المركز الكردي للدراسات
منذ سقوط نظام الأسد، تعيش سوريا مفارقة لافتة: انفتاح سياسي متزايد على الخارج، وزيارات استطلاعية لوفود استثمارية، وكثافة في المؤتمرات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم، مقابل واقع داخلي ما زال عاجزاً عن تحويل هذه الحركة إلى إعادة إعمار فعلية.
ومع ذلك، لا تخلو المرحلة من إشارات متقطعة إلى عودة الاهتمام بسوريا، وإن كانت دائماً مدفوعة بحسابات سياسية من قبل الوفود الاستثمارية وليس انجذاباً لفرص اقتصادية بالدرجة الأولى. فقد شهدت دمشق خلال الأشهر الماضية منتديات استثمارية عربية وخليجية، وأُعلنت مشاريع واتفاقيات في قطاعات العقارات، والطاقة، والبنية التحتية، والنقل، والسياحة، والخدمات اللوجستية.
تبرز أهمية النظر إلى خريطة الاستثمار قبل النظر إلى أرقامه. واكتسبت تصريحات رئيس شركة إعمار العقارية الإماراتية، محمد العبار، في منتدى الاستثمار السوري – الإماراتي دلالتها الأوسع؛ إذ فتحت سؤالاً أكبر عن الاتجاه الذي تسلكه الاستثمارات القادمة إلى سوريا: هل ستكون مدخلاً لإعادة بناء البلاد على نحو أكثر توازناً، أم ستعيد إنتاج التفاوت الجغرافي والتنموي تحت عنوان الإعمار؟
فقد تحدّث مؤسس «إعمار» عن مشاريع قيد الدراسة في دمشق ومحيطها بقيمة قد تصل إلى 11 أو 12 مليار دولار، وعن حزمة أخرى في الساحل السوري قد تتراوح بين 5 و7 مليارات دولار، في وقت احتفى فيه الخطاب الرسمي بهذه الأرقام بوصفها دليلاً على عودة الثقة بسوريا.
في الظاهر، تبدو هذه الأرقام خبراً جيداً لسوريا. إذ إن بلداً مدمّراً، خرج من سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والانكماش، يحتاج إلى كل دولار يدخل اقتصاده، وإلى كل شركة قادرة على تشغيل اليد العاملة، وتحريك سوق العقار، وإنعاش السياحة، وإعادة بناء جزء من الثقة الخارجية. ولا يمكن التقليل من أهمية أن تعود شركات ورجال أعمال من وزن العبار إلى التفكير في السوق السورية، أو أن تتحول دمشق مجدداً إلى محطة لمنتديات استثمارية خليجية وعربية.
لكن السؤال الحقيقي يكمن حول خريطة الاستثمار، التي يبدو أنها – بحكم الأمر الواقع – بديل عن إعادة الإعمار. فحين تُطرَح الحزمة الكبرى في دمشق، ثم تُضاف إليها حزمة ثانية في الساحل السوري، فإننا أمام مؤشّر على نمط تفكير اقتصادي قديم بثوب جديد: المركز أولاً، والواجهة ثانياً، أما الأطراف والمناطق الأكثر تضرراً والأشد فقراً فتبقى في موقع الانتظار.
لا تكمن المشكلة في الاستثمار داخل دمشق. العاصمة، بطبيعتها، مركز سياسي وإداري وتجاري، وأي عملية نهوض اقتصادي ستحتاج إلى إعادة تشغيلها. ولا يكمن الخلل أيضاً في الاستثمار في الساحل، حيث توجد إمكانات سياحية وعقارية وخدمية يمكن أن تجذب رأس المال وتفتح فرص عمل. تبدأ المشكلة عندما تتحول دمشق إلى بوابة شبه وحيدة لرؤية سوريا، وعندما يصبح الاستثمار مرآة لرغبات المستثمرين وحدهم، لا لأولويات المجتمع ولا لضرورات إعادة الإعمار العادل.
هل ستُبنى البلاد وفق منطق الإنصاف الوطني، أم وفق منطق المناطق القابلة للتسويق؟ هل ستكون إعادة الإعمار مشروعاً لإعادة وصل الجغرافيا السورية ببعضها اقتصادياً، أم مشروعاً لإنتاج جزر عمرانية جميلة داخل بلد واسع من الخراب والفقر والبطالة والنزوح؟
ما يجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً أن المنتديات الاستثمارية لم تأتِ معزولة عن سياق سابق. ففي يوليو 2025، استضافت دمشق المنتدى السوري – السعودي، وأُعلن خلاله عن 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تقارب 24 مليار ريال سعودي، أي أكثر من 6 مليارات دولار. وقد قُدّمت هذه الاتفاقيات أيضاً بوصفها علامة على عودة سوريا إلى محيطها الاقتصادي، وبداية مرحلة جديدة من جذب الاستثمارات الخليجية.
غير أن تكرار المشهد في دمشق يطرح سؤالاً سياسياً واقتصادياً في آن واحد: لماذا تبدو العاصمة دائماً مسرح الإعلان الأول، ومركز التعاقد الأول، وواجهة الاستثمار الأولى؟ ولماذا لا تظهر المحافظات المنكوبة بالقدر نفسه في قلب الخطاب الاستثماري؟
إن سوريا التي تحتاج إلى الاستثمار ليست دمشق وحدها، ولا الساحل وحده. هناك ريف دمشق، والمحافظات الشمالية والشرقية، الحسكة والرقة وديرالزور حيث الثروات الزراعية والنفطية والمائية، وحيث تراكمت سنوات من التهميش والحرب والدمار. وهناك مدن منكوبة خلال سنوات الحرب مثل كوباني رمز الانتصار على داعش، وهناك مدن كبرى مثل حلب، بما تمثله من ثقل صناعي وتجاري وتاريخي. وهناك حمص، بوصفها عقدة وسطى بين الشمال والجنوب والشرق والساحل. وهناك الأرياف الواسعة التي لا يمكن أن تُترك خارج معادلة النهوض. وإذا كان يُراد من عملية إعادة الإعمار أن تكون وطنية فعلاً، فلا يجوز أن تُختزل في أبراج وفنادق ومجمعات داخل المركز أو على الشاطئ.
هنا يجب التمييز بين الاستثمار بوصفه نشاطاً خاصاً، والاستثمار بوصفه سياسة عامة. من حق المستثمر أن يبحث عن الربح، وعن الأرض الأكثر أمناً، وعن السوق الأكثر قدرة على الدفع، وعن الموقع الأسرع تسويقاً. لكن واجب “الدولة” مختلف تماماً. الدولة لا ينبغي أن تكتفي بتلقي عروض المستثمرين والاحتفاء بها، بل عليها أن تضع خريطة وطنية تحدد أين يجب أن يذهب الاستثمار، وما القطاعات التي ينبغي أن يكون لها الأولوية، وكيف يمكن تحويل رأس المال من أداة لتجميل المركز إلى وسيلة لإعادة التوازن بين المناطق.
كان يمكن للقائمين على إدارة سوريا تقديم خريطة وطنية أكثر توازناً للمستثمرين، لا تبدأ من المواقع الأكثر جاذبية للعائد السريع وحدها، وإنما من مناطق الحاجة الأشد أيضاً: حلب باعتبارها رافعة صناعية، وحمص بوصفها عقدة وصل وإنتاج، والشرق السوري بما يملكه من موارد زراعية ونفطية، والجنوب بوصفه منطقة حدودية تحتاج إلى تثبيت اقتصادي واجتماعي. عندها فقط يتحول الاستثمار إلى أداة لإعادة وصل البلاد ببعضها، وتخفيف الفوارق التي راكمتها الحرب وما قبل الحرب من سياسات تمييز موجهة ضد الكرد قومياً، وضد المنطقة الشرقية تنموياً.
من دون هذه الخريطة، يصبح الاستثمار قادراً على تكريس التفاوت بدل معالجته. فالمناطق التي تملك بنية تحتية أفضل ستجذب استثمارات أكثر، والمناطق التي تحظى بحضور سياسي وأمني أقوى ستنال فرصاً أكبر، والمناطق القابلة للتسويق السياحي والعقاري ستبدو أكثر جاذبية من مناطق الزراعة والصناعة والعودة السكانية. وهكذا، بدلاً من أن تكون الاستثمارات جسراً بين السوريين، قد تتحول إلى آلية جديدة لفرزهم جغرافياً: مناطق رابحة تدخل زمن المشاريع، ومناطق خاسرة تعود إلى التهميش باعتبار أن السلطة الحالية امتداد لمركزية وطريقة حكم غير جديدة عبر تاريخ سوريا.
للتأكيد مرة أخرى، هذا لا يعني أن كل مشروع في دمشق أو الساحل هو مشروع خاطئ. مثل هذا التبسيط يضعف فرضية أن السلطة تؤسس لتفاوت جديد جغرافي، ربما لأن تنمية سوريا كاملة (على الأقل نظرياً) عبء على رصيدهم وعلاقاتهم الخارجية. فالاستثمار في العاصمة قد يكون ضرورياً لإعادة تشغيل الإدارة والسوق والخدمات. والاستثمار في الساحل قد يخلق وظائف ويعيد تنشيط السياحة ويستقطب العملة الصعبة. لكن المشكلة في غياب التوازن، وفي غياب السؤال العلني عن حصة باقي الجغرافيا السورية. ما الذي سيذهب إلى حلب؟ ما الذي سيذهب إلى الشرق؟ ما الذي سيذهب إلى الأرياف؟ ما نصيب المناطق التي دفعت أثماناً مضاعفة من الحرب؟ وما نصيب القطاعات الإنتاجية، لا العقارية وحدها؟ فالمشاريع العقارية والسياحية، مهما كانت ضخمة، لا تصنع وحدها تعافياً وطنياً. قد ترفع قيمة الأراضي، وتخلق فرص عمل مؤقتة، وتمنح الدولة صوراً براقة عن الأبراج والمجمعات والفنادق (هذا إذا حدثت)، لكنها لا تعالج بالضرورة جذور الانهيار: البطالة، ضعف الإنتاج، تهالك الزراعة، تدمير الصناعة، تراجع التعليم، وانهيار الخدمات الأساسية. لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند عدد المليارات التي ستدخل إلى سوريا، بل يجب أن يمتدّ إلى سؤال أكثر جوهرية: هل ستستفيد سوريا من هذه المليارات (إن دخلت)؟
كان الأجدر بالقائمين على ملف الاستثمار، عرض خريطة مختلفة. فالدولة التي تخرج من حرب لا تحتاج إلى مستثمرين كبار وحدهم، بل تحتاج إلى عدالة في توزيع الفرص. وتحتاج، قبل ذلك، إلى رؤية تقول إن إعادة الإعمار اختبار لبناء الثقة بين المركز والأطراف.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن تبدأ الاستثمارات من دمشق، فهيب العاصمة والمركز، وإنما في أن تتحول هذه البداية إلى سياسة دائمة تجعل رأس المال يرى فقط “سوريا الصغرى” وهي – للمصادفة – تطابق خريطة ما كان يطلق عليه النظام المخلوع “سوريا المفيدة”.





