وحدة الدراسات الإيرانية
بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن حربين على إيران خلال عام. تقوم هذه المقاربة، وفق مبادئ العلاقات الدولية الحديثة، باستبعاد الجمهورية الإٍسلامية من أرضية نظام ويستفاليا الذي نشأ على معاهدة أنهت حروب أوروبا الدينية عام 1648 على قواعد أن الدولة هي الوحدة الأساسية في النظام الدولي، وأن لكل دولة سيادة داخل حدودها، ولا يحق للدول الأخرى التدخل في شؤونها الداخلية أو فرض تغيير نظامها السياسي بالقوة. في المقابل تم منح ضمانات داخلية في كل دولة على احترام الحقوق الأساسية للمجموعات السكانية كافة، بمذاهبها وأديانها وقومياتها. قام منطق ترامب ونتانياهو على أنه لا يحق لنظام الجمهورية الإٍسلامية أن يدعي السيادة على إيران. فهو نظام لا يحظى بشرعية «ويستفالية»، وكان هذا أساس مفهوم «الدول المارقة» الذي صاغته الولايات المتحدة وفعّلته بعد الحرب الباردة.
بهذا المعنى، يصبح الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني ذا طابع ويستفالي لأنه يعترف لإيران بالسيادة على مجالها الداخلي، بل يتفادى مناقشة نفوذها الإقليمي أيضاً. هو نوع من ويستفالية انتقائية على طريقة هنري كيسنجر. لكن كل هذا التحليل مبني في الإطار النظري، فلا ضمانة أن الاتفاق سيصمد، ولا يمكن استبعاد استئناف الحرب في أي وقت خلال الشهور أو حتى السنوات المقبلة. وإلى ذلك الحين، يمكن قراءة البنود بالمفاهيم التي تعكسها كلمات الاتفاق ومعانيها.
تكشف مسودة الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني، وفق النسخة التي نشرتها «وول ستريت جورنال»، أن جوهر التفاهم يحترم مصادر القوة الإيرانية، وأصولها المسلحة الإقليمية. فالاتفاق يمنح الأولوية لوقف الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأمريكي، وفتح نافذة تفاوضية لمدة 60 يوماً حول الملف النووي، لكنه يترك خارج النقاش ملفين يعدان من أكثر عناصر القوة الإيرانية حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وشبكة الوكلاء في لبنان وغزة واليمن والعراق. صحيح أن البند الأول يتحدث عن إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، لكنه لا يضع آلية لنزع سلاح الوكلاء، ولا يربط تخفيف العقوبات بتغيير سلوك إيران الإقليمي.
إن إدراج لبنان في بند وقف الحرب قد يثير اعتراضاً إسرائيلياً كبيراً، لأنه يعني عملياً إدخال جبهة «حزب الله» في صفقة أمريكية ـ إيرانية، من دون ضمانات واضحة حول مستقبل قدرات الحزب أو انتشاره أو ترسانته. أما الجبهات الأخرى، مثل اليمن والعراق وغزة، فتبدو غائبة تقريباً عن النص، رغم أنها جزء من منظومة الضغط الإيرانية في الشرق الأوسط.
الملاحظة الأبرز عند البند الثالث عشر من المسودة:
بعد توقيع مذكرة التفاهم هذه، وعند تلقي ضمانات بشأن بدء تنفيذ المواد 4 و5 و10 و11 من مذكرة التفاهم هذه، واستمرار تنفيذ هذه الخطوات، تدخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة في مفاوضات بشأن اتفاق نهائي يقتصر حصراً على المواد المتبقية.
يشير هذا البند إلى أن نطاق التفاوض في المرحلة الثانية سيكون محدوداً، ويقتصر على المحاور المذكورة في مذكرة التفاهم، وهو بذلك يستبعد برنامج إيران للصواريخ الباليستية وشبكتها من الميليشيات الإقليمية. وهذا يعني أن الاتفاق، بصيغته المطروحة، لا يذهب إلى معالجة البنية الأمنية والعسكرية الأوسع التي بنتها إيران خلال عقود، بل يركز على ملفين عمليين: حرية الملاحة في مضيق هرمز، وضبط مؤقت للبرنامج النووي ريثما يتم التوصل إلى اتفاق نهائي. ويعني ذلك بكل وضوح فشلاً استراتيجياً للحرب الأميركية الإسرائيلية، حيث غاية مذكرة التفاهم هو إعادة الأوضاع إلى ما قبل الحرب!
بهذا المعنى، تبدو المسودة أقرب إلى إعادة الزمن إلى الوراء، لكن بصلاحيات أعلى للنظام الإيراني في الداخل. والبند الثاني يعيد الاعتراف الأميركي بالسيادة الوطنية الإيرانية وقراراتها، وهذا يعني أن هذا البند له معنى لا يقبل التأويل، وهو أنه إذا تعرض النظام في إيران إلى خطر داخلي عبر انتفاضة أو عمل مسلح فهذا البند يتيح لإيران مطالبة الولايات المتحدة بإصدار بيانات شجب وتنديد ضد «المؤامرات» التي تتعرض لها إيران. يقول البند الثاني وفق المسودة:
تتعهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة باحترام سيادة كل منهما وسلامته الإقليمية، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما.
في المقابل، تحصل إيران في المسودة على مكاسب مبكرة وملموسة. فالبنود المتعلقة برفع الحصار البحري، والسماح بصادرات النفط والبتروكيماويات، والإفراج التدريجي عن الأصول المجمدة، وتمويل خطة لإعادة التأهيل الاقتصادي بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، تمنح طهران حوافز اقتصادية ضخمة قبل حسم القضايا النووية النهائية.
أما في الملف النووي، فاللغة تبدو حذرة ومؤجلة. إيران تكرر تعهدها بعدم إنتاج سلاح نووي، لكنها لا تقدم في هذه المرحلة التزاماً تفصيلياً بشأن مصير التخصيب أو المخزون النووي، بل تترك ذلك للاتفاق النهائي. وحتى البند التاسع يثبت «الوضع القائم» مؤقتاً: إيران لا توسع برنامجها النووي، والولايات المتحدة لا تفرض عقوبات جديدة ولا تعزز قواتها في المنطقة. وهذا يعني أن الاتفاق لا يحل المشكلة النووية فوراً، بل يجمدها لمدة 60 يوماً بانتظار مفاوضات أصعب أو ربما تجميد الأزمة عند هذه النقطة والبحث عن طريقة لإعادة اتفاق أوباما مجدداً لكن باسم ترامب هذه المرة.
المسودة تفصل بين النووي والإقليمي. فهي تجعل المكافآت الاقتصادية مرتبطة أساساً بسلوك إيران في الملف النووي وفتح المضيق، لا بسلوكها تجاه الداخل أو المنطقة. ومن هنا يمكن القول إن الاتفاق، إذا وقع بصيغته العامة الحالية، سيعيد إدخال إيران إلى الأسواق ويخفف الضغط عنها، من دون أن يمس منظومة الردع غير التقليدية التي بنتها عبر الصواريخ والحلفاء.
لذلك، قد يُقرأ الاتفاق في واشنطن على أنه اختراق دبلوماسي ينهي حرباً مكلفة ويعيد استقرار الطاقة والملاحة، لكنه سيُقرأ في إسرائيل وعند خصوم إيران الإقليميين بوصفه اتفاقاً ناقصاً: يقيّد النووي مؤقتاً، ويفتح هرمز، لكنه يترك أدوات النفوذ الإيراني الحقيقية خارج طاولة التفاوض. فإيران، بموجب هذه الصيغة، قد تخسر شيئاً من هامشها النووي، لكنها تحتفظ بصواريخها وبشبكتها الإقليمية، وتحصل في المقابل على تنفس اقتصادي واسع، بل صندوقاً لتمويل ما دمرته حرب أميركا وإسرائيل عليها.
وتبرز في هذا السياق مادة التمويل البالغة 300 مليار دولار بوصفها إحدى أكثر نقاط المسودة حساسية. فالبند السادس يتحدث عن خطة شاملة لإعادة تأهيل إيران وتنميتها اقتصادياً، بتمويل لا يقل عن 300 مليار دولار، بمشاركة الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. ورغم أن ترامب يقول إن واشنطن لن تموّل هذه الخطة من أموالها، فإن إدراج هذا الرقم في المسودة يمنح إيران وعداً اقتصادياً ضخماً يمكن أن يتحول إلى رافعة لإعادة بناء اقتصادها بعد الحرب. والأهم أن هذا التمويل، إذا لم يربط بقيود واضحة على الصواريخ والحلفاء، يثير مخاوف وهلعاً في إسرائيل تحديداً، من أن يؤدي إنعاش الاقتصاد الإيراني إلى تعزيز موارد الدولة التي تدير شبكة نفوذ عسكرية إقليمية في محيط إسرائيل.





