الفترة الأصعب والأخطر في تاريخ تركيا!

عريب الرنتاوي

وصف رئيس الحكومة التركية الأسبق أحمد داود أوغلو الفترة من 7 يونيو 2015 و1 نوفمبر 2015 بأنها الفترة “الأصعب والأخطر في تاريخ تركيا”، فما الذي حدث خلال هذه الأشهر الخمسة؟ ولماذا عدّها منظر “العدالة والتنمية” ووزير الخارجية التركي الأشهر وصاحب كتاب “في العمق الاستراتيجي” بـ”الأصعب والأخطر” في تاريخ تركيا؟

في مفتتح هذه الفترة، يونيو 2015، جرت انتخابات برلمانية في تركيا، حلّ الحزب الحاكم أولا في قوائم المتنافسين على مقاعد البرلمان، بيد أنه أخفق في الحصول على الأغلبية التي تمكنه من الانفراد في تشكيل الحكومة وحكم البلاد متفردا، ولأول مرة منذ أن صعد الحزب للسلطة في العام 2002… زعيم الحزب “الكاريزمي” رجل تركيا القوي و”سلطانها”، لم ترقه هذه النتيجة، فقرر اعتماد وسائط أخرى للبقاء على عرش البلاد من دون شريك أو منازع.

وفقا للدستور التركي، فإن مشاورات ملزمة مع الأحزاب الأخرى لتشكيل حكومة، تبدو ممرا إجباريا قبل التفكير في إعادة إجراء انتخابات مرة ثانية… وهذا ما فعله أردوغان، إذ بدأ في إنجاز مشاورات مع المعارضة، بيد أنه جعل مهمة الوصول إلى اتفاق مع أحزاب أخرى، صعبة للغاية إن لم نقل مستحيلة… المعارضة في حينه، اتهمته بإجراء مفاوضات شكلية لاجتياز المهل الدستورية قبل التقرير بإجراء انتخابات مبكرة، وهو الهدف الأول الذي سعى أردوغان للوصول إليه فور الإعلان عن نتائج انتخابات يونيو.

انتهت المهلة، وتقرر إجراء انتخابات مبكرة، حُدّدَ موعدها بالتنسيق مع الحركة القومية بزعامة دولت بهشتلي… أردوغان كان يبيت شيئا آخرا، باح به لشريكه الجديد، زعيم الحركة القومية التركية، ومفاده أن ساعة الانقضاض على حزب الشعوب الديمقراطية بزعامة صلاح الدين ديمرطاش، وعلى الحركة الكردية برمتها، قد أزفت، إذ من دون ذلك، سيكون صعبا انتظار نتائج مغايرة من انتخابات نوفمبر عن تلك التي انتهت الانتخابات التي أفقدت الحزب موقع الصدارة، بل وموقع “القرار المتفرد”.

أحمد داود أوغلو في تصريحاته، ألمح إلى أن دراسة هذه الفترة، كفيلة بتوفير المعرفة الأدق حول كيفية تعامل الحكومة في أنقرة مع معضلتين اثنتين واجهتا تركيا: ملف الإرهاب وملف الأكراد… هنا انبرى مؤيدون للرجل في توضيح مرامي حديثه، وتطوعت الصحافة التركية في قراءة “ما بين سطور كلامه”، لا سيما وأنه حرص على القول إن البوح بما لديه من معلومات عن تلك الحقبة، سيجعل كثيرين يخجلون من النظر في وجوه الناس، وأن وجوه كثيرين ستسود… المسألة إذن، برأي من علقوا على تصريحات الرجل، أكبر من مجرد خلاف محدود في الرأي أو تباين طفيف في وجهات النظر.

الغاية تبرر الوسيلة

خلال هذه الفترة المشحونة بالتوتر والترقب، هزّت تركيا عمليتان إرهابيتان من العيار الثقيل، استهدفت على الأكراد على نحو خاص… الأولى وقعت في 20 يوليو 2015 بمدينة سروج ذات الأغلبية الكردية، وأسفرت عن مقتل33 كرديا، أما الثانية فوقعت في 10 أكتوبر 2015 قبل ثلاثة أسابيع من موعد انتخابات الإعادة حين فجّر إرهابيان نفسيهما وسط تظاهرة شعبية بمدينة أنقرة، فأدى إلى مقتل 109 وجرح حوالي 500 مدنيا، معظمهم من الأكراد أيضا… العمليتان أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عنهما في حينه.

هذا النمط من العمليات من حيث حجمها وعظم خسائرها والجمهور المستهدف بها، لم يتكرر بعد الانتخابات التي حققت غرض الحزب الحاكم وسعيه للانفراد والتفرد، لكأن الغرض من ورائها كان في توريع جمهرة الناخبين من الأكراد، ودفعهم للانفضاض من حول حزب الشعوب وزعيمه صلاح الدين ديمرتاش، وهو الحزب الذي اجتاز عتبة الحسم في انتخابات يونيو، وحصل على 80 مقعدا، وحرم الحزب الحاكم من أغلبيته المطلقة في البرلمان.

هنا يأتي تلميح أوغلو، وشروحات الصحافة والمريدين: توجيه أصابع الاتهام للحزب الحاكم ورئيسه بالمسؤولية عن “توظيف” الإرهاب لتحقيق أغراض سياسية وانتخابية… وهو تلميح سبق لمركز الاستخبارات التابع للاتحاد الأوروبي أن قاله تصريحا عندما اتهم الحكومة بتكليف عناصر داعش بتنفيذ العملية الإرهابية في أنقرة… وربما هذه هو ما عناه الرجل بقوله إن وجوها ستسود وأن كثيرين لن يستطيعوا النظر في وجوه الناس، إن هو أخرج ما في جعبته.

لم تتوقف مفاعيل القاعدة الميكافيللية “الغاية تبرر الوسيلة” عند هذا الحد… فقد شن الحزب الحاكم وزعيمه أوسع عمليات “الشيطنة” لحزب الشعوب وقادته، وزج بقادته في السجون وحكم عليهم بأحكام مغلظة، وتوجهت القوات المسلحة إلى مناطق جنوب شرق الأناضول لقمع وترهيب الحركة الكردية، وإشاعة الرعب في أوساط الناخبين، بعد أن أعلن أردوغان في 11 أغسطس 2015 تعليق مفاوضات السلام مع الأكراد، وهي العملية التي مازالت معلقة حتى يومنا هذا.

الحرب على الأكراد والتي اتخذت عنوانا مضللا: “الحرب على الإرهاب”، أزهقت حيوات 862 تركيا، غالبيتهم الساحقة من الأكراد، خلال فترة الخمسة أشهر المذكورة وفقا لصحيفة زمان التركية، وقد هدفت إلى تحقيق ثلاثة أغراض تكتيكية هي: (1) دب الرعب في صفوف القرويين الأكراد وجمهور الناخبين على اتساعه، فيمتنعوا عن التصويب لحزب الشعوب إن لم يصوتوا للحزب الحاكم… (2) شد “العصب القومي” للناخب التركي، بعد أن تأكد للحزب الحاكم ذي المرجعية الإسلامية، إن “العصب الديني” وحده لا يكفي على ما يبدو لتجديد التفويض له بولاية جديدة، وهل ثمة أفضل من التلويح بخطر “الانفصالية الكردية” لشد العصب القومي للأتراك؟…. (3) السطو على أصوات الناخبين المؤيدين لحزب الحركة القومية، من الذي يرون أن أردوغان، وليس زعيمهم بهشتلي، هو من بمقدوره أن يلجم الحركة الوطنية الكردية ويضع حدا نهائيا لطموحاتها وأحلامها، وهذا ما حصل في انتخابات نوفمبر حيث استولى حزب العدالة والتنمية على أكثر من نصف مليون صوت، كانت ستصب في صناديق الحركة القومية.

قد يتساءل البعض: وما هي مسؤولية أوغلو عمّا حصل، ولماذا آثر الصمت لأربع سنوات قبل أن “يبق البحصة”؟ وهل يمكن الركون إلى هذه المعلومات التي ربما تكون متأتية عن الصراعات الداخلية المحتدمة بين أقطاب العدالة والتنمية ورعيل مؤسسيه الأوائل؟ والحقيقة أن هذه الأسئلة جميعها، مشروعة تماما، ولهذا السبب تعالت المطالبات في تركيا بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية في هذه الوقائع من دون جدوى… لكن الحقيقة التي يتعين ذكرها، أن كثيرين قبل تصريحات أوغلو، ومن بينهم كاتب هذه السطور، كانوا قد تناولوا تلك الفترة بالبحث والتحليل، وخلصوا إلى ذات النتائج التي كشف عنها المسؤول التركي السابق.

المؤسف حقا، أن كثيرين مازالوا يحمّلون أكراد تركيا المسؤولية التامة عن انهيار مسار السلام، وأن الآلة الدعائية للحزب الحاكم، مازالت تردد المزاعم والاتهامات ذاتها ضد أكراد البلاد، حتى أن رؤساء بلديات كل من ديار بكر ووان وماردين الذين لم يمض على انتخابهم لمواقعهم سوى خمسة أشهر فقط، قد عزلوا مؤخرا عن مواقعهم بتهمة التورط بأنشطة “إرهابية”، وهي ذات التهم التي وجهت لكثيرين غيرهم، في سياق سعي الحزب الحاكم للبقاء في السلطة بأي ثمن، حتى وإن تكلف ذلك، بتدمير النسيج الاجتماعي التركي وتهديد وحدة البلاد، وإراقة دماء مئات الأبرياء كما حصل في “الفترة الأصعب والأخطر في تاريخ تركيا”.


*هذا المحتوى نقلا عن موقع قناة “الحرة”، للاطلاع على المقال الأصلي.. اضغط هنا

*عريب الرنتاوي: مدير مركز القدس للدراسات السياسية. كاتب ومحلل سياسي في صحيفة الدستور اليومية. أسس عددا من دور النشر ومراكز الدراسات في عمان بيروت وقبرص. مؤلف ومحرر عدد من الكتب حول القضية الفلسطينية والديمقراطية والإصلاح السياسي في العالم العربي.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد