د.عقيل سعيد محفوض
الملخص التنفيذي
تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده لمعاهدة فرساي 1919 لتشريح ما يُروّج له بـ “الاتفاق” بين واشنطن وطهران، والذي وُقّع في القاعة ذاتها عام 2026. لكنها تنطلق من وعي نقدي بأن ما جرى توقيعه فعلياً ليس أكثر من “مذكرة تفاهم إطارية” أو “إطار تفاوض” يترك التفاصيل الجوهرية لمفاوضات لاحقة. وهذا التباعد بين المسمى السياسي الإعلامي (“اتفاق”) والحقيقة القانونية (“إطار”) هو، في حد ذاته، أول مظاهر “الزجاجية” التي يقرأها التحليل.
تنطلق الأطروحة من استعارة “السلام الزجاجي”؛ واجهة برّاقة تعكس صوراً من الانتصار الدبلوماسي والتسوية التاريخية، لكنها في جوهرها هشة وقابلة للتحطيم عند أول تناقض جيوسياسي حقيقي.
يحلل النص أبعاد الهشاشة المتعددة لهذا الإطار التفاوضي، ممتدةً من غياب الأطراف الإقليمية الفاعلة (إسرائيل ودول الخليج) التي وجدت نفسها، إلى حد بعيد، في موقع “دول شرق أوروبا” الضعيفة بعد عام 1919، مروراً بـ “التحوّط الاستراتيجي” الذي تتبناه هذه الدول في مواجهة فراغ أمني متصاعد، وصولاً إلى الدور المزدوج للقوى الكبرى الغائبة (الصين وروسيا) التي تراقب هذا المشهد بترقّب وحذر، وتستثمر في غموضه بدلاً من محاولة فضّه. كما يتوقف النص عند الطابع الاستعراضي للدبلوماسية الأمريكية، التي آثرت مرايا فرساي وعالم الميديا على معايير الجيوبوليتيك الصلب، وعند التناقض الدستوري الداخلي الذي يجعل من “مذكرة التفاهم” وثيقة هشّة قانونياً، قابلة للإلغاء بأدنى تقلب في المشهد السياسي الأمريكي.
ولتجاوز التشخيص النظري إلى الأدوات التنبؤية، يرسم النص ثلاثة سيناريوهات محتملة لمصير هذا “الاتفاق” الهش، مزودةً “بمؤشرات إنذار مبكر” لرصد علامات تحطّمه قبل ظهورها، ويقدّم قراءة نقدية للأرقام المتداولة (كتريليون دولار للعائدات الإيرانية) لتفكيك المبالغات البروباغاندية، مع الإشارة إلى “بدائل سياسات” عملية أمام الأطراف الإقليمية تتراوح بين التمسك بالمظلة الأمريكية الهشة، والانخراط في تفاهمات موازية، والاندفاع نحو قدرات ذاتية.
يخلص التحليل، مستعيناً بجدول مقارن يختصر أوجه التشابه بين فرساي 1919 وفرساي 2026، إلى أن هذا “السلام الزجاجي”، سواء سُمِّيَ “اتفاقاً” أو “مذكرة تفاهم”، لا يحل توازن القوى في الشرق الأوسط، بل يؤجله ويرسّخ هشاشته، مما يجعل المنطقة أكثر عرضة لصدمات مقبلة، ويعيد طرح السؤال البانفيلي الأبدي: هل تتعلَّم البشرية من دروس الماضي، أم أننا محكومون بتكرار أخطائنا في قاعات المرايا ذاتها، كلما أغوانا انعكاس صورنا فيها؟
مقدمة: حيث يلتقي الزجاج بالتاريخ
في اليوم الذي وضع فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقيعه على مذكرة التفاهم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، داخل قاعة المرايا في قصر فرساي (18 حزيران/يونيو 2026)، كان المشهد استعادة رمزية – غير مقصودة بذاتها – للمسرحية التاريخية ذاتها التي سخر منها المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل قبل قرن من الزمان.
ففي هذه القاعة، التي شهدت توقيع معاهدة فرساي عام 1919، اجتمع المنتصرون ليصنعوا “سلاماً” وصفه بانفيل في كتابه الشهير “العواقب السياسية للسلام” (1920) بأنه ليس سوى واجهة زجاجية برّاقة. والزجاج، كما نعلم، يُصنع في درجات حرارة عالية لكنه يتحطم تحت وطأة أول تناقض جيوسياسي حقيقي.
غير أن سخرية التاريخ هذه المرة تتجاوز مجرد تكرار المكان. فما يُروّج له اليوم بوصفه “اتفاقاً تاريخياً” ليس، في واقع الأمر، معاهدة سلام أعقبت حرباً، بل “مذكرة تفاهم” أو “إطار تفاوض”، على حدّ تعبير الرئيس الأسبق باراك أوباما في قراءته النقدية للحدث (تصريحات يوم 18 حزيران/يونيو 2026)، حيث رأى في هذه المذكرة مجرد امتداد لجدل قديم حول كيفية التعامل مع طهران، وليس انفراجاً حقيقياً. وهو تشخيص يُعيد، ولو من بعيد، أصداء الجدل الذي رافق الاتفاق النووي السابق (JCPOA) قبل عقد من الزمن، لكنه هذه المرة يصدر عن خصم سياسي لترامب، مما يضفي على النقد طابعاً حزبياً إضافياً يعكس انقساماً أمريكياً أوسع من مجرد خلاف حول إيران.
وهكذا، يجمع هذا “الاتفاق” – أو لنقل بدقة: هذا “الإطار التفاوضي” – بين “غموض” البنود، و”إقصاء” الأطراف الإقليمية الفاعلة، و”استعراض صوري” في قصر يعجّ بالمرايا. وهنا تكمن عبقرية بانفيل التشخيصية، التي تمنحنا أدوات للتنقيب تحت سطح هذا البريق الزجاجي.
ومن المهم التنويه إلى أن هذا التحليل يقف على النصوص المعلنة والتصريحات الصادرة بشأنها، ومن المفترض ألا يغيب عن القراءات والتحليلات احتمال وجود اتفاقات غير معلنة، ونتائج ومسارات غير مقصودة بذاتها، ولا متوقعة. فضلاً عن أن فواعل السياسة والتطورات المباشرة وغير المباشرة تؤثر على مدارك وتأويلات الأطراف لهذا “الاتفاق” نفسه.
جدول المقارنة التاريخية: تفكيك بنية السلام الهش
| وجه المقارنة | معاهدة فرساي 1919 (تحليل بانفيل) | مذكرة تفاهم فرساي 2026 (الإطار التفاوضي) |
| القوة المركزية | ألمانيا: بقيت موحدة وقوية في العمق، مع احتفاظها بقدراتها السكانية والصناعية. | إيران: احتفظت بالبنية التحتية النووية والترسانة الصاروخية، مع تجميد مؤقت بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات والتطورات. |
| الأطراف المُقصاة | دول شرق أوروبا الهشة (بولندا، تشيكوسلوفاكيا، يوغوسلافيا) التي تُرِكت لمواجهة ألمانيا وحدها. | القوى الإقليمية الرئيسية (إسرائيل ودول الخليج) التي وجدت نفسها خارج دائرة التفاوض الأساسية أو المباشرة. |
| طبيعة الدبلوماسية | “مبادئ ويلسون” الأخلاقية المجردة التي غطت على توازن القوى الحقيقي المادي. | “مبادئ ترامب” الإعلامية والاستعراضية التي فضّلت الصورة على الجوهر، والمرايا على الجيوبوليتيك الصلب. |
| النتيجة المتوقعة | تأجيل الصراع وتوفير فرصة لألمانيا لإعادة التسلح والانتقام (الانهيار التام عام 1939). | “سلام زجاجي” مؤقت يمنح الأطراف فرصة لتعزيز موقفها التفاوضي والمالي، مما يمهد لصدمات إقليمية قادمة. |
أولاً: إعادة النظر في “أوروبا المجزأة” – القوى الإقليمية في موقع الدول الهشة
كان جوهر نقد بانفيل لمعاهدة 1919 أنها تركت ألمانيا موحَّدة وقوية في قلبها، بينما أحاطتها بأوروبا “مُجزَّأة” تتكون من دول شرقية هشة (بولندا، تشيكوسلوفاكيا، يوغوسلافيا) لا تستطيع وحدها احتواء القوة الألمانية، بل تظل في حالة تبعية أمنية دائمة. وكتب بانفيل عبارته الشهيرة: “ألمانيا موحَّدة في تناقضها مع أوروبا مجزَّأة”.
إذا استعرنا هذه العدسة لنقرأ ما يُروّج له بوصفه “اتفاقاً” بين واشنطن وطهران، فسوف نكتشف أن إيران تلعب اليوم – وهذا تشبيه حذر ومتردد نسبياً – دور “ألمانيا” الجديدة في معادلة الشرق الأوسط، ولكن مع اختلاف جوهري: فإيران لم تُهزم تماماً في الحرب، ولم تُجرد من قواتها، بل احتفظت ببنيتها التحتية النووية وقدراتها الصاروخية، ووقّعت مذكرة تفاهم تعترف بوجودها كقوة إقليمية دون أن تفرض عليها تفكيك ترسانتها، بل فقط تجميدها مؤقتاً، بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات والتجاذبات بين الأطراف.
وفي المقابل، تجد الدول العربية وإسرائيل نفسها في موقع بولندا وتشيكوسلوفاكيا عام 1919: دول قريبة من بؤرة التهديد، ومُهدَّدة مباشرة بالقوة الإقليمية، لكنها غائبة عن طاولة التفاوض الأساسية، وتُترك لمواجهة قوة متراصة احتفظت بجانب مهم من أوراق قوتها. وهذا الغياب هو أحد أوجه الهشاشة التي تطبع هذا “الاتفاق” قبل أن يولد.
- إسرائيل: بين القلق الاستراتيجي والتهديد المنفرد
إسرائيل، الشريك الاستراتيجي الرئيس لواشنطن في محور “الضغط الأقصى” على إيران، وجدت نفسها فجأة في موقف يشبه بولندا بعد فرساي: حليف كبير (الولايات المتحدة) يتفاوض مع الخصم الإقليمي (ألمانيا/إيران) على ظهرها، ويترك لها التعامل مع العواقب.
الرد الإسرائيلي لم يتأخر. فقد وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذا “الإطار التفاوضي” بأنه “خطيئة تاريخية”، وأكدت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) أن إيران ستحصل على “تريليون دولار” خلال عقد من رفع العقوبات، وهو رقم – رغم ما قد يحمله من مبالغة بروباغاندية مفهومة في سياق التحريض الإسرائيلي ضد “الاتفاق” – يعكس بوضوح حجم التدفقات المالية المتوقعة التي ستغير ميزان القوى في المنطقة. فحتى لو كان الرقم مبالغاً فيه بنسبة 50%، فإنه سيظل – مع توافر شروط أخرى – كافياً لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني المنهك، أو لتمويل شبكة من الفواعل الإقليمية غير الدولتية الموالية لها، أو لكليهما معاً. والسؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الرقم، حتى مع أخذ هوامش المبالغة بعين الاعتبار، ليس كميته، بل “اتجاه إنفاقه”: هل سيمضي في مشاريع إعادة الإعمار المحلية، أم في تعزيز القدرات العسكرية، أم في تمويل سياسات طهران وشبكاتها الإقليمية؟ هذا السؤال هو المؤشر الأكثر دقة على ما إذا كان “الزجاج” سيبقى شفافاً، أم سيتحول إلى جدار معتم من التطلعات والرهانات.
وهذا يذكرنا تماماً بتحذير بانفيل من أن معاهدة فرساي لم تضعف ألمانيا، بل منحتها “فرصة للانتقام ببطء”. والأخطر من ذلك، أن إسرائيل ترى نفسها في موقع تشيكوسلوفاكيا التي وجدت نفسها عام 1938 معزولة بعد اتفاق ميونيخ، تُترك لمواجهة الغزو الألماني بمفردها. ولذلك، لم تتردد تل أبيب في التلويح بـ”الخيار العسكري الأحادي” ضد المنشآت النووية الإيرانية، وكأنها تعلن أنها لن تنتظر حتى يتحطم الزجاج فوق رأسها.
- دول الخليج: التحوط الاستراتيجي والسباق التسليحي
أما دول الخليج العربية، وخصوصاً السعودية والإمارات، فموقفها أكثر تعقيداً، بل ويمكن وصفه بدقة أكبر بـ “التحوط الاستراتيجي” (Strategic Hedging)؛ فهي، مثل دول البلطيق أو يوغوسلافيا بعد فرساي، ليست قوى عظمى، وتعتمد على حماية أمريكية أصبحت موضع شك. لكنها تمتلك أداة لم تكن متاحة لدول شرق أوروبا عام 1919: الثروة النفطية التي تسمح لها بشراء الأمن عبر سباق تسليحي محموم، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل في مواجهة إيران، مع إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع طهران في آنٍ واحد. إنها استراتيجية “تغطية جميع الرهانات” التي تعكس، في جوهرها، انعدام الثقة المتزايد في أي ضامن خارجي.
ومع ذلك، ينظر المسؤولون الخليجيون إلى هذا “الإطار التفاوضي” بارتياب شديد ممزوج بالرضا. ففي نظرهم، الولايات المتحدة تخلت عن ورقة الضغط الأكبر (الحصار الاقتصادي) مقابل الحصول على وعد إيراني بالتفاوض، مما يعيد إحياء كابوس “الاتفاق النووي السابق” الذي رأوا فيه أن إيران حصلت على أموال طائلة دون تغيير جوهري في سلوكها الإقليمي. وأما الرضا فباعثه توقف الحرب وفتح مضيق هرمز.
وهنا تتجلى المفارقة البانفيلية الأعمق: فكما أن معاهدة فرساي خلقت فراغاً أمنياً في أوروبا الشرقية دفع تلك الدول إلى التعلق بأمل بريطاني – فرنسي لم يدم، كذلك تخلق مذكرة التفاهم فراغاً أمنياً في الخليج، تدفع الدول العربية إلى التعلق بأمل أمريكي يبدو، في أحسن الأحوال، مؤقتاً ومتذبذباً، أو إلى الاندفاع نحو تطوير قدرات نووية مدنية قد تتحول إلى عسكرية، ومن ذلك مثلاً تلميح السعودية المتكرر بأنها ستفعل ما تفعله إيران.
غير أن قراءة الفراغ الأمني في الخليج تظل ناقصة دون النظر إلى الزاوية التي تسلط عليها بكين وموسكو، بصفتهما القوتين الكبريين الغائبتين حضوراً في النصوص، لكنهما حاضرتان تأثيراً في الواقع. فالصين، التي توسّطت في الاتفاق السعودي – الإيراني عام 2023، تنظر إلى هذه المذكرة بارتياب حذر: فهي لا تريد لإيران أن تنهار تحت وطأة العقوبات (فقد تفقد شريكاً تجارياً ونفطياً)، ولكنها أيضاً لا تريد لإيران أن تنتعش بشكل كامل تحت مظلة أمريكية (فقد تفقد ورقة ضغط ثمينة في مواجهة واشنطن). أما روسيا، فموقفها أكثر تناقضاً: فهي تستفيد من استمرار التوتر في الخليج لرفع أسعار النفط، وتستفيد من تعميق العلاقة مع إيران كحليف عسكري في مواجهة الغرب، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في اندلاع حرب إقليمية أو تغير كبير في موازين القوة والسياسات في الإقليم. إنهما إذن شريكان في “الترقب الحذر”، لا في الدعم أو المعارضة، مما يُضيف طبقة أخرى من الغموض إلى مستقبل هذا “الزجاج”، ويجعله رهيناً بحسابات لا تقتصر على واشنطن وطهران فقط.
خلاصة هذا البعد: إن “السلام الزجاجي” لا يحمي الدول الضعيفة، بل يتركها عارية في مواجهة القوة الإقليمية المتراصة. وهذا بالضبط ما حذّر منه بانفيل، وهو بالضبط ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط، حيث يُترك الإسرائيليون والخليجيون لمواجهة تداعيات إطار تفاوضي وُقِّع من دونهم. على افتراض عدم وجود تفاهمات غير معلنة بين الأطراف.
ثانياً: شيطنة الدبلوماسية الاستعراضية – مرايا فرساي أمام الجيوبوليتيك الصلب
لا يمكن قراءة اختيار ترامب لـ”فرساي” كموقع للتوقيع بمعزل عن الفلسفة السياسية التي يتبناها. فهذا الاختيار ليس محايداً، وقد لا يكون قصدياً بالتمام، بل يحمل في طياته استعراضاً للسلطة الرمزية يذكرنا بما وصفه الفيلسوف الفرنسي غي ديبور بـ”مجتمع الفرجة” أو “مجتمع الاستعراض”. ولكن بانفيل سبق ديبور في نقده للدبلوماسية الأخلاقية/الاستعراضية التي تُخفي الحقائق المادية الصلبة خلف ستائر من الحرير والمرايا.
- قاعة المرايا كاستعارة للسياسة الخارجية التلفزيونية
إن قاعة المرايا في فرساي آلة بصرية مصممة لتضخيم الصور. فالمرايا المتقابلة تعكس الصورة إلى ما لا نهاية، مما يخلق أوهاماً بالعظمة والامتداد. وفي اختيار ترامب لهذه القاعة، يقرأ المحلل الاستراتيجي رسالة واضحة: هذا “الاتفاق” يُقدَّر بصورته، لا بمضمونه.
لقد حوّلت إدارة ترامب الدبلوماسية إلى فيلم وثائقي واقعي: كاميرات، سجاد أحمر، خطابات وتوقيع أمام المرايا، وحديث نرجسي أنوي عن “الاتفاق التاريخي”. ولكن كما علّمنا بانفيل، فإن الزجاج يعكس الصور، لكنه لا يحتويها. فالمرآة لا تُظهر ما خلف الجدار؛ إنها تُظهر فقط ما أمامها.
وهذا يتجلى في المفارقة التالية: وقّع ترامب “الاتفاق” في فرساي، لكن التفاصيل الجوهرية (آلية التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، مستقبل الصواريخ الباليستية، نطاق رفع العقوبات) أُرجئت إلى مفاوضات لاحقة تبدأ في فيينا وقد تنتقل إلى مسقط أو إسلام أباد أو غيرها، بعيداً عن كاميرات وقاعات فرساي. إنه فصل متعمد بين “الاستعراض” و”الجوهر”، بين “المرآة” و”الحائط”، وهو ما يكشف أن هذه المذكرة ليست اتفاقاً، بل إطاراً لتفاوض مستقبلي، أُلبس ثوب “الاتفاق” ليُباع في سوق الإعلام.
- دبلوماسية المنصات مقابل الدبلوماسية الكلاسيكية
يتناقض هذا الأسلوب الاستعراضي بشدة مع الدبلوماسية الكلاسيكية التي كان بانفيل يدعو إليها، والتي تقوم على موازين القوى المادية لا الموازين الإعلامية. فالدبلوماسية الحقيقية، في نظر المدرسة الواقعية التي ينتمي إليها بانفيل، تُدار في غرف مغلقة، بين دبلوماسيين محنكين، وتقوم على حسابات دقيقة للنفط والغاز والحديد والجنود.
أما دبلوماسية ترامب، فهي دبلوماسية التغريدة والكاميرا. وهنا يكمن الخطر: فعندما تُصبح الدبلوماسية مجرد عرض، يصبح الانسحاب منها ممكناً بنفس السرعة. وكما أن ترامب انسحب من اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي السابق بـ”تغريدة”، فإنه قد ينسحب من هذه المذكرة بنفس الطريقة عندما يجد أنها لا تخدم صورته الإعلامية.
وهذا يقودنا إلى نقد بانفيل لـ “المبادئ الأخلاقية المجردة”. كان بانفيل يرى أن معاهدة فرساي مبنية على “مبادئ” ويلسون الأخلاقية أكثر من كونها مبنية على توازن القوى، مما جعلها هشة. واليوم، يُبنى هذا “الاتفاق” على “مبادئ” ترامب الإعلامية: كيف سيبدو الأمر على التلفزيون وعالم الميديا ووسائط التواصل؟ وليس على سؤال جوهري: كم عدد الصواريخ التي ستتوقف الأطراف عن إنتاجها واستخدامها فعلياً؟
- الجيوبوليتيك الصلب: حفرة تحت المرايا
إذا نظرنا إلى ما تحت المرايا، أي إلى الجيوبوليتيك الصلب (الموارد، الممرات المائية، التحالفات العسكرية، القدرات النووية)، نجد أن هذه المذكرة لا تلامس الجوهر:
- مضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث النفط العالمي، لم يذكر “الاتفاق” أكثر من فتحه أمام حركة الملاحة والسفن. وقد كان كذلك قبل الحرب.
- القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، والتي تمثل العمود الفقري للردع المفترض (والمعطل فعلياً إلى حد كبير)، لم تتغير.
- برنامج إيران الصاروخي، الذي يُهدد العواصم العربية في الخليج وإسرائيل، أُرجئ إلى “لجنة مشتركة” دون أدنى يقين بشأن ما ستؤول إليه الأمور.
- “فواعل” إيران الإقليميون في اليمن ولبنان والعراق، وهم الأداة الفعلية للنفوذ الإيراني، بقوا خارج نطاق المذكرة تماماً. (ما لم يكن ثمة تفاهمات غير معلنة بهذا الخصوص).
إنها مرايا تعكس صوراً من السلام، بينما تحت الأرض، وفي المصانع، وفي الموانئ، يستمر الصراع على النفوذ والموارد كما كان، بل ربما يتسارع لأن إيران ستحصل على أموال طائلة لإعادة إنتاج سياساتها الإقليمية.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً في اقتصاديات هذا “السلام” الهش: كيف ستنفق إيران هذا الفيض المالي المنتظر؟ هل ستمضي في تمويل شبكة فواعلها الإقليميين في لبنان واليمن والعراق، مما يحول “الاتفاق” إلى مجرد وقود لدائرة صراع أوسع، أم ستُجبر على إنفاقه في سدّ الثقوب الهائلة التي خلفتها الحرب في اقتصادها المنهار وبنيتها الاجتماعية الغاضبة؟
الإجابة على هذا السؤال ليست ضرباً من التكهن، بل هي المؤشر الأكثر دقة على ما إذا كان “الزجاج” سيظل شفافاً أم سيتحول إلى جدار معتمٍ من العسكرة والعنف والسياسات الحادة والمتطرفة. فالأموال الضخمة، في يد نظام سياسي ذي طموحات إقليمية، ليست رخاءً، بل هي وقود للنار، في الداخل والخارج.
ثالثاً: التناقض البانفيلي الداخلي – عندما يُفكك الحلفاء “الاتفاق” من الداخل
وأخيراً، لا يمكننا أن نغفل عن البعد الذي سخِر منه بانفيل بمرارة، وهو أن الأخطاء لا تأتي فقط من الخصم، بل من داخل بيت المنتصر (أو الموقّع). فكما أن معاهدة فرساي قوبلت بانتقادات لاذعة في الداخل البريطاني والفرنسي من قبل خبراء مثل “كينز” و”لويد جورج”، فإن مذكرة تفاهم ترامب واجهت اعتراضاً أو تحفظاً أو تردداً من أنصاره أنفسهم.
فالاتهامات بـ”الاستسلام”، ووصف السيناتور بيل كاسيدي لهذا “الإطار التفاوضي” بأنه “أسوأ كارثة دبلوماسية منذ عقود”، وخروج ترامب في منتصف الليل للرد على منتقديه، بأنهم “أغبياء” أو “حُسَّاد”! كلها تعكس أن الزجاج قد يتشقق من الداخل قبل أن تصطدم به أي قوة خارجية. وهذا بالضبط ما كان بانفيل يراه في فرساي: “سلام” لا يدعمه إجماع وطني، ولا تفاهم بين الحلفاء، هو أشبه بـ”هدنة” يرفضها نصف من صاغوها.
غير أن الهشاشة الدستورية تتجاوز مجرد الانقسام الحزبي، لتصل إلى لب الشرعية القانونية لهذا “الاتفاق” نفسه. فـ”مذكرة التفاهم” التي وقّعها ترامب، كونها ليست معاهدة رسمية مُصادق عليها من مجلس الشيوخ بموجب الفقرة الثانية من المادة الثانية من الدستور، تظل معلقة على هرم “السلطة التنفيذية” وحدها. وهذا يعني أن أي رئيس قادم، أو حتى ترامب نفسه في نوبة غضب إعلامي، يستطيع نقضها ببساطة كما يلغي تغريدة. إنها وثيقة بلا أسنان دستورية، وهذه المفارقة تجعل “الزجاج” هشاً ليس فقط في وجه أعدائه، بل وأمام أدنى تقلبات في المشهد السياسي الداخلي الأمريكي، الذي بات أشبه بمرآة متكسرة لا تعكس صورة ثابتة لأي التزام خارجي.
سيناريوهات ما بعد الستين يوماً: متى يتحطم الزجاج؟
بالنظر إلى التصدعات المذكورة أعلاه، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات لمصير هذا “الزجاج” مع انتهاء المهلة:
- سيناريو الترميم المؤقت (الأقل ترجيحاً): أن تنجح الإدارة في امتصاص الغضب الجمهوري عبر تعديلات على الملحق الفني لهذا “الإطار التفاوضي”، أو التشدد في المفاوضات المقررة بموجب “الإطار” المذكور، وضمانات أمنية إضافية لإسرائيل والخليج، مما يمدد عمر هذا “الاتفاق” إلى عام أو عامين، لكنه يبقى هشاً كزجاج مشعّب لا يتحمل ضغوطاً جديدة.
- *سيناريو الانسحاب الأحادي (التكرار الترامبي): أن يتراجع ترامب عن هذه المذكرة بنفس سرعة توقيعه عليها، متذرعاً بـ “عدم التزام” إيران بالتفاصيل المؤجلة أو بضغط داخلي، فينسحب منها بـ “تغريدة” كما فعل مع اتفاقية باريس والاتفاق النووي السابق. هذا سيعيد المنطقة إلى مربع التصعيد الأول، لكن مع إيران أكثر إحباطاً ورغبة بالتعويض أو الانتقام أو حتى مجرد مواصلة سياساتها السابقة.
- سيناريو التفتت الإقليمي الكامل (الأكثر واقعية): أن يظل “الاتفاق” حبراً على ورق بين واشنطن وطهران، بينما تنفصل عنه الأطراف الإقليمية تماماً. فتقوم إسرائيل بعمليات عسكرية مستقلة ضد المنشآت النووية الإيرانية خارج أي تنسيق أمريكي، وتبرم دول الخليج تفاهمات أمنية مباشرة مع إيران (على غرار الاتفاق السعودي – الإيراني بوساطة صينية)، وتتحول المنطقة إلى ساحة فوضى تنافسية بلا قواعد واضحة، وهو السيناريو الأكثر توافقاً – ولو أن دونه صعوبات كثيرة – مع تحذير بانفيل من أن “السلام الزجاجي” لا يمنع الحرب، بل ينظمها بشكل فوضوي.
مؤشرات التحطم المسبقة: كيف نقرأ ملامح الانهيار قبل وقوعه؟
إن الانتظار حتى انتهاء المهلة (ستين يوماً) لقياس نجاح هذا “الاتفاق” هو ترف لا تملكه المؤسسات الأمنية والاستخباراتية ولا صناع القرار. لذا، يمكن رصد ثلاث إشارات إنذار مبكر (Early Warning Indicators) تدل على أن الزجاج بدأ يتشقق فعلياً، حتى قبل انقضاء الستين يوماً:
- ارتفاع مفاجئ ومعلن في نسب تخصيب اليورانيوم الإيراني، كإشارة إلى أن طهران لا تعتبر نفسها مقيدة بالتفاهم الضمني.
- ضربة سيبرانية كبرى موجهة ضد البنية التحتية النفطية الخليجية أو الإيرانية، وهو ما يكشف أن الحرب الخفية (Grey Zone Warfare) لم تتوقف عند حدود المذكرة.
- مناورة عسكرية إسرائيلية فوق الأجواء العراقية أو السورية تنم عن تحدٍّ مباشر للتفاهم الأمريكي – الإيراني، وتعلن فيها تل أبيب أنها لا تعترف بسقف “فرساي” الزجاجي.
هذه المؤشرات، إذا وقعت، ستكون بمثابة الشرارة التي تسبق تحطم الزجاج، لا سيما في ظل غياب آليات نزع فتيل الأزمات داخل نص المذكرة نفسها.
بدائل السياسات: المسارات الأربعة للأطراف الإقليمية
وفي مواجهة هذا المشهد الزجاجي المتشقق، تبدو أمام الأطراف الإقليمية – خاصة الخليجية منها – أربعة مسارات استراتيجية، لن تختار واحداً منها بشكل منفرد، بل ستمضي في توليفة متغيرة منها:
– المسار الأول: التمسك بالمظلة الأمريكية الهشة، مع محاولة إعادة تأهيلها بضمانات إضافية.
– المسار الثاني: الاندفاع نحو تعزيز قدرات دفاعية ذاتية، أو حتى نووية مدنية قابلة للتحويل، كخط دفاع أخير.
– المسار الثالث: الانخراط في تفاهمات إقليمية موازية مع إيران (على غرار الاتفاق السعودي – الإيراني برعاية صينية)، سعياً لشراء الأمن من مصدر التهديد نفسه.
– المسار الرابع، وهو الأكثر ترجيحاً: مزيج فوضوي من المسارات الثلاثة السابقة، يؤدي إلى “تفتت منظم” للسياسات، تظل فيه المنطقة في حالة من التوتر الدائم، لا حرب ولا سلام، بل هدنة هشة أشبه بزجاج يئنُّ تحت وطأة وزنه قبل أن يتحطم.
دروس قاعة المرايا
في الختام، إذا أردنا استخلاص الدرس البانفيلي الأعمق من هذه المقاربة، فهو أن السلام لا يُصنع بالمرايا ولا بالكاميرات. والزجاج، مهما كان برّاقاً، يبقى زجاجاً. والتوازن الحقيقي لا يُبنى على واجهات تعكس الصور، بل على أسس راسخة تأخذ في الاعتبار:
– توازن القوى المادية، وليس فقط النوايا الحسنة المعلنة.
– إشراك الأطراف الإقليمية التي ستدفع الثمن الفعلي لهذا “الاتفاق”، وإلا تحولت إلى بولندا وتشيكوسلوفاكيا جديدة تنتظر المزيد من الإرباك والتهديد والمخاطر.
– الصدق مع الذات في تقييم المصالح، وعدم الخلط بين السياسة الخارجية والإعلانات التجارية.
لقد تنبأ بانفيل بأن سلام 1919 سينهار، فكان. وتنبأ بأن “الأخطاء في تقدير المنتصرين” ستؤدي إلى حرب جديدة، وقد تحقق. والسؤال الذي تطرحه مذكرة فرساي 2026 على الباحثين وصناع القرار ليس “هل سينجح هذا الزجاج؟”، بل الأكثر إلحاحاً: هل تتعلَّم البشرية من دروس بانفيل، أم أننا محكومون بتكرار أخطائنا في قاعات المرايا ذاتها، كلما أبصرنا انعكاسَ صورنا فيها، أغوانا؟
في المرة القادمة التي يُوقَّع فيها “اتفاق” في فرساي، لعلّ القادة يتذكرون أن المرايا لا تُظهر إلا ما أمامها، ولا تكشف ما وراءها. والجيوبوليتيك الصلب، كما علّمنا بانفيل، لا يهتم بالبريق، بل بالكتلة والحجم والوزن. والزجاج، مهما كان ثميناً، يتحطم.





