مسلم طالاس
منذ سقوط النظام السوري في أواخر عام 2024، تم إحياء الجدل القديم الجديد حول مستقبل الاقتصاد الوطني ليدور حول ذات الثنائية المألوفة (وهو جدل عالمي أيضاً): هل تحتاج البلاد إلى دولة قوية تقود إعادة الإعمار، أم إلى اقتصاد سوق حر يطلق المبادرة الخاصة ويجذب الاستثمارات؟ ينقسم النقاش العام والأكاديمي بين من يرى الأزمة في تضخم دور الدولة وتقييد السوق، ومن يعتقد أن المشكلة تكمن في إضعاف مؤسسات الدولة وترك الاقتصاد لقوى الريع والخصخصة. ورغم وجاهة هذا السجال، إلا أنه ينطلق من فرضية ضمنية مفادها أن مستقبل التنمية السورية سيتحدد حصراً بطريقة توزيع الأدوار بين الدولة والسوق.
لكن التجربة السورية خلال العقود الثلاثة الماضية تكشف سياقاً أكثر تعقيداً. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، شهدت البلاد توسعاً تدريجياً للقطاع الخاص والانفتاح التجاري، تسارع بشكل ملحوظ مع تبني ما سمي بـ “اقتصاد السوق الاجتماعي” عام 2005. لكن لم يفضِ هذا الانفتاح إلى نشوء سوق تنافسية مستقرة، بل أعاد تنظيم الوصول إلى الموارد والفرص ضمن شبكات جديدة من المحسوبية والامتيازات؛ وهو ما اصطلح بسام حداد على تسميته بـ “رأسمالية المحاسيب”، وربطه ريموند هينبوش بمسار “التحرير السلطوي “. في المرحلة التالية جاءت الحرب لتفكك أجزاء واسعة من الاقتصاد الرسمي، لكنها لم توقف النشاط الاقتصادي بل أعادت تشكيله عبر قنوات اقتصاد الحرب، شبكات التهريب، والمبادرات المحلية العابرة للحدود. والآن، ورغم تغير السياق السياسي، فإن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة المؤسسات وقواعد الوصول إلى الموارد ما زالت قائمة دون إجابات حاسمة.
ما وراء أطروحات الاقتصاد السياسي والمؤسسات
تقدم الأدبيات المعاصرة إسهامات جوهرية لفهم هذه التحولات. بالنسبة للاقتصاد المؤسسي فقد بيّن دوغلاس نورث وزملاؤه كيف تحدد المؤسسات وقواعد اللعبة طبيعة الأداء الاقتصادي، وفي الاقتصاد السياسي أوضح مشتاق خان أن هذه المؤسسات لا يمكن فهمها بمعزل عن توازنات القوة والتسويات السياسية التي تنتجها. ولقد ساعدت هذه المقاربات في تجاوز التفسيرات التقليدية التي تختزل التنمية في السياسات النقدية أو حجم تدخل الدولة. ومع ذلك، فإن هذه الأدبيات تبدأ غالباً من المؤسسات أو من توازنات القوة بوصفهما معطيات أولية وثابتة، لتفسير النتائج اللاحقة.
تحاول هذه المقالة تجاوز نقاط بدء الاقتصاد السياسي والمؤسسي الحالي وطرح سؤال أعمق: من أين تأتي المؤسسات أصلاً، ولماذا تتمكن بعض المجتمعات من تجديدها باستمرار وتنمو وتزدهر اقتصادياً بينما تتصلب وتتجه للجمود في مجتمعات أخرى مسببة التخلف والفشل التنموي؟
وتقترح الورقة أن نقطة البداية لا تكمن في الدولة ولا في السوق، بل في القدرة الإنسانية على “التعلم التراكمي”. فالتنمية في جوهرها ليست مجرد تراكم لرأس المال المادي، بل هي قدرة المجتمع على تحويل التعلم المتولد لدى أفراده إلى مؤسسات جديدة، أو تجديد المؤسسات القائمة، بما يعيد تنظيم استخدام الموارد بصورة أكثر إنتاجية. من هذا المنظور، يتحول السؤال التنموي السوري من: “كم يجب أن يكون حجم الدولة؟” إلى: هل يمتلك المجتمع السوري اليوم قنوات مؤسساتية تسمح بتحويل رصيد التعلم والخبرات التي راكمها خلال سنوات الحرب واللجوء إلى تمأسسات جديدة قادرة على قيادة عملية تنموية مستدامة؟
تمأسس التعلم: الحلقة المفقودة في التنمية
المؤسسات لا تظهر من العدم، وتوازنات القوة ليست معطى تاريخياً جامداً، بل هي نتاج مسارات طويلة من التغير الاجتماعي والسياسي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مستوى تفسيري أسبق يحاول فهم الشروط التي تجعل المؤسسات والقوة تتشكل وتتجدد عبر الزمن.
إن الخاصية التأسيسية للمجتمع البشري هي قدرته على التعلم التراكمي المستمر. كل مجتمع ينتج معارف ومهارات وطرائق جديدة لحل المشكلات، غير أن هذا التعلم الفردي قد يبقى خبرة شخصية محدودة الأثر ما لم يجد طريقه إلى المجال العام عبر عملية “التمأسس”. والتمأسس هنا لا يعني مجرد تأسيس منظمة أو تشريع قانون، بل يشير إلى العملية التي يتحول من خلالها التعلم الفردي إلى نمط سلوكي مستقر يعيد تنظيم الموارد.
هذا التحول لا يحدث في فراغ؛ فموارد المجتمع تكون دائماً محكومة بقواعد وعلاقات تشكلت نتيجة تعلمات سابقة. ولذلك، فإن أي تعلم جديد يتفاعل بالضرورة مع هذه التمأسسات القائمة: فإما أن يُستوعب داخلها، أو يدفع إلى تعديلها، أو يواجه مقاومة صلبة تحول دون تحوله إلى مؤسسة مستقرة. بناء على ذلك، لا تعتمد التنمية على إنتاج التعلم في حد ذاته، وإنما على مرونة المجتمع وقدرته على مأسسة هذا التعلم وتحويله إلى قواعد تعيد تنظيم استخدام الموارد بصورة أكثر إنتاجية وعدالة واستدامة.
إعادة قراءة الحالة السورية
إذا أسقطنا هذا الإطار التحليلي على الواقع السوري، فإن السؤال الأول لا ينبغي أن يكون حول مدى توفر الاستثمارات، بل: هل فقد المجتمع السوري قدرته على التعلم؟
تُثبت الوقائع عكس ذلك تماماً. على الرغم من الخسائر البشرية والمادية الهائلة، لم يتوقف المجتمع السوري عن إنتاج المعرفة. بل إن ظروف الحرب، والنزوح، واللجوء، وانهيار المؤسسات الرسمية دفعت ملايين السوريين إلى اكتساب أنماط جديدة من التعلم لم تكن متاحة قبل عام 2011. لقد راكم السوريون خبرات نوعية في ريادة الأعمال، الإدارة المحلية، العمل الإنساني، الاقتصاد الرقمي، وإدارة سلاسل الإمداد، فضلاً عن العمل ضمن أطر قانونية ومؤسساتية متطورة في دول الجوار وأوروبا والخليج. كما نشأت في الداخل السوري أشكال مبتكرة للتنظيم الاجتماعي فرضتها آليات التكيف مع غياب الخدمات العامة والاقتصاد غير الرسمي.
وبالتالي، فإن تعثر التنمية في سوريا لا يعود لنقص رأس المال البشري أو غياب التعلم، فالمجتمع يمتلك اليوم رصيداً معرفياً يتجاوز في جوانب كثيرة ما كان يملكه قبل الحرب. المشكلة تكمن في محدودية وانغلاق القنوات التي تسمح لهذا التعلم بالتمأسس.
من هذا المنطلق، يمكن إعادة تفسير التاريخ الاقتصادي السوري الحديث؛ فالقضية لم تكن يوماً غياب القطاع الخاص أو تضخم الدولة بحد ذاتهما، بل تكمن في آليات تنظيم الوصول إلى الموارد. لقد ظلت فرص الاستثمار، الائتمان، التراخيص، والعقود العامة حكراً على شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي، مما حرم التعلم الجديد من إيجاد مسارات مستقلة للتمأسس. وحتى في مرحلة “اقتصاد السوق الاجتماعي”، فشلت السوق في التحول إلى بيئة تنافسية لأن القواعد البنيوية لم تتغير، واضطرت التعلمات الجديدة إما إلى التكيف مع “رأسمالية المحاسيب” القائمة أو الهجرة خارج البلاد.
دلالات نظرية وسياساتية للمستقبل
إن هذه المقالة لا تقدم دليلاً إرشادياً لاستبدال الدولة بالسوق أو العكس، بل تعيد صياغة السؤال التنموي الجوهري. والتحدي الحقيقي الذي يواجه سوريا في المرحلة الجديدة لا يقتصر على إعادة بناء البنية التحتية أو إصلاح المالية العامة، بل يتركز في بناء بيئة مؤسساتية مرنة قادرة على استيعاب وتسييل الرصيد المعرفي الهائل الذي راكمه السوريون في الداخل والخارج.
إذا بقيت قنوات التمأسس ضيقة وخاضعة لأنماط الاحتكار المقيد، فإن هذا التعلم سيظل عاجزاً عن التحول إلى قوة إنتاجية، بصرف النظر عن حجم التمويل أو طموح السياسات الاقتصادية المعلنة.
لذا، فإن السؤال الحاسم المطروح على التسوية السياسية والمؤسسات التي تتشكل اليوم هو: هل ستفتح هذه المرحلة مسارات عادلة ومتعددة لتحويل التعلم إلى مؤسسات جديدة؟ إذا كان الجواب بنعم، فإن إعادة الإعمار والتنمية تظل احتمالاً واقعياً وممكناً حتى في ظل شح الموارد المادية. أما إذا استمر احتكار القنوات وإعادة إنتاج الجمود المؤسسي، فإن الفشل سيكون مصير أفضل السياسات الاقتصادية.
لا تقدم هذه المقاربة إجابات نهائية، لكنها تقترح مستوى تفسيرياً يسبق الاقتصاد السياسي التقليدي؛ يبدأ من التعلم الإنساني كمصدر أول للإمكانات، ويتتبع قنوات تمأسسه، صعوداً إلى فهم أسباب التنمية أو قوى الجمود.





