• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

“تغيير الخرائط”.. مشروع إسرائيلي يربك حسابات تركيا وإيران

27 يوليو 2025
“تغيير الخرائط”.. مشروع إسرائيلي يربك حسابات تركيا وإيران
Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

د.طارق حمو

شنّت إسرائيل في يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران 2025، سلسلة من الهجمات المباغتة المتزامنة، وعلى أكثر من صعيد ومستوى، طالت القدرات العسكرية والنووية والبنية التحتية الإيرانية، في عملية شاملة ومنسّقة حملت عنوان “الأسد الناهض”. وشارك في اليوم الأول من الهجوم 200 طائرة حربية، من بينها المقاتلات المتطورة (F35)، نفّذت ضربات دقيقة عطّلت من خلالها أنظمة ومنصات الصواريخ وبطاريات الدفاع الجوي ومدرجات الطائرات الحربية، وأخرجت نسبة كبيرة من هذه الأسلحة الاستراتيجية الإيرانية من الخدمة. كما وتمكّنت إسرائيل في تلك الهجمات التي استمرت 12 يوماً، من تدمير سلسلة كبيرة من الأهداف العسكرية والصناعات الحربية، وإلحاق ضربات مؤثّرة بالمفاعلات النووية الإيرانية، فضلاً عن اغتيال قادة من الصف الأول في الجيش والحرس الثوري الإيراني، وعدد من العلماء المشرفين على البرنامج النووي والعاملين فيه.

الاختراق وزوال الخطوط الحمراء

 فضلاً عن الدمار الشامل الذي ألحقته آلة الحرب الإسرائيلة بالبرنامج النووي والبنية التسليحية الاستراتيجية الإيرانية، فقد تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من اغتيال قادة كبار من الصف الأول في الجيش والحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية، أبرزهم محمد باقري رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة، وحسين سلامي قائد الحرس الثوري، وأمير علي حاجي زاده قائد القوة الجوفضائية في الحرس المسؤولة عن المسيّرات والقدرات الصاروخية، وغلام علي رشيد قائد مقر “خاتم الأنبياء”، ومهدي نعمتي نائب مدير جهاز الاستخبارات في قيادة الشرطة الإيرانية، بينما تعرّض كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي كان في اجتماع للمجلس الأعلى للأمن القومي، وعلي شمخاني المستشار السياسي للمرشد الإيراني، لجروح في استهدافين منفصلين حدثا بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة. كذلك اغتالت أذرع وخلايا الاستخبارات الإسرائيلية المتغلغلة في الداخل الإيراني، كوكبة من العلماء المشرفين على البرنامج النووي، من أبرزهم محمد مهدي طهرانجي المسؤول عن تطوير الأنظمة التفجيرية للرؤوس النووية، وسيد صديقي صابر العالم في مجال تخصيب اليورانيوم وتطوير الرؤوس الحربية، وإيثار طبطبائي المختص في الهندسة النووية، والعالم النووي فريدون عباسي الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وأحمد رضا ذو الفقاري المختص في الهندسة النووية.

وأسمت إيران عملية تصدّيها للهجوم الإسرائيلي باسم “الوعد الصادق 3″، وهي استمرارية لعملية “الوعد الصادق 1” التي نفّذتها إيران عبر القصف بالصواريخ والمسيّرات ضد إسرائيل في 13 أبريل/نيسان 2024، رداً على قصف الطائرات الإسرائيلية لمبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، في بداية الشهر ذاته، مما أسفر عن مقتل العميد محمد رضا زاهدي ومساعده العميد هادي حاج رحيمي، بالإضافة إلى 5 مستشارين عسكريين، وهم كلهم من الكوادر المتقدمة في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. أما عملية “الوعد الصادق 2” والتي نفّذتها إيران، أيضاً بإطلاق الصواريخ والمسيّرات، في مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول 2024، رداً على اغتيال إسرائيل لإسماعيل هنية القيادي البارز في حركة حماس الفلسطينية في نهاية شهر يوليو/تموز 2024 أثناء زيارته إلى طهران لحضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. كذلك جاء الهجوم الإيراني انتقاماً لاغتيال إسرائيل حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني في نهاية شهر سبتمبر/أيلول 2024، وقُتل في تلك العملية كذلك قيادات كبيرة في الحزب، بالإضافة إلى عباس نيلفوروشان نائب قائد عمليات الحرس الثوري الإيراني (1).

توقّفت الحرب بشكل رسمي في 24 يونيو/حزيران 2025 بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار بين الجانبين الإيراني والإسرائيلي، وذلك بعد تدخل الولايات المتحدة في الحرب لصالح إسرائيل وقصفها في 22 يونيو/حزيران مفاعلات ( نطنز وأصفهان وفوردو) في عملية عسكرية أسمتها (مطرقة منتصف الليل) باستخدام قاذفات الشبح الاستراتيجية المتطورة (Northrop B-2 Spirit) وقنابلها من نوع (GBU-57) الخارقة للتحصينات والتي تزن 30000 رطل، بالإضافة إلى إطلاق الغواصات الأميركية 30 صاروخاً من نوع توماهوك، ومن ثم ردّت إيران بقصف قاعدة (العديد) الأميركية في قطر، لكن بعد إبلاغ مسبق لكل من واشنطن والدوحة بتوقيت وحجم الضربة.

لقد استطاعت إسرائيل إلحاق أضرار كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني، ودمّرت منصات الصواريخ الباليستية والدفاعات الجوية الإيرانية روسية الصنع المعروفة بـ (S-300P)، والتي تقول إسرائيل إنها دمرت الأنظمة الأربعة التي كانت تمتلكها إيران، وبالتالي السيطرة على السماء الإيرانية، التي كانت تجول وتصول فيها على مدار الساعة عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية. أما إيران فقد أطلقت ما مجموعه 500 صاروخ على إسرائيل (من أصل 3000 صاروخ في الترسانة الإيرانية، حسب التقديرات الأميركية)، استطاعت 25 منها اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية (مقلاع داود، القبة الحديدية، باتريوت، نظام ثار الأميركي) وإحداث أضرار في منشآت عسكرية وأمنية ومستشفيات ومبانٍ سكنية ومراكز أبحاث ومحطات طاقة، بالإضافة إلى إطلاق طهران 1000 طائرة مسيّرة، لم تصل أي منها إلى أهدافها داخل الأراضي الإسرائيلية.

وكانت طهران تخطّط لإمطار الجغرافيا الإسرائيلية بأكثر من 1000 صاروخ، لولا نجاح الطائرات والمسيّرات التي أطلقتها الدولة العبرية في تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية عبر إحداث شلل في سلسلة وحركة الإمداد ونسف مراكز القيادة والسيطرة، وتعطيل ما يقارب من 40 في المئة من منصات إطلاق الصواريخ الثابتة منها والمتحركة، وتعطيل 70 في المئة من بطاريات الدفاع الجوي، وقصف مخازن الصواريخ وتدميرها، مما حال دون تعرّض إسرائيل إلى رشقات متتالية وكثيفة من الصواريخ الإيرانية مختلفة الأنواع والتأثير (2).

نتنياهو وترامب.. التضليل والمباغتة

حدث تضليل واضح لإيران قبل شنّ إسرائيل هجومها الواسع الصاعق. كان الهدف هو تحقيق مفاجأة كاملة الأركان للقيادة الإيرانية، وشلّ قدرتها على النهوض واتخاذ زمام المبادرة في الردّ. وحدث التضليل والخداع من الجانبين الإسرائيلي والأميركي، للإيحاء بأن لا نوايا في شنّ أي عملية عسكرية ضد إيران، وأن الاتجاه السائد لدى البلدين هو ترجيح الحل السياسي ومتابعة المفاوضات.

1ـ تمّ التركيز الإعلامي في إسرائيل على وجود “خلافات” بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية وتباين في وجهات النظر فيما يخصّ ملف الحرب في غزة، الذي أُريد أن يكون الملف الأكبر الذي تنشغل به إسرائيل.

2ـ استغلت الحكومة الإسرائيلية الأزمة التي نشأت نتيجة المطالب بتجنيد اليهود الحريديم، وتهديد الأحزاب التي تؤيد هذه الفئة بالانسحاب من الحكومة وبالتالي حلّ الكنيست، لتصوير وجود أزمة كبيرة، تنشغل بها كل الدولة عن الملف النووي الإيراني.

3ـ جرى إغراق الإعلام الإسرائيلي بأخبار تفيد كلها بانشغالات الحكومة بملف الحرب على حماس والرهائن. وتمّ الترويج للاجتماع الذي عقدته الحكومة في 12 يونيو/حزيران للتصويت على بدء الهجوم، على أنه مخصّص لمناقشة مفاوضات الرهائن، وأُخطِر الوزراء مسبقاً بأن جدول الاجتماع سيكون حول الجهود لإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة.

4ـ أعلنت الحكومة الإسرائيلية في 12 يونيو/حزيران في بيان لها بأن وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر ورئيس الموساد ديفيد برنياع سيتوجهان إلى العاصمة واشنطن غداً (أي في يوم الهجوم 13 يونيو/ حزيران) للقاء المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف تمهيداً للجولة السادسة من المحادثات النووية الإيرانية ـ الأميركية، والتي كان من المفترض عقدها في العاصمة العُمانية مسقط في 15 يونيو/حزيران، وأَخطرت واشنطن السلطات العُمانية بضرورة ترتيب وتأمين ظروف الجلسة التفاوضية السادسة مع إيران، وذلك قبل 3 أيام من وقوع الهجوم الإسرائيلي الشامل.

5ـ مارسَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه التضليل والخداع عندما زعم أنه يعارض عملية عسكرية إسرائيلية ضد إيران، لأن هذه العملية ستقوّض المفاوضات معها. وكان ترامب قد أعطى النظام الإيراني في تغريدة كتبها في أبريل/نيسان 2025 مهلة 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق، انتهت في 12 يونيو/ حزيران، وشهد اليوم 61، أي 13 يونيو/حزيران تنفيذ الهجوم الإسرائيلي الواسع.

الواضح أن ترامب وحلقة ضيقة من المحيطين به كانوا قد أُخطروا بموعد الهجوم الإسرائيلي ومداياته على إيران، وقد اعتراف نتنياهو في خطابه عقب تنفيذ الهجوم في 13 يونيو/حزيران بأنهم أطلعوا إدارة ترامب سلفاً على الهجوم، وأنه قال لترامب “إن المفاجأة هي سرّ النجاح”. كما وصف ترامب لشبكة (ِABC) صباح يوم الهجوم بأن “الهجوم الإسرائيلي كان ممتازاً. لقد منحناهم فرصة ولم يستغلوها. لقد تعرضوا لضربة قوية. قوية جداً”. وفي تغريدة له على موقع (Truth Social) قال ترامب: “إن القادة الإيرانيين لم يكونوا على دراية بما سيحدث. لقد ماتوا جميعاً الآن. يجب على إيران إبرام اتفاق، قبل أن ينفد كل شيء”. لقد حدثت عملية تضليل لإيران أشرف عليها نتنياهو وترامب، حيث جرى خداع النظام الإيراني وإفهامه بأن أميركا (وتالياً إسرائيل) تراهن على المفاوضات طريقاً لتخلي طهران عن برنامجها النووي، وأنه لا هجوم يلوح في الأفق (3).

عقيدة زامير و7 أكتوبر

في مايو/أيار 2022 وضع الجنرال إيال زامير (رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الحالي) دراسة موسّعة في 75 صفحة حملت عنوان “مواجهة استراتيجية إيران الإقليمية: خطة شاملة طويلة الأجل”، وذلك عندما كان يعمل كباحث زائر في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. وتوقفت الدراسة على الدور الإيراني الصاعد في منطقة الشرق الأوسط، والتهديد الذي يمثله النظام في طهران لإسرائيل، سواء بشكل مباشر عبر البرنامجين النووي والتسليحي النوعي، أو عبر رعاية الميليشيات المسلحة الموالية له في العديد من الدول. وركز زامير في دراسته على مفاعيل القوة الإيرانية، والتطور التدريجي لهذه القوة، الذي يرافقه دورٌ ونفوذٌ كبيران يتوسّعان في المنطقة، بحيث تحولت دولة “ولاية الفقيه” إلى لاعب رئيسي مؤثّر في المنطقة، لا يمكن القفز فوق دورها، أو إهمال التداعيات الناشئة عن قوتها وهيمنتها على دول برمتها.

وقدّم زامير في الدراسة تصوراته لكبح جماح إيران ذات التهديد الإستراتيجي لإسرائيل والغرب، معتبراً القدرات الإيرانية الماضية في التطور والتأهيل ضمن مشروع توسيع وتثبيت النفوذ، والتحول لقوة إقليمية عظمى، أنها تهديدٌ خاص ومستقل بذاته، وبالتالي جبهة يجب التعامل معها بخطة كبرى (تشترك فيها بالإضافة إلى إسرائيل، أميركا وحلفاؤها الأوربيون) وتشمل عدة أوجه ومجالات، ترمي كلها إلى تحطيم هذه القدرات (ضربات مفاجئة تُستخدم فيها أقصى درجات القوة والفتك وعمليات تصفية لرؤوس الدولة والمخططين الاستراتيجيين فيها)، بغية إخراج إيران من درجة التهديد الذي تشكله على أمن وبقاء الدولة العبرية. اعتبر زامير وجود النظام الإيراني، بعقليته ومشروعه العسكري التوسّعي، تهديداً بنيوياً حقيقياً لإسرائيل، وليس مجرّد نظام يرغب في توطيد نفوذه لتحقيق مكاسب أكبر في المنطقة، ويستخدم لذلك الخطاب التقليدي المعادي لإسرائيل لنيل رضا العرب والمسلمين (4).

وبعد وقوع هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي قادته حركة حماس وأسفر عن مقتل ما يقارب من 1200 مدني وعسكري إسرائيلي، وجرح 7500 وخطف 251 آخرين، والذي أحدث زلزالاً في إسرائيل، وكان ثاني عملية قتل جماعي لليهود بعد الإبادة (الهولوكوست) على يد النظام النازي في ألمانيا، عاد صانع القرار الإسرائيلي إلى دراسة زامير (في ظل اتهام إيران بتحريض حماس على الهجوم)، والتي أصبحت عقيدة دفاع وهجوم ضد إيران وأذرعها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط. ومع بدء إسرائيل في الانتقام لهجوم 7 أكتوبر، والذي تمثل في عملية عسكرية كبيرة في قطاع غزة، استهدفت حركة حماس، وأخرى حزب الله اللبناني، والحوثيين في اليمن، جرت الاستعدادات السرّية ووضع الخطط (وفق عقيدة زامير) لشنّ هجمات كبيرة وصاعقة تطال القدرات العسكرية للنظام الإيراني، باعتباره “رأس الأخطبوط”، الذي يحرّك الأذرع والوكلاء في المنطقة.

وبحسب موقع (walla.co.il) الناطق باللغة العبرية فإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قرّرت في نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024 شنّ عملية كبيرة ضد القدرات العسكرية الإيرانية، بهدف تدمير البرنامج النووي الإيراني، ومنصات الصواريخ الإستراتيجية، فضلاً عن مرافق وبنية تحتية، بالإضافة إلى اغتيال قيادات عسكرية من الصف الأول وعلماء نوويين إيرانيين. وقال الموقع في تحليل نشره في يونيو/حزيران الماضي إن اجتماع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ضمّ كبار المسؤولين في شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) وسلاح الجو (120 ضابطاً) لمدة عشر ساعات، وذلك لرسم خطة الهجوم على إيران، وتحديد بنك الأهداف التي سيتم قصفها، وعلى رأسها المفاعلات النووية ومنظومة الدفاع الجوي ومخازن ومنصات إطلاق الصواريخ، ومنظومة الطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى اغتيال قادة عسكريين وعلماء يعملون في البرنامج النووي الإيراني. واجتمعت الخلية المكلفة بالترتيب للهجوم على إيران في شهر فبراير/شباط 2025 مرة أخرى، وفي بداية شهر مارس/آذار استكملت خطة الهجوم، وتمّ تحديد الأهداف، ونقل عن شلومي بيندر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، بأن المسافة التي تفصل إسرائيل عن إيران، وهي 1500 كليومتر، ستصبح غير موجودة، وستطويها أسراب الطائرات الإسرائيلية بِحُرّية لتصل إلى المجال الجوي الإيراني الذي يجب أن يكون آمناً تماماً (5).

الاحتواء الإيراني والمبادرة الإسرائيلية

فشلت الإستراتيجية الإيرانية القائمة على الاحتواء طويل الأمد، والاستعانة بالوكلاء والأذرع لتوجيه ضربات، محددة ومسيطر عليها، لإسرائيل لجني مكاسب إقليمية وتثبيت النفوذ، مع الحفاظ على قواعد الاشتباك وضبطها. لم تفهم إيران التغييرات الجذرية التي طرأت على إستراتيجية الردع الإسرائيلية بعد هجوم 7 أكتوبر، وبقيت تراهن على ضبط التصعيد والتأرجح بين التلويح بالقوة وتفعيل الأذرع العسكرية في الإقليم، وبين العودة إلى طاولة المفاوضات والحوار، وإبداء استعدادها للتسوية في ما يخص ملفها النووي، وكل ذلك على أمل احتواء التغيير الإسرائيلي أو التأثير فيه. خلصت قراءات طهران بأن الدولة العبرية منشغلة بالمواجهات في غزة وتتعرض لضغوط شعبية فيما يخصّ ملف تحرير الرهائن المحتجزين من قبل حركة حماس، وهي في هذه الحالة لا تريد حرباً شاملة في المنطقة، وكذلك أن التوازنات الداخلية وطبيعة وشكل التحالفات بين الكتل السياسية في إسرائيل لا تمنح نتنياهو القدرة والمجال على شنّ هجوم عسكري واسع على إيران وبرنامجها النووي.

بينما فعّلت إسرائيل إستراتيجيتها الجديدة في التدمير الهائل والحرب الشاملة في كل المجالات الاستخباراتية والإعلامية والعسكرية، لشلّ حركة النظام الإيراني، وإحداث أكبر قدر ممكن من الترويع والارتباك والتشتت بين قياداته، وتدمير كل قدرات الردع والتأثير لديه مثل أنظمة الصواريخ المختلفة، وتعطيل شبكة الدفاع الجوي. كانت الخطة في تحطيم النظام الإيراني واغتيال الصف الأول من القيادات العسكرية، وتدمير القدرات العسكرية، موضوعة منذ سنين، وتم تجديدها والاشتغال عليها بشكل مركز منذ 7 أكتوبر. ظهر الهدف الإسرائيلي المتجدّد يتعزّز في تدمير كل الإمكانات والقدرات العسكرية الإيرانية، وفي المقدمة منها المفاعلات النووية وأنظمة الصواريخ وشبكة الدفاع الجوي، بالإضافة إلى تصفية القيادات العسكرية والسياسية من الصف الأول/الرعيل الأول، واغتيال العلماء والخبراء الإيرانيين المؤثرين في مجالات الأبحاث النووية. تمّ المزج بين الهجوم الجوي باستخدام 200 طائرة في الطلعة الأولى العاصفة، وعمليات الاغتيال والتصفية والاختراق الاستخباراتي والتشويش، والهجوم من خلال خلايا وقواعد سرّية على المنشآت العسكرية ومرابض ومخازن الصواريخ بغية تعطيلها وإخراجها من معادلة المواجهة.

أرادت إسرائيل خلق عصف يجتاح إيران ويخلّف دماراً كبيراً في كل المجالات العسكرية، بشرط أن يكون التأثير إستراتيجياً قادراً على هدم المنجز الإيراني العسكري الذي صرفت عليه طهران عشرات مليارات الدولارات، وظلت سنوات طويلة وهي تؤسّس لهياكله وبناه التحتية. جاءت الضربة لكسر العمود الفقري للمؤسسة العسكرية والإجهاز على بنك العقول العلمية البحثية. شملت ضربات الهدم والتدمير والتخريب والتصفية كل المناطق الجغرافية وكل مجالات القوة لدى إيران. كانت ضربات أفقية وأخرى عمودية بدون مراعاة لأي خطوط حمراء. ورغم ترك إسرائيل أمر الإطاحة بالنظام الإيراني وبقاء إيران دولة موحدة للشعب الإيراني وقوى المعارضة، إلا أنها عمدت إلى ممارسة أقصى درجات الفتك ودمّرت البنية التحتية التي تعتقد في إمكانية استخدامها في المجالات العسكرية، وصبّت النار في كل منشأة ترفد اقتصاد الحرب الإيراني.

كان واضحاً بأن إسرائيل تريد إظهار اقتدارها مع حرية الحركة الجوية لطائراتها الحربية داخل سماء إيران الآمنة، حيث كانت عشرات الطائرات الحربية تقصف وتدمّر على مدار الساعة. من خلال تعطيل نظام الدفاع الجوي سواءً بواسطة عمليات التخريب والقصف الموضعي بالمسيّرات، أو عبر القصف الصاعق المباغت، أمّنت الدولة العبرية حرية الحركة لطائراتها الحربية دون أي حساب لصواريخ وقذائف قد تطالها، ومن هنا شنّت قصفاً سجادياً على طول وعرض الجغرافيا الإيرانية المترامية بقصد تخريب كل منجزات ومقدرات النظام العسكرية، وبالتالي تدمير محصول سنوات طويلة من بناء المفاعلات النووية وتحديث الأنظمة العسكرية وقدرات الردع والهجوم.

الأناضول وأرض الميعاد

على الضفة الأخرى، ظهرت ملامح الصدام التركي ـ الإسرائيلي عقب الحرب الإسرائيلية ضد حركة حماس في قطاع غزة، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتهجير داخلي وحصار خانق. أرادت تركيا أن تقود “جبهة الرفض الإسلامية” ضد إسرائيل، لكن الأساس كان خوفها من مشروع التغيير الإسرائيلي الذي بات يلوح في الأفق مع خوض الدولة العبرية المواجهة على عدة جبهات (غزة، لبنان، سوريا، إيران واليمن)، والحديث المستمر عن تغيير الخرائط في المنطقة وتشكيل “شرق أوسط جديد”. فهمت تركيا تمظهرات القوة الإسرائيلية التي تمثّلت في ضرب حركة حماس واجتياح قطاع غزة، وإلحاق ضربات قاصمة بحزب الله اللبناني وتصفية قادته، ومن ثم تدمير جيش النظام السوري السابق، وضرب قدرات الحوثيين، وأخيراً الهجوم الواسع على إيران، وما رافق ذلك من ضرب البرنامج النووي واغتيال قادة الصف الأول في الجيش والحرس الثوري الإيراني. أحسّت أنقرة بأن النيران الإسرائيلية تقترب منها، وبرز السؤال واضحاً: ماذا لو هاجمت إسرائيل بما تمتلكه من قوة تركيا؟

تركيا التي يحكمها تحالف إسلامي ـ قومي، والراغبة في الزعامة وتوطيد “قرن تركيا”، أعلنت في السنوات الماضية عن مشاريعها الإقليمية التوسعية، التي تؤمِّن لها نفوذاً وحضوراً في المنطقة والعالم (العثمانية الجديدة، الوطن الأزرق، الميثاق الملي… إلخ) باتت على وشك الاصطدام مع إسرائيل التي تديرها حكومة يمينية، تُؤمِن بأن القوة الخشنة والاقتدار العسكري هي اللغة الوحيدة للتخاطب في منطقة تعجّ بالرافضين لإسرائيل والغاضبين منها، وتعلن صراحة بأن إستراتيجيتها القادمة هي منع ظهور قوة عسكرية قادرة على تهديد الدولة العبرية، وأنه لا بدّ من “تغيير الخرائط” وإعادة رسم وتشكيل المنطقة لضمان بقاء تل أبيب متفوقة ومتفردة بهذا التفوق. وجاءت الضربة الإسرائيلية في أبريل/نيسان 2025 لقواعد برية وأخرى جوية داخل سوريا، كانت أنقرة تخطط لتأهيلها والتموقع فيها في إطار اتفاق التعاون مع السلطة الجديدة في دمشق، كرسالة واضحة وتذكير بالخطوط الحمراء الإسرائيلية. كذلك راقبت تركيا بدهشة حيثيات وتفاصيل الهجوم الإسرائيلي على إيران، وخبرت مدى التفوق الجوي والاستخباراتي للدولة العبرية. قدحت في أذهان صناع القرار في أنقرة أسئلة مثل: ماذا لو كان هناك “سيناريو” ما يخطط لتركيا، وكان هناك “جيش استخباراتي” يتحرّك سراً تحت الأرض، ينتظر أوامر انطلاق الهجوم الإسرائيلي على تركيا؟ ما الذي يردع إسرائيل من فعل ذلك؟ (6).

في شهر يناير/كانون الأول 2025 صدر تقرير في إسرائيل عن لجنة تسمّى (فحص ميزانية الأمن وبناء القوة)، المعروفة باسم لجنة ناغل، على اسم رئيسها يعقوب ناغل، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، أوصى الحكومة الإسرائيلية بالاستعداد لحرب محتلمة مع تركيا، مركزة على مخاطر النفوذ الإسرائيلي في سوريا والتحالف بين أنقرة والسلطة الجديدة في دمشق. ورغم إشارة التقرير إلى الساحة السورية بوصفها مكمن الخطر، ويمكن أن تتحول إلى ميدان مواجهة بين تركيا وإسرائيل، إلا أن المخاوف الإسرائيلية في حقيقة الأمر تتجاوز المحلية السورية، وتعود في أصلها إلى الطموحات التركية في مجمل الإقليم، والتدخلات العسكرية في سوريا والمنطقة، ورفع لواء المشاريع التوسعية الكبيرة، وبناء الميليشيات وتبنّي خطاب زعامة ديني وطائفي يحرّض على الدولة العبرية. ولأجل هذه المخاوف أدرجت لجنة ناغل تركيا على رأس الأطراف التي تشكل تهديداً على إسرائيل، حينما أشارت إلى مواطن الصراع المحتملة التي ستواجهها الدولة العبرية في المستقبل المنظور. وكانت اللجنة قد اقترحت بعد تقييم شامل لحالة إسرائيل وتوازنات القوة والنفوذ وطبيعية التحالفات في المنطقة، زيادة ميزانية الجيش إلى ما يقارب من 4,1 مليار دولار سنوياً، لتحديث الآلة العسكرية الإسرائيلية والتوسّع في ميادين الاستخبارات والحرب الإلكترونية، بحيث تكون الريادة والتفوق دائماً للجيش الإسرائيلي (7).

وشهدت الفترة التي تلت عملية حماس في 7 أكتوبر 2023 والهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، ومن ثم التوسّع في الحرب لتشمل حزب الله والحوثيين في اليمن، ولاحقاً إيران وسوريا، حرباً إعلامية تركية ـ إسرائيلية، واتهامات يكيلها كل طرف للآخر بأنه يشكّل خطراً عليه ويستعد لخوض حرب توسعية ضده. وكان دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية وشريك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الحكم الأعلى صوتاً، والذي هدّد إسرائيل بعد أيام من هجومها على قطاع غزة بتدخل عسكري تركي لإيقافها. وكتب بهجلي عدة تغريدات على موقعه في منصة “X” هدّد فيها إسرائيل قائلاً: “في حال عدم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ووقف العدوان، فإن من الواجب على تركيا التدخل والقيام بكل ما من شأنه حماية غزة وميراث الدولة العثمانية، ميراث أجدادنا”. بينما وصف أردوغان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ “مجرم الحرب”، وقال إن إسرائيل قتلت 60 صحفياً كانوا ينقلون مأساة غزة، وإنها ترتكتب جرائم حرب وتقطع الكهرباء والماء والغذاء عن المدنيين (8).

وعموماً فقد أسفرت ثلاثة تطورات كبيرة في المنطقة في تعميق حالة العداء بين كل من تركيا وإسرائيل، وزيادة التوتر بين البلدين إلى درجة التهديد بالحرب والمواجهة، وهي:

1ـ الحرب الإسرائيلية في غزة ضد حركة حماس رداً على هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024 دفعت تركيا إلى تقمّص دور زعيمة العالم الإسلامي واعتبار غزة جزءاً من “التركة العثمانية”، وبالتالي إطلاق تهديدات بالتدخل العسكري (بهجلي)، واتهام إسرائيل بارتكاب جرائم الحرب ووصف نتنياهو بالإرهابي (أردوغان). كما ورفضت تركيا العملية العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله اللبناني، وكشفت عن مخاوفها من تمدّد واحتلال إسرائيلي للبنان، والاقتراب من الحدود التركية “مسافة ساعتين ونصف بالسيارة”، على حدّ تعبير أردوغان، والذي قال أيضاً بأن “الغزو الإسرائيلي يقع بجوارنا مباشرة، وإن المكان الذي ستضعه الحكومة الإسرائيلية هدفاً ضمن وهم أرض الميعاد بعد فلسطين ولبنان هو وطننا”(9).

2ـ تدمير إسرائيل لجيش النظام السوري السابق عبر شنّ مئات الغارات الجوية المركّزة بعد ساعات وأيام من سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد ووصول (هيئة تحرير الشام) إلى دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. ومن ثم إعلان إسرائيل عن عقيدتها في “سوريا الجديدة” وتقوم على اعتبار اتفاق (فكّ الاشتباك) الذي وقعته تل أبيت ودمشق عام 1974 لاغياً، واللجوء إلى السيطرة المباشرة على المنطقة العازلة، والتوغّل في مساحات كبيرة في الجنوب السوري، وإعلان محافظات الجنوب الثلاث (القنيطرة ودرعا والسويداء) مناطق نفوذ لا يجوز للسلطة السورية نقل أسلحة ثقيلة أو أعداد كبيرة من الجنود إليها، مع التغلغل الأمني للدولة العبرية فيها وتأسيسها لخلايا مراقبة ومنصّات تجسّس متقدمة فيها. وبعد ذلك قيام إسرائيل في أبريل/نيسان 2025 بقصف مطار حماة العسكري وقاعدة (T4) قرب حمص، بقصد منع تركيا من إقامة قواعد لها هناك. ونُقل عن وزير الخارجية الإسرائيلي قوله بأن بلاده لن تسمح لأحمد الشرع بإدخال “قوى معادية” لها إلى سوريا، وكان المقصود تركيا (10).

3ـ الهجوم الإسرائيلي الكبير على إيران 13 يونيو/حزيران 2015، والذي أظهر قدرات كبيرة ومتطورة للجيش الإسرائيلي تمثّلت في ضرب البرنامج النووي وتدمير الأسلحة النوعية وشلّ قدرات النظام الإيراني وتصفية كبار قيادات الجيش والحرس الثوري. ذهبت بعض الأصوات في تركيا للقول إن الهجوم ما هو إلا “بروفا” إسرائيلية لاستهداف تركيا وتدمير جيشها. وشجبت أنقرة الهجمات الإسرائيلية على إيران، وسمّاها أردوغان “هجمات إرهابية” معبّراً عن تضامن بلاده مع إيران. الهجوم أظهر للحكومة التركية الاقتدار العسكري الإسرائيلي من خلال الضربات السريعة المباغتة، سواء كانت تدميراً أو تخريباً أو اغتيالاً، التي شلّت قدرات إيران وجعلت سماءها مفتوحة وآمنة أمام عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية. كان واضحاً بأن الهجوم يأتي في إطار إستراتيجية جديدة (عقيدة التأسيس الإسرائيلية)، تريد من ورائها الدولة العبرية فرض هيمنتها على المنطقة، واستعمال أكبر قدر من القوة المفرطة والاقتدار العسكري بقصد التغيير وإعادة التشكيل وخلق توازنات جديدة (11).

ونتيجة القراءة التركية لمدايات ذهاب الدولة العبرية في استخدام القوة الباطشة، وخاصة في كل من غزة ولبنان، واتفاق التحالف اليميني الحاكم في إسرائيل على التدخل في المنطقة وفرض توازنات جديدة، قدّم دولت بهجلي في أكتوبر/تشرين الأول 2024 مبادرة للحركة الكردية في تركيا، يدعوها لترك السلاح والانخراط في عملية تفاوض وحوار بغية حلّ كل القضايا العالقة وتقوية الجبهة الداخلية في تركيا. هذه المبادرة لاقت تجاوباً من جانب الحركة الكردية وقائدها عبد الله أوجلان في 27 فبراير/شباط 2025. وبطلب من أوجلان أعلن حزب العمال الكردستاني في مؤتمره الثاني عشر في مايو/أيار 2025 حلّ نفسه والتخلي عن الكفاح المسلح، بينما عمدت الحكومة التركية إلى إنشاء لجنة برلمانية (بمشاركة قوية من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، ثالث أكبر كتلة في البرلمان) مهمتها مناقشة الإصلاحات القانونية والدستورية، والتي تخلق الأرضية وتفتح آفاق الاعتراف بالهوية والحقوق الثقافية الكردية في تركيا. كانت مبادرة بهجلي هذه قبل سقوط نظام بشار الأسد وقبل تدمير إسرائيل لجيش النظام السوري السابق، وكذلك قبل الهجوم الإسرائيلي على إيران.

تعلم تركيا أن هجوم حماس في 7 أكتوبر كان نقطة تحول كبيرة في تاريخ إسرائيل والمنطقة، وأنها خلقت تصوراً إستراتيجياً جديداً لدى الدولة العبرية، وأن التحالف اليميني الحاكم في تل أبيب لن يتردّد في مواجهة أية دولة عسكرياً (حتى تركيا)، بمجرّد أن يرى فيها تهديداً على أمن إسرائيل. وظهر واضحاً بأن إسرائيل التي تضرب في جوار ومحيط تركيا، وتتحدث عن تغيير الخرائط، يقترب ويستفحل خطرها. وبعد بروز ملامح الردّ العسكري الإسرائيلي في غزة ولبنان، والذي تبيّن أنه ردّ تدميري اجتثاثي، أعادت تركيا في غضون عام فقط النظر في العديد من الملفات، ففتحت حواراً مع الحركة الكردية، وجاهدت في “فتح صفحة جديدة” مع النظام السوري السابق، حيث أطلق أردوغان دعوات متكررة لبشار الأسد للقاء شخصي وإجراء مصالحة، وكل ذلك على أمل “تبريد” الجبهة السورية، بينما اختار التهدئة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، بغية تحقيق مكاسب تتمثل في إنهاء ترامب العقوبات الأميركية على أنقرة، وإعادة تركيا مجدداً إلى برنامج طائرة “إف-35″، بالإضافة إلى دفع العلاقات الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري. وهكذا، بدا أن التصوّر التركي يقوم التخلّص من العديد من الملفات الداخلية والخارجية، قبل تطور الأمور بين أنقرة وتل أبيب، وحدوث تصادم بين البلدين.

الخلاصة:

أولاً: إن إسرائيل وبعد هجوم 7 أكتوبر 2023، قرّرت الاعتماد على القوة المميتة بقصد التدمير والاجتثاث، مستندةً على تفوقها العسكري والتكنولوجي، وقدرتها على المباغتة والضرب في أكثر من مكان وعلى أكثر من صعيد، ناسفةً قواعد الاشتباك القديمة، والتي منحت خصمها الرئيسي إيران فرصة للتمدّد وتثبيت أذرعهِ من أحزاب وميليشيات مسلّحة.

ثانياً: ظهر الهدف الإسرائيلي في تدمير الحركات المسلّحة (حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني) التي تواجه الدولة العبرية من مسافة قريبة، واغتيال قادتها وكوادرها، وتفكيك وحداتها المسلّحة، معتمدة على الهجوم الجوي والبري، وعلى عمليات التعطيل والتخريب والتجسّس عبر عملاء قدّموا معلومات أفضت إلى اغتيال عشرات القادة البارزين. بالإضافة إلى ذلك أعادت إسرائيل احتلال الأراضي والتمدّد فيها، بعد إزالة هياكل وبنى الحركات المسلّحة تلك.

ثالثاً: جاء الهجوم الإسرائيلي على إيران (رأس الأخطبوط) بعد عملية تضليل وخداع مارستها تل أبيت وواشنطن، ووعود بالتفاوض ومنح المهل الزمنية، إلى حين استكمال استعدادات الهجوم الجوي الكبير. وهذا يدلّ على التنسيق العالي المستوى بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، وعلى تفهم أميركي لعقيدة الردع الإسرائيلية الجديدة.

رابعاً: العملية العسكرية ضد إيران كانت هائلة وغير متوقعة، أظهرت اختراقاً كبيراً في مؤسسات حساسة للنظام الإيراني. وعلاوةً على تدمير قسم كبير من الجيش الإيراني وإخراج أسلحة إستراتيجية من المعركة، فقد تمّ اغتيال عدد كبير من القيادات العسكرية الإيرانية، وكذلك جملة من العلماء/العقول النوويين.

خامساً: ظهر الهجوم الإسرائيلي على إيران شاملاً ومؤسّساً لمرحلة جديدة بدأت تبرز بعد 7 أكتوبر، عنوانها لا خطوط حمراء بل ضرب كل المراكز والقيادات بغية إخضاع الخصم بالقوة للشروط الإسرائيلية. أخرجت إسرائيل المواجهات من “حرب الظل” إلى العلن، وهجمت على طهران/المركز مباشرة، بعد أن أثّرت كثيراً، وعلى مدار 18 شهراً من الحرب المتواصلة، في قوّة وفعالية الأذرع الموالية لطهران.

سادساً: راقبت تركيا بقلق مرحلة التأسيس الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، منذ إعلان الحرب في غزة، ومن ثم الهجوم على حزب الله وتدمير بناه واغتيال قادته. ورصدت تركيا المنتشية بقوتها بإدارة الإسلاميين والقوميين، والتي تتحدث عن مشاريع توسعية مثل “العثمانية الجديدة”، توجهاً إسرائيلياً في إعادة رسم خرائط منطقة الشرق الأوسط. وتعزّز هذا الفهم بعد سقوط النظام السوري وتدمير إسرائيل لجيشه، والتمدّد في الجولان والمنطقة العازلة وإعلان الجنوب السوري منطقة أمنية خالية من السلاح الثقيل، وضرب قواعد في الداخل السوري كانت أنقرة تخطّط لاستخدامها. وكان الهجوم الإسرائيلي الكبير على إيران، الخطر الأكبر الذي استشعرته أنقرة وهي ترى طهران وقدراتها تتهاوى تحت الاقتدار العسكري الإسرائيلي.

سابعاً: الخوف التركي من العقيدة الإسرائيلية الجديدة (التأسّس/التغيير) وإمكانية حدوث صدام بين البلدين، دفع أنقرة إلى معالجة ملفات داخلية كانت ترفض في السابق معالجتها بطرق سلمية، مثل القضية الكردية. حدث حوار مع الحركة الكردية وقائدها أوجلان، أفضى إلى إعلان حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه والتخلي عن الكفاح المسلح، مقابل إصلاحات دستورية وقانونية تُنهي حالة إنكار الهوية والحقوق الثقافية الكردية في تركيا. ولعلّ هذه المقاربة الجديدة ستنعكس على الساحة السورية، من جهة إجراء أنقرة مراجعة لسياساتها السابقة في معاداة الكرد السوريين.

إشارات:

1ـ “الوعد الصادق”: سلسلة عمليات عسكرية شنتها إيران ضد إسرائيل. موقع “الجزيرة نت”. تاريخ النشر: 14/06/2025. الرابط:

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2025/6/14/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%82-%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9

2ـ الدروس المستفادة من الحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية. موقع ” تريندز” للبحوث والاستشارات. تاريخ النشر: 28/06/2025. الرابط:

الدروس المستفادة من الحرب الإسرائيلية-الإيرانية

3ـ محمد محمود السيد: حارس السر: كيف خدعت إسرائيل إيران بهجومها المفاجئ؟. مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. تاريخ النشر: 14/ 06/2025. الرابط:

https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10240

4ـ محمد المنشاوي: كيف سيواجه رئيس الأركان الإسرائيلي جيش الظلال الإيراني؟. موقع “الجزيرة نت”. تاريخ النشر: 19/06/2025. الرابط:

https://www.aljazeera.net/politics/2025/6/19/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AE%D8%B7%D8%B7-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%85%D9%86

5ـ نايف زيداني: “زفاف أحمر”.. خطة إسرائيل لاغتيال كبار قادة إيران. صحيفة “العربي الجديد”. تاريخ النشر: 18/06/2025. الرابط:

https://www.alaraby.co.uk/politics/%D8%B2%D9%81%D8%A7%D9%81-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%B1-%D8%AE%D8%B7%D8%A9-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%84%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D9%83%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-12-%D8%AF%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9

6ـ صراع النفوذ بين تركيا وإسرائيل يشتعل بعد حرب إيران. موقع “إرم نيوز”. تاريخ النشر: 04/07/2025. الرابط:

https://www.eremnews.com/news/world/ajzyvtd

7ـ غاندي المهتار: لجنة “ناغل” لصنع العدو: التهديد التركي أعظم من التهديد الإيراني. موقع (963media.com). تاريخ النشر: 16/04/2025. الرابط:

https://963media.com/16/04/2025/%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a9-%d9%86%d8%a7%d8%ba%d9%84-%d9%84%d8%b5%d9%86%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%87%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d9%83%d9%8a-%d8%a3/

8ـ أحمد درويش: موقف تركيا من طوفان الأقصى.. تخاذل صادم أم نصرة قدر المستطاع؟. تاريخ النشر: 24/12/2023. الرابط:

https://www.aljazeera.net/blogs/2023/12/24/%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%B7%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%B5%D9%89-%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%B0%D9%84-%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85

9ـ أردوغان يدق ناقوس الخطر: إسرائيل تقترب من حدودنا. موقع “قدس برس”. تاريخ النشر: 01/10/2024. الرابط:

اردوغان يدق ناقوس الخطر: “إسرائيل” تقترب من حدودنا

10ـ لوسي ويليامسون: الضربات الإسرائيلية في سوريا تمثل تحدياً لتركيا. موقع “بي بي سي عربي. تاريخ النشر: 05/04/2025. الرابط:

https://www.bbc.com/arabic/articles/cg5q2423qdmo

11ـ يوسف لطفي: اختلاف قواعد اللعبة: الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي من منظور نظرية الألعاب الفائقة. موقع “الملتقى الإستراتيجي”. تاريخ النشر: 14/06/2025. الرابط:

https://strategicforum.net/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AAthe-strategic-forum/%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7/

Tags: أبو محمد الجولانيإسرائيل وإيرانإسرائيل وتركياالصراع على سوريا




آخر المنشورات

التحريض البنيوي: ما نتائج العيش دون “أسطورة سورية”؟

التحريض البنيوي: ما نتائج العيش دون “أسطورة سورية”؟

25 يونيو 2026

محمد سامي الكيال تشكّل "الأسطورة" مبحثاً أساسياً في النظرية السياسية المعاصرة، وموضوعاً لجدل كبير بين...

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية