محمد سيد رصاص
تُقاس الحروب بنتائجها، وكثير من الحروب تُترجم نتائجها في أوراق توقعها أو توافق أطراف الحرب عليها، مثل القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بعد خمسة أشهر ونصف من حرب حزيران/ يونيو1967. في حرب الأربعين يوماً التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران 28 شباط/ فبراير – 8 نيسان/ إبريل 2026، وهدنتها 8 نيسان/ إبريل – 21 حزيران/ يونيو 2026، فإن (مذكرة التفاهم)، الموقعة إلكترونياً بيوم الأحد 14 حزيران/ يونيو من نائب الرئيس الأميركي ورئيس مجلس الشورى الإيراني، تعبّر عن نتائج الحرب وهدنتها، ما دام أنها تدعو إلى إنهاء الحرب في كل الجبهات، وعلى ضوئها بدأت فترة الستين يوماً لتنفيذها، تلك الفترة التي حُدِّد البدء بها في يوم اجتماع سويسرا الذي حضره الأميركان والإيرانيون والوسيطان الباكستاني والقطري.
ليس المهم تنفيذ ما تنتجه تلك الحروب من أوراق، فالقرار 242 لم ينفذ طوال ستة عقود، ولكنه حدَّد قواعد وسقوفاً جديدة للصراع العربي – الإسرائيلي، تقوم على اعتراف الدول العربية بوجود وحدود دولة إسرائيل وفق ما رسمته نتائج حرب 1948 ممثلة في اتفاقيات الهدنة الموقعة مع إسرائيل عام 1949، وهو اعتراف عربي لم يكن موجوداً قبل حرب 1967. وحتى حرب 1973 شنتها مصر وسوريا من أجل إجبار إسرائيل على تنفيذ القرار 242 أو من أجل إنشاء شروط أفضل للتفاوض حوله. وعندما قام ملك الأردن الحسين بن طلال في 31 تموز/ يوليو 1988 بإعلان فكّ ارتباط الأردن مع الضفة الغربية، فإنه كان يمهّد الطريق لإعلان الدولة الفلسطينية من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، الذي انعقد في الجزائر بعد ثلاثة أشهر ونصف وأعلن تلك الدولة وفق القرار 242، الأمر الذي مهّد الطريق إلى اتفاق أوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير وإسرائيل، ثم اتفاق السلام الأردني – الإسرائيلي عام 1994 في (وادي عربة).
من هنا، ليس الموضوع إن كانت (مذكرة التفاهم) ستُنفَّذ أم لا، وإنما ما تحتويه وما تكشفه عن نتائج الحرب وهدنتها.
على هذا الصعيد، يجب أن توضع (مذكرة التفاهم) بموازاة ما طرحته وأعلنته واشنطن من أهداف للحرب منذ يومها الأول، وهي: (1- تفكيك وإنهاء البرنامج النووي الإيراني ونقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى خارج إيران. 2- إنهاء أو نزع البرنامج الباليستي الإيراني، ومرة قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحديد مداه. 3- إنهاء علاقة إيران مع أذرعها الإقليمية). فيما أضافت إسرائيل هدفاً رابعاً من الحرب أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع بدء الحرب وهو “إنشاء وضع عبر هذه الحرب يستطيع من خلاله الشعب الإيراني تقرير مصيره”، أي (إسقاط النظام الإيراني)، علماً أن ترامب أعلن مراراً أنه لا يريد أكثر من (تغيير سياسات وسلوك النظام الإيراني).
في (مذكرة التفاهم)، التي هي اتفاق منفرد أميركي مع إيران بمعزل عن الشريك الإسرائيلي، لا نجد أياً من تلك الأهداف الأميركية الثلاثة من حيث التحقق، وبالطبع ليس (الهدف الإسرائيلي الرابع)، بل هناك بالبند الثاني من المذكرة اعتراف أميركي بجمهورية إيران الإسلامية وسيادتها وسلامة أراضيها مع تعهّد بالامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية.
ومن يدرس بنية نصّ المذكرة يجد أن بناءها يتضمن “إنهاءً فورياً ودائماً للحرب على جميع الجبهات” و”رفع الولايات المتحدة للحصار البحري” مقابل عودة الملاحة في مضيق هرمز إلى حجمها قبل الحرب، مع تعهد “الولايات المتحدة بأنه فور توقيع مذكرة التفاهم وحتى تاريخ رفع العقوبات ستصدر وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات لصادرات النفط الخام الإيراني والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، وجميع الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمين والنقل وما شابه ذلك”. المذكرة تُشير أيضاً إلى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي الإيراني، لكن من دون ذكر البرنامج الباليستي وموضوع علاقة إيران بأذرعها الإقليمية، مع قيام إيران حتى توقيع الاتفاق النهائي “بالحفاظ على الوضع الراهن لبرنامجها النووي” مقابل أن لا تفرض “الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران أو تعزز قواتها في المنطقة”.
تتضمن المذكرة وعوداً أميركية لإيران في حال توقيع الاتفاق النهائي، منها خطة إعادة إعمار إيران بثلاثمئة مليار دولار، والإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة، وإنهاء جميع أنواع العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، وأيضاً سعي الولايات المتحدة لإنهاء العقوبات الناتجة عن قرارات صادرة من مجلس الأمن الدولي أو من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولكن الدخول في مفاوضات بشأن اتفاق نهائي مشروطٌ وفق المادة 13 من مذكرة التفاهم بـ “تلقي ضمانات ببدء تنفيذ المواد 4 و5 و10 و11 من مذكرة التفاهم، واستمرار تنفيذ هذه الخطوات”، أي بتنفيذ (المادة 4: رفع الحصار البحري الأميركي وسحب القوات الأميركية من المناطق المحيطة) و(المادة 5: اتخاذ إيران خطوات لضمان استئناف حركة السفن في مضيق هرمز في غضون 30 يوماً إلى حجمها قبل الحرب، مع مراعاة الحاجة لإزالة العوائق التقنية وتحييد الألغام من جانب إيران) و(المادة 10: إعفاءات وزارة الخزانة الأميركية للصادرات النفطية والبتروكيماوية الإيرانية، بما فيها الخدمات المصرفية والتأمين والنقل) و(المادة 11: التي تشترط فيها الولايات المتحدة بأن الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة لن يحصل إلا “في ضوء التقدم المحرز في المفاوضات نحو اتفاق نهائي”). أي أن البدء في مفاوضات الاتفاق النهائي مشروطٌ بتنفيذ هذه الخطوات والاستمرار بها وعدم الإخلال بها، وكذلك أمر الاستمرار بالمفاوضات.
عملياً، خلال ثلاثة أسابيع من بدء فترة الستين يوماً، تم تنفيذ المادة 4 والمادة 10 (وفي الأسبوع الثاني من تموز تراجعت واشنطن عن تنفيذ المادة 10)، فيما إيران ومنذ اليوم الأول لفترة الستين يوماً حاولت أن تفسّر المادة 5 بشكل يجعل المرور بمضيق هرمز وفق ما ترتئيه وضمن المسار البحري الذي تحدده، بينما تتجه الولايات المتحدة نحو استخدام المادة 11 كسيف معلّق فوق رقبة المفاوض الإيراني أثناء مجرى المفاوضات، رغم أن توقيعها على مذكرة التفاهم يعني أنها أعطت ذلك التعهد المشروط في المادة 11.
بمواجهة هذا الخرق الإيراني للمادة 5، اتجهت الولايات المتحدة بالتعاون مع دول الخليج نحو فتح مسار جنوبي في المياه الإقليمية العُمانية لمضيق هرمز بديلاً عن المسار الشمالي الذي تريده إيران في المياه الإقليمية الخاصة بها في المضيق، وهو ما قاد إلى ضرب إيراني للسفن المارة هناك، ومن ثم إلى ضربات جوية أميركية متلاحقة لإيران.
من الواضح هنا أن إيران تريد استخدام غموض المادة 5 لفرض واقع جديد في مضيق هرمز، أو من أجل الضغط عبر ذلك لتحقيق مكاسب في المفاوضات أو لتحسين وضعها التفاوضي قبل الدخول في مفاوضات الاتفاق النهائي. وكل من يراقب الحرب من يومها الأول يشعر بأن مضيق هرمز (مع اليورانيوم المخصب بنسبة 60%) هو الورقة الأكبر عند إيران وليس السلاح الباليستي أو الأذرع الإقليمية. وقد كان المضيق ورقتها الرابحة، ويبدو أن القيادة الإيرانية تريد الاستمرار في استخدام هذه الورقة في فترة الستين يوماً، حتى ولو أدى هذا الاستخدام إلى سياسة حافة الهاوية، في مراهنة منها على أن ترامب لا يريد العودة للحرب، على الأقل ليس قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم. هذا بينما يريد ترامب تفشيل المسعى الإيراني من خلال المسار العماني، ولكنه لم ينجح، وعلى الأرجح أن الضربات الجوية، ووقف إعفاءات الخزانة الأميركية للصادرات النفطية -البتروكيماوية الإيرانية، لها مفعول أكثر تأثيراً على الإيرانيين، وهو يعرف أنه يملك سلاحاً كان مفعوله أقوى من قنابل وصواريخ الحرب، وهو الحصار البحري على الموانئ والسواحل الإيرانية الذي فرضه بفترة الهدنة. وعلى الأرجح، هذا الحصار هو الذي دفع الإيرانيين لتوقيع مذكرة التفاهم، مع تقديرات بأن هذا الحصار كان سيقود إلى انهيار اقتصادي إيراني خلال ستة أشهر لو استمر، وترامب من الممكن أن يعيد استخدام الحصار البحري من دون أن يعود للحرب، ولكن ثمن ذلك هو إغلاق المضيق وأزمة اقتصادية عالمية ستمتد للولايات المتحدة.
تذكِّر هذه المفاوضات الأميركية – الإيرانية بمفاوضات باريس التي أفضت إلى اتفاق 1973 بين الولايات المتحدة وفييتنام الشمالية لسحب القوات الأميركية من منطقة الهند الصينية، والتي كانت مفاوضات تخاض تحت النار وعبر استخدام النار للضغط من أحدهما على الآخر في العملية التفاوضية. أي استخدام الضغط العسكري، مثل القصف الأميركي الكثيف لميناء هايفونغ في أثناء تعثر المفاوضات، وكذلك اللجوء لأوراق ضغط سياسية استخدمها هنري كيسنجر ضد الفييتناميين، مثل التقارب الأميركي، في عامي 1971 و 1972، مع داعمي الفييتناميين الشماليين في الصين والاتحاد السوفياتي. وهنا، على الأرجح أن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل (26حزيران)، والذي جرى التوقيع عليه برعاية وزير الخارجية الأميركي، هو وسيلة للضغط على إيران عبر اتفاق يفكّ ارتباطها بالموضوع اللبناني، فيما مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية هي التي أعلنت قبل أيام إنهاء الحرب على كافة الجبهات بما فيها لبنان، وليس الحكومة اللبنانية ولا الإسرائيلية ولا حزب الله. ومن الممكن التفكير في ذلك الاتفاق الإطاري، الذي تعرف واشنطن بأنه لا توجد قوة لتنفيذه، لا محلية ولا إقليمية ولا دولية، بأنه وسيلة للضغط على إيران في مسار مقبل بمفاوضاتها مع واشنطن، مثلما هو ضغط على طهران فيما يتعلق بالخطوات التي يقدم عليها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي ضد المليشيات الموالية لإيران، وتحديده سقفاً زمنياً لنزع سلاحها.
أيضاً، هناك الكثير من النتائج التي أفرزتها هذه الحرب وهدنتها، من التباعد الأميركي مع إسرائيل، إلى تفارق دول حلف الأطلسي (الناتو) مع واشنطن، وصولاً إلى حالة الضعف التي ظهرت بها دول الخليج، وخاصة السعودية، فيما برز دور إقليمي جديد قدمته باكستان.
كل ما سبق نتائج مباشرة تجلّت في مجرى الأحداث. وعلى الأرجح هناك نتائج ستكون من خلال استخلاص الدروس من ما حدث وظهر، أولها وأبرزها، أن الاقتصاد العالمي لا يمكن أن يكون مرهوناً بمضيق بحري تستطيع دولة أن تغلقه بسهولة، مثل إيران مع مضيق هرمز حيث يمرّ خمس النفط والغاز المسال والبتروكيماويات، أو مضيق تستطيع أن تغلقه ميليشيا مسلحة مثل مضيق باب المندب (15% من التجارة العالمية) الذي تحكَّم به الحوثيون في فترة ما بعد 7 أكتوبر، وما زالوا يستطيعون إعادة الكرَّة. ثاني الاستخلاصات، أن طريقة إدارة القطب الأميركي الواحد للعالم منذ عام 1989، مع انتصار البيت الأبيض على الكرملين في الحرب الباردة، تظهر ضعفاً أميركياً في هذه الإدارة للعالم، وفي قدرة العقل السياسي الأميركي على الارتقاء إلى مستوى القوة الأميركية الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية. فيما كانت إنكلترا منذ تحولها، مع انتصارها على الإسبان عام 1588 في معركة الأرمادا، إلى الدولة الأعظم في العالم حتى العام 1945، قادرة على إدارة العلاقات الدولية ببراعة. ويبدو أن العقل الأميركي، الذي هو عقل مهاجر يدير ظهره للعالم في عالمه الجديد، يميل ويتآلف أكثر مع الانعزالية، ولا يُعنى بالتفاصيل الدقيقة للخريطة العالمية، التي كانت لندن وما زالت من أكثر البارعين في فهمها والتعامل معها.





