• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

بين الاعتراف والاحتواء: إعادة تشكيل موقع الكرد في الدولة السورية ما بعد 2026

23 أبريل 2026
هل يمكن تبيئة اللامركزية في الحالة السورية؟

مظلوم عبدي وأحمد الشرع لال التوقيع على اتفاق آذار | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email
د. مسلم عبد طالاس

الملخص

تعالج هذه الورقة التحولات التي طرأت على موقع الكرد في سوريا بعد عام 2026 في سياق تفكك نموذج الحكم الذاتي الواسع وبدء عملية اندماج تدريجي ضمن الدولة السورية. وتنطلق من فرضي أن ما جرى لا يمكن تفسيره ضمن ثنائية الانتصار أو الهزيمة بل يمثل إعادة تموضع مركبة داخل بنية دولة لا تزال قيد إعادة التشكيل.

تشير الورقة إلى أن التحول الراهن لا يعكس عودة كاملة إلى مركزية ما قبل 2011 بل إلى تشكل نمط من المركزية المرنة يحتفظ فيه المركز بالقرار السيادي مقابل هوامش محلية محدودة في الإدارة والأمن. وفي هذا السياق انتقل الكرد من حالة استقلال فعلي غير معترف به إلى حالة اعتراف سياسي محدود دون سيادة ضمن ترتيبات تفاوضية غير مستقرة.

وتجادل الورقة بأن فعالية هذا التحول لا تتحدد فقط بميزان القوة مع الدولة بل أيضا بدرجة تماسك الفاعل الكردي وقدرته على تحويل إرثه المؤسسي إلى رأس مال سياسي تفاوضي منظم داخل مؤسسات الدولة. وتخلص إلى أن المرحلة الراهنة تمثل انتقالا من نموذج حكم ذاتي جغرافي واسع إلى نفوذ سياسي ومؤسسي أكثر تركيزاً مع بقاء مسار إعادة التفاوض مفتوحاً ضمن شروط أكثر تقييداً.

المقدمة

أعادت التطورات التي شهدتها سوريا منذ مطلع عام 2026 طرح سؤال محوري في دراسات الدولة بعد النزاع يتمثل في ما إذا كان دمج الإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية يعبر عن عودة إلى المركزية أم عن نشوء نمط هجين من الحكم.

لا يمكن الإجابة على هذا السؤال ضمن صيغة ثنائية مبسطة إذ تكشف المعطيات عن مسار مزدوج. فمن جهة فقدت الإدارة الذاتية مقومات الاستقلال الفعلي بما في ذلك السيطرة على الموارد الاستراتيجية والبنية العسكرية الواسعة (Strachota, 2026; Billion, 2026)  . ومن جهة أخرى لم يتم إقصاء الفاعل الكردي بالكامل بل أعيد إدماجه ضمن ترتيبات تفاوضية أفضت إلى درجة من الاعتراف السياسي والثقافي وإن كانت محدودة ومشروطة  (Alloush, 2026; Mishra, 2026).

تنطلق هذه الورقة من فرضية أن الحقوق السياسية في البيئات الخارجة من الحرب لا تتحدد أساسا عبر النصوص القانونية بل عبر توازنات القوة متعددة الأبعاد بما يشمل العوامل العسكرية والسياسية والمؤسسية والاجتماعية (North et al., 2009; Tilly, 1992)  . وعليه فإن التحول الراهن لا يمثل نهاية للمسألة الكردية بل إعادة تموضع داخل دولة لا تزال تعاني من هشاشة مؤسسية وتوترات مع فاعلين محليين متعددين (Hawach and Drevon, 2026).

وفي هذا السياق لا يبدو أن ما يجري يمثل استعادة مكتملة لمركزية الدولة بل إعادة تشكيلها في صورة مركزية مرنة يحتفظ فيها المركز بالقرار السيادي مقابل السماح بهوامش محلية وظيفية في الإدارة والأمن  (Gourlay, 2026; Karadjis, 2026). وبناء على ذلك لا تقتصر أهمية التحليل على توصيف ما خسره الكرد من استقلال فعلي بل تمتد إلى فهم ما الذي بقي من قدراتهم وكيف يمكن تحويل الإرث المؤسسي والعسكري والإداري المتراكم إلى رأس مال سياسي تفاوضي داخل الدولة (Alloush, 2026).

كما تطرح الورقة سؤالاً مكملاً يتعلق بما إذا كان انكماش المجال الجغرافي للإدارة الذاتية يؤدي إلى تراجع الفاعلية السياسية أم إلى تحويلها من حكم ذاتي جغرافي واسع إلى نفوذ مؤسسي أكثر تركيزاً داخل بنية الدولة.

وانطلاقاً من هذه الإشكالية تعالج الورقة التحول الراهن من خلال تحليل طبيعة نموذج الحكم الذاتي وأبعاد هشاشته ومسار الانهيار وإعادة الدمج وحدود الاعتراف السياسي ودور الإرث المؤسسي في إعادة إنتاج النفوذ داخل الدولة السورية.

الإطار النظري: الدولة والقوة والحقوق التفاوضية

تستند هذه الورقة إلى مقاربة تحليلية تجمع بين أدبيات بناء الدولة وأدبيات الدولة في المجتمع وأدبيات اللامركزية والحكم الهجين، مع الاستفادة من مقاربات القانون الدولي المتعلقة بتقرير المصير. ويهدف هذا الإطار إلى تفسير التحول في موقع الكرد داخل الدولة السورية بوصفه نتاجاً لتوازنات القوة لا مجرد انعكاس لنصوص قانونية أو ترتيبات مؤسسية.

تنطلق أدبيات بناء الدولة من فرضية أن الدولة لا تتشكل عبر المؤسسات الرسمية وحدها، بل من خلال قدرتها على تنظيم العنف والسيطرة على الموارد وفرض النظام السياسي. ويؤكد هذا المنظور أن نشوء السلطة واستقرارها يرتبطان بقدرة المركز على احتكار العنف وتنظيم العلاقات السياسية داخل المجال الخاضع له (Tilly, 1992) . كما تشير مقاربة  نورث وآخرين إلى أن الاستقرار المؤسسي يتطلب ضبط العنف ضمن ترتيبات سياسية واقتصادية قابلة للاستمرار، وهو شرط لا يزال غير مكتمل في الحالة السورية (North et al., 2009).

إلى جانب ذلك، تقدم أدبيات الدولة في المجتمع فهماً مختلفاً للعلاقة بين الدولة والفاعلين المحليين، حيث لا تعمل الدولة ككيان منفصل عن المجتمع، بل من خلال علاقات تفاوضية مع قوى محلية تسعى إلى اختراقها وإعادة تشكيلها من الداخل (Migdal, 2001) . ووفق هذا المنظور، لا يقتصر النفوذ السياسي على موقع خارج الدولة، بل يشمل أيضاً القدرة على الترسخ داخل مؤسساتها والتأثير في وظائفها. ويسمح هذا الاطار بفهم التحول الكردي بوصفه انتقالاً من موقع شبه مستقل إلى موقع يعاد إنتاجه داخل بنية الدولة.

أما أدبيات اللامركزية والحكم الهجين فتنطلق من أن البيئات الخارجة من النزاع نادراً ما تعود إلى نماذج دولة مستقرة أو موحدة بشكل كامل، بل تميل إلى إنتاج ترتيبات تجمع بين المركزية واللامركزية بدرجات متفاوتة. وفي هذا السياق، يمكن فهم النمط الناشئ في سوريا بوصفه أقرب إلى لامركزية إدارية مدارة، حيث يحتفظ المركز بالقرار السيادي مقابل منح الفواعل المحلية أدواراً تنفيذية محدودة في مجالات الإدارة والخدمات والأمن المحلي (Herbst, 2000; Migdal, 2001).

ولغرض التحليل تعتمد هذه الورقة ثلاثة مفاهيم إجرائية مترابطة:

أولها، مفهوم المركزية المرنة، ويشير إلى نمط من الحكم يحتفظ فيه المركز بالتحكم في القرار الاستراتيجي والموارد السيادية، مع السماح بهوامش محلية وظيفية محدودة. ولا تمثل هذه الصيغة لامركزية سياسية فعلية، بل إعادة توزيع مدارة للوظائف داخل إطار مركزي.

ثانيها، مفهوم الاعتراف دون سيادة، ويعبر عن نمط من الإدماج السياسي يتم فيه الاعتراف بفاعل محلي بوصفه طرفاً سياسياً وثقافياً، دون منحه استقلالاً قانونياً أو سلطة سيادية. ويتيح هذا المفهوم تفسير الانتقال من حالة الإقصاء إلى حالة الاعتراف المحدود داخل بنية الدولة.

ثالثها، مفهوم الرأسمال المؤسسي، ويقصد به مجموع الخبرات الإدارية والكوادر التنظيمية والبنى الأمنية والعلاقات السياسية التي راكمها الفاعل المحلي خلال مرحلة سابقة. ولا يتلاشى هذا الرأسمال مع تراجع السيطرة الجغرافية، بل يمكن أن يتحول إلى مورد تفاوضي داخل الدولة، شريطة توفر القدرة على تنظيمه وتوظيفه بشكل منسق.

وتتكامل هذه المقاربات مع أدبيات القانون الدولي المتعلقة بتقرير المصير، التي تشير إلى أن هذا الحق في السياقات “غير الاستعمارية” يعمل في الغالب كإطار تفاوضي أكثر من كونه قاعدة قابلة للإنفاذ الذاتي (Radpey, 2020) . وعليه، فإن الحقوق السياسية في مثل هذه الحالات تتشكل من خلال التفاعل بين القانون وتوازنات القوة، وليس من خلال النصوص القانونية بمعزل عن السياق السياسي.

إنطلاقا من ذلك، تفهم الحقوق الكردية الراهنة بوصفها حقوقاً تفاوضية، أي حقوقاً يتم انتزاعها والحفاظ عليها من خلال الموقع داخل توازن القوة، لا بوصفها مكتسبات قانونية مستقرة. ويقود هذا الإطار إلى التركيز على كيفية استخدام الموارد المتاحة داخل الدولة، بدلاً من الاقتصار على تحليل ما تم فقدانه خارجها.

نشأة الحكم الذاتي الكردي “الإدارة الذاتية “وطبيعته البنيوية

نشأ نموذج الحكم الذاتي في شمال وشرق سوريا في سياق تفكك سلطة الدولة بعد عام 2012، حين أتاح تراجع القوات الحكومية من مناطق واسعة في الشمال الشرقي نشوء فراغ سياسي وأمني. غير أن هذا الفراغ لم يتحول تلقائياً إلى فوضى، بل استثمره فاعل سياسي وتنظيمي منظم لبناء هياكل حكم محلية شبه مستقلة، مستفيداً من تراكم سابق في التنظيم الحزبي والعسكري ومن إرث طويل من التهميش القومي.

لم يكن هذا النموذج نتاج عامل واحد، بل تشكل من تفاعل ثلاثة عناصر رئيسية. أولا، وجود بنية تنظيمية قادرة على ملء الفراغ بسرعة وفرض شكل من أشكال السلطة. ثانياً، غياب الدولة أو تراجع قدرتها على فرض السيطرة المباشرة. ثالثاً، الدعم الدولي اللاحق في سياق الحرب ضد تنظيم الدولة، والذي وفر مظلة عسكرية وسياسية سمحت بتوسع النموذج وتعزيز استمراريته (Borain, 2022; Strachota, 2026).

ورغم أن الخطاب السياسي المصاحب لهذا النموذج قدمه بوصفه شكلاً من أشكال اللامركزية أو الحكم المحلي، إلا أن بنيته الفعلية اتسمت بطابع هجين. فمن جهة، تم بناء مجالس محلية ومؤسسات خدمية ذات طابع تمثيلي، ومن جهة أخرى ظل القرار الاستراتيجي متمركزاً في بنية حزبية وعسكرية محددة. وبذلك جمع النموذج بين عناصر لامركزية في الخطاب والمستوى الإداري، ومركزية فعلية في صنع القرار السياسي والعسكري (Wimmer, 2024; McGee, 2022).

اعتمد استقرار هذا النموذج خلال مرحلة التوسع على تلاقي ثلاثة مصادر رئيسية للقوة. تمثل الأول في القدرة العسكرية التي وفرت الحماية والسيطرة على المجال الجغرافي. وتمثل الثاني في السيطرة على الموارد الاستراتيجية، ولا سيما النفط، والتي وفرت قاعدة اقتصادية نسبية. أما المصدر الثالث فكان الدعم الدولي، الذي لعب دوراً حاسماً في تثبيت التوازن مع خصوم محليين وإقليميين. وقد سمح هذا التلاقي بإنتاج شكل من الحكم الفعلي دون اعتراف رسمي، قائم على ميزان قوة أكثر من كونه تسوية مؤسسية مستقرة.

مع ذلك، لم يكن هذا النموذج متجانساً على مستوى المجال الجغرافي أو الاجتماعي. فقد توسع خلال الحرب ليشمل مناطق ذات غالبية عربية، خاصة في الرقة ودير الزور، وهو ما أدى إلى نشوء فجوة بين السيطرة العسكرية والبنية الاجتماعية. وفي حين كان النموذج أكثر تجذراً في مناطق القلب الكردي، ظل أقل رسوخاً في المناطق التي تم ضمها خلال التوسع، ما حدّ من قدرته على إنتاج شرعية سياسية متماسكة على امتداد المجال الجغرافي (Karadjis, 2026).

كما أن المجال الجغرافي نفسه اتسم بالتشتت وعدم الاستمرارية، إذ لم يكن هناك ترابط إقليمي مستقر بين عفرين وكوباني والجزيرة. وقد شكل هذا العامل قيداً بنيوياً على إمكانية تحويل السيطرة العسكرية إلى كيان سياسي مستقر طويل الأمد.

إلى جانب ذلك، لم يلغِ التوسع وجود تعددية داخل الفاعل الكردي نفسه، سواء على المستوى السياسي أو التنظيمي. ورغم أن هذه التعددية لم تظهر بوصفها عامل ضعف خلال مرحلة الصعود، فإنها شكلت قيداً كامناً على القدرة على توحيد القرار السياسي، وهو ما سيظهر أثره بشكل أوضح في مرحلة التراجع.

وبناء على ذلك، يمكن فهم نموذج الحكم الذاتي بوصفه شكلاً من أشكال الحكم الهجين الذي نشأ في ظروف استثنائية، واعتمد على توازنات ظرفية بين القوة العسكرية والدعم الدولي والفراغ المؤسسي. وقد سمح هذا النموذج بإنتاج حكم فعلي واسع النطاق، لكنه لم يتحول إلى ترتيب مؤسسي مستقر، نظراً لاعتماده على شروط غير قابلة للاستدامة في المدى الطويل.

التناقضات البنيوية وهشاشة نموذج الحكم الذاتي

لا يمكن تفسير تراجع نموذج الحكم الذاتي بالاعتماد على العوامل الخارجية وحدها، إذ إن بنيته الداخلية كانت تنطوي على تناقضات حدت من قابليته للاستمرار. وتظهر هذه التناقضات على مستويات مترابطة تتعلق بطبيعة السلطة والبنية الاجتماعية والاقتصاد والتنظيم السياسي.

على المستوى المؤسسي، اقترن الخطاب اللامركزي بتمركز فعلي في القرار السياسي والعسكري. فقد قدم النموذج نفسه بوصفه قائماً على المجالس المحلية والتعددية، إلا أن مراكز القرار الاستراتيجي ظلت محدودة ومركزة، وهو ما يعكس طابعاً هجيناً يجمع بين لامركزية شكلية ومركزية فعلية في الحكم (Wimmer, 2024; McGee, 2022) . وقد أدى هذا التباين إلى تقليص قدرة المؤسسات القاعدية على التأثير الفعلي في صنع القرار، ما حدّ من الطابع التشاركي للنموذج.

على المستوى الاجتماعي، لم يكن التوسع الجغرافي مصحوباً بدرجة مماثلة من الاندماج السياسي. فقد شمل النموذج مناطق ذات غالبية عربية لم تكن جزءاً من قاعدته الاجتماعية، خاصة في الرقة ودير الزور، ما أدى إلى فجوة بين السيطرة الإدارية والعسكرية من جهة، والقبول الاجتماعي من جهة أخرى (Karadjis, 2026) . وفي ظل هذا التباين، بقيت شرعية النموذج متفاوتة بين مناطقه، ولم تتحول السيطرة إلى اندماج سياسي مستقر.

على المستوى الاقتصادي، لم يتمكن النموذج من بناء قاعدة تنموية متوازنة رغم توفر موارد مهمة، خاصة النفط. إذ بقيت إدارة هذه الموارد ذات طابع مركزي، ولم تتحول إلى رافعة لاقتصاد محلي مستدام، كما ظل الاقتصاد مرتبطاً بظروف الحرب وبالعلاقات الخارجية، ما حدّ من قدرته على تحقيق استقرار طويل الأمد (Borain, 2022; Wimmer, 2024).

على المستوى الأمني، عمل النموذج ضمن سياق صراع مستمر، ما منح الأولوية للبنية العسكرية على حساب التوسع في المشاركة السياسية. ومع تحول الأمن إلى شرط أساسي للبقاء، تراجعت مساحة العمل المدني، وأصبح القرار السياسي أكثر ارتباطاً بالاعتبارات العسكرية، وهو ما أدى إلى اختلال في التوازن بين المجتمع والسلطة (Borain, 2022).

إلى جانب ذلك، اتسم المجال الجغرافي بالتشتت وعدم الاستمرارية، إذ لم يكن هناك ترابط إقليمي مستقر بين عفرين وكوباني والجزيرة. وقد شكل هذا العامل قيداً بنيوياً على إمكانية بناء كيان سياسي متماسك، كما حدّ من القدرة على الدفاع عن المجال الجغرافي بشكل موحد (Karadjis, 2026).

كما لعبت البنية الديموغرافية دوراً حاسماً في هذه الهشاشة. فالمجال الذي خضع للنموذج لم يكن متجانساً، بل ضم مناطق ذات تركيبات سكانية مختلفة، خاصة في المناطق التي توسع إليها خلال الحرب. وقد أدى هذا التباين إلى صعوبة تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية مستقرة، وهو ما ينسجم مع ما تشير إليه أدبيات بناء الدولة حول أهمية التوافق بين السيطرة والبنية الاجتماعية (Tilly, 1992).

ولا يمكن فصل هذه العوامل عن التعدد السياسي والتنظيمي داخل الفاعل الكردي نفسه. فمع وجود أطراف متعددة ذات توجهات مختلفة، لم يكن من السهل بلورة موقف سياسي موحد أو استراتيجية طويلة الأمد، وهو ما حدّ من القدرة على التعامل المتماسك مع التحولات اللاحقة.

وبذلك، لم يكن النموذج هشاً فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل نتيجة تداخل قيود داخلية حدت من استدامته. فقد جمع بين طموح سياسي واسع ومجال جغرافي متباين، وبين خطاب لامركزي وبنية قرار مركزية، وبين توسع عسكري سريع واندماج اجتماعي محدود. ومع تغير ميزان القوة، تحولت هذه التناقضات من قيود كامنة إلى عوامل مباشرة في تسريع التراجع.

من فشل التفاوض الى انهيار التوازن

لم يكن التحول الذي شهدته مناطق شمال وشرق سوريا بعد عام 2026 نتيجة لحظة مفاجئة، بل جاء بعد مرحلة من التعثر التفاوضي الذي كشف عن تباين بنيوي في تصور كل طرف لطبيعة الدولة. فقد تمسكت الدولة بمبدأ احتكار العنف ووحدة المؤسسات، في حين سعى الفاعل الكردي إلى الحفاظ على هامش من الاستقلال الأمني والإداري، بما في ذلك صيغ دمج جماعي لقواته ضمن بنية عسكرية غير مفككة بالكامل (van Wilgenburg, 2026).

لم يكن هذا التباين قابلاً للحل بسهولة، لأنه لم يتعلق فقط بتقاسم السلطة داخل نموذج واحد، بل بصراع بين تصورين مختلفين للدولة. ونتيجة لذلك، بقيت المفاوضات محدودة النتائج، وعرضة للتعثر مع كل تغير في ميزان القوة.

جاء التحول الحاسم مع تغير هذا الميزان بشكل واضح لصالح دمشق. فقد تزامن ذلك مع تراجع الدعم الدولي، وتزايد الضغوط الإقليمية، إلى جانب اضطرابات داخلية في بعض المناطق، خاصة تلك التي لم يكن النموذج متجذراً فيها اجتماعياً. وقد أدى تداخل هذه العوامل إلى تسارع فقدان السيطرة على مراكز حضرية وموارد استراتيجية، ما انعكس مباشرة على قدرة الفاعل الكردي على الاستمرار في موقع تفاوضي متكافئ (Strachota, 2026; Billion, 2026; Stevenson, 2026).

اتسم هذا التحول بطابع تراكمي وسريع في آن واحد. ففقدان الموارد والمراكز الرئيسية لم يكن حدثاً معزولاً، بل أدى إلى انهيار متسلسل في البنية الإدارية والعسكرية، حيث تراجعت القدرة على إدارة المجال الجغرافي، وتزايدت الضغوط الداخلية، وأصبح الحفاظ على التماسك المؤسسي أكثر صعوبة.

كما لعب العامل الدولي دوراً حاسماً في إعادة تعريف حدود الممكن السياسي. فقد تراجع الدعم الذي كان يشكل أحد أعمدة استقرار النموذج، مقابل توجه دولي متزايد نحو إعادة دمج هذه المناطق ضمن الدولة السورية، ما قلص هامش المناورة وفرض واقعاً جديداً على مسار التفاوض (Jeffrey and Margolin, 2025; Abdulkareem, 2026; Gourlay, 2026).

ولا يمكن فصل هذا المسار عن البيئة الإقليمية، حيث ساهمت التوازنات الإقليمية، بما فيها الدور التركي، في تقليص الخيارات المتاحة أمام الفاعل الكردي، سواء من خلال الضغط العسكري أو عبر التأثير في مواقف الفاعلين الدوليين. وقد جعل ذلك خيار الاستمرار في نموذج شبه مستقل أكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار.

وبذلك، انتقل مسار التفاوض من حالة تفاوض نسبي بين أطراف متقاربة في القدرة، إلى حالة تُملى فيها شروط الطرف الأقوى. ولم تعد المفاوضات تدور حول شكل تقاسم السلطة، بل حول شروط الإدماج ضمن بنية دولة يعاد ترسيخها.

تكشف هذه المرحلة أن مخرجات التفاوض في البيئات الخارجة من النزاع لا تحدد مسبقاً عبر النصوص، بل يعاد تشكيلها مع تغير ميزان القوة. وعليه، فإن ما جرى لم يكن نتيجة اتفاق بقدر ما كان نتيجة تحول في شروط التفاوض نفسها.

الدمج الجاري ونمط الحكم الجديد

لا يمكن فهم ما يجري في شمال وشرق سوريا بوصفه حدثاً انتهى بتوقيع ترتيبات سياسية أو عسكرية، بل ينبغي النظر إليه كمسار مستمر يعيد تشكيل العلاقة بين المركز والمناطق على عدة مستويات. فقد شمل هذا المسار نقل السيطرة على الموارد الاستراتيجية والمعابر والبنى السيادية إلى الدولة، إلى جانب إعادة تنظيم الوجود العسكري عبر صيغ إدماج جزئي ومنضبط، فضلاً عن دمج الهياكل الإدارية ضمن مؤسسات الدولة (Crisis Group, 2026).

مع ذلك، لم يؤدِّ هذا التحول إلى تفكيك كامل للبنى المحلية، إذ استمرت بعض أشكال الإدارة والأمن المحليين، خاصة في مناطق القلب الكردي. كما أن بعض صيغ الدمج، لا سيما في الحسكة وكوباني، اتسمت بطابع جزئي، حيث تم الحفاظ على أدوار محددة لبعض الفواعل المحلية ضمن الإطار المؤسسي الجديد (Karadjis, 2026).

يشير ذلك إلى أن النمط الناشئ لا يتمثل في عودة صلبة إلى المركزية، بل في إعادة تشكيلها في صورة مركزية مرنة. ففي هذا النمط، يحتفظ المركز بالتحكم في القرار السيادي، بما في ذلك التعيينات العليا وإدارة الموارد وصياغة السياسات العامة، في حين تمنح الفواعل المحلية أدواراً تنفيذية محدودة في مجالات الإدارة والخدمات والأمن اليومي.

يمكن فهم النمط المؤسسي الناشئ في شمال وشرق سوريا من خلال التمييز الذي تقدمه أدبيات اللامركزية بين التفويض الإداري (deconcentration)، والتفويض الوظيفي (delegation)، واللامركزية السياسية (devolution) (Rondinelli, 1981; Falleti, 2005). ففي حين يشير النمط الأخير إلى نقل فعلي للسلطة السياسية والمالية إلى وحدات محلية تتمتع باستقلال قانوني وشرعية تمثيلية، فإن المعطيات في الحالة السورية لا تدعم وجود انتقال من هذا النوع. ويقترب هذا الترتيب من الجمع بين التفويض الإداري والتفويض الوظيفي، حيث يعاد توزيع بعض المهام دون نقل فعلي للسلطة السياسية. فالمؤسسات المحلية لا تعمل بوصفها وحدات مستقلة ذات شرعية تمثيلية مكتملة، بل ضمن هامش تشغيلي خاضع للإشراف المركزي، ما يجعل اللامركزية القائمة لامركزية مدارة لا لامركزية سياسية.

ولا يغير وجود هذه الهوامش من الاتجاه العام نحو إعادة المركزية، بل يعيد تشكيلها. فالعنصر الحاسم لا يتمثل في استمرار البنى المحلية بحد ذاتها، بل في من يحدد القرار الاستراتيجي ومن يسيطر على الموارد والعنف السيادي. ومع احتفاظ المركز بهذه العناصر، تصبح الإدارة المحلية جزءاً من بنية مركزية أوسع، لا بديلاً عنها.

في الوقت نفسه، تخدم هذه الصيغة عدة وظائف. فهي تقلل من كلفة السيطرة المباشرة على المناطق، وتسمح باستيعاب التوترات المحلية، وتوفر درجة من الاستقرار دون الحاجة إلى إعادة بناء سيطرة مركزية كاملة. كما أنها تتيح استيعاب الفواعل المحلية داخل الدولة بدلاً من بقائها خارجها.

غير أن فعالية هذا الهامش المحلي لا تتحدد بوجوده الشكلي، بل بقدرة الفواعل المحلية على تفعيله. إذ يمكن أن يبقى هذا الهامش محدود الأثر إذا اقتصر على الأدوار التنفيذية، أو يتحول إلى مجال نفوذ تفاوضي إذا تم استخدامه لتثبيت حضور مؤسسي مستمر داخل أجهزة الدولة.

وبذلك، لا يمثل الدمج الجاري نهاية لدور الفاعلين المحليين، بل يعيد تعريف شروط هذا الدور. فلم يعد النفوذ مرتبطاً بالسيطرة الجغرافية الواسعة، بل بالقدرة على العمل داخل مؤسسات الدولة والتأثير في وظائفها ضمن حدود يحددها المركز.

الاعتراف دون سيادة: طبيعة المكسب وحدوده

رغم التراجع الواضح في الاستقلال الفعلي، لا يمكن فهم التحول الجاري بوصفه عودة إلى حالة الإقصاء السابقة. فقد شهد موقع الكرد داخل الدولة السورية انتقالاً نوعياً، من حالة التهميش البنيوي إلى موقع الفاعل المعترف به ضمن مسار التفاوض وإعادة الترتيب المؤسسي. ويتجلى ذلك في إدراجهم ضمن ترتيبات إدارية وأمنية، وفي الاعتراف ببعض الحقوق الثقافية واللغوية، واستمرار أشكال محدودة من الإدارة المحلية في مناطق معينة (Alloush, 2026; Mishra, 2026; Karadjis, 2026).

غير أن هذا التحول لا يرقى إلى مستوى الشراكة في السيادة، ولا يؤسس لنمط حكم ذاتي مستقر. فالإدماج الجاري يتم ضمن إطار تحتفظ فيه الدولة بالتحكم في القرار الاستراتيجي، ما يجعل الاعتراف قائماً داخل حدود يحددها المركز. وبذلك، لا يعبر المكسب الراهن عن نقل فعلي للسلطة، بل عن إدماج سياسي مشروط.

يكشف هذا النمط عن مفارقة أساسية في التحول الجاري. فمن جهة، تراجع الاستقلال الفعلي بشكل واضح، مع فقدان السيطرة على الموارد والمجال الجغرافي الواسع. ومن جهة أخرى، تحقق تقدم نسبي في موقع الاعتراف السياسي داخل الدولة. ويعني ذلك أن التحول لا يمكن فهمه ضمن منطق الربح أو الخسارة، بل بوصفه إعادة تموضع تجمع بين التراجع في بعض الأبعاد والتقدم في أبعاد أخرى.

مع ذلك، يظل هذا الاعتراف محدود الأثر إذا لم يتحول إلى حضور مؤسسي منظم. فبقاؤه في مستوى الترتيبات العامة أو الرمزية يجعله عرضة لإعادة التفسير أو التراجع، خاصة في ظل غياب ضمانات قانونية مستقرة. كما أن طبيعته التفاوضية تجعله مرتبطاً باستمرار توازن القوة، لا بوضع قانوني محصن.

وتزداد هذه المحدودية في ظل التعدد السياسي داخل الفاعل الكردي. إذ إن توزيع هذا الاعتراف بين أطراف متعددة غير منسقة قد يؤدي إلى إضعاف أثره التراكمي، وتحويله من مكسب قابل للبناء إلى حالة مجزأة يصعب تحويلها إلى نفوذ فعلي داخل مؤسسات الدولة.

وبذلك، لا يتمثل التحدي في الحصول على الاعتراف بحد ذاته، بل في كيفية استخدامه. إذ يمكن أن يبقى هذا الاعتراف محدوداً إذا لم يقترن بقدرة تنظيمية، أو يتحول إلى نقطة انطلاق لبناء نفوذ مؤسسي إذا تم توظيفه ضمن استراتيجية واضحة.

الإرث المؤسسي بوصفه رأس مال سياسي

إذا كان التحليل قد أوضح ما خسره الفاعل الكردي من استقلال فعلي ومجال جغرافي واسع، فإن الصورة تبقى ناقصة دون النظر إلى ما راكمه خلال سنوات الحكم الذاتي من قدرات وخبرات يمكن إعادة توظيفها. فقد أنتجت هذه التجربة بنية متكاملة من الكوادر الإدارية، والخبرات التنظيمية، والبنى الأمنية المحلية، إلى جانب شبكات علاقات سياسية ودولية وخبرة تفاوضية متراكمة.

لا يتلاشى هذا الإرث مع تراجع السيطرة الجغرافية، بل يستمر بوصفه مورداً كامناً يمكن تحويله إلى رأس مال سياسي داخل الدولة. ويتمثل ذلك في القدرة على العمل داخل المؤسسات الرسمية، والمشاركة في إدارة الشؤون المحلية، والتأثير في تنفيذ السياسات على المستوى اليومي، بما يتجاوز الدور التنفيذي المحدود إذا تم استخدامه بشكل منظم.

غير أن هذا التحول لا يحدث بشكل تلقائي. فوجود هذا الرصيد لا يعني بالضرورة تحوله إلى نفوذ فعلي، إذ تتوقف فعاليته على توفر شرط أساسي يتمثل في القدرة على تنظيمه وتنسيقه. ففي ظل التعدد السياسي والتنظيمي، ومع وجود مراكز قرار متعددة، يواجه هذا الإرث خطر التبعثر، حيث يتم استخدامه بشكل متوازٍ وغير متكامل، ما يضعف أثره التراكمي.

كما أن غياب آليات واضحة لإعادة إدماج الكوادر والخبرات ضمن البنية المؤسسية للدولة قد يؤدي إلى بقاء هذا الرصيد خارج الفعل السياسي، أو تحويله إلى قدرات غير مستثمرة. وفي هذه الحالة، لا يختفي الإرث المؤسسي، لكنه يفقد قيمته التفاوضية.

بالمقابل، يمكن لهذا الرصيد أن يتحول إلى مصدر نفوذ إذا تم تفعيله من خلال مسارات عملية. يشمل ذلك إعادة إدماج الكوادر الإدارية ضمن المؤسسات الرسمية، والحفاظ على حضور في القطاعات الخدمية والإدارة المحلية، وتوظيف الخبرة الأمنية في إطار معترف به، إلى جانب استمرار العمل السياسي المنظم داخل مؤسسات الدولة.

من هذا المنظور، لم يعد السؤال يتعلق بالحفاظ على نموذج الحكم الذاتي بصيغته السابقة، بل بكيفية استخدام ما أنتجه داخل سياق مختلف. فمع انكماش المجال الجغرافي، يصبح التركيز على النفوذ المؤسسي داخل الدولة بديلاً عن السيطرة المباشرة خارجها.

وبذلك، لا يمثل الإرث المؤسسي مجرد بقايا مرحلة سابقة، بل يشكل أداة محتملة لإعادة إنتاج النفوذ ضمن شروط جديدة. غير أن تحقق هذا الاحتمال يظل مشروطاً بقدرة الفاعلين على التعامل معه بوصفه رصيداً مشتركاً قابلاً للتنسيق، لا مورداً موزعاً بين أطراف متنافسة.

إعادة تمركز المجال الكردي

مع انكماش المجال الجغرافي الذي شمله نموذج الحكم الذاتي خلال سنوات التوسع، تبرز إمكانية إعادة تمركز المسألة الكردية حول مناطق القلب التاريخي، وبشكل خاص عفرين وكوباني والجزيرة. ولا يعكس هذا التحول مجرد تراجع جغرافي، بل يمكن فهمه بوصفه إعادة ضبط للمجال السياسي بما يتناسب مع البنية الاجتماعية الفعلية.

خلال مرحلة التوسع، وفر الامتداد الجغرافي وزناً سياسياً وعسكرياً أكبر، لكنه حمل في الوقت نفسه هشاشة بنيوية ناتجة عن عدم التجانس الديموغرافي وضعف الاندماج السياسي في بعض المناطق، خاصة في المناطق العربية التي تم ضمها خلال الحرب (Karadjis, 2026) . ومع تراجع هذا المجال، يصبح التركيز على مناطق أكثر تجذراً اجتماعياً خياراً أكثر قابلية للاستمرار من الناحية التفاوضية.

في هذا السياق، تكتسب عودة ملفات مثل عفرين وسري كانيه أهمية خاصة، ليس فقط من حيث البعد الإنساني أو الديموغرافي، بل بوصفها جزءاً من إعادة تعريف المجال الذي يمكن أن تتمحور حوله المطالب السياسية. ويشير ذلك إلى أن انكماش النموذج السابق لا يعني اختفاء المسألة الكردية، بل تحولها إلى نطاق أكثر تركيزاً داخل المجال الكردي التاريخي (Karadjis, 2026; Gourlay, 2026).

كما يتيح هذا التحول إمكانية تقليل التناقض بين السيطرة السياسية والبنية الاجتماعية، وهو التناقض الذي شكل أحد مصادر الهشاشة في المرحلة السابقة. فكلما كان المجال السياسي أكثر انسجاماً مع التركيبة السكانية، زادت فرص إنتاج شرعية أكثر استقراراً، خاصة في ظل بيئة ما بعد النزاع التي تتسم بحساسية عالية تجاه قضايا التمثيل والهوية (Hawach and Drevon, 2026).

غير أن هذا الانتقال لا يحدث تلقائياً، إذ يتطلب إعادة ترتيب الأولويات السياسية، وتوجيه الجهد التفاوضي نحو هذا المجال الأكثر تماسكاً، بدل الاستمرار في الدفاع عن نموذج جغرافي واسع فقد شروط استمراره. كما يرتبط نجاح هذا التوجه بقدرة الفاعلين على تنسيق مواقفهم وتجنب إعادة إنتاج التشتت الذي حدّ من الفاعلية التفاوضية سابقاً.

وبذلك، لا يمثل الانكماش الجغرافي بالضرورة تراجعاً في الفاعلية، بل قد يشكل مدخلاً لإعادة بنائها على أساس أكثر واقعية، إذا ما ترافق مع تنظيم أفضل للتمثيل واستخدام أكثر فاعلية للموارد السياسية المتاحة.

الدلالات التطبيقية على سلوك الفاعل الكردي

تفضي القراءة السابقة إلى مجموعة من الدلالات التي يمكن أن توجه سلوك الفاعل الكردي داخل السياق السوري الراهن، بوصفها مبادئ استراتيجية مرتبطة بطبيعة المرحلة لا توصيات ظرفية.

أولاً، لا ينبغي فهم الانتقال من الاستقلال الفعلي إلى الاندماج المؤسسي بوصفه فقداناً للفاعلية، بل إعادة تموضع داخل بنية الدولة. وعليه، يصبح تعزيز الحضور داخل المؤسسات الرسمية أداة مركزية لإعادة إنتاج النفوذ، خاصة في بيئات تتشكل فيها السلطة من خلال التفاعل بين الدولة والمجتمع (Migdal, 2001).

ثانياً، تكشف التجربة أن الاعتماد على مصدر واحد للقوة يولد هشاشة عالية. فقد أدى تراجع الدعم الدولي واختلال التوازن العسكري إلى إعادة صياغة شروط التفاوض، ما يشير إلى أن الاستدامة السياسية تتطلب تنويع مصادر القوة، بما يشمل التمثيل السياسي، والموارد المحلية، والعلاقات الخارجية (Jeffrey and Margolin, 2025; Strachota, 2026).

ثالثاً، نظراً للطابع التفاوضي للمكاسب الراهنة، تبرز أولوية تحويل هذه المكاسب إلى ترتيبات أكثر استقراراً عبر ترسيخها تدريجياً داخل الأطر القانونية والإدارية، بدلاً من التعامل معها بوصفها نتائج نهائية. إذ تبقى الحقوق في مثل هذه السياقات مرتبطة بميزان القوة وقابلة لإعادة التفاوض (Radpey, 2020).

رابعاً، في ظل نمط من المركزية المرنة، تصبح الاستراتيجية التدريجية أكثر فاعلية من المقاربات الصفرية. إذ يمكن للهامش المحلي المحدود أن يتحول إلى نفوذ مؤسسي إذا تم استثماره بشكل منظم، في حين أن السعي لاستعادة نموذج واسع فقد شروطه قد يؤدي إلى مزيد من التراجع (Gourlay, 2026; Hawach and Drevon, 2026).

خامساً، ترتبط الفاعلية السياسية بدرجة التنسيق الداخلي. فالتعدد السياسي والتنظيمي، إذا لم يقترن بحد أدنى من التنسيق، قد يؤدي إلى تبديد الرأسمال المؤسسي بدل تحويله إلى قوة تفاوضية متماسكة. وعليه، يصبح بناء أطر تنسيق عملية شرطاً لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.

الخاتمة

توضح هذه الورقة أن التحولات التي شهدها موقع الكرد في سوريا بعد عام 2026 لا يمكن فهمها بوصفها نهاية بسيطة لنموذج الحكم الذاتي ولا عودة كاملة إلى مركزية ما قبل 2011، بل إعادة تشكيل مركبة للعلاقة بين الدولة والفاعلين المحليين ضمن سياق ما بعد النزاع.

فقد أدى تغير ميزان القوة إلى إنهاء الاستقلال الفعلي الواسع، لكنه لم يؤدِّ إلى إقصاء كامل، بل إلى انتقال الكرد نحو موقع الاعتراف السياسي داخل الدولة. غير أن هذا الاعتراف يظل محدوداً ومشروطاً، ولا يرقى إلى مستوى الشراكة في السيادة، ما يجعله عرضة لإعادة التفاوض في ظل غياب ضمانات مؤسسية مستقرة.

كما تبين الورقة أن النمط الناشئ لا يتمثل في مركزية صلبة، بل في مركزية مرنة تحتفظ فيها الدولة بالقرار السيادي، مقابل هوامش محلية محدودة في الإدارة والأمن. ويعني ذلك أن الفاعلية السياسية لم تعد مرتبطة بالسيطرة الجغرافية الواسعة، بل بالقدرة على العمل داخل مؤسسات الدولة والتأثير في وظائفها.

وفي هذا السياق، لا تتحدد إمكانات الفاعل الكردي فقط بعلاقته مع الدولة، بل أيضا بدرجة تماسكه الداخلي وقدرته على تنظيم موارده. إذ يشكل الإرث المؤسسي الذي راكمه خلال مرحلة الحكم الذاتي رصيداً قابلاً لإعادة التوظيف، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى قوة سياسية، بل يعتمد على وجود آليات تنسيق وتفعيل داخل البنية الجديدة .

وبذلك، لا تعكس المرحلة الراهنة ثنائية الخسارة أو المكسب، بل انتقالاً من الاستقلال الفعلي دون اعتراف إلى الاعتراف السياسي دون سيادة، داخل بنية دولة لا تزال قيد إعادة التشكيل. ويظل المسار مفتوحاً أمام إعادة التمركز والتفاوض، لكن ضمن شروط أكثر تقييداً تتطلب استراتيجيات أكثر واقعية وتنظيماً.

تنويه منهجي

استُخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في بعض مراحل إعداد هذه الورقة بوصفها أداة مساعدة في تنظيم الأفكار، وتحسين الصياغة اللغوية، وإعادة ترتيب البنية الأولية للنص. ومع ذلك، فإن بناء الحجة العلمية، واختيار الإطار النظري، وتحليل المصادر، وصياغة الاستنتاجات النهائية، والتحقق من سلامة الإحالات المرجعية، تمت جميعها تحت مسؤولية الباحث وحده. وقد خضعت جميع المخرجات الناتجة عن استخدام هذه الأدوات للمراجعة النقدية والتدقيق العلمي قبل اعتمادها في الصيغة النهائية.

قائمة المراجع  

Alloush, Z. (2026). What future awaits Syria’s Kurds? Washington, DC: Stimson Center.

Arab Center for Research and Policy Studies. (2026). The shrinking space for Kurdish autonomy in Syria. Doha: Arab Center for Research and Policy Studies.

Billion, D. (2026, February 2). Major defeat for the Kurdish national movement in Syria. Paris: Institut de Relations Internationales et Stratégiques (IRIS).

Borain, L. (2022). The Kurds of Syria: Towards self-governance. Cape Town: University of Cape Town.

Crisis Group. (2026). Preventing further escalation in Syria’s north east. Brussels: International Crisis Group.

Falleti, T. G. (2005). A sequential theory of decentralization: Latin American cases in comparative perspective. American Political Science Review, 99(3), 327–346. https://doi.org/10.1017/S0003055405051695

Gourlay, W. (2026, February 11). The end of the Kurdish model. Engelsberg Ideas.

Hawach, N., & Drevon, J. (2026, February 4). Trouble is brewing in Syria. International Crisis Group / Foreign Affairs.

Herbst, J. (2000). States and power in Africa: Comparative lessons in authority and control. Princeton University Press.

Jeffrey, J., & Margolin, D. (2025, October 7). Time to unify the Kurdish northeast with the rest of Syria. Washington Institute for Near East Policy.

Karadjis, M. (2026, February 4). Rojava, Kurdish autonomy & self-determination, and the hard problem of simple demographics: An essay of maps. Their Anti-Imperialism and Ours (blog/analysis platform).

Lister, C. (2026). Integration or conflict in northeastern Syria: Ten key points to consider. Washington, DC: Middle East Institute.

McGee, T. (2022). ‘Rojava’: Evolving public discourse of Kurdish identity and governance in Syria. Middle East Journal of Culture and Communication, 15(4), 385–403.

McGee, T. (2026, February 18). A tale of two Syrias: State power and the unravelling of Rojava. Florence: European University Institute.

Migdal, J. S. (2001). State in society: Studying how states and societies transform and constitute one another. Cambridge University Press.

Mishra, V. (2026, February 13). Syria transition gains ground with Kurdish deal, but violence and humanitarian strain persist. UN News. United Nations.

North, D. C., Wallis, J. J., & Weingast, B. R. (2009). Violence and social orders: A conceptual framework for interpreting recorded human history. Cambridge University Press.

Radpey, L. (2020, November 13). Assessing international law on self-determination and extraterritorial use of force in Rojava. Just Security / SSRN Working Paper.

Rodgers, W. M. (2026, February 10). What recent developments in Syria mean for the Kurds. Chatham House.

Rondinelli, D. A. (1981). Government decentralization in comparative perspective: Theory and practice in developing countries. International Review of Administrative Sciences, 47(2), 133–145.

Stevenson, T. (2026, January 26). The end of Rojava. https://www.lrb.co.uk/blog/2026/january/the-end-of-rojava.

Strachota, K. (2026, March 9). The dismantling of the Kurdish quasi-state: A new stage in Syria’s post-war transformation. OSW Commentary (Centre for Eastern Studies).

van Wilgenburg, W. (2026). The SDF’s approach to integration talks in Syria and the risk of expanded conflict. Washington Institute for Near East Policy.

Wimmer, C. (2024). Decentralization of power? Council democracy and the social contract in North and East Syria. Transcience, 16(1).

Zellner, A. (2026). Rojava is fighting for its survival. Rojava Is Fighting for Its Survival.

Tags: أبو محمد الجولانيالإدارة الذاتيةالقضية الكرديةشمال شرق سورياقوات سوريا الديمقراطيةهيئة تحرير الشام




آخر المنشورات

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

التقليد والأيديولوجيا: هل نستطيع معرفة “الإسلام الحقيقي”؟

15 يونيو 2026

محمد سامي الكيال ظل "الإسلام" لسنوات طويلة أقرب للغز في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية، فعلى خلاف...

ما هذا الدور الذي تلعبه باكستان؟

ما هذا الدور الذي تلعبه باكستان؟

14 يونيو 2026

محمد سيد رصاص من الظواهر الملفتة التي أبرزتها حرب 28 شباط/ فبراير 2026، وهدنتها في...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية