محمد سيد رصاص
ليس من قبيل المصادفة أن يطلق رئيس حزب الحركة القومية في تركيا دولت بهجلي مبادرته يوم 22 تشرين الأول/أكتوبر 2024، عندما قام بدعوة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان «للتكلم أمام البرلمان التركي لإنهاء العمل المسلح وحلّ PKK»، حيث في ذلك اليوم، ومع انعقاد قمة دول منظمة البريكس بمدينة قازان الروسية، انتهى الرقص التركي على حبلي البيت الأبيض والكرملين، البادئ في يوم 9 آب/أغسطس 2016 مع قمة الرئيسين الروسي والتركي. وذلك عندما جرى إغلاق باب البريكس بوجه تركيا التي قدّمت طلباً للانضمام إلى المنظمة، وكان هذا أمراً معلناً من خلال تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل ثلاثة أسابيع: «البريكس كيان يتكون من دول ذات مفهوم مشترك. كما تتطلب العضوية اتخاذ موقف مخالف للموقف الأوروبي تجاه أوكرانيا» (صحيفة «زمان» بالنسخة العربية، 30 أيلول). وكان لافتاً مشاركة إيران مع الروس في رفض الطلب التركي.
هنا، وبعد ساعات من إعلان بهجلي، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتأييد المبادرة، وقد كانت المفاجأة في صاحب المبادرة الذي ينتمي لحزب قومي طوراني وصاحب مواقف شوفينية متطرفة تجاه الكرد وله ارتباطات بالمؤسسة العسكرية وبالدولة العميقة، ثم في مسارعة أردوغان لتأييدها. وكلا الأمرين أعطيا مؤشرات عن جديتها، وأنها حصيلة مراجعة كبرى في دواخل سلطة الدولة التركية.
إذا رجعنا للوراء، فإن انتهاء سياسة «التوجه التركي شرقاً» في ذلك اليوم بقازان كان تعبيراً جديداً عن أزمة الوظيفة الدولية لتركيا. فقد لعبت تركيا الحديثة منذ نشأتها عام 1923 دوراً وظيفياً عند البريطانيين ضد البلاشفة، ثم كان شراء حيادها من لندن وباريس في النصف الثاني من الثلاثينيات مع تجمع غيوم الحرب العالمية الثانية، ثم دورها الوظيفي في حلف الأطلسي (الناتو) منذ أوائل الخمسينيات ضد السوفييت، وفي محاولة إنشاء «ناتو شرق أوسطي» عبر «حلف بغداد» عام 1955.
مع انتهاء الحرب الباردة بانتصار البيت الأبيض على الكرملين عام 1989، عاشت تركيا فقداناً لدورها الوظيفي في العلاقات الدولية. وقد جرى طرح عند الرئيس تورغوت أوزال قبيل وفاته عام 1993 عن «انتماء تركيا لعالم تركي يمتد من بحر إيجة إلى تركستان الصينية» في محاولة لأخذ أنقرة دوراً عند واشنطن في تنظيم منطقة جغرا-سياسية نتجت عن التفكك السوفياتي، هي حاجز جغرافي بين العدو الموسكوفي القديم للأميركيين وبين عدو كامن يتعملق اقتصادياً بدأ الأميركيون بتلمسه في الصين.
ثم جاء رئيس الوزراء الإسلامي نجم الدين أربكان بعامي 1996 و1997 وطرح التوجه جنوباً نحو إيران والعراق وسوريا قبل أن يعاجله العسكر بانقلاب 28 شباط/فبراير 1997 برضا أميركي. وبعده أتى أردوغان وحزبه عام 2002 وطرح على الأميركيين، الذين صدموا بضربة 11 سبتمبر 2001، طرحاً بأن «تلاميذ حسن البنا هم الأقدر على مجابهة قاعدة ابن لادن والظواهري»، وهي بضاعة أردوغانية اشتراها الأميركيون من خلال دعمه داخلياً ضد حلفائهم القدامى في المؤسسة العسكرية التركية.
ثم كان رئيس أردوغان هو المقاول-الوسيط الذي أمّن الغطاء الأميركي لوصول الإسلاميين للسلطة في تونس ومصر بعامي 2011 و2012 ومشاركتهم بها في ليبيا واليمن. وقد كان سحب واشنطن لتأييدها للإسلاميين مع غطائها لانقلاب 3 يوليو 2013 في مصر بداية توتر في العلاقات التركية-الأميركية لم ينتهِ سوى في دمشق 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 مع رعاية واشنطن لوصول إسلاميين للسلطة بالتشارك مع أنقرة، في ضربة لموسكو وطهران يمكن وصفها بأنها ضربة انتقامية وجّهها أردوغان رداً على ضربة قازان الروسية-الإيرانية قبل شهر ونصف. وكما كانت القاهرة 2013 بداية توتر لأردوغان مع الأميركيين، فإن توافقه معهم في سوريا ما بعد بشار الأسد يذكر بتوافقه معهم بفترة 2002-2013.
هنا على الأرجح، أن مبادرة بهجلي فيها استخلاص دروس عميقة، ليس فقط من أزمة فقدان الدور الوظيفي التركي في العلاقات الدولية البادئة عام 1991، بل من الأزمة البنيوية للدولة التركية منذ قيامها عام 1923 على يدي وزير الخارجية البريطاني اللورد كرزون، عندما كان الدور الوظيفي الخارجي للدولة التركية يعطي حماية دولية ومكاسب اقتصادية، وهو ما كان يؤدي إلى حجب أو تسكين الهشاشة الداخلية لدولة معاهدة لوزان.
وعندما كان الداخل ينفجر، كما في أعوام 1925 و1930 و1937-1938 وفي 1984-2024، كان الخارج يسارع لمنع الانهيار أو التشظي. وحتى عندما أرضى أردوغان الأميركيين في ليبيا ضد الروس هناك، وهم الذين يدعمون اللواء خليفة حفتر بالشرق، وعندما أرضى الروس في سوريا 2016-2020 وأرضوه، وهو ما أغضب الأميركيين، فإن هذا اللعب على الحبلين لم ينفعه كثيراً. ثم، وهو المتقارب مع الروس والإيرانيين في سوريا، كان يتخاصم معهما في الصراع الأذربيجاني-الأرمني بفترة 2020-2023.
ربما يكون في أحد الدوافع المتعددة لمبادرة بهجلي، ومعه أردوغان، الخوف من فراغات القوة الإيرانية في الإقليم بعد هزيمة حليفي طهران في غزة ولبنان بخريف 2024 وما يمكن أن يجرّ ذلك من دفع فواتير تركية في حال ملء هذا الفراغ بمعزل عن أنقرة، وخاصة في سوريا. والأرجح أن هذا هو التفسير لمسارعة أنقرة مع واشنطن في طبخ عملية الإطاحة ببشار الأسد بين يومي 27 تشرين الثاني – 8 كانون الأول، في عملية يعرف أردوغان أنها كانت خيانة لشريكيه في (الأستانة) و(سوتشي)، أي فلاديمير بوتين وعلي خامنئي، وضربة موجعة لهما، ولكنها ضرورية عند واشنطن لإنهاء المحور الإيراني ولإضعاف روسيا قبيل المفاوضات حول أوكرانيا.
لكن التفسير العميق لمبادرة بهجلي أن تركيا المعوّمة خارجياً لم تعد تنفع ما دام داخلها هشاً، وأن العلاج للوجع الداخلي التركي يكمن في الشفاء من مرضها الأكبر، وهي أنها جمهورية تقوم أيديولوجياً على نزعة قومية استئصالية ماحية في مجتمع متعدد القوميات.
اللافت للنظر أن يأتي ذلك من زعيم حزب قومي تركي طوراني ومن زعيم حزب إسلامي، وأن تكون مبادرتهما تجاه زعيم أسير في جزيرة معزولة، هو زعيم لحزب مزج الماركسية مع النزعة القومية الكردية، ثم ابتكر في سجنه بالقرن الجديد نظرية «الأمة الديمقراطية» التي تقول بوطن لا هوية قومية له، يعيش مواطنوه حالة الحرية والمساواة من الناحية السياسية، وتعيش قومياته وإثنياته وأديانه وطوائفه حالة الحرية التعددية الثقافية-الشعائرية-اللغوية.
هؤلاء الثلاثة هم في خصام وتصادم مع الأتاتوركية.. فهل يتفقوا، وخاصة بعد أن أعطى السيد أوجلان إشارات إيجابية تجاه مبادرة بهجلي-أردوغان في يوم 27 شباط/فبراير، ومن ثم تجاوب إيجابياً حزب العمال الكردستاني (PKK) بمؤتمره الثاني عشر في أيار/مايو الماضي، وأعلن جميل بايِك، الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK)، عن السعي «لحل القضية الكردية وفق مسارات سياسية وقانونية» («وكالة أنباء هاوار»، 18 أيار)، بعد أن وافق مؤتمر الحزب على «حلّ الهيكل التنظيمي للحزب وإنهاء الكفاح المسلح».





