محمد سامي الكيال
انتشر تحليل ذو طابع اقتصادي/اجتماعي عن الحرب الأهلية السورية، يفسّرها بوصفها نتيجةً للسياسات “النيوليبرالية” لبشار الأسد وفريقه الحكومي، التي تضافرت مع مواسم الجفاف القاسية، لتؤدي إلى انفجار اجتماعي هائل في الريف السوري، اكتسب تدريجياً طابعاً مسلّحاً وطائفياً، وأدى في النهاية لسقوط الأسد ودولته. ويعتمد هذا التحليل عادةً على بيانات وأرقام صحيحة، حول انخفاض الدعم الحكومي للزراعة، وخاصة دعم الديزل، الحيوي جداً في الزراعات المرويّة السورية؛ وهجرة مئات الآلاف من أبناء الريف، في العقد الأول من الألفية، نتيجة الجفاف وانهيار مردودية الأرض، وتشكيلهم حزاماً مُعدماً حول المدن الأكبر؛ فضلاً عن سيطرة طبقة رأسمالية المحاسيب، من مركّب أمني/تجاري محيط بعائلة بشار وعائلة زوجته، على مفاصل الاقتصاد السوري، ومراكمتها للثروات على حساب إفقار الشعب السوري؛ وكذلك الانفتاح الاقتصادي غير المحسوب، خاصة على تركيا، الذي أدى لانهيار عدد من الصناعات التقليدية، خاصة في مناطق ريف دمشق.
وعلى الرغم من أن الفلاحين لم يعودوا يشكّلون طبقة مركزية في سوريا مع مطلع الألفية، إذ لم تتجاوز نسبتهم 17% من الأيدي العاملة عام 2010، إلا أن أنصار هذا التحليل يحاججون بأن تخفيض الدعم ومواسم الجفاف لم تؤثر فقط على الفلاحين والعاملين المباشرين في الزراعة، بل على كامل المشهد الريفي وشبه الريفي في سوريا، الذي ظل دائماً شديد التأثير سياسياً في البلاد، بما يحويه من أسر ممتدة، وعشائر، وعصبيات، وعلاقات ولاءات وتبعية. لقد تم تهميش الريف، وفق هذا المنظور، لمصلحة نمو غير متوازن في المدن، أو في “سوريا المفيدة”، أنشأ طبقة طفيلية موالية للسلطة. وبالنظر إلى خريطة الاحتجاجات، ومن ثم الحرب، يتبيّن أنها اندلعت في المحافظات الزراعية الأساسية: درعا، دير الزور، إدلب وحماة.
يُقدَّم كل هذا بالمقارنة مع سياسات الدعم العائدة لحقبة حافظ الأسد، والتي قامت على “عقد اجتماعي” مضمر، بين الدولة والريف السوري، يقوم على دعم استثنائي للزراعة، وشراء المنتجات الزراعية الاستراتيجية بسعر أعلى من السوق العالمي، وفتح باب التوظيف لأبناء الفلاحين في مؤسسات الدولة المدنيّة والجيش والقوى الأمنية، فيما يعتبر استثماراً للنمو الديموغرافي لمصلحة إنشاء علاقات ولاء وتبعية جديدة، مرتبطة بجهاز الدولة. هكذا ازدهر مزارعو القمح والقطن والزيتون بشكل خاص، وصارت هناك محاصصة أمنيّة صامتة لكل محافظة زراعية، فهذه المحافظة تجد لأبنائها مكاناً مركزياً في جهاز الشرطة، وتلك في فرق معيّنة من القوات الخاصة، وثالثة في الأفرع الأمنية، ضمن هرميّة عصبوية/مناطقية، لا تؤمّن المساواة بين الجماعات، ولكنها تضمن حداً أدنى من الاستفادة لأغلبها، عن طريق توزيع الريوع، وبعض القدرة السلطوية، وتمكين الشبكات الزبائنية المحليّة. يمكن ملاحظة أن هذا “نظام” وليس مجرد فساد، وإن كان يتيح فرصاً كبيرة للفساد، فهو طريقة لإدارة السلطة، وبناء ائتلاف اجتماعي واسع لها، وتوزيع الريوع، وضمان ولاء العصبيات التي تعتبر القوة الضاربة للسلطة، والتي قاتلت معها في معاركها الداخلية والخارجية. كانت تلك هي “دولة الفلاحين الأسدية”، التي لا تعني أن الفلاحين، بوصفهم طبقة، قد استلموا السلطة، وإنما أنهم دخلوا علاقة معقدة مع جهاز دولة، تقوده نخبة عسكرية أمنية، وسياسية حزبية، من أصول فلاحيّة، أعادت إنتاج العلاقات الفلاحية على أساس الولاء لسيد جديد هو الدولة البعثية، مع أيديولوجيا “تقدّمية” معتدلة، تفهّمت الأبوية الريفية، والتديّن المحلي، وخاصة بعد مجزرة حماة عام 1982، وفي الوقت نفسه أصرّت على “القضايا القومية” (القضية الفلسطينية، دعم “حركات التحرر” في المنطقة، مواجهة الاستعمار والإمبريالية… إلخ)، وساهمت في رفع مستوى التعليم، والثقافة العامة، وتأمين الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية والصحيّة. كل ذلك بدأ بالتغيّر منذ نهاية عهد الأسد الأب في التسعينيات، إذ بدأت الدولة تخلّ بـ”عقدها الاجتماعي” مع الريف، وتنتج فئات جديدة، وتنحاز لها، ليصل هذا الاتجاه إلى قمته في عصر الأسد الابن.
من جهة أخرى دخلت الفئات التقليدية في المدن، من طبقة التجار والصناعيين ورجال الدين التقليديين، في الائتلاف الأسدي، على مضض في البداية، ثم خضعت له تماماً، واستفادت منه، وحاولت تطوير موقعها ضمنه مع الزمن، وتحالفت أو تشاركت مع طبقة الأثرياء الجدد، التي أفرزها نظام الأسد الابن، لتصبح أكثر فأكثر، من أهم قواعد النظام الأسدي قبيل الحرب، وفي مراحلها المبكرة.
وعلى الرغم من متانة هذا الطرح، وتجاوزه للتصورات العاميّة، التي تختصر التاريخ السوري بالصراع الطائفي والإثني المبسّط، أو بتناقض بين “الاستبداد” و”الحرية”، إلا أن عدة وقائع تجريبيّة تشكك به نسبياً، أولها أنه لا توجد أدلة على أن جمهور النازحين، نتيجة الجفاف ورفع الدعم، قد لعب دوراً أساسياً في الاحتجاجات السورية في بدايات الحرب، كما أنه لم يُسجّل حضور فعلي لمطالبهم، أو لمطالب فلّاحية عموماً، ولو بشكل رمزي أو غير مباشر؛ وثانيها، أن التقارير الاقتصادية الدولية تقدّم أرقاماً أكثر تركيباً عن الوضع الاقتصادي في سوريا، التي لم تكن منهارة اقتصادياً على الإطلاق، إذ وصل متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وفق تعادل القوة الشرائية، لأعلى مستوى له على الإطلاق في تاريخ البلد عام 2011، ليقدّر بحوالي 6000 دولار، بالتوازي مع معدلات نمو اقتصادي تراوحت بين 5 و3%، في العقد الأول من حكم الأسد الابن، بحسب البنك الدولي، ما يعني أن كثيراً من السوريين، باتوا قادرين على الاستهلاك أكثر بكثير من جيل آبائهم. في المقابل ارتفعت معدلات الفقر بين عامي 2004 و2007 لتصل لنحو 35%، وتزيد عن هذه النسبة في المناطق الشرقية والشمالية، بينما انخفضت في دمشق وريفها، الذي لعب دوراً أساسياً في الاحتجاجات والحرب السورية. كما لم تكن درعا، التي اندلعت فيها الاحتجاجات، من المناطق الأفقر أو الأكثر تضرراً في سوريا، وكذلك الحال في حمص وبانياس، اللتين شهدتا انفجارات اجتماعية مبكرة، مقارنةً بمناطق الشمال الشرقي الأكثر فقراً وتضرراً.
ربما يجب إدخال تعديل في تصوّر “الحرب الفلاحيّة”، لكي لا يعود مقتصراً على فكرة ضرب الإنتاج الزراعي، أو إفقار الفلاحين وبيئتهم الريفية، ويصبح أكثر شمولاً، وأقلّ تبسيطاً، فالصراع الدموي في سوريا لم يكن احتجاجاً مباشراً على استغلال أو تهميش لمناطق معيّنة، رَفَعَ مطالب واضحة لتحسين أوضاعها؛ كما لم يكن انتفاضة لمنتجين، من فلاحين أو عاملين ضاقت بهم السبل؛ وليس نتيجةً لأزمة اقتصادية، بل لتغيّر نموذج الحكم نفسه، وانهيار ائتلافاته وتحالفاته وعقده الاجتماعي المُضمر، واضمحلال نمط كامل في الإدارة وتوزيع الريوع وتنظيم العُصب السلطوية وعلاقات الولاء والتبعية. إنه انتفاضة على الأسدية نفسها، من داخلها، لم تتخذ طابعاً مطلبياً واضحاً، ولم توضّح البديل المأمول لها، ولو بخطوطه العريضة، باستثناء عبارات غامضة عن “الحرية”، وشتائم لا تنتهي للأسد وعائلته ونظامه. كان الدارج شعارات تحمل طابع الثأر الرمزي من النظام، والتعبئة الدينية، واستعادة الهوية المناطقية، ثم تكرار شعارات البعث القديمة، ولكن بنكهة إسلامية وطائفية، ليصبح هتاف “قائدنا للأبد سيدنا محمد” بديلاً لشعار “قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد”.
ربما الأصح القول إنه انهيار الأسدية على ذاتها، بعد أن فقدت قدرتها على إعادة إنتاج نظامها، فانفجر ائتلافها القديم بشكل فوضوي، وخرج المسلّحون المعارضون من المناطق نفسها، التي قدّمت العدد الأكبر من مجندي ومتطوعي القوى العسكرية والأمنية، مثل درعا ودير الزور والرقة وريفي حماة وحلب. ولم تكن الصدامات بين متمردين ودولة فقط، بل اندلعت داخل المجتمعات المحلية في المناطق المتمردة، والتي بدت وكأنها تلتهم نفسها، لتشهد مزيجاً من الصراعات السياسية، والدينية، والعائلية، والعشائرية، والفصائلية. وقد تم خلال تلك الصراعات إنهاء الطبقة القديمة من وجهاء الريف، سواء كانوا متعاونين مع السلطة أو معارضين لها، عبر التصفية الجسدية أو النفي أو تحطيم الوجود الاجتماعي والاقتصادي، وبرزت وجوه جديدة، من قادة الميليشيات، والجهاديين، وأمراء الحرب، ورجال العصابات، أغلبهم من عائلات وقرى أصغر.
يمكن القول إنه قد وقع انقلاب في الريف السوري، تصدّرت بموجبه “أرياف الأرياف” المشهد، إلا أن هذا لم يكن تمرّداً على استغلال الوجهاء القدماء مثلاً، فهم لم يكونوا مُستَغِلّين بالمعنى الفعلي، بل بروزاً لشبكات جديدة من الولاء والتبعية، استطاعت تسليح نفسها، ونيل الدعم الخارجي، والنمو بفضل اقتصاد حرب، شمل تلقي التمويلات، واستغلال المساعدات الإنسانية، والغزو والسلب والنهب والخطف (التعفيش والتشويل بلغة الميليشيات السورية)، والتهريب، والإتجار بالممنوعات، والسيطرة على المعابر، وفرض الإتاوات، وغيرها من النشاطات، التي تصنّف عادة ضمن اقتصاد الظل والجريمة.
هل يحمل هذا سمات ثورة اجتماعية، أي تغييراً جذرياً للعلاقات الاجتماعية، تحمله فئات جديدة نمت في رحم النظام القديم؟ وهل يمكن لأرياف الأرياف، بعد انتصارها، أن تتجاوز شبكات الميليشيات وإمارات الحرب التي شكّلتها، وبناء ائتلافات اجتماعية أوسع، تكون قاعدة لدولة جديدة؟
الانقلاب الريفي
يمكن تعريف “أرياف الأرياف” بأنها مناطق ومجموعات ظهرت على أطراف التركيبة الاجتماعية/الاقتصادية الأساسية للأسدية، دون أن تكون خارجها أو نقيضة لها، بل نتيجة من نتائجها، وقدّمت عناصر كثيرة للأجهزة الأمنية والعسكرية الأسدية، سواء عبر التطوّع أو التجنيد الإلزامي، وتطور فيها مع الزمن نمط من اقتصاد الظل، أي العمل غير المنظّم، وغير القانوني أحياناً كثيرة، بتغاضٍ من السلطات الأمنية، أو بصدام خفيف لمنع تهديد النظام العام؛ وأنتجت شبكات من الولاء والتبعية الخاصة بها، وانتشر بينها نمط من التديّن الريفي المتشدد، الذي سهل اختراقه من السلفية الجهادية فيما بعد. أفرادها ينتمون إلى قرى وعائلات صغيرة، ليست أفقر بالضرورة من القرى والعائلات الأكبر، وليست مُستَغَلّة من قبلها، وقد صعدت بعد الحرب بفضل لجوئها إلى السلاح، وتلقي التمويلات الخارجية، والدمار الاجتماعي العام. ثم اتخذت طابعاً أيديولوجياً إسلامياً منظّماً، وأنتجت أمراءها وشرعييها الخاصين، بعد صراعات داخلية عنيفة في أوساطها، واستطاعت استقبال “خبرات خارجية” من مجاهدين أجانب. لقد قضت هذه الفئات على طبقة وجهاء الريف أولاً، ثم شهدت فرزاً عنيفاً في داخلها، طيلة سنوات الحرب، في صراع طويل على النفوذ والسيطرة، انتصر فيه صاحب العقيدة الأقوى، والعلاقات الخارجية الأمتن، والقدرة على “الحوكمة الميليشياوية” إن صح التعبير.
هل “أرياف الأرياف” طبقة أم منطقة أم نمط سلطة؟ إنها كل هذا معاً، فهي أقرب لشبكات معقدة، تدمج المصالح الفئوية مع الولاءات المناطقية مع التركيبة الميليشياوية مع الأيديولوجيا الإسلامية، ضمن اقتصاد ظل وحرب، واستقلت تدريجياً عن بيئاتها الريفية الأصلية، وعلاقاتها، لتنتج علاقات ولاء جديدة، في إطار إمارات الحرب، والسلطة الميليشياوية الجديدة. ليست شبكات “أرياف الأرياف” من الفلاحين المنتجين، بل أصبحت في تناقض معهم، يزداد بالتدريج، ونرى اليوم الاحتجاجات الفلاحية ضد قرارات سلطة الميليشيات في سوريا، التي لم تعد تأبه حتى للمناطق التي أتت منها، وكان من المفترض أن تحمل احتجاجها على الإفقار والتهميش الأسدي، وتسعى لتحسين أوضاعها.
بناءً عليه، الحرب السورية لم تكن ثورة اجتماعية لفئات مضطهدة أو مهمّشة، بل عملية إعادة تشكيل للسلطة، داخل الهوامش العسكرية والأمنية الزبائنية، التي أنتجتها الأسدية نفسها، وذلك في حقبة انهيارها على نفسها. عملية الانهيار هذه ما تزال مستمرة حتى اليوم، فقد اجتاحت “أرياف الأرياف” المدن الأساسية، ومناطق الأقليات الدينية والإثنية في الريف، ما يدخل البلد في حالة أزمة غير مسبوقة، فبعد أن تم تدمير الريف السُني في سوريا تماماً، نتيجة الحرب الدموية، والنهب والتصفية الداخلية، ستنتقل عمليات “التعفيش” و”التشويل” و”الحوكمة الميليشياوية والجهادية” إلى المناطق التي ظلت في مأمن نسبي من كل هذا. وبما أن نظام الأسد قد سقط، واختفى مناصروه السابقون وكأنهم لم يوجدوا، وتبنّت الأغلبية خطاب “الثورة” و”التحرير”، ولو بشكل منافق، فلا توجد اليوم قوة منظّمة يمكن أن تواجه كل هذا، وغالباً سيؤدي الضغط الميليشياوي والجهادي، وعمليات النهب والإفقار والأسلمة، ونزع الملكيات، وتدمير ما تبقى من طابع حضري للمدن، والاعتداء الممنهج على الأقليات، إلى انفجارات اجتماعية غير منتظمة أو قابلة للتنبؤ، وبدون بوصلة سياسية، وبنية تنظيمية، وقد تصل إلى درجات شديدة من العنف، وتتخذ طابعاً بينيّاً بين الفئات والمجتمعات، لا يتجه بصورة مباشرة إلى السلطة الميليشياوية الحاكمة، ما يتيح لها إمكانية التلاعب، والاستفادة من تلك الانفجارات، وتحقيق المزيد من النهب ونزع الملكيات، فهي تعوّدت على الانتعاش والازدهار في مثل هذه الأجواء.
اللامركزية الرثّة
الحديث عن “دولة” أو “حكومة” في مثل هذه الظروف، ومن داخل هذه البنى، هو أقرب لهراء، لا يستحق كثيراً من الالتفات. نحن هنا لسنا أمام مشروع بنى مؤسساتية مقوننة، وأطر سياسية واجتماعية لبناء ائتلافات واسعة، بل أمام مجموعة من الميليشيات، وإمارات الحرب، والمشايخ والشرعيين، وعلاقات القرابة، تتصرف بآليات مغايرة تماماً لأي مفهوم للدولة، فهي تعتمد على الأوامر الشفوية، والتوازنات المسلّحة، والتواصل غير الرسمي وغير الموثّق عبر تطبيقات من نوع تيليغرام وواتس آب. وتتهرّب من أي منطق قانوني متماسك، حتى لو كان لمصلحتها، لأن وجود النصوص المرجعية، والأطر المعيارية، يعني تقييد مرونتها، وأساليبها المعتادة في فرض هيمنتها.
ضمن عالم “أرياف الأرياف” لا إمكانية للمركزة السلطوية، أو احتكار العنف، أو توحيد التشريع، أو التأطير المؤسساتي، أو السياسيات الاجتماعية، والوظائف الخدميّة، وأعلى ما يتم السعي إليه هو الحوكمة الميليشياوية، أي تأسيس تنظيمات عسكرية وأمنية للميليشيات الحاكمة، تمكّنها من تنظيم صفوفها الداخلية، وضمان تماسكها، وكذلك التواصل والتنسيق، بحد أدنى من الموثوقية، مع الجهات السياسية والعسكرية الخارجية، بما يقنع تلك الجهات بأنها تتعامل مع أكثر من مجرد عصابة. أي أن تلك “الحوكمة” تمنح شرعية وظيفيّة للميليشيات في تعاملها مع الخارج، وتمكّنها من اكتساب صفة إدارة أمر واقع قوية، تتمتع بـ”المقروئية” Legibility، أي تتحوّل لكيان مفهوم بالنسبة للخارج، قابل للتصنيف، والتعامل، والتفاوض، وليس مجرد فوضى غير قابلة للفرز.
يؤدي كل ذلك إلى حالة من لامركزية الأمر الواقع، فالسيادة تُقسّم بين عدد كبير من أمراء الحرب، الذين تقتصر علاقتهم مع الميليشيا الحاكمة الأقوى على إظهار الولاء، والمساهمة في المجهود الحربي، عند إعلان “النفير” أو “الفزعة”؛ أما التشريع فيوزّع بين اجتهادات المشايخ ورغبات الأمراء؛ فيما الوظائف الاجتماعية تفوّض إلى “منظمات غير حكومية” و”مبادرات إنسانية”، مع ضمان التحكّم بتدفقات الأموال من الخارج، بما يضمن نصيب الميليشيات الحاكمة الأساسي فيها؛ في حين تُباع أصول الدولة السيادية لشركات، تمثل نفوذ دول إقليمية وخارجية، تحت اسم “الخصخصة” أو “تسييل الأصول”. هذه اللامركزية ليست مدسترة، أو معترفاً بها سياسياً، ولكنها نتيجة بنيوية لحكم شبكات “أرياف الأرياف”، وهي لا تستحق صفة الدولة، أو حتى النظام السياسي (الذي يقوم على مجموعة من العناصر والإجراءات المترابطة والمتكاملة، المتمتعة باستقرار تشغيلي ووظيفي نسبي، والقادرة على إعادة إنتاج نفسها)، وبالتأكيد لا يمكن وصفها بـ”الديكتاتورية”، أو تشبيهها حتى باستبدادية نظام الأسد، فنحن هنا أمام واقع مختلف، حتى لو كان ناتجاً عن انهيار الأسدية على ذاتها. النظام السابق كانت له مؤسساته، وأطره، وقوانينه، وائتلافاته الواسعة، وسياساته ووظائفه الاجتماعية، وثقافته الجماهيرية المنظّمة، وروايته المؤسِّسة المتينة، رغم كل ما شابه من فساد ورثاثة وقمع دموي، وفشل وأزمات بنيوية، واعتماده على نظام العُصب وشبكات الولاء والتبعية الزبائنية غير الرسمية.
لا يمكن من ناحية عملية تقديم مطالب لهذا النوع من الحكم؛ أو الأمل بنوع من المشاركة السياسية فيه، فلا أطر سياسية له أصلاً؛ أو انتظار إنهائه لـ”المرحلة الانتقالية” ووصوله إلى مرتبة الدولة، فهو يقوم أساساً على تأبيد وضعه الاستثنائي، المنفلت من القوننة، بوصفه سيادة صرفة ومشتتة، دون وظائف أو مسؤوليات. وربما لا وسيلة للتعامل معه إلا محاولة حماية الذات منه، وانتزاع مساحات اجتماعية تضامنية، قادرة على تسيير نفسها ذاتياً، في وجه شبكات لا تقوم إلا على تدمير كل ما هو اجتماعي.





