د. مسلم عبد طالاس
مقدمة
تحتل مسألة “وحدة الصف الكردي” في سوريا موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي الكردي، إلى درجة أنها تكاد تتحول إلى إطار تفسيري شامل تقاس من خلاله أسباب القوة والضعف، النجاح والفشل، وحتى شرعية الفاعلين السياسيين أنفسهم. فالوحدة لا تطرح فقط بوصفها هدفاً سياسياً، بل باعتبارها الشرط المسبق لأي فعل سياسي فعال، والحل الطبيعي لحالة التشتت والانقسام التي تطبع المجال السياسي الكردي منذ سنوات. ولهذا السبب، تتكرر الدعوات إليها بصورة دورية، خصوصاً في اللحظات السياسية الرمزية أو الأزماتية، حيث تستعاد بوصفها ضرورة وطنية وأخلاقية في آن واحد.
غير أن اللافت في هذا الخطاب ليس حضوره الكثيف، بل التناقض المستمر بين كثافة الدعوة إلى الوحدة، واستمرار التشتت بوصفه الواقع السياسي الفعلي. فعلى الرغم من تعدد المبادرات والاتفاقات والاجتماعات التي رفعت تحت عنوان “وحدة الصف”، بقي الانقسام قائماً، بل بدا في كثير من الأحيان أكثر رسوخاً واستقراراً. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: لماذا يستمر خطاب الوحدة بهذه القوة، رغم تكرار فشله في إنتاج نتائج سياسية ملموسة؟
في العادة، يجري تفسير هذا الفشل عبر مقاربات أخلاقية أو إرادوية، ترجع المشكلة إلى غياب الإرادة السياسية، أو ضعف الثقة، أو تغليب المصالح الحزبية الضيقة على “المصلحة القومية”. لكن هذا النوع من التفسير، رغم انتشاره، يفترض ضمنياً أن الوحدة هي الحالة الطبيعية، وأن الفشل في تحقيقها يمثل انحرافاً مؤقتاً أو خللاً سلوكياً يمكن تجاوزه بمزيد من الدعوات أو الضغوط الأخلاقية. غير أن تكرار الفشل عبر الزمن، وفي سياقات سياسية مختلفة، يدفع إلى التشكيك في هذا الافتراض نفسه، لا في نتائجه فقط.
إن التشتت السياسي الكردي ليس مجرد نتيجة لغياب الوحدة، بل قد يكون تعبيراً عن بنية سياسية تجعل الوحدة نفسها صعبة التحقيق ضمن الشروط القائمة. ومن هذا المنطلق، لا يعود السؤال الأساسي هو: لماذا لا تتحقق الوحدة؟ بل ما الذي يجعل التشتت قابلاً للاستمرار، رغم إدراك الجميع لمشكلته؟
تكمن أهمية هذا التحول في أنه ينقل النقاش من مستوى التمني السياسي إلى مستوى التحليل السببي. فبدل النظر إلى التشتت بوصفه خللاً أخلاقياً أو عارضاً سياسياً، يصبح من الضروري فهمه بوصفه نمطاً من التفاعل تحكمه بنية معقدة من الحوافز والقيود، حيث لا يتصرف الفاعلون وفق ما هو “صحيح جماعياً”، بل وفق ما يبدو أكثر أماناً واستقراراً من منظورهم الفردي، خاصة في ظل غياب مؤسسات قادرة على فرض الالتزام، وانعدام الثقة المتبادلة، واستمرار تأثير العوامل الخارجية.
ويستند هذا الطرح إلى قراءة تحليلية لمجموعة من المقالات السياسية (الخطاب النخبوي) التي نشرت على المواقع الكردية والتفاعلات على الفيسبوك (الخطاب التفاعلي) التي نشرت بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمؤتمر “وحدة الصف الكردي” في 26 و27 و28 نيسان 2026، حيث كشفت هذه المادة عن تكرار لافت لأنماط تفسيرية متشابهة، سواء في الخطاب النخبوي أو في الخطاب التفاعلي. فمن جهة، استمرت قطاعات من الخطاب السياسي في التعامل مع الوحدة بوصفها حلاً بديهياً وممكناً بذاته، بينما أظهرت قطاعات أخرى—خصوصاً في النقاشات التفاعلية—ميلاً متزايداً نحو التشكيك في واقعية هذا الافتراض، والدعوة إلى مقاربات أكثر براغماتية تقوم على إدارة التشتت بدل افتراض إمكانية تجاوزه المباشر.
وبناء على ذلك، المشكلة لا تكمن فقط في غياب الوحدة، بل في الاستمرار في إنتاجها بوصفها حلاً جاهزاً، دون مساءلة الشروط البنيوية والمؤسسية التي تجعلها ممكنة أو مستحيلة. بل إن الإصرار على هذا الخطاب، في ظل غياب أدوات تحقيقه، قد يتحول تدريجياً إلى آلية لإعادة إنتاج الإحباط السياسي، عبر توسيع الفجوة بين الخطاب والواقع.
ومن هنا، فإن الهدف ليس نقد فكرة الوحدة بحد ذاتها، بل إعادة التفكير في الطريقة التي تطرح بها المشكلة أصلاً: هل المطلوب فعلاً هو “إنهاء التشتت” فوراً، أم فهم الكيفية التي يعاد بها إنتاجه، والعمل على تقليل كلفته وبناء شروط تجاوزه تدريجياً؟
لماذا تستمر الدعوة إلى الوحدة رغم فشلها؟
إذا كانت دعوات “وحدة الصف الكردي” تتكرر منذ سنوات دون أن تؤدي إلى إعادة تشكيل فعلية للمجال السياسي الكردي، فإن السؤال لا يعود متعلقاً فقط بسبب فشل الوحدة، بل أيضاً بسبب استمرار الدعوة إليها بنفس القوة واللغة تقريباً. فالمثير هنا ليس غياب النتائج، بل قدرة الخطاب الوحدوي على إعادة إنتاج نفسه باستمرار، رغم التراكم المتزايد للإخفاقات.
في الظاهر، يبدو الأمر طبيعياً: بما أن التشتت ينظر إليه بوصفه مصدراً للضعف السياسي، فإن الدعوة إلى الوحدة تصبح استجابة منطقية له. لكن هذا التفسير يبقى جزئياً، لأنه لا يفسر لماذا تستمر نفس المقاربة الخطابية حتى عندما تظهر التجربة محدودية قدرتها على التغيير. فلو كانت المشكلة تتعلق فقط بضعف التنفيذ، لكان من المتوقع أن يتطور الخطاب نفسه، أو أن يعاد النظر في افتراضاته الأساسية. غير أن ما يحدث غالباً هو العكس: كلما فشلت مبادرة، جرى إنتاج دعوة جديدة بالشروط واللغة نفسيهما تقريباً.
تكشف القراءة التحليلية للمقالات التي نشرت بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمؤتمر 26 نيسان أن “الوحدة” لا تستخدم فقط بوصفها هدفاً سياسياً، بل بوصفها إطاراً رمزياً يمنح الفاعلين شرعية أخلاقية وسياسية. فتبني خطاب الوحدة يضع الفاعل في موقع الدفاع عن “المصلحة العامة”، حتى في ظل غياب نتائج ملموسة. وبهذا المعنى، تصبح الدعوة إلى الوحدة جزءاً من اللغة السياسية الضرورية للحفاظ على الشرعية، بغض النظر عن إمكانية تحقيقها فعلياً.
هذا لا يعني أن الدعوات غير صادقة بالضرورة، بل يعني أن الخطاب يؤدي وظيفة تتجاوز النوايا الذاتية للفاعلين. ففي البيئات السياسية الهشة، حيث يصعب إنتاج إنجازات مؤسساتية مستقرة، يتحول الخطاب ذاته إلى مورد سياسي. أي أن الفاعل قد يعجز عن تحقيق الوحدة، لكنه يستطيع الاستمرار في تمثيل نفسه بوصفه داعياً إليها، وهو ما يسمح بالحفاظ على موقعه الرمزي داخل المجال السياسي.
هنا تظهر نقطة مهمة: الخطاب الوحدوي لا يستمر رغم فشله فقط، بل أحياناً بسبب هذا الفشل نفسه. فكل تعثر جديد يعيد إنتاج الحاجة إلى خطاب جديد، وكل أزمة جديدة تستخدم بوصفها دليلاً إضافياً على “ضرورة الوحدة”. وهكذا، يتحول الفشل من عامل يضعف الخطاب إلى عنصر يعيد تنشيطه. وفي هذه الحلقة، تصبح الدعوة إلى الوحدة أقل ارتباطاً بتحقيق هدف سياسي محدد، وأكثر ارتباطاً بإدارة الأزمة الخطابية الناتجة عن استمرار التشتت.
ويبدو هذا واضحاً بشكل خاص عند مقارنة الخطاب النخبوي بالخطاب التفاعلي. ففي حين تميل المقالات السياسية إلى إعادة إنتاج اللغة التقليدية حول “ضرورة الوحدة” و”المصلحة القومية”، تكشف التعليقات التفاعلية عن مستوى أعلى من الشك تجاه هذه الصيغة. إذ لم يعد النقد موجهاً فقط إلى فشل الأطراف السياسية، بل إلى الافتراض ذاته الذي يعامل الوحدة كحل بديهي يمكن تحقيقه بمجرد الدعوة إليه.
وقد ظهر في عدد من التعليقات نوع من التحول من التفكير المعياري إلى التفكير البراغماتي، حيث جرى التشكيك في إمكانية “وحدة الصف” أصلاً، مقابل الدعوة إلى أشكال أكثر محدودية وواقعية من التنسيق أو إدارة الخلاف. وهذا التحول مهم، لأنه يشير إلى أن جزءاً من الخطاب التفاعلي بدأ يبتعد عن منطق “الوحدة كحل شامل”، ويتجه نحو التفكير في كيفية التعامل مع التشتت بدل الاكتفاء بإدانته.
مع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي السائد يتعامل مع الوحدة بوصفها حالة يمكن الوصول إليها عبر الإرادة أو النوايا، لا بوصفها نتيجة لشروط سياسية ومؤسساتية معقدة. وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: فحين تطرح الوحدة كقيمة أخلاقية أكثر من كونها عملية سياسية، يصبح من السهل إعادة إنتاج الدعوة إليها، لكن من الصعب تحويلها إلى واقع.
إن استمرار هذا النمط من الخطاب لا يعكس فقط قوة فكرة الوحدة داخل المخيال السياسي الكردي، بل يكشف أيضاً حدود القدرة على تخيل بدائل أخرى. فالوحدة لا تقدم بوصفها أحد الخيارات الممكنة، بل باعتبارها الخيار الوحيد المشروع، ما يجعل أي محاولة لإعادة تعريف المشكلة تبدو وكأنها تراجع أو تبرير للتشتت، حتى عندما تنطلق من قراءة أكثر واقعية للشروط القائمة.
ومن هنا، فإن السؤال لا يصبح فقط: لماذا تفشل الوحدة؟ بل أيضاً: لماذا يصعب التفكير سياسياً خارج إطارها، حتى بعد كل هذا التراكم من الإخفاقات؟
من التفسير الأخلاقي إلى التفسير البنيوي
يميل جزء كبير من الخطاب السياسي الكردي إلى تفسير التشتت من خلال مفردات أخلاقية وإرادوية: غياب النية الصادقة، ضعف الشعور القومي، تغليب المصالح الحزبية، أو انعدام المسؤولية التاريخية. وضمن هذا التصور، تبدو الوحدة ممكنة من حيث المبدأ، لكن ما يمنعها هو فشل الفاعلين في الارتقاء إلى مستوى “المصلحة العليا”. ولهذا، تتكرر الدعوات التي تحث الأطراف السياسية على “تقديم التنازلات”، أو “تغليب المصلحة القومية”، كما لو أن المشكلة تكمن أساساً في الوعي أو الإرادة.
غير أن هذا النوع من التفسير، رغم جاذبيته الأخلاقية، يعاني من محدودية تفسيرية واضحة. فهو يفسر الفشل من خلال النقص الأخلاقي للفاعلين، لكنه لا يفسر لماذا يتكرر هذا الفشل بشكل منتظم، ولماذا تعجز الدعوات ذاتها عن تغيير السلوك السياسي رغم تكرارها لعقود. فحين يتحول الفشل إلى نمط مستمر، يصبح من الصعب التعامل معه بوصفه مجرد خلل أخلاقي أو سوء نية فردي.
تكمن المشكلة الأساسية في أن التفسير الإرادوي يفترض ضمنياً أن الفاعلين أحرار بالكامل في اتخاذ قراراتهم، وأن الوحدة تعتمد أساساً على رغبتهم في تحقيقها. لكن السياسة، خصوصاً في البيئات الهشة والمتشظية، لا تدار فقط عبر الإرادة، بل ضمن بنية من القيود والحوافز التي تحدد ما هو ممكن وما هو مكلف. وضمن هذه البنية، قد يصبح السلوك الذي يبدو “غير وطني” أو “غير عقلاني جماعياً” مفهوماً، بل وحتى متوقعاً، من منظور الفاعل نفسه.
هنا يصبح من الضروري الانتقال من سؤال: “لماذا لا يريدون الوحدة؟” إلى سؤال مختلف تماماً: ما الذي يجعل الالتزام بالوحدة مكلفاً أو محفوفاً بالمخاطر؟ هذا التحول ليس تفصيلاً نظرياً، بل تغيير جذري في طريقة فهم المشكلة. لأنه ينقل التحليل من مستوى النوايا إلى مستوى الشروط التي تنتج السلوك السياسي.
تكشف المادة التحليلية المرتبطة بذكرى مؤتمر 26 نيسان أن جزءاً مهماً من النقاشات، خصوصاً التفاعلية منها، بدأ يتحرك ضمن هذا الاتجاه. فبدل التركيز فقط على “فشل القيادات” ظهرت قراءات تربط استمرار التشتت بطبيعة البيئة السياسية نفسها: غياب مؤسسات قادرة على تنظيم الخلاف، هشاشة الاتفاقات، تضارب المصالح، وتأثير العلاقات الخارجية على حسابات الفاعلين المحليين. وهذا التحول مهم لأنه يشير إلى بداية انتقال من التفسير الأخلاقي إلى التفسير البنيوي.
لا يعني ذلك أن العامل الأخلاقي أو الإرادي غير موجود، بل يعني أنه غير كاف لتفسير الظاهرة. فالفاعلون السياسيون لا يتحركون فقط وفق قناعاتهم، بل وفق تقديرات تتعلق بالمخاطر والضمانات والنتائج المحتملة. وإذا كانت البيئة السياسية تجعل الالتزام مكلفاً، أو تجعل عدم الالتزام بلا ثمن حقيقي، فإن الدعوة الأخلاقية وحدها تصبح محدودة التأثير.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: كلما جرى اختزال المشكلة في “ضعف الإرادة”، أصبح من الأسهل إعادة إنتاج الخطاب نفسه، لكن من الأصعب فهم أسباب استمرار الأزمة. لأن هذا التفسير يعيد النقاش دائماً إلى مستوى النوايا، بدل تحليل البنية التي تجعل هذه النوايا عاجزة عن التحول إلى ترتيبات مستقرة.
الأخطر من ذلك أن المقاربة الأخلاقية قد تؤدي، بشكل غير مباشر، إلى تعميق الإحباط السياسي. فهي تخلق توقعاً ضمنياً بأن الحل ممكن بمجرد توفر “الإخلاص” أو “الوعي”، ثم تعجز عن تفسير سبب استمرار الفشل عندما لا يتحقق ذلك. ومع تكرار هذه الدورة، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، ويتحول الحديث عن الوحدة تدريجياً من أفق سياسي إلى صيغة خطابية مكررة.
لهذا، فإن إعادة التفكير في التشتت لا تبدأ من مساءلة نوايا الفاعلين فقط، بل من فهم البيئة التي تجعل سلوكهم الحالي قابلاً للاستمرار. فالمشكلة ليست في غياب الدعوة إلى الوحدة، بل في أن هذه الدعوة تطرح غالباً بمعزل عن الشروط البنيوية والمؤسساتية التي تجعلها ممكنة أو مستحيلة.
لماذا لا يحدث التعاون؟ منطق الفعل الجماعي وحدود الثقة
إذا كانت المشكلة لا تكمن فقط في غياب الإرادة، بل في بنية سياسية تجعل الالتزام مكلفاً، فإن السؤال التالي يصبح أكثر تعقيداً: لماذا يفشل الفاعلون في التعاون حتى عندما يدركون أن التعاون يصب في مصلحتهم الجماعية؟ فمعظم الأطراف السياسية الكردية، على اختلاف توجهاتها، تدرك أن استمرار الانقسام يضعف القدرة التفاوضية ويقلل من الفاعلية السياسية. ومع ذلك، يستمر التشتت بوصفه النمط السائد. وهذا يعني أن إدراك المشكلة لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك.
لفهم هذه المفارقة، لا يكفي تحليل الخطاب السياسي أو النوايا المعلنة، بل لا بد من الانتقال إلى مستوى أعمق يتعلق بمنطق اتخاذ القرار نفسه. هنا تصبح نظريات الفعل الجماعي مفيدة، لأنها تنطلق من فكرة أساسية: إن وجود مصلحة مشتركة لا يعني تلقائياً وجود تعاون جماعي (Olson, 1965) . فالفاعلون السياسيون لا يتصرفون عادة وفق ما هو “أفضل للجميع”، بل وفق ما يبدو أقل كلفة وأكثر أماناً بالنسبة لهم في ضوء سلوك الآخرين.
في هذا السياق، لا يعود السؤال الأساسي لكل طرف: “هل الوحدة مفيدة؟”، بل: “ما الذي سأخسره إذا التزمت بينما لم يلتزم الآخرون؟”. وهذا السؤال جوهري، لأنه يكشف أن المشكلة ليست في رفض التعاون من حيث المبدأ، بل في المخاطرة المرتبطة به. فالتعاون، بخلاف ما يفترضه الخطاب المعياري، ليس مجرد اتفاق على هدف مشترك، بل علاقة تقوم على توقع متبادل بأن الأطراف الأخرى ستلتزم أيضاً.
وهنا تظهر الثقة بوصفها عنصراً سياسياً لا أخلاقياً فقط. ففي البيئات التي تفتقر إلى مؤسسات ضامنة، تصبح الثقة شرطاً للتعاون، لكنها في الوقت نفسه تكون ضعيفة أو غائبة نتيجة تراكم التجارب السابقة من التعثر أو عدم الالتزام. وهذا ما يخلق حلقة معقدة: لا يمكن بناء التعاون دون ثقة، ولا يمكن بناء الثقة دون تجارب تعاون ناجحة.
يمكن فهم هذه الحالة بشكل أوضح من خلال نموذج “معضلة السجين”[1]، الذي يوضح كيف يمكن أن يقود السلوك العقلاني فردياً إلى نتيجة جماعية سيئة (Axelrod, 1984) . ففي هذا النموذج، يدرك الطرفان أن التعاون سيحقق نتيجة أفضل للجميع، لكن كل طرف يخشى أن يلتزم وحده بينما يستفيد الآخر من هذا الالتزام دون أن يقدم تنازلاً مماثلاً. وفي ظل غياب ضمانات حقيقية، يصبح الخيار الأكثر أماناً هو تجنب الالتزام أصلاً.
تكشف النقاشات المرتبطة بذكرى مؤتمر 26 نيسان حضور هذا المنطق بشكل واضح، حتى عندما لا يصاغ بلغة نظرية. ففي كثير من التعليقات والتفاعلات، لم يكن التشكيك موجهاً إلى فكرة الوحدة نفسها، بل إلى إمكانية التزام الأطراف بها. إذ تكرر الحديث عن أن كل طرف “يريد الوحدة بشروطه”، أو أن الدعوات تبقى شكلية لأنها لا تترافق مع استعداد فعلي للتنازل أو الالتزام المتبادل. وهذا يعكس إدراكاً ضمنياً لمشكلة الضمانات أكثر من كونه مجرد اتهام أخلاقي للفاعلين.
إلى جانب ذلك، فإن كلفة التعاون في هذا السياق ليست رمزية. فالدخول في ترتيبات مشتركة قد يعني إعادة توزيع للنفوذ، أو التخلي عن جزء من الاستقلالية التنظيمية، أو القبول بتمثيل سياسي مشترك. وهذه كلها خطوات تنطوي على مخاطر، خاصة عندما لا توجد مؤسسات قادرة على ضمان استمرارية الاتفاق أو معاقبة من ينسحب منه. وبالتالي، يصبح الامتناع عن الالتزام خياراً أقل كلفة من المغامرة بتعاون غير مضمون.
من هنا، لا يبدو التشتت مجرد نتيجة لفشل عابر في التنسيق، بل نتيجة منطقية لتفاعل بين انعدام الثقة، وارتفاع كلفة الالتزام، وغياب الضمانات المؤسسية. وفي مثل هذه البيئة، يصبح عدم التعاون ليس سلوكاً شاذاً، بل سلوكاً متوقعاً، وربما عقلانياً من منظور الفاعلين أنفسهم.
وهذا يقود إلى نتيجة أساسية: إن الدعوة إلى الوحدة، مهما كانت صادقة أو متكررة، تبقى محدودة التأثير إذا لم تعالج الشروط التي تجعل التعاون ممكناً وآمناً. فالمشكلة ليست في نقص الدعوة، بل في بنية تجعل الاستجابة لها محفوفة بالمخاطر، وتجعل الامتناع عن الالتزام أكثر استقراراً من الالتزام نفسه.
كيف يعاد إنتاج التشتت؟ الحوافز والمؤسسات والتوازن المستقر
إذا كان غياب الثقة وارتفاع كلفة الالتزام يفسران لماذا لا يحدث التعاون بسهولة، فإن ذلك لا يفسر بالكامل لماذا يستمر التشتت بوصفه نمطاً مستقراً عبر الزمن. فالكثير من الأزمات السياسية تنشأ نتيجة انعدام الثقة، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى حالة دائمة. أما في الحالة الكردية السورية، فإن التشتت لا يظهر كتعثر مؤقت، بل كترتيب سياسي يعاد إنتاجه باستمرار، حتى بعد المبادرات والاتفاقات المتكررة. وهذا يعني أن هناك عوامل أعمق تجعل استمرار الانقسام أكثر قابلية للاستقرار من تجاوزه.
لفهم ذلك، لا بد من الانتقال من تحليل سلوك الفاعلين إلى تحليل البيئة التي يعملون ضمنها، أي إلى بنية الحوافز والمؤسسات التي تحدد ما الذي يكافأ وما الذي يعاقب. فالسلوك السياسي لا ينتج فقط عن القناعات أو الحسابات الفردية، بل أيضاً عن طبيعة النظام غير الرسمي الذي ينظم التفاعل بين الفاعلين. وفي البيئات التي تغيب فيها المؤسسات القادرة على فرض قواعد مستقرة، لا تختفي السياسة، بل تعاد صياغتها عبر ترتيبات غير رسمية تقوم على موازين القوة والمرونة والمناورة.
ضمن هذا السياق، قد يصبح التشتت أكثر “فائدة” لبعض الفاعلين من الدخول في ترتيبات وحدوية مستقرة. فالوحدة، رغم رمزيتها العالية، تعني عملياً إعادة توزيع للسلطة، وتقليصاً لهوامش الحركة، والتزاماً بقرارات جماعية قد لا تتوافق دائماً مع حسابات كل طرف. أما التشتت، فيمنح الفاعلين قدرة أكبر على الحفاظ على استقلاليتهم التنظيمية، وإدارة تحالفاتهم بصورة أكثر مرونة، والتفاوض مع أطراف متعددة وفق أولوياتهم الخاصة.
وقد ظهرت هذه الفكرة بصورة غير مباشرة في عدد من المقالات والتفاعلات المرتبطة بذكرى مؤتمر 26 نيسان، حيث جرى التعامل مع استمرار الانقسام ليس فقط بوصفه نتيجة فشل سياسي، بل أيضا بوصفه انعكاساً لبنية مصالح تسمح لكل طرف بالحفاظ على موقعه التنظيمي والسياسي. وهذا التحول في القراءة مهم، لأنه ينقل التشتت من كونه “خللاً” إلى كونه جزءاً من توازن سياسي قائم، حتى لو كان هذا التوازن هشاً أو مكلفاً جماعياً.
إلى جانب ذلك، تلعب العوامل الخارجية دوراً مركزياً في إعادة إنتاج هذا التوازن. ففي البيئات السياسية المتشابكة، لا يتحرك الفاعلون ضمن مجال داخلي خالص، بل ضمن شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية التي تؤثر في حساباتهم. وفي كثير من الأحيان، تصبح الاستقلالية التنظيمية مصدراً للقوة، لأنها تسمح لكل طرف بالحفاظ على قنواته الخاصة مع الجهات الداعمة، أو بإدارة علاقاته الخارجية بصورة مستقلة عن الأطراف الأخرى.
وهنا يظهر البعد المؤسسي للمشكلة بشكل أوضح. فالمؤسسات، في معناها السياسي، ليست مجرد هياكل تنظيمية، بل قواعد تنظم التفاعل وتقلل من عدم اليقين (North, 1990) . وعندما تكون هذه المؤسسات ضعيفة أو غائبة، يصبح الالتزام السياسي هشاً بطبيعته، لأن الفاعلين لا يملكون ضمانات كافية بأن الآخرين سيلتزمون أيضاً. في هذه الحالة، لا ينظر إلى الاتفاقات بوصفها ترتيبات مستقرة، بل بوصفها تفاهمات مؤقتة يمكن التراجع عنها عندما تتغير الحسابات أو موازين القوى.
الأهم من ذلك أن البيئة الحالية لا تفرض كلفة حقيقية على عدم الالتزام. فالاتفاقات قد توقّع ثم تهمل دون أن يترتب على ذلك ثمن سياسي واضح، سواء على مستوى الشرعية أو الموقع السياسي. وعندما لا تكون هناك تكلفة للانسحاب أو التعطيل، يصبح الالتزام خياراً طوعياً لا يمكن ضمان استمراريته. وهذا ما يفسر لماذا تتحول كثير من المبادرات إلى اتفاقات رمزية أكثر منها ترتيبات قابلة للحياة.
بهذا المعنى، لا يكون التشتت مجرد نتيجة لغياب الوحدة، بل نتيجة لبنية تنتج نوعاً من “التوازن المستقر” القائم على الانقسام. قد لا يكون هذا التوازن مثالياً لأي طرف، لكنه يوفر لكل فاعل حداً أدنى من الأمان السياسي والاستقلالية، وهو ما يجعله قابلاً للاستمرار رغم كلفته الجماعية المرتفعة.
ومن هنا، فإن أي محاولة جادة لتجاوز التشتت لا يمكن أن تقتصر على الدعوة الأخلاقية أو الضغط الخطابي، بل تتطلب تغييراً في بنية الحوافز نفسها. أي بناء بيئة يصبح فيها التعاون أقل كلفة، والالتزام أكثر أماناً، وعدم الالتزام أكثر تكلفة سياسياً. فالمشكلة ليست فقط أن الفاعلين لا يتوحدون، بل إن البيئة السياسية الحالية لا تمنحهم أسباباً كافية تجعل الوحدة خياراً أكثر عقلانية من استمرار التشتت.
عندما يصبح الخطاب جزءاً من المشكلة: الفجوة بين اللغة والواقع
إذا كان التشتت يعاد إنتاجه عبر بنية من الحوافز والمؤسسات الهشة، فإن استمرار الخطاب الوحدوي بهذه الكثافة يطرح سؤالاً إضافياً: ما الذي يفعله هذا الخطاب فعلياً داخل المجال السياسي؟ وهل يبقى مجرد تعبير عن الرغبة في تجاوز الانقسام، أم يتحول—بمرور الوقت—إلى جزء من الآلية التي تسمح باستمراره؟
في العادة، ينظر إلى الخطاب السياسي بوصفه انعكاساً للواقع أو وسيلة للتأثير فيه. لكن الخطاب، خصوصاً في البيئات السياسية الهشة، يؤدي وظيفة أعمق: فهو لا يصف الواقع فقط، بل يعيد تنظيمه رمزياً، من خلال تحديد ما يعتبر ممكناً أو مشروعاً أو أخلاقياً (Fairclough, 1995) . من هذا المنطلق، لا يمكن فهم التكرار المستمر للدعوة إلى “وحدة الصف” بوصفه مجرد تكرار لغوي، بل بوصفه جزءاً من البنية السياسية نفسها.
تكشف المقالات والنقاشات المرتبطة بذكرى مؤتمر 26 نيسان أن “الوحدة” لا تطرح فقط كهدف سياسي، بل كقيمة معيارية يصعب معارضتها علناً. فتبني خطاب الوحدة يمنح الفاعلين شرعية أخلاقية، لأنه يضعهم في موقع الدفاع عن “المصلحة العامة” و”القضية القومية”، بغض النظر عن قدرتهم الفعلية على تحويل هذه الدعوات إلى ترتيبات سياسية مستقرة. وبهذا المعنى، يتحول الخطاب إلى مورد رمزي يسمح بإنتاج الشرعية حتى في غياب الإنجاز السياسي الملموس.
غير أن المشكلة تبدأ عندما ينفصل الخطاب تدريجياً عن الواقع. فكلما تكررت الدعوات ذاتها دون نتائج ملموسة، تتسع الفجوة بين اللغة والممارسة. وفي البداية، قد يفسر هذا التعثر بوصفه نتيجة ظرفية أو عابرة، لكن مع التكرار المستمر يبدأ الخطاب نفسه بفقدان قدرته الإقناعية. وهنا لا يعود الفشل سياسياً فقط، بل يصبح خطابياً أيضاً، لأن اللغة التي كان يُفترض أن تدفع الفاعلين نحو التعبئة تبدأ بإنتاج الشك بدل الحشد.
وقد ظهر هذا التحول بوضوح في جزء من التفاعلات الرقمية المرتبطة بذكرى المؤتمر، حيث لم يعد التشكيك موجهاً فقط إلى الأطراف السياسية، بل إلى الخطاب الوحدوي نفسه. فبعض التعليقات لم تنتقد “فشل الوحدة” فقط، بل اعتبرت أن الدعوات المتكررة أصبحت أشبه بطقس سياسي دوري يعاد إنتاجه دون أثر فعلي، أو أنها تحولت إلى غطاء لغوي يستخدم لتجاوز النقاش حول الأسباب البنيوية الأعمق للتشتت.
هذه النقطة بالغة الأهمية، لأنها تشير إلى تحول في طبيعة العلاقة بين الخطاب والجمهور. ففي المراحل الأولى، كان الخطاب الوحدوي يعمل بوصفه أفقاً تعبوياً، أي فكرة قادرة على إنتاج الأمل وإعادة تجميع الفاعلين حول هدف مشترك. أما عندما تتكرر الفجوة بين الخطاب والواقع، فإن الخطاب قد يتحول تدريجياً إلى مصدر للإحباط السياسي، لأنه يَعدُ بما لا يملك أدوات تحقيقه.
الأخطر من ذلك أن الخطاب المعياري حول الوحدة يميل إلى إعادة تفسير الأزمة بلغة أخلاقية: ضعف الإرادة، غياب الوعي، أو نقص المسؤولية. وهذا يسمح باستمرار إنتاج الدعوة نفسها، لكنه يضعف القدرة على فهم الشروط البنيوية التي تجعل التشتت قابلاً للاستمرار. بمعنى آخر، يصبح الخطاب وسيلة لتأجيل مواجهة المشكلة بدل تفكيكها.
في المقابل، يكشف الخطاب التفاعلي عن بداية تحول نحو مقاربة مختلفة. فبدل التعامل مع الوحدة كحل شامل ومباشر، ظهرت دعوات أكثر براغماتية تتحدث عن “توحيد المواقف” أو “تقليل الصراع” أو “إدارة الخلاف” بدل إنهائه بالكامل. وهذا لا يعكس بالضرورة تراجعاً عن فكرة الوحدة، بل يشير إلى بداية إدراك أن المشكلة ليست في غياب الشعار، بل في غياب الشروط التي تجعل الشعار قابلاً للتحقق.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: فكلما استمر الخطاب الوحدوي في تكرار نفسه دون مراجعة افتراضاته، ازداد خطر تحوله من أداة لتجاوز التشتت إلى جزء من آلية إعادة إنتاجه. لأن الفجوة المتزايدة بين اللغة والواقع لا تؤدي فقط إلى فشل المبادرات السياسية، بل أيضاً إلى تآكل الثقة في الخطاب نفسه، وفي قدرة السياسة على إنتاج بدائل واقعية.
من وهم الوحدة إلى واقعية إدارة التشتت
إذا كان التشتت السياسي الكردي لا ينتج فقط عن غياب الإرادة، بل عن بنية معقدة من الحوافز، وضعف المؤسسات، وانعدام الثقة، وتأثيرات البيئة الإقليمية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: كيف يمكن إنهاء التشتت فوراً؟ بل: كيف يمكن التعامل معه بطريقة تمنع تحوله إلى عائق دائم أمام الفعل السياسي؟
تكمن أهمية هذا التحول في أنه ينقل النقاش من منطق “الحل النهائي” إلى منطق الإدارة السياسية الواقعية. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الفشل ناتجاً فقط عن صعوبة تحقيق الهدف، بل عن الإصرار على طرح أهداف تتجاوز الشروط الفعلية التي تسمح بتحقيقها. وهنا تحديداً تظهر إشكالية خطاب “الوحدة الشاملة”، الذي يفترض إمكانية القفز فوق التناقضات البنيوية عبر الدعوة الأخلاقية أو الإرادة السياسية، دون المرور بمسار تدريجي يعالج الشروط التي تجعل التعاون ممكناً.
من هذا المنطلق، لا تعني الدعوة إلى “إدارة التشتت” التخلي عن فكرة الوحدة بوصفها أفقاً سياسياً، بل تعني إعادة وضعها ضمن سياق أكثر واقعية. فالوحدة ليست نقطة البداية، بل قد تكون—إذا تحققت شروطها—نتيجة لمسار طويل من بناء الثقة، وتنظيم الخلاف، وإنتاج مؤسسات قادرة على إدارة التنافس. أما تحويلها إلى شرط مسبق لأي فعل سياسي، فيؤدي غالباً إلى شلل مزدوج: عجز عن تحقيق الوحدة، وعجز عن بناء أشكال جزئية من التعاون خارجها.
وقد أظهرت النقاشات التفاعلية المرتبطة بذكرى مؤتمر 26 نيسان مؤشرات واضحة على بداية هذا التحول في التفكير، حيث ظهرت مقاربات تدعو إلى “توحيد المواقف” أو “تقليل الصراع” بدل التركيز الحصري على شعار “وحدة الصف”. وهذه التحولات، رغم بساطتها، تعكس إدراكاً متزايداً بأن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الاتفاق، بل في طبيعة البيئة التي تجعل الاتفاقات الهشة عرضة للتفكك السريع.
ضمن هذا التصور، تصبح “إدارة التشتت” مقاربة تهدف إلى تقليل كلفة الانقسام بدل إنكار وجوده. أي الانتقال من محاولة القضاء على الاختلافات دفعة واحدة، إلى تنظيمها ضمن حدود تمنع تحولها إلى صراع دائم أو شلل سياسي. وهذا يتطلب التركيز على أشكال محدودة وقابلة للتحقق من التعاون، مثل:
- بناء قنوات تنسيق جزئية حول ملفات محددة.
- تطوير تفاهمات مؤقتة لا تتطلب اندماجاً شاملاً.
- تقليل مستويات التصعيد المتبادل.
- وخلق مساحات تفاعل تسمح بتراكم تدريجي للثقة.
قد تبدو هذه الخطوات متواضعة مقارنة بخطاب “الوحدة القومية”، لكنها أكثر انسجاماً مع طبيعة البيئة السياسية القائمة. فالتعاون المستقر لا يُبنى عادة عبر اتفاقات كبرى تُفرض دفعة واحدة، بل عبر تراكم تدريجي لتجارب محدودة تثبت للأطراف أن الالتزام ممكن وأقل كلفة مما يعتقد.
إلى جانب ذلك، تسمح هذه المقاربة بإعادة تعريف مفهوم النجاح السياسي. ففي الخطاب التقليدي، يقاس النجاح غالباً بمدى الاقتراب من “الوحدة الشاملة”، وهو معيار مرتفع إلى درجة تجعل أي تقدم جزئي يبدو وكأنه فشل. أما ضمن منطق إدارة التشتت، فيصبح النجاح مرتبطاً بقدرة الفاعلين على تقليل التوتر، أو تحسين التنسيق، أو منع الخلافات من التحول إلى صراع مفتوح. وهذا التحول لا يقلل من الطموح السياسي، بل يجعله أكثر ارتباطاً بالواقع، وأقل قابلية لإنتاج الإحباط.
الأهم من ذلك أن إدارة التشتت لا تفترض اختفاء التناقضات البنيوية بين الفاعلين، بل تنطلق من الاعتراف بها. فبدل محاولة تجاوزها عبر الخطاب، تسعى إلى تنظيمها ضمن قواعد تسمح باستمرار التفاعل رغم وجود الخلاف. وهذا فارق جوهري، لأن كثيراً من المبادرات السابقة فشلت ليس فقط بسبب غياب الإرادة، بل لأنها افترضت إمكانية إنتاج توافق شامل في بيئة تفتقر أصلاً إلى الشروط التي تسمح بذلك.
قد يبدو هذا الطرح أقل رومانسية من خطاب الوحدة التقليدي، لكنه أكثر قدرة على التعامل مع الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. والسياسة، في النهاية، لا تقاس فقط بقوة الشعارات، بل بقدرتها على إنتاج ترتيبات قابلة للحياة. ومن هذا المنطلق، قد يكون الانتقال من “وهم الوحدة الفورية” إلى “واقعية إدارة التشتت” ليس تراجعاً عن المشروع السياسي، بل الخطوة الأولى نحو بناء شروط أكثر استقراراً تسمح بإعادة التفكير في الوحدة نفسها على أسس أقل هشاشة وأكثر قابلية للاستمرار.
الخاتمة
بعد كل هذا التراكم من الدعوات والمبادرات والاتفاقات غير المكتملة، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا لم تتحقق وحدة الصف الكردي؟ بل: لماذا نستمر في التعامل معها بوصفها حلاً بديهياً يمكن الوصول إليه بمجرد تكرار الدعوة إليه؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أنه يعيد توجيه النقاش من مستوى النتائج إلى مستوى الافتراضات التي يقوم عليها الخطاب السياسي نفسه. فالوحدة، كما يظهر من تحليل الخطاب النخبوي والتفاعلي المرتبط بذكرى مؤتمر 26 نيسان، لا تطرح غالباً بوصفها نتيجة لشروط سياسية ومؤسساتية معقدة، بل بوصفها قيمة معيارية يفترض أن تتحقق إذا توفرت الإرادة أو “النية الصادقة”. غير أن استمرار التشتت، رغم الإدراك الواسع لمشكلته، يشير إلى أن القضية أعمق من مجرد نقص في الإرادة.
ما تكشفه هذه الحالة ليس فقط صعوبة تحقيق الوحدة، بل محدودية المقاربة التي تتعامل معها كحل جاهز ومعزول عن البيئة التي يفترض أن تنتجه. فحين تكون الحوافز السياسية مشجعة على الاستقلالية، والمؤسسات عاجزة عن فرض الالتزام، والثقة ضعيفة، والعوامل الخارجية حاضرة بقوة، يصبح التشتت ليس انحرافاً مؤقتاً، بل نمطاً قابلاً للاستمرار، وربما عقلانياً ضمن شروطه الخاصة.
ومن هنا، فإن المشكلة لا تكمن فقط في استمرار التشتت، بل أيضاً في استمرار إنتاج خطاب يَعدُ بتجاوزه دون معالجة الشروط التي تعيد إنتاجه. فكل دورة جديدة من الدعوات غير المتحققة لا تؤدي فقط إلى الفشل السياسي، بل إلى توسيع الفجوة بين الخطاب والواقع، وتحويل فكرة الوحدة نفسها من أفق تعبوي إلى مصدر متزايد للشك والإحباط.
في المقابل، تكشف بعض التحولات داخل الخطاب التفاعلي عن بداية انتقال نحو مقاربة مختلفة، أقل معيارية وأكثر ارتباطاً بالواقع. مقاربة لا تسأل فقط: كيف نتوحد؟ بل: كيف يمكن إدارة هذا التشتت بطريقة تقلل من كلفته، وتمنع تحوله إلى شلل دائم، وتبني تدريجياً شروط تعاون أكثر استقراراً؟
قد لا تكون هذه المقاربة مريحة سياسياً أو عاطفياً، لأنها تتخلى عن الوعد السريع بالحل الشامل. لكنها، في المقابل، تحاول التعامل مع السياسة بوصفها إدارة للتعقيد لا إنكاراً له. وفي هذا المعنى، فإن الخطوة الأولى نحو تجاوز التشتت قد لا تبدأ بالدعوة إلى الوحدة، بل بإعادة التفكير في الطريقة التي فُهمت بها المشكلة أصلاً.
ففي السياسة، لا يكون السؤال الخاطئ أقل خطورة من الإجابة الخاطئة. وربما كان أحد أسباب استمرار الأزمة هو أننا أمضينا وقتاً طويلاً في البحث عن “كيفية تحقيق الوحدة”، بدل محاولة فهم الشروط التي تجعل عدم الوحدة أكثر قابلية للاستمرار من الوحدة نفسها.
تنويه حول استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
تمت الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي اللغوية في بعض مراحل إعداد هذا النص، وذلك لأغراض تتعلق بالمساعدة في تنظيم الأفكار، وتحسين الصياغة اللغوية، وتدقيق الأسلوب. وقد تم استخدام هذه الأدوات بوصفها وسيلة دعم تقني، دون أن تحل محل الجهد التحليلي أو الفكري للباحث.
قائمة المراجع
Acemoglu, D., & Robinson, J. A. (2012). Why nations fail: The origins of power, prosperity, and poverty. Crown Publishing.
Axelrod, R. (1984). The evolution of cooperation. Basic Books.
Di John, J., & Putzel, J. (2009). Political settlements. Governance and Social Development Resource Centre (GSDRC), University of Birmingham.
Fairclough, N. (1995). Critical discourse analysis: The critical study of language. Longman.
Fearon, J. D. (1998). Commitment problems and the spread of ethnic conflict. In D. A. Lake & D. Rothchild (Eds.), The international spread of ethnic conflict: Fear, diffusion, and escalation (pp. 107–126). Princeton University Press.
Jensen, M. C., & Meckling, W. H. (1976). Theory of the firm: Managerial behavior, agency costs and ownership structure. Journal of Financial Economics, 3(4), 305–360.
Khan, M. H. (2010). Political settlements and the governance of growth-enhancing institutions. School of Oriental and African Studies (SOAS), University of London.
Lake, D. A., & Powell, R. (Eds.). (1999). Strategic choice and international relations. Princeton University Press.
North, D. C. (1990). Institutions, institutional change and economic performance. Cambridge University Press.
North, D. C., Wallis, J. J., & Weingast, B. R. (2009). Violence and social orders: A conceptual framework for interpreting recorded human history. Cambridge University Press.
Olson, M. (1965). The logic of collective action: Public goods and the theory of groups. Harvard University Press.
Papacharissi, Z. (2015). Affective publics: Sentiment, technology, and politics. Oxford University Press.
[1] – شخصان متهمان بجريمة، وكل واحد أمامه خياران: إما أن يسكت وينكر أو يخون صاحبه ويعترف. إذا سكتا معاً ستكون هنا عقوبة خفيفة لكليهما. وإذا خان أحدهما الآخر، فالخائن ينجو والآخر يعاقب بشدة. وإذا خانا معاً كلاهما يعاقب بعقوبة متوسطة. المشكلة أن كل واحد يفكر: “الخيانة تبدو الخيار الأكثر أماناً لي.” فيختاران الخيانة، فتكون النتيجة أسوأ مما لو تعاونا وسكتا. وهذه هي معضلة السجين: أحيانا يؤدي التفكير في المصلحة الشخصية إلى نتيجة أسوأ للجميع.





