بكين فرصة لإبراز نفسها كقوة مضادة للانفراد الأميركي بالقرار العالمي، وكشريك إستراتيجي لدول تواجه العقوبات.

ثالثًا: أطر التعددية والاتفاقات طويلة الأمد

يُعتبر اتفاق التعاون الإستراتيجي الذي وُقِّع بين بكين وطهران في مارس 2021، أحد أبرز الرموز الدالة على رغبة الطرفين في بناء علاقة شراكة طويلة الأمد. ورغم أن معظم بنود الاتفاق لا تزال في إطار الإعلان السياسي أكثر من كونها التزامات تنفيذية ملموسة، إلا أنه يحمل عدة دلالات:

الإطار الاقتصادي الاستثماري: حيث ينص الاتفاق مبدئيًا على تعاون واسع يشمل مجالات الطاقة، والبنى التحتية، والاتصالات، والتكنولوجيا، بل وحتى التعاون العسكري والأمني. ورغم التوقعات الأولية باستثمارات صينية قد تصل إلى 400 مليار دولار، فإن التنفيذ الفعلي ظل متواضعًا ومتقطعًا، بسبب حذر الشركات الصينية الكبرى من التعرض للعقوبات الأميركية، وضعف البنية التحتية المالية والمصرفية الإيرانية، ما يُعيق تدفق الاستثمارات، بالإضافة إلى إيلاء الصين الأولوية لملفات أكثر استقرارًا مثل استثماراتها في الخليج أو إفريقيا مقارنةً بالسوق الإيرانية.

البعد الرمزي – الإستراتيجي: رغم محدودية التنفيذ، لكن الاتفاق يوفر “مظلّة سياسية” تعكس التزامًا صينيًا برؤية طويلة الأمد للعلاقة مع إيران، وتمنح طهران شعورًا بأنها ليست معزولة أو مقيدة بالكامل داخل النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

التعددية عبر المنظمات الدولية: وذلك من خلال انضمام إيران إلى أطر متعددة الأطراف مثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وهو ما يمنحها إمكانية المشاركة في مشاريع إقليمية للطاقة والنقل، ويوفّر قنوات للتنسيق الأمني مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند، وكذلك تجمع “البريكس” (BRICS) الذي يعزز شرعيتها السياسية كجزء من تكتل يرفع شعار “تعددية الأقطاب”، ويوفّر فرصًا للتعامل بالعملات الوطنية وتقليل الاعتماد على الدولار.

غير أنه رغم أن الانضمام لهذه الأطر لم يُثمر بعدُ عن مكاسب اقتصادية مباشرة أو استثمارات ضخمة، إلا أن قيمته تكمن في عدد من الجوانب من بينها توسيع قنوات التجارة ولو بحدود ضيقة، وإضفاء شرعية سياسية على النظام الإيراني عبر إظهار أنه شريك معترف به في مؤسسات دولية بديلة، بالإضافة لتعزيز سردية مقاومة الهيمنة الغربية، التي تسعى إيران لترسيخها داخليًا وخارجيًا.

رابعًا: الأمن والوساطة

يتخذ الدور الصيني تجاه إيران طابعًا تنظيميًا – وساطيًا أكثر منه تحالفًا عسكريًا مباشرًا، إذ تحرص بكين على توظيف أدواتها الدبلوماسية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي دون الانزلاق إلى شراكات دفاعية شاملة؛ فعلى مستوى الوساطة الإقليمية لعبت الصين دورًا بارزًا في المصالحة السعودية – الإيرانية التي أُعلنت في مارس 2023، وهو إنجاز دبلوماسي مَنَح بكين مكانةً متقدمة كوسيط مقبول لدى الطرفين، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة أقل حضورًا في الملف. وقد مثَّلت هذه الوساطة نموذجًا لدور الصين كـ “موازن إقليمي” يفضّل تقريب وجهات النظر على الانحياز لطرف ضد آخر، بما يخدم رؤيتها لأمن الطاقة واستقرار الممرات التجارية. رغم ذلك، تحرص بكين على إبقاء التوازن في علاقاتها الإقليمية لا سيما فيما يخص علاقاتها مع دول الخليج، خصوصًا السعودية والإمارات، اللتان تُعدّان مصادر رئيسية لوارداتها النفطية. وفي الوقت نفسه، تُبقي بكين على قنوات تواصل مع إسرائيل، سواء في مجالات التكنولوجيا أو الاستثمارات، وهو ما يجعلها غير قادرة على الانحياز الكامل إلى طهران في ملفات حساسة مثل الملف النووي أو الصراع الإقليمي.

ما سبق ينعكس على مستويات التعاون الدفاعي المتنامية في أبعاد متعددة مثل التدريبات البحرية المشتركة مع روسيا وإيران في المحيط الهندي وخليج عمان، ما يرسل رسائل رمزية عن تقارب إستراتيجي، كما يتنامى الاهتمام بتعزيز التعاون في المجالات الدفاعية غير التقليدية مثل الأمن السيبراني، والتكنولوجيا العسكرية مزدوجة الاستخدام، لكن هذا التعاون يظل محدودًا من حيث الحجم والتأثير مقارنة بما توفره إيران من تعاون عسكري مع روسيا مثلًا، أو مقارنة بما تشتريه الصين من أسلحة من دول أخرى أكثر استقرارًا.

لكن ذلك لا يخلو من القيود والاعتبارات الإستراتيجية؛ فبكين لا ترغب في تحويل إيران إلى شريك عسكري كامل خشية استفزاز الولايات المتحدة أو تقويض علاقاتها الاقتصادية مع الخليج، ولهذا يظل تركيزها الأكبر على حماية طرق التجارة البحرية وضمان استقرار مضيق هرمز وبحر العرب، وهو ما يفسر الميل الصيني إلى الوساطة لا التحالف الصريح.

التأثيرات الإقليمية المحتملة

ما سبق ينطوي على العديد من التداعيات الإقليمية المحتملة التي نوردها على النحو التالي:

فعلى مستوى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، يشكّل استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الصين رافعة مالية حيوية لإيران، إذ يُخفّف من وطأة العقوبات الغربية ويمكّن طهران من تمويل شبكاتها الإقليمية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، كما أن الاعتماد على “أساطيل الظل” لنقل النفط، والتفاوت في شفافية البيانات الخاصة بالمخزونات الصينية، يخلقان فجوات معلوماتية تؤدي إلى زيادة التقلبات في أسعار النفط العالمية، وبشكل عام تنعكس هذه التقلبات على موازنات دول المنطقة المصدّرة للنفط (مثل السعودية والعراق) حيث تتأثر بتذبذب الإيرادات النفطية، ما يفرض تحديات على خطط التنمية والإنفاق العام، والحال نفسه بالنسبة للدول المستورِدة للنفط (مثل مصر والأردن والمغرب) التي تواجه ضغوطًا أكبر على الموازنات بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد وتقلب أسعار الوقود.

وعلى مستوى معادلات الردع في الممرات البحرية، نجد أنه كلما تحسَّنت الملاءة المالية لإيران بفضل عائدات النفط، ازدادت قدرتها على تحمّل الضغوط والتكاليف المرتبطة بالأنشطة التصعيدية في الممرات البحرية الحساسة مثل الخليج العربي والبحر الأحمر، وهو ما يعني استمرار اعتماد طهران على أدواتها غير المباشرة عبر الوكلاء في تهديد الملاحة أو رفع تكلفة الردع أمام خصومها. لكن في المقابل، تبقى الصين حريصة على تجنّب أي تعطيل واسع النطاق لحركة التجارة، إذ إن استقرار الممرات البحرية يمثّل مصلحة حيوية لمبادرة “الحزام والطريق” ولأمن الطاقة الصيني. وبالتالي، فإن العلاقة بين بكين وطهران تضبط سلوك إيران بحيث توازن بين التصعيد التكتيكي والالتزام بعدم المساس بالاستقرار الإستراتيجي الكلي.

وعلى مستوى هندسة العقوبات والامتثال، وحتى مع احتمال إعادة تفعيل العقوبات الأممية، يظل المسار الصيني منفذًا رئيسيًا لالتفاف إيران على منظومة العقوبات، سواء عبر التسويات باليوان، أو عبر التجارة غير المباشرة بوساطة دول ثالثة، غير أن ذلك يضع مصارف وشركات في الشرق الأوسط أمام مخاطر متزايدة على مستوى الامتثال، خصوصًا تلك التي تدخل، ولو بشكل غير مباشر، في شبكات الإمداد أو التجارة المتصلة بالنفط الإيراني – الصيني؛ وأي انخراط غير محسوب قد يؤدي إلى عقوبات ثانوية تطال كيانات في دول عربية أو آسيوية، ما يخلق حالة من الحذر الشديد في التعاملات التجارية والمالية.

أما على مستوى ميزان القوى الدبلوماسي، فالصين تُعزز من قدرتها على لعب دور الوسيط البراجماتي في المنطقة، مستفيدة من نجاحها في رعاية الاتفاق السعودي – الإيراني في 2023، وهو ما يمنحها نفوذًا إضافيًا باعتبارها بديلًا تفاوضيًا عن القنوات الغربية التقليدية، ويقلّص جزئيًا من فعالية الضغوط الأميركية والأوروبية. ومع ذلك، يظل الدور الصيني دبلوماسيًا – تنظيميًا بالأساس، إذ لا يتطور إلى دور “ضامن أمني” مباشر على غرار الولايات المتحدة، ما يجعل تأثيره محدودًا من حيث القدرة على إدارة أزمات عسكرية كبرى.

يتراوح التقارب الإيراني الصيني بين السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول: تعميق الشراكة الاقتصادية دون الاختراق الأمني

في هذا السيناريو يُتوَقع أن تمضي الصين نحو تنويع مصادر الطاقة، مع تخفيض تكاليف التوريد وحيازة نفوذ على ممرات الإمداد، الأمر الذي ينعكس بالنسبة لإيران على تعظيم العائدات وسط القيود، وتأمين تمويل لمشروعات البنية والتكرير والبتروكيماويات، وهو ما يتحقق من خلال آليات تنفيذ متعددة مثل عقود توريد طويلة الأجل بنُظُم خصم مرنة، والتسويات باليوان أو عبر مقايضات (النفط أو البتروكيماويات مقابل معدات وبنية تحتية)، مع اتساع الخصومات على الخام الإيراني إلى آسيا وتزايد أحجام الشحنات، وإعلان خطوط ائتمان أو آليات دفع بديلة وتفعيل بنوك وسيطة، تعززها حزم من المشروعات في الموانئ والمناطق الاقتصادية ومشروعات الطاقة المتجددة وشبكات النقل. لكن هذا السيناريو قد يُواجه بقيود مثل تشديد العقوبات الثانوية على شركات ومصارف صينية فضلًا عن مخاطر تأمينية على الناقلات، وقد ينعكس ذلك على رفع قدرة إيران على الصمود المالي مع تعزيز نفوذ الصين في سوق الطاقة الإقليمي دون تصعيد أمني.

السيناريو الثاني: التوازن الحَذِر مع “هندسة التهدئة” الإقليميّة

فالصين تحرص على عدم خسارة أسواق الخليج، ومن ثمّ تُقيِّد البُعد الأمني وتُضخِّم الدور الوسيط، وهو ما يتحقق من خلال مسارات الحوار الأمني البحري، وترتيبات عدم التصعيد في الممرات البحرية مثل مضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر، مع وجود مواءمة صينية بين عقود اقتصادية مع طهران وضمانات طمأنة للشركاء الخليجيين، وهو ما ينعكس بالضرورة على خفض المخاطر على الملاحة والتأمين، وإبقاء إيران مُندمِجة اقتصاديًا دون تحالف أمني مُلزِم. وكانت الصين قد أصدرت أخيرًا بيانات متكررة عن “ضبط النفس”، بالإضافة لعقد مجموعات عمل بحرية تجارية، وثلاثة اجتماعات مشتركة مع إيران ودول خليجية. لكن ذلك قد يصطدم بحوادث بحرية مفاجئة، أو ضربات بالوكالة تُرْبِك مسارات التهدئة، وتُسفر عن مخاطر على الملاحقة والتأمين، بالإضافة لإبقاء إيران مدمجة اقتصاديًا دون تحالف أمني ملزم.

السيناريو الثالث: تصعيد إستراتيجي متدرّج

فالتوتر الهيكلي القائم مع واشنطن قد يدفع بكين لتوسيع هوامش الردع غير المباشر، ومساعدة إيران في الحصول على تقنية مزدوجة الاستخدام، وقد يتحقق ذلك من خلال تدريبات بحرية متقدمة والتعاون في مجال الاستطلاع والمراقبة، فضلاً عن منصّات اتصالات أو أقمار تجارية ثنائية الاستخدام، ونقل تكنولوجيا صناعية/سيبرانية تزيد من صلابة الاقتصاد الإيراني. لكن هذا السيناريو قد يواجه قيوداً ومخاطر، من بينها فرض عقوبات قاسية، وردود فعل اصطفافية بين واشنطن وتل أبيب ودول الخليج ولا سيما في المجال البحري، وقد ينعكس ذلك إقليميًا على رفع احتمالات سباق القدرات والردع المتبادل فضلًا عن التوتر الذي قد يعتري بيئة الشحن والتأمين.

السيناريو الرابع: الانتكاسة والتعثر بفعل العقوبات الثانوية وتشديد الامتثال الصيني

فقد تتجاوز كُلفة الامتثال للشركات الصينية مكاسب السوق الإيرانية عند حدٍّ معين من الضغط، وهو ما يتحقق من خلال إدراج مصارف وسيطة أو شركات شحن على لوائح سوداء، بالإضافة لإنذارات الامتثال للبنوك الصينية. لكن ذلك قد يُواجَه بقيود ومخاطر تتمثل في تحويل التعامل إلى قنوات أعلى كلفة وأقل استدامة، كما أن ذلك قد ينعكس إقليميًا على تباطؤ مشاريع الحزام والطريق في إيران، وزيادة تقلبات الإمداد والأسعار لإيران.

السيناريو الخامس: التعميق المؤسسي عبر التكتلات متعددة الأقطاب

وقد يكون ذلك عبر بناء شبكات وقاية مؤسسية ضد أزمات الدولار والعقوبات، وتفعيل ممرات بديلة ضمن الحزام والطريق، وهو ما يتحقق من خلال مقاصة بالعملات المحلية، وفتح أفرع مصرفية أو صناديق تمويل مشتركة، بالإضافة للربط السككي والموانئ الموصلة لآسيا الوسطى والقوقاز. لكن ذلك قد يواجه إشكالية فجوات البنية التحتية واصطدام الممرات بالمصالح الروسية التركية الخليجية، وقد يرتفع ذلك على رفع منسوب الترابط الآسيوي وإعادة هندسة سلاسل التوريد، ما يمنح إيران نافذة انخراط أوسع.

أخيرًا، وفي ضوء المعطيات السابقة، قد يكون مسار الشراكة الاقتصادية في مجال الطاقة بين الصين وإيران هو الأقرب للتحقق، حيث تسعى بكين لتأمين إمدادات طاقة منخفضة التكلفة وتوسيع نفوذها اللوجستي، فيما ترى طهران في هذا التقارب وسيلة لتعويض آثار العقوبات وتعزيز قدرتها على الصمود. ومع ذلك، من المرجح أن يترافق هذا المسار مع توازن حذر يحافظ على خطوط الاتصال الصينية مع شركائها الخليجيين ويمنع تحوله إلى تحالف أمني مباشر. أما السيناريوهات الأخرى كالتصعيد العسكري أو الانتكاسة تحت ضغط العقوبات، فهي احتمالات أضعف أو مرتبطة بظروف استثنائية، بينما يبقى التعميق المؤسسي عبر البريكس ومنظمة شنغهاي مسارًا بعيد المدى وتدريجيًا.

*باحث في شؤون الشرق الأوسط وسياسات الهوية

Tags: العقوبات على إيرانالعلاقات الإيرانية الصينيةالملف النووي الإيراني




آخر المنشورات

المجتمع والسياسية.. مجاعة كردستان عام 1918

المجتمع والسياسية.. مجاعة كردستان عام 1918

3 يونيو 2026

حسين جمو خلص مقال سابق في المركز الكردي للدراسات بعنوان «المجتمع والسياسة في كردستان 1915...

محافظة الرقة السورية: صورة تظهر منطقة غمرتها مياه نهر الفرات بعد الإرتفاع الكبير لمنسوب المياه |أ.ف.ب

كاكيستوقراطية: ما السياسة تحت “حكم الأسوأ”؟

3 يونيو 2026

محمد سامي الكيال يعتبر مصطلح "كاكيستوقراطية" Kakistocracy إشكالياً للغاية في الخطاب السياسي الحديث، وربما أقل...

بعيداً عن “نظرية المؤامرة” وقريباً منها

بعيداً عن “نظرية المؤامرة” وقريباً منها

1 يونيو 2026

د.طارق حمو امتدت رئاسة علي خامنئي لإيران من عام 1981 حتى 1989، أي أنها غطّت...

كيف نجحت الولايات المتحدة في الانسحاب من سوريا؟

كيف نجحت الولايات المتحدة في الانسحاب من سوريا؟

30 مايو 2026

شورش درويش من وجهة نظر بدت حاسمة رفضت إدارة دونالد ترامب عبر مبعوثها الخاص إلى...

مبدأ مونرو الآخر ودكتاتورية التفاهة

مبدأ مونرو الآخر ودكتاتورية التفاهة

29 مايو 2026

عقيل سعيد محفوض أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو (1823) أن نصف الكرة الغربي "لنا"، وعلى...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية