حسين جمو
يمكن إعداد قائمة سريعة وقصيرة للسياسيين والمسؤولين الأميركيين الذين ساهموا في حماية الكرد، أو تقليل تكاليف خسائرهم أمام الدول الإقليمية، المدججة بالوحشية والفتاوى القومية والدينية للإبادة. وفي أي منطقة تتواجد فيها الولايات المتحدة في العصر الحديث، لا يمكن لنظام إبادوي العمل بدون الحصول على «إذن العمل» من الولايات المتحدة، وهذا هو الشرط المثالي لـ «إبادات الشرق» منذ إبادات الأرمن: ألا يكون للمقتول صاحب.

أحدث أسماء قائمة «أصدقاء الكرد» السيناتور الراحل ليندسي غراهام، الذي كان له الدور الرئيس في تعديل مسار إبادتين على الكرد؛ الأولى عام 2019 حين شن الجيش التركي وموالوه من الفصائل السورية هجوماً على سري كانيه/ رأس العين وتوقف عند احتلال تلك المنطقة إضافة إلى تل أبيض، فيما كانت الخطة المعلنة والمتفق عليها احتلال روجآفا كاملة على الحدود السورية مع تركيا وتهجير شامل للسكان الكرد على الهوية. والثانية في هجوم قوات دمشق، الذي جاء في ظل دعم إقليمي وغطاء سياسي أميركي وفرته مواقف توم باراك وفريقه، على الأحياء الكردية في حلب ومناطق قسد شرق الفرات، حيث لعب السيناتور غراهام دوراً كبيراً في طرح مشروع قانون «إنقاذ الكرد» في الكونغرس بتاريخ 29 يناير/ كانون الثاني 2026 وفتح الطريق أمام إعادة العقوبات على نظام دمشق. وقال حينذاك مهدداً دمشق وحلفاءها بهذا القانون إن «من يعتقد أن موسم صيد الكرد في سوريا مفتوح من دون عواقب، سيكتشف أنه مخطئ».
«من يعتقد أن موسم صيد الكرد في سوريا مفتوح من دون عواقب، سيكتشف أنه مخطئ».
ليندسي غراهام – 29 يناير 2026

لا شيء من «المثالب الشرق أوسطية» على غراهام ينبغي أن يعيق حرية التعبير الكردي في أن غراهام، من حيث نتائج أفعاله المؤثرة مباشرة على الكرد، هو صديق للكرد. هو من كبار مؤيدي إسرائيل وأوكرانيا والخليج والناتو. لذلك، يمكن الحمل على ليندسي غراهام من زوايا عديدة، كونه في الصراعات المندلعة في أكثر من مكان، فإنه مع طرف ضد آخر. مع أوكرانيا ضد روسيا، ومع إسرائيل ضد إيران وحماس وحزب الله، ومع الخليج ضد إيران. لكن لا يظهر في السجل المتاح ما يسمح بتفسير دفاع غراهام عن الكرد بصفقة مالية مباشرة أو مصلحة تجارية شخصية، مثل رئيسه وعائلته؛ وليس خافياً أن «فرصة الرشوة الكبيرة» هو أن يكون مؤيداً لأحد أشكال الإسلام السياسي الذي أصبح للعديد من السياسيين والمسؤولين الغربيين «مغارة علي بابا». إن هذا ما يدفع إلى البحث عن التفسير في عقيدته السياسية ومفهومه لحلفاء أميركا ولشيء غير رائج لكنه موجود في جذور البنية الفكرية، وهو رسالة أميركا. يعتقد بعض السياسيين الأميركيين، وبدافع إيماني مسيحي، أن أميركا تحمل رسالة قيم للعالم وتقاتل من أجلها.
يعمل أشخاص من مدرسة غراهام تحت رقابة قد ينهي معها أي خطأ مالي مستقبلهم السياسي، كما حدث مع السيناتور بوب مننديز، أحد أكثر المطالبين بالعدالة في ملف إبادة الأرمن. في المقابل، يحصل مسؤولون غربيون آخرون على عقود وأبراج وصفقات من مناطق ترزح تحت الجرائم والانهيار الاقتصادي. وهذه المقارنة ليست شهادة نزاهة لغراهام، لكنها تكشف تفاوتاً في المحاسبة، وربما يرى الباحثون عن مراكمة الثروة عبر مناصبهم في ذلك تفسيراً «تيكتوكياً» لأطروحات ماكس فيبر في «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية». هذه، في النهاية، هي البيئة التي عمل فيها غراهام وبين رؤسائه، من دون أن يمنحه ذلك صك نزاهة.
يبقى السؤال المطروح كردياً تشوبه الحيرة. لأن السؤال المطروح من أعداء الكرد ينطوي على إجابة جاهزة مسبقاً، وهو أن غراهام يتبنى خطة تقسيم دول المنطقة، والتي هي ناتجة أساساً عن تقسيم وتفكيك للكيان المشرقي الأخير: العثماني. أو أن ليندسي غراهام يقود تياراً لحماية مصالح إسرائيل في الكونغرس، وإسرائيل – وفق هذا التصور – تريد استخدام الكرد أداة تفكيك وتعطيل للدول القائمة أساساً على «الحق في الغنيمة» بعد إتمام «الحق في الغزو». لدى هؤلاء الإجابات سهلة ولا تحتاج إلى إعمال التفكير. لكن لدى الكردي الإجابة مشوشة. ماذا رأى ليندسي غراهام في الكرد حتى ينشغل بهم في الكونغرس بأقصى ما يستطيع من إجراءات تشريعية وقوانين وعقوبات على المعتدين عليهم؟ ما الذي يمثله الكرد ولا يعرفونه؟ لماذا هناك أصدقاء للكرد أساساً وهم لا يملكون تراكماً مالياً يحرك الطمع لدى الساعين للثراء والصفقات؟ لماذا وقف غراهام في وجه تركيا – وكان هو قائد حملة ضغط منسقة – وأوقف حملتها الاحتلالية عند حد معين؟
الإجابة، من زاوية كردية ليست سهلة. الكرد حلفاء مُكلِفون. لذلك هناك عبر التاريخ الحديث أحداث مأساوية ناتجة عن تخلي الدول الكبرى عن الكرد في لحظات مصيرية معقّدة، وينجم عنها استئناف سلسلة الإبادات. الكرد رصيد استراتيجي طويل الأمد على الورق، نظراً لتداخل قضاياهم مع قائمة المبادئ الإنسانية النظرية لدى الغرب. في التطبيق العملي كان التلاقي الأكبر في المصالح الكردية والأميركية – الغربية هو الهجوم المضاد على تنظيم داعش و«رؤوسه» فضلاً عن ذيوله المتخفية في دول وتيارات وميليشيات. لقد وقف الكرد مذهولين أمام مأساة الإيزيديين في سنجار/ شنكال، بدون إدانة إسلامية مستندة للمنظومة الدينية الأكثر اعتدالاً. تكررت نسخ أخرى من الحرب ضد الوجود الكردي في كوباني وإقليم كردستان (2014- 2015) وعفرين (2018) و(رأس العين – تل أبيض 2019) وصولاً إلى حملة 2026. وفي شمال كردستان (تركيا) في أعوام 2014 و2015 و2016 من سروج إلى سور آمد ونصيبين وجزير، وهي الحرب التي أغمض الغرب عينيه عنها نظراً لأن الخدمات التي قدمتها تركيا للغرب طيلة 100 عام ثمنها زهيد استراتيجياً: أن يصمت الغرب عما تفعله تركيا بالكرد. لذلك الاختراقات التي قام بها أصدقاء الكرد، من جون ماكين إلى جون بولتون وجيمس ماتيس وبريت ماكغورك وليندسي غراهام، كانت في ساحات خارج تركيا، وبصعوبة شديدة وأثمان غير قليلة للولايات المتحدة مع حليفتها تركيا. صمدت رؤية أميركية للقضية الكردية خارج حدود تركيا، مع انتكاسات ناجمة عن ثقل التيار الجديد في البيت الأبيض المتمثل في ترامب ورجاله الذين يجوبون العالم بحثاً عن الصفقات ومراكمة الثروات. أمام هذا التيار الحاكم، لطالما تواجد أشخاص لديهم مبادئ مكلفة عليهم. ومنذ عام 2000 وحتى 2018 حمل السيناتور والمرشح الرئاسي لعام 2008 جون ماكين لواء هذا التيار، وكاد يكون وحيداً، لكنه نجح، مع حلفاء أقوياء في المؤسسة التشريعية الأميركية، في توفير الرعاية اللازمة داخل الكونغرس، مع فريق أوباما، لتأسيس قوات سوريا الديمقراطية وتمويل قوات البيشمركة.
من دائرة جون ماكين ظهر ليندسي غراهام منذ لقائهما التحالفي الأول خلال جلسات محاكمة بيل كلينتون في قضية مونيكا لوينسكي. وحين كان غراهام تلميذاً لدى جون ماكين، كان ترامب في نظره «وغد» ويستحق الجحيم. وكان الازدراء متبادلاً. فقد وصف ترامب غراهام عام 2015 بأنه «عديم الوزن» و«أحمق»، وقرأ رقم هاتفه المحمول الخاص أمام حشد خلال تجمع انتخابي في ساوث كارولاينا، وسط ابتهاج الحاضرين.
لكن وفاة ماكين في 2018 جعلت غراهام يغير تكتيكه في سبيل التأثير، فضحى بصورته وصلابته و«مدرسة جون ماكين» لينضم إلى ترامب ويطيل المديح والإطراء له، لكن في الوقت نفسه منع غراهام قرارات كثيرة كان يريد ترامب اتخاذها على وجه السرعة، من أوكرانيا إلى كردستان والشرق الأوسط. رغم أنه أصبح أكبر حليف في الكونغرس لترامب، كان أيضاً أكبر عائق له حيثما وجد الإمكانية.
مع ذلك، كان مكلفاً لدرجة كبيرة. في تأبين جون ماكين، كان غراهام يكافح لحبس دموعه عندما قال إن من بين الدروس التي علمه إياها ماكين ضرورة التحلي بالمرونة. وقال غراهام: «علمني أن المبدأ والتسوية لا يتعارضان».

في مجلة ذي نيويوركر، تساءلت روث ماركوس، في قراءة عن تحولات ليندسي غراهام عقب وفاته، تعليقاً على مقولة ليندسي أن المبدأ والتسوية لا يتعارضان: «قد يكون ذلك صحيحاً، لكن السؤال يبقى مطروحاً: في واشنطن دونالد ترامب، هل يتعين تقديم تنازلات عن قدر كبير من المبادئ إلى درجة ألا يبقى منها شيء؟».
بنى غراهام نفوذه في السياسة الخارجية عبر سنوات طويلة في لجنة القوات المسلحة، وموقعه في لجنة الاعتمادات، وفترة عضويته في لجنة العلاقات الخارجية، إضافة إلى علاقته المباشرة بالرؤساء والقادة الدوليين. ولديه بصمته على السياسة الأميركية في الخارج، فهو من الداعمين الرئيسيين لأوكرانيا، وخصم شرس للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكونغرس وشارك في صياغة عدد من مشاريع العقوبات، ومن دعاة الحل الجذري لملف إيران وفق طريقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ولديه خصومة شهيرة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب توغلات نفذتها تركيا في الأراضي السورية ضد الكرد، وقاد مع كريس فان هولن مشروعاً واسعاً لفرض العقوبات على تركيا، وأسهم ضغطه في خلق غطاء جمهوري للعقوبات التنفيذية والضغط من أجل وقف الهجمات.
في ولاية ترامب الأولى، مروراً بفترة جو بايدن، ثم ولاية ترامب الثانية الحالية، كان تأثير غراهام وحضوره في السياسة الخارجية يتجاوز أحياناً تأثير مؤسسة الخارجية الأميركية، وغالباً ما كان يلعب دور حارس مبادئ السياسة الخارجية الأميركية القائمة على التدخل الخارجي لما كان يسميه غراهام تصحيح اختلال العدالة، على عكس أطروحة ترامب وفريقه المقرب الذين رسموا شعارات وحملات انتخابية تتمحور حول الانسحاب من الخارج.
في كل سيرته، تظهر خلاصة ملفتة بخصوص علاقته مع ترامب. فقد انتقل من الشتيمة والخصومة الشديدة إلى التحالف والصداقة، في وقت قصير ومن دون أن يكون شيء قد تغير لدى أي منهما. ترامب لم يتغير، وليندسي غراهام لم يتغير. فعلى أي أساس أصبح ليندسي من «رجال ترامب»؟! لم تتغير عقيدة غراهام التدخلية في السياسة الخارجية بالقدر الذي تغيرت فيه وسيلته للوصول إلى القرار؛ أما في السياسة الداخلية وعلاقته بترامب، فقد قدم تنازلات وتحولات واضحة. بقي من صقور الهيمنة الخارجية الأميركية، ومدافعاً عن «المصالح الأميركية» في العالم وتعزيز نفوذ حلفاء الولايات المتحدة. الشيء الذي تغير هو أسلوب عمل ليندسي غراهام. فقد اختار البقاء بالقرب من الرئيس الأميركي ليساهم في إبطاء وعرقلة اندفاع فريق ترامب نحو التخلي عن إرث أميركا في الخارج، وكاد يقول ذلك صراحة في مقابلة مع نيويورك تايمز حين أعلن أن قربه من ترامب يعزز تأثيره عليه. وليس من موقع أفضل للقيام بهذه المهمة أكثر من رفع شعار «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى». وتطورت العلاقة بينهما من خلال جولات الغولف المنتظمة. ونقلت «وول ستريت جورنال» عن السيناتور الديمقراطي ديك دوربين قوله مازحاً إن غراهام استطاع إقناع ترامب بالاستماع إليه لأنه «يخسر باستمرار في الغولف عندما يلعب مع الرئيس».
ربما لم يكن غراهام مؤيداً لحلم قومي كردي كامل، ولم يتبنَّ كل ما يريده الكرد لأنفسهم. لكنه رأى أن اعتبارهم حلفاء في الحرب، ثم تركهم أمام الجيوش التي تريد اقتلاعهم، يمثل إهانة لصدقية الولايات المتحدة وخيانة لمفهومه الشخصي (وهو مفهوم ماكين) عن الشرف والوفاء.
في بعض شروحات أصدقاء الكرد، وعلى رأسهم جون ماكين، يشعر المرء وكأن حلقة أصدقاء الكرد تعيش شيئاً من عصر الفرسان النبلاء في نهايات العصور الوسطى الأوروبية.





