إبراهيم محمود
(شخصيات كُردية خلافية “1”)
ربما كان ضياء غوكآلب “1876-1924” من بين أكثر الشخصيات الكردية الحديثة والمعاصرة تداولاً سراً وعلانية بين الكرد، ومن قبل مثقفين عموماً، ومن هم معنيون بعلم الاجتماع خصوصاً. لأنه تنكَّر لكرديته وعرَّف بنفسه تركياً، كما يُعرَف بذلك. لا بل شددَ على تركيته. وهذا ما شكّل جرحاً قومياً كردياً غائراً في وجدان الكرد وذاكرتهم، وهم محقّون في إظهار أكثر من حالة الأسف، أكثر من حالة السخط وشتمه بالمقابل، ليس لأنه يستحق ذلك، وإنما لأن ضياء غوكآلب يشكّل في اسمه وموقعه الاعتباري والثقافي، شخصية معرفية استثنائية في تاريخهم. وحين يتكتمون عليه، أو يحاولون تجاهله، وتنحيته جانباً، فليس نفوراً منه تحديداً، وإنما محاولة عدم إثارة الوجع أو الألم الذي يسببه الجرح القومي الكردي المرتبط به.
إزاء ذلك، لا أسهل من أن يؤتى على ذكر أحمد شوقي، عباس محمود العقاد، محمد كرد علي، ومعروف الرصافي… إلخ، وهؤلاء أدباء وكتاب معروفون بكرديتهم، أو بنسَب كردي فيهم، على أقل تقدير، لكن ليس من إيلام، من معاناة، ومن توتر، لحظة ربطهم بغوكآلب، الذي ينتمي إلى أرضهم القومية وثقافتهم القومية ولغتهم القومية، ولأن الخيار الذي اعتمده وهو التأكيد على تركيته، وأكثر من ذلك، حين أسهمَ بشكل استثنائي بالمقابل، ما لا يمكن لعموم الترك، ولمثقفيهم المعنيين بقضية القومية والثقافة القومية واللغة والتاريخ، أن ينسوه، وهم يتلمسون في الذي سطَّره لهم وباسمهم ما عجز كثيرون عن الإتيان بمثله في وضع أسس القومية التركية.
بناء عليه، التبرؤ منه لا يشفي الجرح القومي الملتهب كردياً هنا، إنما يدفع بالقارىء لتحول كهذا، ولعلاقة كهذه، إلى اقتفاء أثرها، وكيف صار ما صار: كيف أصبح محمد ضياء: ضياء غوكآلب “اللقب التركي المختار من قبله، أي برق السماء”، وبالتالي: أي كردي كان؟
التمييز الذي لا بد منه
فرق كبير بين إنسان الخطابة وإنسان الثقافة، في الحالة الأولى ثمة الجماهير، والحاجة إلى التعبئة النفسية، ثمة التلويح بالشعارات، وثمة التصفيق الدال. في الحالة الثانية، يقف المثقف، إنسان الثقافة السوسيولوجي، أو الاجتماعي عموماً، متأملاً ما يجري، رابطاً بعمق بين بنية القول الخطابي وسخونته، ومشهد الجماهير المتجاوبة وهي تصفق وتهتف بحماس.
في العلاقة مع وضع كهذا، ولكي نكون أهلاً لدخول التاريخ، علينا دخول غابته، ورؤية الظلال المتراقصة والمعتمة كذلك، لعلنا نبصر ما يفيدنا لمعرفة ماذا في الظلال وما وراءها.
هل ” شتْم ” رجل كهذا يصحح مساراً تاريخياً؟ أم يشفي جرحاً قومياً، أو يقوّم اعوجاجاً اجتماعياً؟ إن الرأس الذي ينتصب بين المنكبين عالياً يمكنه رؤية الممتد إلى ما وراء الأفق، وتسقّط ما هو غامض أو مغيّب كذلك. إن التنكر للقومية صدمة، وإظهار السخط عجزٌ كذلك.
ما علينا، في ضوء جملة مصادر تمضي بنا إلى داخل “الغابة” إلا أن نتعقب خيوط اللعبة!
إن فهم الآخر لا يقوم على الاستخفاف به، إنما وعي المغايرة فيه، فثمة حسابات تعنيني كذلك.
كيف يمكن لمن عُرِف كردياً، ويعرف الكردية، ويعمل من أجل الكردي لعقود عدة، ويظهر في لحظة زمنية انعطافية، لا تُدرَس في بنيتها، أي بعد 1909 وقد بدأ نفوذ “الاتحاد والترقي” بالظهور في نهاية دولة “الرجل المريض” العثمانية، ويصرح عالياً بأنه تركي، وكفى؟!
الترك، وفي الواجهة مؤسس دولتهم، “أبوهم: أتاتورك”، الذي يفتخرون به. لمَ لا، وقد قدَّم لهم ما كانوا ينشدونه، وفي الوقت نفسه، وضع بين أيديهم “سلاحاً فكرياً” من “طينة” الكرد، لينالوا منهم. إن انسلاخ “رأس” ليس عادياً عن جماعته، وللفت نظر أحياناً إلى حدوث خلل بنيوي فيها: هوذا من كان منكم، وقد صار “حرباً” عليكم، ونفياً لكم. هكذا يمكن القول في المحصّلة!
أبسط مثال على مدى علو كعبه في الثقافة الاجتماعية، هو أن عالم اجتماع تركي الأصل، وهو اسماعيل بيشكجي، يستحيل على قارئه قراءته، كما في كتابه “النظام في شرق الأناضول” دون التفكير في مدى تأثير غوكآلب في كتابة عمل كهذا يخص الكرد اجتماعياً وثقافياً “1”. ليصبح حلبة رهانات وصراعات، وتجاذبات وسجالات، وحديثاً أكثر:
يكتب أحدهم بالتركية (وُلد ضياء غوكآلب في 23 آذار 1876 في ديار بكر لعائلة من أصل كردي. ورغم أن عائلته كانت من أصل زازا، إلا أنهم عاشوا تحت تأثير الثقافة العثمانية واللغة التركية (ناجي، 2011: 19). جادل غوكآلب بأن الانتماء الثقافي، وليس الأصل العرقي، يجب أن يكون أساس بناء الأمة.) “2”
يكتب آخر في هذا المضمار (كان والد غوكآلب هو محمد توفيق بك من جرمكلي Çermikli، ديار بكر، ووالدته هي زليخة هانم من عائلة بيرينججيزاده Pirinççizade . وبينما كان اسمه محمد ضياء، فقد استخدم اسم “ضياء غوكآلب” في كتاباته منذ العصر الدستوري الثاني فصاعداً. اختار لنفسه لقباً قبل نحو 25 عاماً من صدور قانون الألقاب. يعتقد محمد فؤاد دوندار أن والده كان تركياً ووالدته كردية. (مع ذلك، ولسببٍ ما، يُعرف غوكآلب بأنه كردي وليس تركياً.) “3”
وثمة مسار آخر جهة النسابة (تجدر الإشارة هنا إلى نقطة مثيرة للاهتمام. فقد سُجِّل أن عائلة غوكآلب من جهة أمه كردية، ومن جهة أبيه تركية. عند هذه النقطة، تُبنى مزاعم كردية غوكآلب على نسبه من جهة أمه.
فؤاد دوندار، الذي يصف غوكآلب بأنه شخصٌ تغيّر تركيزه الفكري – بل وحتى آراؤه، وفقاً لبعض الآراء – بالتزامن مع كل تنقلاته، وأنه “تبنى سياسة عثمانية – تورانية – أناضولية، وأحياناً إسلامية، وأحياناً أخرى علمانية، خلال هذه التنقلات، وربما بفضل ذلك، تمكن من التأثير في السياسة على المستويين الجزئي والكلي رغم كل اضطرابات عصره”، انطلق أيضاً من تساؤل مماثل.) “4”
طبعاً، لا يجب علينا أن ننسى في مثل هذه التجاذبات، ما يعنيه الإصرار على كرديته، أو تركيته، عندما تصبح القومية، وهي في سخونتها، مفصلية، فالتركي حين يحيل غوكآلب إلى التركية، ليس لتصحيح خطأ تاريخي ما، مثلاً، وإنما تعبيراً عن ظهور مفكر كهذا، وهو تركي، حالة طبيعية من جهة، وأن ليس في الكرد ما يؤكد إمكان ظهور مفكر كهذا، وتعالياً عليهم.
ولأن في حياة غوكآلب، كما تابعها من انشغلوا بها في محطاتها ما يكون كردياً فيه من طفولته حتى سنة 1909 “أي قرابة 33 عاماً” وما جرى من تحول وتغيّر فيه بعد ذلك “المتبقّي هنا 15 عاماً” ولمعرفة نوعية التوترات الطارئة لا من دراسة متأنية لكل حالة، في سلسلة حلقاته العمرية، وتنقلاته، واهتماماته، وعلاقاته، في شبكة الأحداث الكبرى: حروب جبهات مختلفة، لهذا، وحده المستشرف، بالهدوء المطلوب، على ما يجري، يمكن رؤية الفراغات وعلّتها.
تلوينات.. تلوينات
شخصية ضياء غوكآلب مركَّبة بعمق، من خلال كتاباتها ونصوصها التي تمنح قراءً على غاية من التباين في الرؤى والمقاصد، والمنهج المعتمَد، ليقول كل منهما ما يظهر الآخر نقيضه:
يكتب أحدهم:
(إن الأخوّة بين الكُرْد والأتراك تنبع من الإسلام. وأي ادعاء بالأخوة الكردية التركية يتجاهل الإسلام هو ادعاء فارغ لا معنى له. إن تأملات غوكآلب في حل القضية الكردية مهمة وتجربة قيّمة. ومع ذلك، من الواضح أن هذه التجربة غير مجدية في ظل الظروف الراهنة. فغوكآلب لا يجد صدى لدى الكُرْد ولا الأتراك. ومن جهة أخرى، فإن تذكر غوكآلب لحل القضية الكردية، حتى وإن كان جهداً فكرياً، أمر غير ممكن. فكلما نوقشت القضية الكردية أو الأخوة الكردية التركية في تركيا، تذكر بعض الأوساط ضياء غوكآلب (١٨٧٦-١٩٢٤) كشخصية مثالية لهذه الأخوة. بعد عبارة “لقد كنا معاً لألف عام، تربطنا أخوة عمرها ألف عام”، كان اختيار اسم “ضياء غوكآلب”، الذي يعود إلى قرن مضى، لهذه الأخوة، أمراً جديراً بالملاحظة.) “5”
بينما يرى فيه كاتب آخر شخصية ثلاثية الأبعاد:
(وقد جمع غوكآلب، إلى حد ما، بين حركات التغريب والتركية والإسلاموية، ووضع برنامجاً اجتماعياً للأمة التركية. ويعكس قوله: “أنا من الأمة التركية، أنا من الأمة الإسلامية، أنا من الحضارة الأورُبية Türk milletindenim; İslâm ümmetindenim, Avrupa medeniyetindenim. ” بوضوح هذا الجمع والبرنامج. وهو من أنصار التركية في الأخلاق والدين والفن والقانون والاقتصاد والسياسة والفلسفة.
يُعتبر ضياء غوكآلب أحد مؤسسي علم الاجتماع في تركيا، حيث أسهم إسهاماً كبيراً في تطوير هذا العلم وترسيخه في البلاد. وقد ساهم غوكآلب، الذي تبنى علم الاجتماع كأداة علمية لفهم المجتمع ودراسة بنيته وتوجيه مسيرة التحديث، إسهاماً بالغاً في الاعتراف بعلم الاجتماع وترسيخه كتخصص أكاديمي في تركيا.) “6”
ليقرأ ثالث ما يوسّع دائرة السجال:
(ليس هناك ما هو أكثر طبيعية من حبّ أفراد كل أمة لشعبهم ووطنهم وثقافتهم. لا حرج في ذلك. مع ذلك، لا يمكن مساواة قومية الأمم المهيمنة بقومية الأمم المضطهدة أو تقييمها في خانة واحدة. بالمعنى الكلاسيكي، إذا لم تكتفِ أمة مهيمنة، تمتلك جميع الحقوق التي ينبغي أن تتمتع بها أي أمة، بهذا الوضع، وطالبت بحقوق إضافية بطريقة تنتهك حقوق الآخرين، وظنت، متوهمةً تفوقها، أن هذه الحقوق (التي، لا سمح الله، منحها إياها الله) هي حقوقها الخاصة، يُستنتج حينها أنها تُضمر نوايا توسعية ورغبة في انتهاك حقوق الآخرين. هذا النوع من القومية يصبح خطيراً لدرجة أنه يُقارب العنصرية، مُشكلاً تهديداً لها وللأمم الأخرى. وما يحدث حالياً في تركيا هو حركة نحو هذا النمط.) “7”
وما يأتي تحذيراً منه حرصاً على علاقة، وخوفاً من وقوع كارثة مستقبلية:
(بالنظر إلى أن الأتراك، الذين هيمنوا يوماً على نصف العالم، تشبثوا بـ “القومية التركية” رغم هيمنتهم، بل واضطهدوا من كانوا تحت حكمهم، كالكُرْد، فماذا يكون أكثر طبيعية من أن تتبنى هذه الشعوب أيضاً “مشاعرها القومية” وتصبح “قومية”؟ كما يُحب الأتراك تركيا، والفرس إيران، والفرنسيون فرنسا، فليس هناك ما هو أكثر طبيعية من حب الكُرْد لكردستان وتعلقهم بها، بل إنها، وستظل، فخٌّ للأتراك.) “8”
يمكن إضافة المزيد، سوى أن الحكْمة تكمن في القراءة ودلالاتها، تلك التي تنقّب في المقروء ما هو مختلف، ما لم يُسمَّ بعد، ما يمكن التوقف عنده، مقارنة بسواه. والذي تعلِمنا إياه أي عملية قراءة هو قابلية النص للكشف عما لم يُكشَف عنه بعد. وغوكآلب هو هذا الاسم الذي لا يدع قارئه مكتفياً بتسقط لون واحد، أو صوت واحد، أو توضيح واحد وليس سواه، وإنما هناك ما يقلقه، وإن لم يعترف بهذا، وإن أبى واستنكر كل معنى خلاف ما زكّاه أو وجده بذاته، انطلاقاً من تاريخ الشخصية كما تقول حياته، والحدود العصية على الضبط جرّاء ذلك. ولعل الذي أمكن قوله في ضوء متغيرات الراهن، وفي سياق العلاقات الدولية، وموقع تركيا فيها، واستحالة تجاهل الكرد وصوتهم ليس في النص الذي يشير إليهم بالنسبة إلى “محمد ضياء” وحده، وإنما غوكآلب نفسه، لأن وضعاً متغيراً في العلاقة سمح بالتقاط إشارات كهذه.
الكردي الذي يبقى
لعل قراءة باحثنا الكردي ومتعدد اللغات روهات آلاكوم في سيرة الكردي الذي كان ذات يوم، ولزمن استغرق ثلثيْ حياته وأكثر، والتركي الذي لم يفلح تاريخه المستجد في إخفاء الكردي فيه، أي غوكآلب، تستحق أن تكون قراءة وهي توسّع حدودها بين ماض وحاضر وآت. أعني بذلك كتابه “محنة ضياء غوكآلب الكبرى: الكرد Ziya Gökalp‘in Büyük Çilesi Kürtler” (منشورات فرات، ١٩٩٢)، الذي يقع في 136 صفحة.
ما هو محمول على غلافه بلغته التركية، يعزز مثل هذه الجدارة البحثية لقارىء التاريخ ومكره:
(يهدف هذا البحث بشكل أساسي إلى دراسة أفكار ضياء غوكآلب حول الكُرْد دراسة نقدية، وإلقاء الضوء على جوانب غير معروفة أو قليلة الشهرة من حياته. لذا، فإن تناول حياة ضياء غوكآلب وأفكاره برمتها يتجاوز نطاق هذا البحث وهدفه. توجد العديد من الدراسات التي تتناول أفكاره وحياته ككل، سواء في تركيا أو في بلدان أخرى. ورغم كل هذه الدراسات، فإنه على حد علمنا، لم تُكتب بعد دراسة شاملة تتناول هوية ضياء غوكآلب الكردية وأفكاره حول الكُرْد عموماً. نعتقد أن دراسة هذه المسألة، التي يعتبرها مؤيدوه القوميون الأتراك “حساسة”، بينما تُعتبر “غير ضرورية” في نظر الكُرْد، أمر بالغ الأهمية. وأعتقد أن هذا البحث سيسلط الضوء على صفحة مجهولة من التاريخ الكردي.)
ولعل آلاكوم في عمله هذا، وهو الكاتب المقتدر بلغته الأم: الكردية قراءة وكتابة، كان يريد مخاطبة قارئه التركي، وبلسانه لينتبه إلى المغفل عنه في تاريخ ليس له كما يظن، والكردي الذي يحسن قراءة التركية، لينتبه إلى أن ثمة كردية تتكلم بلغتها “الأم: الكردية” في متن غوكآلب، وهو ما يهيب بالاثنين وكل قارئ ساع إلى معرفة هذه الهجنة الثقافية، إلى سماع ما لم يُسمَع بعد، في الفضاء الجغرافي المعلوم، والفضاء التاريخي المترامي الأطراف. أليس وجود مفردة “محنة” ضامنة لمثل هذا التوجه إلى داخل معتَّم عليه وخارج مضبَّب بالمقابل؟
إن متابعة موجزة لبعض مما يخص هذا الكتاب في حوار مع آلاكوم تجعل الاسم أكثر وضوحاً.
آلاكوم يفعّل مفهوم “المحنة” بالصورة التي توقظ تاريخاً راقداً في نص الآخر “9”.
هناك التقديم الذي يشكل مفهوماً بارنوامياً للحوار (على حد علمنا، لم تُكتب بعد دراسة شاملة تتناول أفكار ضياء غوكآلب حول الهوية الكردية والكُرْد ككل. ونعتقد أن دراسة هذا الموضوع الحساس، الذي يعتبره مؤيدوه القوميون الأتراك شائكاً، بينما يراه الكُرْد غير ضروري، أمرٌ بالغ الأهمية. أعتقد أن هذه الدراسة ستسلط الضوء أيضاً على صفحة مجهولة من التاريخ الكردي.)
لاحظتُ أن الأوساط الكردية غاضبةٌ جداً من شخصٍ أنكر هويته الكردية، أي ضياء غوكآلب، الذي انقلب على تركيا وركّز على القومية التركية، وأتفهم جزئياً ردة الفعل العاطفية هذه لدى الكُرْد. لكن بالنسبة لي، كانت التناقضات والتضاربات والمآزق في عالمه الفكري، والآراء التي طرحها بشأن الكُرْد في كتبه، وخاصة في عدد من المجلات، وما قيل عنه في هذا الشأن، أكثر أهمية. بناءً على ذلك، عبّرتُ عن وجهة نظري كتابةً.
لقد برزت القومية التركية لأول مرة على يد ضياء غوكآلب.
كان ينبغي معالجة هذه القضية بجدية وإدانتها بين الكرد. لكن هذا الصمت استمر حتى ستينيات القرن الماضي لأسباب مختلفة. باختصار، لم تتصدر قضية ضياء غوكآلب أبداً الأجندة الكردية ولم تُناقش قط. ربما في مكان أو مكانين فقط، أُدين أو انتُقد كفرد.
وحول سؤال مهم وخطير بمحتواه:
يصف “جلادت بدرخان” ضياء غوكآلب بأنه “أعظم نبي للقومية التركية Türkçülüğün en büyük peygamberi “. على الرغم من هذا الوصف الذي قدمه بدرخان، الذي يُعتبر أحد رواد التنوير الكردي، هل يُمكننا الآن، في ضوء القراءات والمعلومات الجديدة، الاستفادة من أفكار ضياء غوكآلب حول التنوير الكردي، وكيف؟
لم يقتصر اهتمام ضياء غوكآلب على دراسة المجتمع الكردي فحسب، بل امتدّ ليشمل مستقبل الكُرْد والتفكير فيه ملياً. وقد أُعدّ كتابه “دراسات اجتماعية حول القبائل الكردية” في البداية كتقرير رسمي للسياسة الكردية التي ستُتّبع في تركيا الجديدة. وقد استُشير غوكآلب في هذا الشأن لعدم وجود شخصية أخرى ذات خبرة واسعة في الشؤون الكردية ومعروفة في تلك الأوساط.
يرى غوكآلب أن السبيل الوحيد للتخلص من الكُرْد هو القضاء على لغتهم وثقافتهم ودمجهم في اللغة التركية. ويشرح ذلك بالتفصيل في مقالته “الاستمِلال” (فقدان الهوية الوطنية): “عندما تتعايش أمتان تنتميان إلى ديانتين مختلفتين، تندمج إحداهما مع الأخرى وتمثلها”.
على الرغم من إنكاره لهويته الكردية، لم ينكر ضياء غوكآلب وجود الأمة الكردية وخصوصيتها العرقية. مع ذلك، انتهجت الجمهورية التركية، القائمة على القومية التركية، سياسة إنكار وإبادة الكُرْد لما يقارب قرناً من الزمان. عمل غوكآلب على اللغة الكردية، وأجرى أبحاثاً حول القبائل الكردية، وقدّم ملاحظات بالغة الأهمية حول الوجود الاجتماعي للكُرْد من خلال الأدب الكردي الكلاسيكي، والتي كانت ذات دلالة كبيرة في عصره. ربما فعل ذلك لدمج الكُرْد في فكرة القومية التركية في مرحلة ما، لكنه طرح العديد من الأفكار.
كان ضياء غوكآلب، الذي توفي عام ١٩٢٤، من ديار بكر والمنطقة المحيطة بها، المعروفة بأنها مهد الحركة الكردية الأولى في العصر الجمهوري. لو عاش ضياء غوكآلب، لما كان أمامه خيار سوى معارضة ثورة الشيخ سعيد (١٩٢٥)، التي تلتها ثورتا أكَري (١٩٣٠) وديرسم (١٩٣٧).
من المعروف أن ضياء غوكآلب كان يلتقي ويناقش باستمرار مثقفين كُرْداً في ذلك الوقت، مثل سعيد نورسي، وملا أحمدي شاشي، وعبد الله جودت. وكان غوكآلب وشاشي ونورسي يلفون ويدخنون التبغ أمام الجامع الكبير في ديار بكر. عندما كتب غوكآلب قصيدته “التفاحة الحمراء”، غضب نورسي منه بشدة، بل وزارَه في اسطنبول. لم يُعِر غوكآلب اهتماماً كبيراً له، فقال نورسي ساخراً: “لن أستبدل رأس بصلة بألف تفاحة حمراء”. تمثل “التفاحة التركية” لغوكآلب و”البصلة الكردية” لنورسي طرفين متناقضين، فتناولهما معاً يُسبب الإسهال.
وما يتوقف عنده آلاكوم وهو يضيء صفحة كتابه، يوقف التاريخ، وهو في خطه المنحرف:
حياة ضياء غوكآلب وأفكاره مليئة بالتقلبات؛ فلا يمكننا أن نرى اتساقاً تاماً في تفكيره: ضياء ضد ضياء. لم تؤثر عليه شخصياً قضايا كبرى في تركيا، مثل الإبادة الجماعية للأرمن أو المطالب الكردية التي لم تُلبَّ، تأثيراً كبيراً. فقد أولى أهمية أكبر للجانب الثقافي لهذه المشاكل بدلاً من جانبها السياسي. وشبّه ديار بكر بمتحف إثنوغرافي حي، وسعى جاهداً لإنشاء متحف هناك.
عندما ننظر إلى ما قاله بعض الكتاب الذين شكلوا هيئة تحرير مجلة جين، أو ما قاله قدري جميل باشا وموسى عنتر، نرى أن ضياء غوكآلب أجرى دراسات حول اللغة والأدب الكردي، والبنية الاجتماعية والإثنوغرافية للكُرْد. في قسم من مذكراته بعنوان “دراسة ضياء بك للكُرْد ولغتهم لفهم البيئة بعد نفيه إلى ديار بكر عام ١٩٠٠”، يروي شقيق ضياء غوكآلب، محمد نهاد غوكآلب، ما يلي: “في أحد الأيام، اجتمع عدد من زعماء القبائل الكُرْد في قاعة استقبال عمي، عارف بك. كنت أنا وضياء بك هناك… كان جميع الحاضرين يفهمون اللغة الكردية. ومع ذلك، لم نكن ندرك أن لغة ضياء بك الكردية كانت فصيحة وجميلة للغاية. استمع الزعماء الكُرْد، وخاصة سيف الدين باشا، بسرور وحماس كبيرين، معبرين عن رضاهم وامتنانهم. عند عودته إلى مكان إقامته، هازرو، وعد بإرسال بعض الأعمال الكردية غير المطبوعة (والتي كانت عبارة عن كتب بسيطة تتكون من أناشيد وغزليات ومثنويات ومعجم قوافي للأطفال) التي لم يكن قد حصل عليها بعد، وقد أرسلها بالفعل.” (مجلة ضياء غوكآلب، العدد 6، ص 168).
وما يجري التنويه إليه هنا وهناك:
بينما اعتبر ضياء غوكآلب نفسه تركياً، وقدّم نظاماً وتفسيراً جديداً للقومية التركية، جادل بأن الكُرْد شعبٌ مستقل، وأن لغتهم تنتمي إلى مجموعة لغوية منفصلة. لو عاش لفترة أطول، لربما عارض نظرية لغة الشمس، التي طُرحت في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي أنكرت وجود الكُرْد واعتبرتهم أتراكاً، وبالتالي دحض الآراء غير المنطقية وغير العلمية.
ما يقوله آلاكوم، لا بد أنه أثار انتباه القارئ التركي وهو في موقع ثقافي معتبَر. وفي عالم اليوم، حيث تُستعاد صورة غوكآلب لا كما تُحصَر في كونها عصاً ضاربة وجارحة للكردي، لضبطه و”تأديبه” من خلالها “العصا”، وإنما لأن للتاريخ مساره النابع من داخله كذلك.
ولعل مكاشفة لحركية النظام التركي، وتردد اسم الكرد، والكردي، وحتى كردستان، وليس “شرق الأناضول” أو “شرق البلاد” كما كان الوضع قبل قرن من الآن، تجعلنا أكثر تحكماً في نظرتنا إلى ما كان، وإلى نهر التاريخ الذي بات أكثر شفافية رغم هديره.
ما يمكن للكردي أن يُعرَف به، هو تجاوز المفهوم الضيق للاسم المذكور، لأن له صلة به، وبعيداً عن أي رافعة إيديولوجية، لا أن يتعلم كردي القرن الحادي والعشرين من أخطائه، من تاريخه، من نفسه، وكيف يجري الاهتمام بالاسم من قبل الآخر المعتبَر خصمه أو عدوه القومي ومغتصب اسمه وهويته وتاريخه وجغرافيته، أي التركي. كيف يعظّم من يرى فيه مثلاً أعلى له، وما للكرد، وعلى أعلى مستوى من قصور معرفي جهة التعامل مع المثقف مكانة وقيمة.
ما أورده من مقال يخص غوكآلب، رغم أنه اقتباس طويل نسبياً، فإنه يفيد في الممكن تناوله والتفكير فيه، لحظة وضع صورة المثقف الكردي الفعلية وكيف يجري التعامل معها:
(كان والد ضياء غوكآلب، محمد توفيق أفندي، رئيساً لأرشيف ديار بكر، وتعود جذوره من جهة والده إلى قرية أليوس في قضاء جرمك بديار بكر. أما والدته، زليخة هانم، فكانت من عائلة بيرينججيزاده، وهي عائلة مرموقة وذات مكانة في ديار بكر. ينحدر كل من والدي ضياء غوكآلب من عائلات مثقفة وذات مكانة اجتماعية مرموقة، شغل أفرادها مناصب في الخدمة العامة، وعملوا كمفتين وقضاة، وكانوا واسعي الاطلاع والقراءة.
ووفقًا لسجل مكتوب بخط اليد احتفظ به والده، توفيق أفندي، وُلد محمد ضياء في 23 آذار 1876، في ديار بكر، في القصر الكائن في شارع نائب شاكر بحي ميمدين، والذي يُعرف اليوم باسم “متحف ضياء غوكآلب”. وكان اسم ضياء غوكآلب الحقيقي هو محمد ضياء. وكان والده، محمد توفيق أفندي، قد خطط في البداية لتسمية ابنه محمد صابر. لكن في يوم ولادة ضياء، زار الشيخ تشوبوك، المعروف محلياً باسم “جولو خوجا”، المنزل وقال: “لديّ بشرى لكم؛ انظروا إلى ساعاتكم، فبعد ساعة واحدة بالضبط سيولد طفل ذكر. وقد سميته محمد ضياء”. ولما تحققت هذه النبوءة، سمّى توفيق أفندي ابنه محمد ضياء.
بسبب العمل بوتيرة مكثفة في أنقرة، أُصيب غوكآلب بإرهاق شديد خلال الأيام التي كان يُكرّس فيها وقته لكتابة تاريخ الحضارة التركية. انتقل من أنقرة إلى اسطنبول لتلقي العلاج، ثم لجأ إلى بيوك أدا للراحة. في 14 أكتوبر 1924، نُقل إلى المستشفى الفرنسي في بيوغلو. بعد حوالي 24 ساعة من دخوله في غيبوبة، تدهورت حالة ضياء غوكآلب بعد منتصف ليل السبت 25 أكتوبر 1924، وتُوفي في الساعة 4:49 صباحاً في مستشفى باستور الفرنسي في اسطنبول. كان برفقته عند وفاته شقيقه، المقدم نهاد غوكآلب، وصديقاه حليم ثابت شيباي وزكريا سرتل، وعدد من أفراد عائلته.
فور تلقي نبأ وفاته، بدأت محافظة اسطنبول وبلدية اسطنبول والبيت التركي (Türk Ocağı) الاستعدادات لمراسم الجنازة. أرسلت وزارة المالية أيضاً 500 ليرة تركية نيابةً عن الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا لتغطية نفقات الجنازة. نُقل جثمان ضياء غوكآلب من المستشفى الفرنسي في تقسيم يوم الأحد 26 تشرين الأول 1924، وبعد صلاة الجنازة التي أُقيمت في مسجد آيا صوفيا بمراسم مهيبة، دُفن في مقبرة ضريح السلطان محمود في ديفانيولو. وقد تحققت اثنتان من وصايا غوكآلب الأخيرة فور وفاته. ففي هذا السياق، أصدر المجلس الوطني الكبير لتركيا قراراً بعد وفاته بمنح معاش تقاعدي لزوجة ضياء غوكآلب وأبنائه مدى الحياة. أُرسل كتابه “تاريخ الحضارة التركية” إلى المطبعة بأمر من أتاتورك، ونُشر من قِبل وزارة التربية الوطنية عام ١٩٢٥.) “10”
هل ضياء غوكآلب ذئب كردي؟! “11”
مصادر وإشارات
1- يُنظر، اسماعيل بيشكجي: النظام في الأناضول الشرقية “الأسس الاجتماعية – الاقتصادية والبنى القومية”، ترجمة: شكور مصطفى، دار آراس، أربيل، ط1، 2000، ج1. كما في ص: ص52-55-114-147 ، وفي ج2:ص 154-156-157-160-166-
-2 Fahrettin Önder:Ziya Gökalp’in Kürt Kökenli Bir Türk Millîyetçisi Olarak Düşünceleri
فخر الدين أوندر: أفكار ضياء غوكآلب كقومي تركي من أصل كردي
-3 SELAMİ SAYGIN : Ziya Gökalp— 17.11.2024
سلامي سايغين: ضياء غوكآلب
-4 Nuri Fırat: Bir ‘Gayr-I Müfidin’ Portresi; Ziya Gökalp
نوري فرات: صورة لشخص “عديم الفائدة”؛ ضياء غوكآلب
5- سلامي سايغين: المصدر المذكور.
-6 Süleyman Doğan: BİR SOSYOLOG OLARAK ZİYA GÖKALP
سليمان دوغان: ضياء غوكآلب عالم اجتماع
-7 Yahya Munis/ Ziya Gökalp’ın büyük çilesi KÜRTLER ve Türklere kurmuş olduğu tuzak!1 –
يحيى منيس: هل القومية التركية فخٌّ منصوب للأتراك؟ -1
-8 Yahya-munis/turk-milliyetciligi-turke-kurulmus-bir-tuzak-mi-2
يحيى منيس:محنة ضياء غوكآلب الكبرى: الفخ الذي نصبه للكُرْد والأتراك! -2
-9 Rohat Alakom: Türkçülüğün Esasları’na karşılık Kürtçülüğün esasları yazılmalıydı
روهات آلاكوم: على النقيض من كتاب “أساسيات القومية التركية”، كان ينبغي كتابة كتاب
-10 Ali Duymaz: Ziya Gökalp Türk düşünce adamı, sosyolog, şair ve yazar
علي دويماز: ضياء غوكآلب، مفكر وعالم اجتماع وشاعر وكاتب تركي.
11- أحيل القارئ إلى دراستي عن هذه الشخصية في كتابي: الذئب الكوردي “دراسة في شخصية ضياء غوكآلب”، دار سبيريز، دهوك، 2017. إنه السؤال الذي أبقى كتابي مفتوحاً، وقد نوهت إلى التالي قبل ذلك:
(حسبي أن أقول في نهاية المسطور هنا، على أن النظر إلى الآخر، أي آخر، مهما كان مستوى التيقن من كونه “مجرماً” عالياً، يتطلب مكاشفته بأكثر من عين ومكاشفة، ليس لإعلاء براءة ساحته، فيما لو كان هكذا، أو الرجوع عن قرار شبيه النطق بالحكم، وإنما للنظر في مرآة أنفسنا والتي تتعدد سطوحها، وتعكس وجه الناظر فيها: وجهنا، بمقاييس وألوان وتعابير مختلفة، وهي تعلِمنا بوجوب إقامة علاقة حسن جوار وتحاور بين الوجوه المتجاورة، لنعيش إنسانيتنا بصورة أكثر توازناً مع “الآخر”، بقدر ما يكون التوازن عائد الذات، ومنها وفيها يتشكل العالم. ص128).





