محمد سيد رصاص
وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارة للصين يوم الثلاثاء 19أيار/مايو 2026 بعد أربعة أيام من مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعاصمة الصينية عقب زيارة استغرقت ثلاثة أيام، 13- 15 أيار/مايو.
هناك زيارات هي مرآة لصورة العلاقات الدولية، مثلما حصل في 16 كانون الأول/ديسمبر 1949 عندما وصل ماوتسي تونغ زعيم الحزب الشيوعي الصيني إلى موسكو ليحل في ضيافة ستالين بعد شهرين ونصف من سيطرة الشيوعيين على البر الصيني، والتي – أي تلك الزيارة – أعلنت بطريقة صريحة بدء تحالف لدولتين، يحكمهما الحزب الشيوعي، في وجه الغرب الأميركي – الأوروبي، الذي كان قد أعلن إنشاء حلف الأطلسي (الناتو) في يوم 4 نيسان 1949 لمجابهة تمدد ستالين أوروبياً بعد أن بنى ستاراً حديدياً في وسط أوروبا يُقَسِّمها ما بين شرق وغرب. وسرعان ما تُرجم التحالف السوفياتي – الصيني في العام التالي عندما ساند ستالين وماو غزو الكوريين الشماليين للجنوب الكوري، وهو ما عنى بدء الحرب الكورية1950-1953، والتي كادت أن تتطور لمجابهة عسكرية مباشرة ما بين البيت الأبيض والكرملين، الأمر الذي لم تتكرر حالته التجابهية المباشرة سوى مرتين، في كوبا 1962 وحرب أكتوبر 1973، فيما كان المسار العام للحرب الباردة 1947- 1989 عبر حروب ومجابهات بالوكالة ما بين الأميركان والسوفيات.
من هنا يمكن القول بأن مشهد (ترامب في بكين) و(بوتين في بكين) يمكن أن يكونا، معاً، صورة مرآتية للعلاقات الدولية مثلما كانت صورة (ماو تسي تونغ في موسكو ستالين)، وبالذات في لحظة حرب أميركية على إيران، هي بشكل ما حرب أميركية على الصين، وقبلها وبالذات في الحرب الأوكرانية، حيث تمظهر تحالف ثلاثي صيني- روسي- إيراني، ومن أيام ما بعد غزو بوتين لأوكرانيا عام 2022 كان هناك رأي أميركي – أوروبي بأن التراخي مع بوتين أوكرانياً سيشجع الصين على أن تفعل في تايوان ما فعله الروس في أوكرانيا. وإذا كانت علاقة الثنائي ستالين – ماو مع الرئيس الأميركي هاري ترومان قد رسمت العلاقات الدولية، ليس فقط في لحظة زيارة ماو لموسكو وإنما لفترة امتدت حتى بدء الخلاف الصيني- السوفياتي عام1960، فإن منظر الثلاثة الآن في بكين، دونالد ترامب وشي جين بينغ وفلاديمير بوتين، يرسم صورة العلاقات الدولية، ويعطي المجال لقراءتها عبر تلك الصورة.
هؤلاء الثلاثة، أي الثنائي جين بينغ – بوتين مقابل ترامب، هم مثل الثنائي ستالين – ماوتسي تونغ مقابل الرئيس الأميركي هاري ترومان عام 1949. وقد برز التحالف الصيني – الروسي أكثر ما برز في الحرب الأوكرانية (منذ 24شباط/فبراير2022)، وقبيل ثلاثة أسابيع من بدئها. وفي زيارة بوتين للعاصمة الصينية تحدث البيان المشترك عن “شراكة ثنائية بلا حدود”. ورغم مخاوف الصين التقليدية من تغيير الحدود الدولية القائمة، وهو ما يسعى إليه بوتين من حربه الأوكرانية، فإن الصين وقفت وراءه ولو بشكل موارب في تلك الحرب، والتي يمكن أن تشكل سابقة تنعكس على مناطق صينية مضطربة تسعى للانفصال (على غرار اضطراب ما بعد 2014 في إقليم دونباس الأوكراني ذي الأغلبية الروسية) مثل التبت أو منطقة شمال غرب الصين حيث يسكن الإيغور. كما أن الصينيين، ومنذ اشتراكهم مع الروس في تأسيس مجموعة دول البريكس عام 2009، يسعون معهم نحو تحقيق “عالم متعدد الأقطاب” في وجه القطبية الأحادية الأميركية التي تبلورت مع انتصار واشنطن على موسكو السوفياتية عام 1989 في الحرب الباردة.
تأتي زيارة ترامب الأخيرة للصين في لحظة هي الأصعب لواشنطن منذ عام 1989، حيث إن القطب الأميركي الأوحد غير قادر على تحقيق أهدافه المعلنة في حربه ضد دولة متوسطة القوة مثل إيران (أي أهداف: تفكيك البرنامج النووي. نزع وتدمير السلاح الباليستي. فك ارتباط طهران بأذرعها الإقليمية). وقد أتى الرئيس الأميركي للصين في الأسبوع السادس للهدنة بعد أن دخلت المفاوضات مع الإيرانيين في انسداد شبيه بانسداد الجهد العسكري الأميركي في حرب الأربعين يوماً، عندما عجزت الأسلحة الأميركية، بالتعاون مع الإسرائيليين، عن إجبار الإيرانيين على الرضوخ.
من هنا يمكن تفسير سلوك ترامب المتودّد تجاه الصينيين أثناء زيارته الأخيرة، وهو الذي كان قبل ذلك، في ولايته الأولى 2017-2021 وفي فترة عودته للبيت الأبيض منذ بداية عام 2025، في حالة تجابهية معهم وصلت في العام الماضي إلى إعلان حرب تجارية عالمية ضدهم. إنه الآن في مأزق وقع فيه بسبب حربه الإيرانية، التي هي حرب ليست فقط ضد حليف للصين، مثل فنزويلا نيكولاس مادورو الذي اعتقله ترامب بداية هذا العام، وإنما كذلك محاولة للسيطرة على مصدر طاقة نفطية رئيسي تمثله إيران للصين، مثلها مثل فنزويلا. ويعرف الصينيون أنهم في وضع دولة غير مكتفية من النفط، مثل ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، مع ما شكله ذلك من نقطة ضعف كبرى عند هتلر وعسكر اليابان. والجنرال مايكل كوريلا، قائد القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم)، قد أشار إلى ذلك منذ عام 2023، عندما قال إن الشرق الأوسط هو مصدر رئيسي لمستوردات النفط الصينية، وأن هذه المستوردات تمر عبر مضائق بحرية مثل (هرمز ) و(مالاكا)، والأخير توجد به قاعدة عسكرية أميركية.
على الأرجح، أن هذا قد جعل الرئيس الصيني في وضع قوي أمام ترامب في بكين، والأغلب أن الرئيس الأميركي قد عاد من هناك بـ “خُفي حنين” فيما يخص مساعدة الصين له في همومه الإيرانية، وفي عموم اهتماماته في قضايا العلاقات الأميركية – الصينية، رغم تلميحاته إلى معارضة واشنطن لـ “استقلال تايوان”، وهو أمر تتبعه واشنطن منذ إقامتها لعلاقات ديبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية أواخر عام 1978، خلال حقبة الرئيس جيمي كارتر ومستشاره زبيغنيو بريجنسكي، ولكنها ظلت ترفض سعي بكين إلى تغيير الوضع القائم بين البر الصيني وجزيرة تايوان. وهنري كيسنجر منذ زيارته السرية للصين، في تموز/يوليو 1971، وعبر قناة الوسيط الباكستاني، كان يعرف بأن استثمار الخلاف الصيني – السوفييتي لصالح الأميركان من أجل إمالة التوازن العالمي ضد الكرملين في الحرب الباردة، سيكون ثمنه سحب الاعتراف الأميركي بـ “الصين الوطنية” (تايوان) لصالح “الصين الشعبية”. ولكن بسبب التوازن الثنائي الأميركي – الصيني، الراجح يومها لصالح واشنطن، لم تستطع الصين ضمان أن يشمل الاعتراف (الحاصل في تشرين الأول/أكتوبر 1971 والذي قاد لاحتلال الصين الشعبية مقعد الصين الوطنية في مجلس الأمن الدولي) اعترافاً أميركياً بأحقية الصين الشعبية في تايوان، على غرار ما حصل من البريطانيين تجاه قضية هونغ كونغ.
لذلك كانت أجواء زيارة بوتين لبكين أكثر حرارة من زيارة ترامب، وهذا ناتج عن ما يجمع روسيا والصين ضد القطب الأميركي الأوحد وهدفهما المشترك المتمثّل في الوصول إلى “عالم متعدد الأقطاب”، وعن ما يجمعهما من حبور خفي تجاه العجز الأميركي عن تحقيق أهداف الحرب على إيران. ولكن على الأرجح أن الاقتراح المقدَّم من بوتين إلى شي، بجعل روسيا المصدر الرئيسي لمستوردات الصين من النفط والغاز، سيتردد الرئيس الصيني حياله كثيراً، وهو الذي يستذكر تجربة الصين مع الاتحاد السوفياتي عام 1960 عندما سحب نيكيتا خروتشوف الخبراء السوفيات من الصين مما كاد أن يقود لانهيار الاقتصاد الصيني. وفي ذلك العام كان والد شي نائباً لرئيس الوزراء الصيني، وذلك قبل أن يقصيه ماو من منصبه ويضطهده في فترة الثورة الثقافية 1966-1969.
كتكثيف: علاقة الثلاثي واشنطن – بكين – موسكو، هي مفتاحية في فهم العلاقات الدولية، باعتبار الثلاثة هم الأكثر تأثيراً في مجرى العلاقات الدولية منذ النصف الثاني للقرن العشرين وحتى الآن. كثير من المؤرخين يعتبرون أن التحالف السوفياتي – الصيني بفترة 1949-1960 هو الذي وضع الغرب الأميركي – الأوروبي في حالة دفاعية. ومن أجوائه انبثقت حركة عدم الانحياز. وفي مناخاته عاشت الأحزاب الشيوعية الأوروبية الغربية فترة مدّ طويلة. كما يرى الكثير من المؤرخين أن انحسار الموجة اليسارية العالمية، البادئ مدُّها مع ثورة أكتوبر 1917، قد بدأ مع الخلاف الصيني – السوفياتي عام1960. ومن يطالع مذكرات هنري كيسنجر يرى كيف أنه كان يحسب بأن تقارب واشنطن مع الصين سيدفع الفييتناميين الشماليين للتنازل أو تليين موقفهم في المفاوضات، وسيدفع السوفييت لتليين موقفهم في مفاوضات الحد من الأسلحة الاستراتيجية، وسيخلق وضعاً يجعل ميزان القوى بين الدولتين العظميين يميل لصالح واشنطن. ويبدو أن هذا كان رأي موسكو، حيث إنه في أحاديث مع زوار أجانب كشف زعيم الحزب الشيوعي الصيني هوا كوفينغ 1976-1981 عن أن محاولة انقلاب وزير الدفاع الصيني لين بياو (أيلول/سبتمبر1971) كانت بدفع من موسكو لتفشيل التقارب الصيني – الأميركي، لا سيما وأنها وقعت بعد شهرين من زيارة كيسنجر السرية للصين، وعلى إثر فشلها حاول بياو، الذي كان معارضاً للتقارب مع واشنطن، الهروب إلى الاتحاد السوفياتي على متن طائرة تحطمت جرّاء عطل فني أو أُسقطت في الأجواء المنغولية. ومنذ التسعينيات وبعد أن تم النظر للصين بوصفها المنافس الأكبر للأميركان، اتجه البيت الأبيض بإداراته المتعاقبة نحو تقريب الروس إليهم وتفريقهم عن الصينيين، وهكذا لغاية عام 2017 عندما صدر تقرير “استراتيجية الأمن القومي الأميركي” والذي حشر الصين وروسيا في خانة واحدة من حيث التهديد للولايات المتحدة. وقد أُشعلت الأضواء الحمراء في أميركا مع بروز التحالف الصيني – الروسي إثر الحرب الأوكرانية. ومن نقاط ترامب الـ 28حول أوكرانيا، يبدو أنه يحاول منذ العام الماضي جذب روسيا بعيداً عن الصين وذلك عبر إطعامهم “الحلوى الأوكرانية”، بالرغم من إثارة هذا الأمر لحفيظة الأوروبيين. وحربه على إيران هي بمعنى من المعاني حرب على ثالوث الثنائي الصيني – الروسي، وقد يكون تعثره في تلك الحرب هو ما جعله يلين في بكين، لكن يبدو أنه أخفق في تحقيق مبتغاه من تلك الزيارة.





