د. مسلّم طالاس
(ملخص تنفيذي)
موازنة سوريا لعام 2026 ليست مجرد أرقام، بل تعكس محاولة واضحة من الدولة لإعادة بناء نفسها والاقتصاد بعد سنوات من الصراع. فهي تعتمد على زيادة كبيرة في الإنفاق بهدف تحسين الخدمات، دعم الاقتصاد، وإطلاق مرحلة جديدة من التعافي.
لكن هذه الموازنة تقوم على مجموعة من الافتراضات المهمة. فهي تتوقع نمواً اقتصادياً سريعاً واستثمارات كبيرة، وتفترض أيضاً تحسناً سريعاً في قدرة الدولة على جمع الضرائب. في الواقع، هذه الافتراضات قد تكون صعبة التحقق في اقتصاد لا يزال يعاني من ضعف المؤسسات وانتشار النشاط غير الرسمي.
من ناحية أخرى، العجز في الموازنة ليس المشكلة بحد ذاته، بل كيفية تمويله. فإذا لم تتوفر مصادر تمويل كافية، قد تضطر الدولة إلى اللجوء إلى حلول تؤدي إلى التضخم أو تراجع قيمة العملة، مما يؤثر سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين.
كما أن نوعية الاستثمارات تلعب دوراً حاسماً. فليس كل استثمار يؤدي إلى نمو حقيقي؛ إذ قد تتجه بعض الاستثمارات إلى قطاعات سريعة الربح لكنها لا تبني اقتصاداً منتجاً على المدى الطويل.
بشكل عام، الموازنة تعكس طموحاً كبيراً لإعادة بناء الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على تحقق عدة شروط صعبة في وقت واحد، مثل تحسن البيئة المؤسسية، تدفق الاستثمارات، واستقرار الاقتصاد الكلي.
الخلاصة أن هذه الموازنة هي رهان اقتصادي: إذا تحققت هذه الشروط، قد تسهم في إطلاق التعافي؛ أما إذا لم تتحقق، فقد تؤدي إلى ضغوط اقتصادية جديدة بدلاً من حل المشكلات القائمة.
مقدمة
تنبع أهمية تناول موازنة سوريا لعام 2026 من كونها لا تمثل مجرد وثيقة تخص سنة مالية واحدة، بل تمثل لحظة كاشفة لطبيعة التحول الجاري في تصور الدولة لوظيفتها الاقتصادية، ولحدود قدرتها على استخدام السياسة المالية كأداة لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات والنشاط الاقتصادي في آن واحد. ففي الاقتصادات الخارجة من الصراع على نحو خاص لا تكون الموازنة العامة شأناً محاسبياً صرفاً، بل تصبح نصاً سياسياً واقتصادياً مكثفاً يختزن تصوراً للدولة والسوق والمجتمع، ويكشف ترتيب الأولويات الفعلي أكثر مما تكشفه الخطابات العامة. ولهذا السبب تحديداً، فإن قراءة هذه الموازنة تكتسب أهمية تتجاوز تحليل بنود الانفاق والإيراد، لتصل إلى تقييم طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يجري اقتراحه، وحدود قابليته للتنفيذ، والعلاقة بين طموحه السياسي وقيوده الكلية والمؤسسية.
ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية مفادها أن فهم موازنة 2026 لا يمكن أن يتم عبر قراءة رقمية مجزأة أو عبر مقاربة وصفية تكتفي بعرض المؤشرات، بل يتطلب تفكيك البنية الداخلية للموازنة وربطها بثلاث دوائر مترابطة: أولا، الدلالة المالية المباشرة للموازنة بوصفها أداة لإعادة تموضع الدولة مالياً وأمنياً وخدمياً واستثمارياً؛ ثانياً، العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، بما في ذلك سؤال العجز، والاستقرار السعري، وحدود التنسيق بين التوسع المالي والانضباط النقدي؛ وثالثاً، قيود الاقتصاد الكلي التي تفرضها متطلبات النمو، وحجم الاستثمار اللازم له، والقدرة الاستيعابية للاقتصاد، وخصائص البيئة المؤسسية في دولة ما بعد الصراع.
ولا تتعامل هذه الدوائر بوصفها مستويات تحليل منفصلة، بل بوصفها منظومة مترابطة، حيث إن الخلل في أحدها—سواء في بنية الإيرادات، أو في شروط التمويل، أو في القدرة المؤسسية—ينتقل مباشرة إلى المستويات الأخرى، ويعيد تشكيل نتائجها.
ومن هنا فإن المقال يتدرج من قراءة الموازنة في ذاتها ودلالاتها المباشرة، إلى تحليل فلسفتها المالية والنقدية، ثم إلى اختبارها ضمن القيود البنيوية للاقتصاد الكلي والاقتصاد السياسي المؤسسي. والغاية من هذا التسلسل ليست فقط تنظيم المناقشة، بل إظهار أن المشكلة المركزية في مثل هذه الموازنات لا تكمن في رقم منفرد أو بند منفصل، بل في مدى الاتساق بين الأهداف المعلنة والأدوات المتاحة والقيود التي تحكم الواقع الاقتصادي الفعلي.
وبهذا المعنى، لا يسعى المقال إلى تقييم الموازنة من حيث حجمها أو بنودها فقط، بل من حيث منطقها الداخلي: أي مدى قدرتها على الجمع بين توسيع دور الدولة، والحفاظ على التوازن النقدي، وبناء قاعدة إنتاجية ومؤسسية قادرة على دعم هذا التوسع.
دلالة الموازنة وإعادة تموضع الدولة
إذا نظرنا إلى موازنة سوريا لعام 2026، فإنها لا تبدو مجرد بيان مالي سنوي، بل وثيقة تكشف، بقدر كبير من الوضوح، عن تصور السلطة الجديدة لطبيعة المرحلة الاقتصادية المقبلة، ولموقع الدولة داخلها، وللأدوات التي تعتقد أنها كفيلة بإطلاق التعافي. وأول ما ينبغي قوله، قبل الدخول في أي تفصيل نظري أو تقني، هو أن هذه الموازنة تقول شيئاً محدداً ومباشراً: الدولة تعتقد أن عام 2026 ليس عاماً عادياً، بل عاماً تاسيسياً، وأن عليها أن تتحرك مالياً بحجم وسرعة يتجاوزان بكثير منطق الإدارة العامة التقليدي، الذي يقوم عادة على ضبط الإنفاق ضمن حدود الإيرادات القائمة، وتجنب العجوزات الكبيرة، واعتماد التدرج في التوسع المالي، مع إعطاء الأولوية للاستقرار على حساب استخدام الموازنة كأداة نشطة لإعادة تشكيل الاقتصاد أو تسريع النمو.

فحجم الإنفاق المقدر يبلغ 10.516 مليار دولار، مقابل إيرادات متوقعة عند 8.716 مليار دولار، بعجز يبلغ 1.799 مليار دولار، أي ما يعادل 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع البالغ 33.7 مليار دولار. كما تعرض الوثيقة أن عام 2025 شهد إيرادات تقارب 3.447 مليار دولار ونفقات تقارب 3.493 مليار دولار، مع فائض أو وفر طفيف بحسب العرض الرسمي، وتؤكد أن موازنة 2026 تزيد إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مستويات السنوات السابقة تقريباً، وهو ما يعكس انتقالاً واضحاً من منطق الإدارة والمحافظة إلى منطق التوسع وإعادة تشكيل الدور الاقتصادي للدولة.
الدلالة الأولى لهذه الأرقام ليست أن الدولة وسعت إنفاقها فحسب، بل إنها أعادت تعريف نفسها مالياً. فالانتقال من حجم إنفاق يقارب 3.5 مليارات دولار إلى أكثر من 10.5 مليارات خلال دورة واحدة لا يمكن فهمه بوصفه تصحيحاً تدريجياً، بل بوصفه قفزة دولة؛ أي قراراً سيادياً بإعادة بسط الدولة حضورها المالي والأمني والخدمي والاستثماري دفعة واحدة. ومن هنا فإن هذه الموازنة، في جوهرها، ليست موازنة استمرارية، بل موازنة إعادة تموضع الدولة.
غير أن القراءة الدقيقة للموازنة تكشف منذ البداية عن توتر داخلي مهم. فالوثيقة تستخدم لغة حذرة تجاه العجز، وتشدد على الاستدامة المالية، وعدم التمويل بالعجز، وضبط نمو الإنفاق بما يتناسب مع الموارد المتاحة، بل وتحتفي بتحقيق فائض محدود في 2025 باعتباره مؤشراً على “الإدارة المالية الرشيدة”. وفي الوقت نفسه، تعتمد موازنة 2026 عجزاً كبيراً نسبياً، وتتبنى توسعاً مالياً واسعاً، وتبني رؤيتها على زيادة كبيرة جداً في الإنفاق وعلى افتراض تسارع قوي في النشاط الاقتصادي. هنا لا نكون أمام مجرد اختلاف بين سنة وأخرى، بل أمام تناقض بين خطاب الانضباط وممارسة التوسع. وهذا ليس تفصيلاً بلاغياً، بل نقطة تحليلية أساسية: لأن الموازنة، بهذا المعنى، تعلن الانتقال من منطق “تصحيح المالية العامة” إلى منطق “استخدام المالية العامة كأداة لإعادة بناء الاقتصاد والدولة”، من دون أن تصرح نظرياً بهذا الانتقال بما يكفي.
ويتأكد هذا المعنى إذا نظرنا إلى بنية الإنفاق. فالموازنة تخصص 60% من الإنفاق للنفقات الجارية، و27% للنفقات الاستثمارية، و13% للدعم والضمان الاجتماعي. أما على المستوى القطاعي، فتذهب 41% من النفقات إلى الدفاع والأمن الوطني، و33% إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، و26% إلى الخدمات العامة. هذه الأرقام تقول بوضوح أن الدولة لا تبدأ من الإنتاج، بل من إعادة تأسيس السيادة والإدارة. الأمن أولاً، ثم إعادة تشغيل الآلة الحكومية، ثم الإنفاق الاجتماعي والخدمي، ثم الاستثمار بوصفه أداة لإطلاق التعافي.

من منظور المالية العامة، هذا الترتيب مفهوم في دولة خارجة من صراع. فالإنفاق الأمني المرتفع ليس فقط خياراً سياسياً، بل انعكاساً لرغبة الدولة في استعادة احتكار القوة الشرعية وتوحيد الفضاء العام. كذلك فإن ارتفاع النفقات الجارية ليس بالضرورة علامة سوء، لأنه يعبر في جانب مهم منه عن إعادة تشغيل المؤسسات، والرواتب، والإدارة، والصيانة، والخدمات الأساسية.
غير أن كون هذا التوسع مفهوماً من حيث دوافعه لا يعني بالضرورة أنه قابل للاستدامة من حيث شروطه، إذ إن الفرق بين التوسع الضروري والتوسع المفرط لا تحدده النوايا، بل تحدده قدرة الاقتصاد والمؤسسات على استيعاب هذا التوسع دون توليد اختلالات كلية.
وبهذا المعنى، فإن قراءة هذا التوسع لا يمكن فصلها عن سؤالين سيظهران لاحقاً في التحليل: أولاً، مدى واقعية الافتراضات التي تقوم عليها الإيرادات التي يفترض أن تموله؛ وثانياً، مدى قدرة النظام النقدي على استيعاب هذا التوسع دون أن يتحول إلى ضغوط تضخمية أو اختلال في سعر الصرف.
لكن من منظور الاقتصاد الكلي والتنموي، يظل هذا الترتيب حاملاً لمفارقة واضحة: فالدولة تقول إنها تريد إطلاق النمو، لكنها تخصص الحصة الأكبر من إنفاقها المباشر إلى تثبيت النظام السياسي والإداري قبل بناء قاعدة إنتاجية مستدامة. وهذا يعني أن الموازنة تحمل في داخلها منطقاً سيادياً مؤسسياً أكثر مما تحمل منطقاً إنتاجياً صرفاً.
الإيرادات ودلالاتها البنيوية
إذا كان الإنفاق يعكس إرادة الدولة في إعادة التموضع، فإن الإيرادات تكشف حدود هذه الإرادة. فالموازنة تعتمد على مزيج من الضرائب والرسوم، والإيرادات النفطية، وعوائد أخرى بما فيها استثمارات الدولة. ووفق تقديرات الموازنة، من أصل إجمالي إيرادات يبلغ 8.716 مليار دولار، تشكل الإيرادات الضريبية والرسوم النسبة الأكبر بما يقارب 5 إلى 5.5 مليار دولار، تليها الإيرادات النفطية في حدود 1.5 إلى 2 مليار دولار، ثم بند “الإيرادات الأخرى” الذي يقترب من 1.5 إلى 2 مليار دولار، ويشمل عوائد استثمارات الدولة ومصادر متنوعة أخرى.
هذا التوزيع يعطي انطباعاً أولياً بالتنوع، لكنه يخفي بنية إيرادية هشة وغير مستقرة. فالضرائب، في اقتصاد خارج من صراع خصوصاً، لا تعكس فقط قرارات مالية، بل تعكس قدرة إدارية ومؤسسية. أي أن تحقيق ما يقارب 5 مليارات دولار من الإيرادات الضريبية يفترض ضمناً وجود جهاز جباية فعال، وقدرة على ضبط التهرب، وبيئة اقتصادية منظمة نسبياً. وهذه شروط لم تكتمل بعد بشكل كاف، ما يجعل هذا الجزء الأكبر من الإيرادات مرهوناً بتحسن سريع في الإدارة العامة.
ولا يقتصر أثر هذا القيد المؤسسي على جانب الإيرادات فحسب، بل يمتد أيضاً إلى بنية الاقتصاد ككل، حيث إن اتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي وضعف الامتثال الضريبي لا يعكسان فقط محدودية الجباية، بل يشيران أيضاً إلى بيئة أعمال غير مستقرة وقليلة القابلية للتنبؤ، وهي عوامل تحد مباشرة من قدرة الاقتصاد على جذب استثمار إنتاجي طويل الأجل.
أما الإيرادات النفطية، والتي تقدر بنحو 1.5 إلى 2 مليار دولار، فعلى الرغم من أهميتها، فهي بطبيعتها عالية التقلب، وتعتمد على عوامل سياسية وأمنية وتقنية خارج السيطرة الكاملة للدولة، مثل استقرار الإنتاج، وأسعار الطاقة العالمية، والقدرة على التصدير. وبالتالي فإن الاعتماد عليها، حتى بهذا الحجم، يضيف عنصراً من عدم اليقين الهيكلي.
ويبقى البند الأكثر حساسية هو ما يسمى بعوائد استثمارات الدولة، والذي يندرج ضمن بند “الإيرادات الأخرى” بقيمة تقارب 1.5 إلى 2 مليار دولار. فهذا البند، رغم حجمه النسبي الملحوظ، يفتقر إلى تفصيل كاف يوضح طبيعته: هل هو ناتج عن أرباح تشغيلية حقيقية من أصول مملوكة للدولة، أم عن إعادة هيكلة أصول، أم عن إيرادات استثنائية أو غير متكررة؟ وهذا الغموض لا يقلل فقط من شفافية الموازنة، بل يضعف القدرة على تقييم استدامة هذه الإيرادات.
كما تثير هذه البنية الإيرادية سؤالاً إضافياً يتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه: فارتفاع حصة الإيرادات غير الضريبية، حتى لو لم تصل إلى مستويات الاقتصادات الريعية الكلاسيكية، قد يشير إلى اعتماد جزئي على مصادر دخل لا ترتبط مباشرة بالنشاط الإنتاجي الواسع. وفي هذه الحالة، لا يكون التحدي فقط في حجم الإيرادات، بل في نوعها، أي ما إذا كانت تعكس اقتصاداً إنتاجياً يتوسع أفقياً عبر القاعدة الضريبية، أم اقتصاداً يميل إلى إعادة إنتاج أشكال مختلفة من الريع، سواء عبر الأصول أو الامتيازات أو الأنشطة ذات القيمة المضافة المحدودة.
تشير هذه البنية أيضاً إلى مسألة معيارية مهمة تتعلق بنسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي. فبحساب بسيط، تمثل الإيرادات الضريبية المقدرة بين 5 و5.5 مليار دولار ما يعادل نحو 14% إلى 16% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 33.7 مليار دولار. وتقع هذه النسبة عند الحد الأدنى الذي تعتبره الأدبيات الاقتصادية ضرورياً لبناء دولة قادرة مالياً، حيث يشار عادة إلى مستوى 15% باعتباره عتبة للاستدامة المالية. غير أن المقارنة الأكثر ملاءمة في هذه الحالة ليست مع المتوسطات العالمية، بل مع الدول الخارجة من النزاع أو الهشة، حيث تتراوح هذه النسبة عادة بين 5% و10% في المراحل الأولى من التعافي، وقد ترتفع تدريجيا إلى حدود 10% إلى 15% فقط بعد سنوات من إعادة بناء المؤسسات.
وبالتالي، فإن بلوغ هذه النسبة في هذه المرحلة لا يعكس بالضرورة قدرة ضريبية متحققة، بل يعكس افتراضاً ضمنياً بتحقق قفزة سريعة في الكفاءة المؤسسية واتساع القاعدة الضريبية، وهو افتراض يحمل في طياته درجة عالية من عدم اليقين.
وبذلك تتحول هذه النسبة من مؤشر محاسبي إلى مؤشر بنيوي عالي الحساسية: فهي من جهة تعكس طموحاً للوصول إلى عتبة الدولة القابلة للاستمرار مالياً، لكنها من جهة أخرى تكشف أن تحقيق هذا الطموح يفترض شروطاً مؤسسية لم تترسخ بعد.
ولا تقتصر دلالة هذا الافتراض على التوازن المالي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى منطق النمو نفسه، حيث إن نفس الشروط المؤسسية اللازمة لتوسيع القاعدة الضريبية هي ذاتها المطلوبة لجذب الاستثمار المنتج، وهو ما يعني أن أي ضعف في تحقق هذه الشروط سينعكس في آن واحد على الإيرادات وعلى مسار النمو المفترض في الموازنة.
وبالتالي، ورغم أن إجمالي الإيرادات يبلغ 8.716 مليار دولار، فإن تركيبتها تكشف أن جزءاً معتبراً منها يعتمد على افتراضات مؤسسية واقتصادية لم تترسخ بعد بشكل كامل. وبناء على ذلك، يمكن القول إن المشكلة في الإيرادات ليست في حجمها الاسمي، بل في جودتها المؤسسية. فهي إيرادات ممكنة، لكنها ليست مضمونة. وهذا يعني أن أي انحراف في الافتراضات المرتبطة بها سينعكس مباشرة على العجز والتوازن المالي.
السياسة المالية وحدود التوازن النقدي
هنا ندخل إلى المسألة الثانية: السياسة المالية نفسها. ما هي فلسفة هذه الموازنة مالياً؟ الجواب: هي موازنة توسعية، حتى لو غلفت بخطاب الحذر. فهي لا تكتفي بزيادة الاعتمادات، بل تتبنى تصوراً مفاده أن الإنفاق الحكومي، إلى جانب تحسن الثقة وعودة النشاط، يمكن أن يكون رافعة لانطلاقة اقتصادية واسعة. غير أن التوسع المالي في ذاته ليس معياراً للحكم؛ إذ قد يكون توسعاً ضرورياً في مرحلة إعادة بناء. المعيار الحقيقي هو: كيف يمول؟ وما أثره على التوازن النقدي؟ وما مدى اتساقه مع جانب العرض في الاقتصاد؟
وفي هذا السياق تحديداً، لا يمكن فصل سؤال التمويل عن بنية الإيرادات التي تم تحليلها سابقاً، إذ إن هشاشة القاعدة الإيرادية تعني أن أي انحراف في التحصيل سيترجم مباشرة إلى ضغوط تمويلية، ما يجعل العلاقة بين المالية العامة والسياسة النقدية علاقة بنيوية لا مجرد تنسيق تقني.
هذا يقودنا إلى العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، وهي العلاقة الحاسمة التي لا يمكن قراءة الموازنة من دونها. فالوثيقة تتحدث عن التزام بعدم التمويل بالعجز، وعن استقرار الأسعار، وتعزيز الثقة بالليرة والنظام المصرفي، وعودة الودائع، وتقليص الاعتماد على النقد خارج النظام المالي. في المستوى النظري، هذا شرط لازم: إذا توسعت المالية العامة من دون ضبط التمويل، تتحول السياسة النقدية إلى أداة تابعة ويتقوض استقرار الإسعار. وإذا تشددت السياسة النقدية أكثر مما ينبغي في اقتصاد ضعيف، قد تخنق التعافي. وبالتالي فإن نجاح هذه الموازنة يفترض تنسيقاً دقيقاً بين توسع مالي محسوب ونظام نقدي قادر على امتصاص الصدمات.
لكن هذا الشرط لا يكفي. فحتى في غياب التمويل النقدي المباشر، يمكن أن تنشأ ضغوط تضخمية من اختلال التوازن بين الطلب والعرض. والموازنة نفسها تبني على قفزة في الطلب الكلي: عودة سكان، تحسن تحويلات، توسع استهلاك، وزيادة استثمار. إذا سبق الطلب تعافي العرض المقيد بالبنية التحتية والقدرة الإنتاجية وسلاسل الإمداد والمؤسسات، يظهر ما يمكن تسميته بالتضخم المؤجل، أي تضخم لا ينشأ عن توسع نقدي مباشر، بل عن فجوة زمنية بين تسارع الطلب وبطء استجابة العرض.
غير أن المسألة لا تقف عند حدود التضخم الناجم عن الطلب، بل تتقاطع مباشرة مع طبيعة الاستثمار نفسه، حيث إن جزءاً من التدفقات الاستثمارية المتوقعة قد يتحول في المدى القصير إلى طلب استهلاكي أو نشاطات ذات دوران سريع، بدلاً من أن يتحول إلى طاقة إنتاجية مستدامة، وهو ما يعمق الفجوة بين الطلب والعرض ويزيد من الضغوط التضخمية.
غير أن المخاطر المرتبطة بالعجز لا تقتصر على هذه القناة غير المباشرة، بل تمتد إلى كيفية تمويله في سياق اقتصاد محدود الخيارات التمويلية. فبينما تؤكد الموازنة على عدم اللجوء إلى التمويل بالعجز، يبقى هذا الالتزام عرضة للاختبار إذا لم تتحقق افتراضات الإيرادات أو الاستثمار. وفي اقتصاد خارج من الصراع، حيث تكون أسواق الدين المحلية ضيقة والوصول إلى التمويل الخارجي مقيداً، يصبح التمويل النقدي خياراً ضمنياً حتى لو لم يكن معلناً.
ولا تكمن الخطورة هنا في اللجوء المباشر إلى طباعة العملة فحسب، بل في الطبيعة الإغرائية لهذا الخيار عندما تواجه المالية العامة ضغوطاً آنية، وفي ضعف القيود المؤسسية التي قد تحول دون استخدامه. كما أن التوسع المالي الكبير في بيئة مصرفية هشة قد ينعكس في توسع نقدي غير مباشر عبر القنوات المصرفية، بما يضغط على سعر الصرف ويغذي التضخم.
وفي هذا السياق، يشكل سعر الصرف القناة الأكثر حساسية لانتقال هذه الاختلالات، حيث إن أي توسع نقدي مباشر أو غير مباشر مرتبط بتمويل العجز قد ينعكس بسرعة في ضغوط على العملة، وهو ما يحول الاختلال المالي إلى تضخم مستورد، ويقوض جزءاً كبيراً من الأثر الحقيقي للإنفاق العام على القدرة الشرائية.
وبالتالي، فإن العلاقة بين العجز والاستقرار النقدي في هذه الحالة لا تحكمها النوايا المعلنة، بل تحكمها قدرة النظام المالي والمؤسسي على مقاومة الانزلاق نحو تمويل تضخمي، سواء بشكل مباشر عبر إصدار نقدي، أو بشكل غير مباشر عبر توسع ائتماني مرتبط بالإنفاق العام.
وبهذا المعنى، لا يكون التحدي النقدي منفصلاً عن بقية عناصر الموازنة، بل يمثل نقطة التقاء بين ضعف الإيرادات، وطبيعة الإنفاق، ونمط النمو المتوقع، ما يجعل أي خلل في أحد هذه المكونات قابلاً للانتقال بسرعة إلى الاستقرار النقدي.
قيود الاقتصاد الكلي ومنطق النمو المفترض
ومن هنا ندخل إلى قيود الاقتصاد الكلي. فالموازنة تتوقع نمواً اقتصادياً حقيقياً بين 8% و10%، بل تشير في بعض المواضع إلى أنه قد يتجاوز 10%. كما تربط هذا النمو بجملة عوامل: نهاية القيود الهيكلية، تحسن الإدارة الاقتصادية، عودة حقول النفط والغاز، عودة السوريين، زيادة الإنفاق على الخدمات، تحسن الطاقة، زيادة الاستثمار في البناء والنقل والطاقة والسياحة، وتحسن التحويلات من الخارج. من حيث المبدأ، ليس من المستحيل أن تحقق الاقتصادات الخارجة من القاع نسب نمو مرتفعة. لكن التحليل الكلي لا يسأل فقط إن كان النمو ممكناً حسابياً، بل يسأل: ما متطلبات هذا النمو؟ وهل تمولها الموازنة؟ وهل يستطيع الاقتصاد امتصاصها؟
إذا أخذنا الناتج المحلي المتوقع عند 33.7 مليار دولار، فإن نمو 10% يعني إضافة إنتاج تقارب 3.3 مليار دولار خلال سنة واحدة. وإذا طبقنا منطق معامل رأس المال إلى الناتج (ICOR) في نطاقه المتعارف عليه في الاقتصادات النامية والانتقالية، أي بين 3 و8، فإن تحقيق نمو بهذا الحجم يستلزم استثمارات تتراوح تقريباً بين 9 و24 مليار دولار، بمتوسط يقارب 17 مليار دولار. هذه ليست مجرد عملية حسابية، بل أداة لكشف التوتر الداخلي في الموازنة: لأن الإنفاق الاستثماري الحكومي لا يتجاوز نحو 27% من 10.516 مليار دولار، أي قرابة 2.8 مليار دولار فقط. معنى ذلك أن الجزء الأكبر من الاستثمار اللازم لتحقيق النمو المستهدف يجب أن يأتي من القطاع الخاص أو الخارج. أي أن الموازنة لا تخلق النمو من داخلها، بل تفترض أن الاقتصاد والبيئة السياسية والمالية سيولدانه حولها.
غير أن هذا التحليل يفترض ضمناً أن النمو المتوقع هو نمو ناتج عن استثمارات جديدة، في حين أن جزءاً معتبراً من النمو في الاقتصادات الخارجة من الصراع قد يكون ناتجاً عن ما يعرف بالنمو الارتدادي (Rebound Growth)، أي إعادة تشغيل طاقات إنتاجية معطلة نتيجة تحسن الظروف الأمنية وعودة النشاط الاقتصادي. وفي هذه الحالة، يمكن أن يتحقق جزء من النمو دون الحاجة إلى تدفقات استثمارية كبيرة، ما يعني أن النمو في المدى القصير قد لا يعكس تحسناً هيكلياً في القدرة الإنتاجية.
غير أن هذا النوع من النمو يكون بطبيعته مؤقتاً، إذ يتراجع مع استنفاد الطاقات المعطلة، ليظهر عندها القيد الحقيقي المتمثل في الحاجة إلى استثمارات إنتاجية جديدة، وهو ما قد يكشف فجوة بين النمو المحقق والنمو القابل للاستدامة.
وهنا تتقاطع هذه الفرضية مباشرة مع ما تم طرحه سابقاً حول القيود المؤسسية، إذ إن نفس البيئة التي تواجه صعوبات في توسيع القاعدة الضريبية هي ذاتها التي قد تحد من قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات إنتاجية واسعة، ما يجعل هذا السيناريو معتمداً على تحقق تحسن مؤسسي متزامن في أكثر من مستوى.
كما أن وجود مكون ارتدادي في النمو قد يؤدي إلى تضخيم التوقعات الإيرادية في المدى القصير، حيث قد يتم تفسير النمو المحقق بوصفه دليلاً على توسع دائم في القاعدة الاقتصادية، في حين أنه قد يعكس في جزء منه استعادة نشاط سابق، وهو ما يزيد من مخاطر عدم تحقق الإيرادات المتوقعة في المدى المتوسط.
هنا تتجلى المسألة بوضوح أشد: الموازنة ليست فقط متفائلة، بل مبنية على افتراض خارجي مركزي. فهي تفترض أن تدفقات كبيرة من الاستثمار الخاص والمحلي والأجنبي ستدخل الاقتصاد في وقت وجيز، وأنها ستذهب إلى قطاعات منتجة بما يكفي لرفع الناتج الحقيقي بسرعة، وأن البيئة المؤسسية والأمنية ستسمح بذلك. وهذا افتراض قوي للغاية. لأنه في الاقتصادات الخارجة من الصراع، لا يكفي رفع القيود أو إعلان الانفتاح لكي يتدفق الاستثمار الإنتاجي العميق. غالباً ما يدخل أولاً رأس المال السريع، والأنشطة العقارية، والتجارية، والخدماتية ذات الدوران القصير، بينما يحتاج الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل إلى قدر أعلى بكثير من اليقين القانوني والمؤسسي والسياسي.
وبالتالي، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الاستثمار المتوقع، بل بطبيعته أيضاً: إذ إن تدفقات الاستثمار في مثل هذه البيئات قد تميل إلى القطاعات الريعية أو شبه الريعية، التي تحقق عوائد سريعة لكنها لا تبني قاعدة إنتاجية مستدامة، وهو ما يعني أن جزءاً من النمو المتحقق قد يكون نمواً شكلياً أو قصير الأجل، وليس نمواً إنتاجياً عميقاً.
لكن حتى لو افترضنا أن هذه التدفقات ستأتي، فإننا نصطدم بالقيد التالي: القدرة الاستيعابية. فاقتصاد بحجم 33.7 مليار دولار لا يستطيع عادة امتصاص استثمارات عند أي مستوى وبأي سرعة من دون اختناقات. وإذا استخدمنا التقدير الذي ناقشناه، والقائم على أن القدرة الاستيعابية القصوى للاقتصاد في ظروف ما بعد الصراع قد لا تتجاوز في أفضل الأحوال نحو 50% من الناتج المحلي، وهو تقدير يرتبط بعوامل مثل كفاءة المؤسسات، وجاهزية البنية التحتية، ومرونة سوق العمل، وقدرة الجهاز الإداري على تنفيذ المشاريع، وهي عوامل تكون عادة مقيدة في الاقتصادات الخارجة من الصراع، وهو ما يتسق مع تقديرات الأدبيات المتعلقة بالاقتصادات الانتقالية. وعليه فإن الاقتصاد السوري قد يستطيع امتصاص ما بين 15 و17 مليار دولار تقريباً. هذا الرقم، كما هو واضح، يقع قريباً جداً من متوسط الاستثمار المطلوب لتحقيق نمو 10%.
غير أن هذا التقارب الظاهري يخفي درجة عالية من الهشاشة، إذ إنه يعني أن الاقتصاد يفترض أن يعمل عند حدود طاقته القصوى تقريباً، ما يترك هامشاً ضئيلاً جداً للخطأ أو الانحراف.
ويزداد هذا الهامش ضيقاً إذا أخذنا في الاعتبار أن جزءاً من النمو قد يكون ارتدادياً بطبيعته، ما يعني أن الجزء الاستثماري الحقيقي من النمو قد يكون أقل مما توحي به الأرقام الكلية، وهو ما يزيد من حساسية الاقتصاد تجاه أي تباطؤ في تدفقات الاستثمار الجديدة.
ومعنى ذلك أن الموازنة تبني سيناريوها المتفائل على افتراض أن الاقتصاد سيعمل تقريباً عند حدوده القصوى من الاستيعاب. وهذا يضيق هامش الخطأ إلى الحد الأدنى. فإذا جاءت الاستثمارات أقل، تراجع النمو وتعثر تحصيل الإيرادات. وإذا جاءت أكثر من قدرة الاقتصاد، تحولت الزيادة إلى تضخم، وارتفاع أسعار الأصول، واختناقات، وسوء تخصيص.
وفي ضوء ما تم طرحه في القسم النقدي، فإن هذا السيناريو لا يقتصر على مخاطره من حيث النمو فقط، بل يمتد أيضاً إلى الاستقرار النقدي، حيث إن تدفقات استثمارية غير متوازنة قد تتحول إلى ضغوط طلب إضافية بدلاً من أن تتحول إلى عرض، ما يعمق الاختلال بين الجانبين.
من منظور الاقتصاد الكلي، هذه هي النقطة الأهم في تقييم الموازنة: ليس الخطر فقط في حجم العجز، ولا فقط في تفاؤل النمو، بل في أن العلاقة بين النمو المطلوب، والاستثمار اللازم، والقدرة الاستيعابية المتاحة تكاد تكون مشدودة إلى الحد الأقصى. أي أننا أمام ما يمكن تسميته معادلة النجاح الكامل: يجب أن تأتي استثمارات ضخمة، ولكن لا تتجاوز قدرة الاقتصاد على الامتصاص؛ ويجب أن تذهب إلى قطاعات منتجة، لا إلى مضاربات؛ ويجب أن تتحول بسرعة إلى نمو حقيقي، لا فقط إلى ارتفاع أسعار؛ ويجب أن ينتج عنها تحسن في الإيرادات قبل أن يضغط العجز على التوازنات. وهذه معادلة ممكنة نظريا، لكنها نادرة عملياً.
الاقتصاد السياسي المؤسسي: السوق، الريع، والدولة
في هذا الموضع تحديداً، تتداخل اعتبارات الاقتصاد السياسي المؤسسي. فالموازنة لا يمكن قراءتها فقط كأرقام كلية، بل كوثيقة تحاول إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع. فهي تطرح القطاع الخاص بوصفه “شريكاً أساسياً” في التنمية، وتؤكد تشجيع الاستثمار، وتوسيع الفرص الاستثمارية، وتحسين بيئة الأعمال، ومعالجة القروض المتعثرة، وتعزيز دور الاتصالات والتحول الرقمي والبنية التحتية، بل والحد من مزاحمة القطاع العام للقطاع الخاص. من حيث الاتجاه النظري، هذا تحول مهم، بل ويمكن عده من نقاط القوة في الموازنة، لأنه يعترف ضمنياً بأن الدولة وحدها غير قادرة على تمويل إعادة الإعمار وخلق النمو.
لكن في علم الاقتصاد السياسي، لا تكفي الإشارة إلى “القطاع الخاص” بصيغة مجردة. فالسؤال الحاسم ليس: هل سيتم تمكين القطاع الخاص؟ بل: أي قطاع خاص؟ هل المقصود قطاع خاص منتج، تنافسي، طويل الأجل، يدخل في التصنيع والخدمات القابلة للتصدير والبنية التحتية؟ أم قطاع خاص ريعي، قريب من السلطة، يلتقط الامتيازات والأصول والعقود والفرص العقارية؟ في الاقتصادات الانتقالية، وخصوصاً الخارجة من نزاعات، يكون هذا الفرق مصيرياً. لأن “تمكين القطاع الخاص” قد يعني فعلاً بناء اقتصاد سوق منتج، وقد يعني أيضاً إعادة تدوير الريع في صيغة جديدة.
وبهذا المعنى، فإن ما تم طرحه سابقاً حول بنية الإيرادات وطبيعة الاستثمار المتوقع يجد امتداده هنا، حيث لا ينفصل شكل الإيرادات عن شكل الاقتصاد نفسه، ولا ينفصل نمط الاستثمار عن البنية المؤسسية التي توجهه. فاقتصاد يعتمد جزئياً على إيرادات غير ضريبية غير واضحة المصدر، ويتوقع تدفقات استثمارية سريعة، يكون عرضة لأن يتجه نحو أشكال من الريع حتى دون أن يعلن ذلك صراحة.
ومن هنا فإن أحد أهم مواطن الغموض المؤسسي في الموازنة هو أنها تطرح الشراكة مع القطاع الخاص كحل، لكنها لا تفكك بما يكفي البنية المؤسسية التي ستمنع تحول هذه الشراكة إلى تحالف ريع جديد بين الدولة ورأس المال.
وهذا يعني أن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بحجم دور القطاع الخاص، بل بطبيعة العلاقة التي ستنشأ بينه وبين الدولة: هل ستكون علاقة تنافس وإنتاج، أم علاقة امتيازات وإعادة توزيع للموارد؟

الأمر نفسه ينطبق على البعد الاجتماعي للموازنة. فهي تعلن بوضوح أنها تستهدف تحسين الأجور، ومكافحة الفقر، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين الصحة والتعليم، وإطلاق خطة “سورية بدون مخيمات”، وتنمية المناطق المتضررة والجزيرة السورية، وإعادة تأهيل البنية الخدمية. من حيث النية السياسية والاجتماعية، هذا مهم وإيجابي، بل إنه ضروري لإعادة بناء الشرعية. لكن من منظور الاقتصاد العام، يجب التمييز بين إعلان الهدف الاجتماعي والقدرة على تحقيقه فعليا. فزيادة الأجور في بيئة انتقالية قد تعني تحسنا حقيقيا إذا ترافق معها استقرار سعري وزيادة إنتاجية، لكنها قد تتحول إلى مجرد تعويض اسمي إذا التهمها التضخم. وخطط مكافحة الفقر تحتاج إلى بيانات واستهداف وآليات تنفيذ، لا إلى اعتمادات عامة فقط. وإنهاء المخيمات يتطلب قدرة عمرانية ومالية ومؤسسية ضخمة، لا مجرد توجيه سياسي.
كما أن فعالية هذه السياسات الاجتماعية ترتبط مباشرة بما تم تحليله سابقاً على المستوى النقدي، إذ إن أي اختلال في الاستقرار السعري أو في سعر الصرف قد يقوض جزءاً كبيراً من أثرها الحقيقي، ما يجعل نجاحها مشروطاً باستقرار كلي لا تضمنه الموازنة بشكل كامل.
ومن ثم فإن الموازنة تسجل نقطة إيجابية لجهة وضوح الحس الاجتماعي، لكنها تظل أضعف بكثير من حيث الهندسة التنفيذية اللازمة لتحويل هذا الحس الاجتماعي إلى نتائج قابلة للقياس.
هنا يظهر جوهر المشكلة المؤسسية. فالموازنة تعترف بنفسها بأن تأخر الإصلاحات وبناء القدرات داخل المؤسسات قد يؤخر النتائج، كما تعترف بأن هناك مخاطر جيوسياسية، ومخاطر تضخم، وعوامل خارجية قد ترفع الكلف أو تؤخر بعض المشاريع. وهذا اعتراف مهم.
لكن هذا الاعتراف يقود إلى نتيجة أكثر عمقاً: إن الفجوة الأساسية ليست فجوة موارد فقط، بل فجوة قدرة تنفيذ، حيث إن حجم الإنفاق المخطط يتطلب جهازاً إدارياً ومؤسسياً قادراً على التعاقد، والتنفيذ، والرقابة، والتقييم، وهي شروط لا تتوافر عادة بشكل كامل في المراحل المبكرة من التعافي.
وفي هذه الحالة، لا يصبح الخطر فقط في عدم تحقيق الأهداف، بل في أن يتحول التوسع المالي نفسه إلى مصدر لإعادة إنتاج اختلالات جديدة، سواء عبر سوء تخصيص الموارد، أو عبر تعزيز شبكات النفوذ، أو عبر توجيه الاستثمار نحو قطاعات ذات عائد سياسي سريع بدلاً من عائد اقتصادي مستدام.
ففي الدول الخارجة من النزاع، المشكلة الحاسمة غالباً لا تكمن في صياغة الرؤية، بل في قدرة الدولة على التعاقد، والمشتريات، والمتابعة، والرقابة، والتنسيق، والتسعير، وتوجيه الاستثمار. وكلما ارتفع حجم الإنفاق الاستثماري والتوسعي في بيئة مؤسسية هشة، تضاعف خطر التحول من “توسع تنموي” إلى “توسع غير منفذ” أو “توسع منخفض الكفاءة”.
وبذلك، فإن هذا القسم لا يشكل فقط امتداداً للتحليل السابق، بل يقدم تفسيراً له: فالكثير من المخاطر التي ظهرت في الإيرادات، وفي التوازن النقدي، وفي منطق النمو، تجد جذورها في هذه البنية المؤسسية، ما يجعلها نقطة الارتكاز الحقيقية لتقييم الموازنة.
خاتمة
إذا جمعنا كل ما سبق، تتضح صورة الموازنة في شكل أكثر دقة. من جهة أولى، لديها إيجابيات حقيقية لا يجوز إغفالها. فهي تعرض رؤية واضحة لإعادة الإعمار، وتقر بأهمية القطاع الخاص، وتخصص نسبة استثمارية ليست ضئيلة، وتمنح الجانب الاجتماعي مكاناً معتبراً، وتظهر وعياً ببعض المخاطر الكلية، وتحاول من حيث الخطاب أن تربط التوسع المالي بالحفاظ على الاستقرار النقدي. كل هذا يجعلها أفضل من موازنات شكلية أو منغلقة لا ترى إلا المحاسبة الضيقة.
ومن جهة ثانية، لديها سلبيات بنيوية واضحة: التناقض بين لغة الحذر المالي وممارسة التوسع؛ الاعتماد على مصادر إيراد تفترض تحسناً مؤسسياً سريعاً، بما في ذلك تحقيق مستوى مرتفع نسبياً من الإيرادات الضريبية قياساً بواقع اقتصاد خارج من الصراع؛ الإفراط في التفاؤل بشأن النمو والاستثمار؛ ضعف التفصيل في بعض بنود الإيرادات، خصوصاً عوائد استثمارات الدولة؛ الوزن الكبير للإنفاق الأمني؛ والاعتماد الضمني على أن قوى السوق والتمويل الخارجي ستسد الفجوة بين الطموح والتمويل الحكومي.
أما المخاطر، فهي ليست هامشية بل مركزية. أولها أن الاستثمارات الخاصة والخارجية قد لا تأتي بالحجم أو السرعة المفترضين، فينخفض النمو وتقل الإيرادات ويكبر العجز. وثانيها أن الاستثمارات إذا جاءت قد تذهب إلى قطاعات ريعية أو عقارية لا تولد نمواً إنتاجياً كافياً. وثالثها أن قيد القدرة الاستيعابية قد يحول التدفقات الكبيرة إلى تضخم وارتفاع أسعار أصول واختناقات تنفيذية. ورابعها أن التوسع في الطلب، مدفوعاً بالإنفاق والتحويلات وعودة السكان، قد يسبق تعافي العرض، فيضغط على الأسعار وسعر الصرف حتى من دون تمويل نقدي مباشر للعجز. وخامسها أن ضعف القدرة المؤسسية، بما في ذلك القدرة الضريبية، قد يجعل نسبة معتبرة من الإنفاق الاستثماري والبرامج الاجتماعية أقل فعالية بكثير مما تفترضه الوثيقة.
وإذا ما نظر إلى هذه المخاطر في ضوء الترابط الذي تم تحليله بين الإيرادات، والتمويل، ونمط الاستثمار، والبنية المؤسسية، فإنها لا تظهر بوصفها مخاطر مستقلة، بل بوصفها تعبيرات مختلفة عن قيد واحد مشترك يتمثل في محدودية القدرة المؤسسية على تحويل التوسع المالي إلى نمو مستدام دون توليد اختلالات كلية.
والخلاصة التي يفرضها هذا التحليل ليست أن الموازنة “سيئة” أو “مستحيلة”، كما أنها ليست موازنة مطمئنة أو محافظة. إنها، بدقة أكبر، موازنة انتقالية عالية الطموح، ضيقة هامش الأمان. قوتها الأساسية في وضوح الاتجاه: إعادة بناء الدولة، إعادة تشغيل الاقتصاد، تمكين القطاع الخاص، وتوسيع الحضور الاجتماعي للدولة. وضعفها الأساسي في أنها تربط نجاحها بسلسلة طويلة من الشروط المتزامنة: استقرار أمني، تحسن مؤسسي، تدفق استثمار، تحسن طاقة، نمو سريع، ارتفاع فعلي في القدرة الضريبية للدولة، واستقرار نقدي، وتعاف في الثقة. وفي علم الاقتصاد، كلما زاد عدد الشروط التي يجب أن تتحقق معاً، ضعفت موثوقية السيناريو الأساسي.
وبهذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي الذي تكشفه هذه الموازنة لا يكمن فقط في تحقيق هذه الشروط، بل في تحقيقها في وقت واحد، وهو ما يجعلها أقرب إلى معادلة دقيقة التوازن، حيث إن اختلال أي عنصر من عناصرها قد يؤدي إلى انتقال سريع للاختلالات عبر بقية أجزاء الاقتصاد.
لذلك، فإن التقييم البارد لهذه الموازنة يجب أن يقول بوضوح: إنها ليست موازنة استدامة بالمعنى الصارم، بل موازنة رهان. رهان على أن الدولة تستطيع أن تتوسع مالياً من دون أن تفقد السيطرة النقدية؛ وعلى أن الاقتصاد يستطيع أن ينمو سريعاً من دون أن يصطدم بقيوده الاستيعابية؛ وعلى أن القطاع الخاص والاستثمار الخارجي سيتحولان إلى قوة إنتاجية لا إلى إعادة تدوير جديدة للريع؛ وعلى أن مؤسسات الدولة، بما في ذلك جهازها الضريبي، قادرة على ترجمة الاعتمادات إلى نتائج. وهذه رهانات ليست مستحيلة، لكنها كبيرة جداً.
وما لم تتحقق هذه الشروط، فإن الموازنة قد تتحول من أداة لإعادة البناء إلى مصدر جديد للاختلال، ليس بسبب أهدافها، بل بسبب الفجوة بين طموحها والقدرة المؤسسية على تنفيذها.
ولهذا السبب تحديداً، فإن ما ستكشفه 2026 ليس فقط مدى دقة التقديرات المالية، بل مدى قدرة الدولة السورية الجديدة على حل العقدة الكلاسيكية لكل اقتصاد ما بعد الصراع: كيف توسع الدولة نفسها دون أن تزعزع التوازن الكلي، وكيف تطلق السوق دون أن تعيد إنتاج الريع، وكيف تبني قدرة ضريبية حقيقية، وكيف تعلن التعافي قبل أن تكون أدواته المؤسسية قد نضجت بالكامل.





