محمد سيد رصاص
في يوم الأحد السابق لحرب 28 شباط/ فبراير 2026، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: “نحن نريد خلق منظومة كاملة، وبالذات شكلاً سداسياً من التحالفات في المنطقة وحولها، تضم الهند، ودولاً عربية وأفريقية، ودولاً من حوض المتوسط (اليونان وقبرص)، ودولاً آسيوية، ولكن من دون الدخول في التفاصيل.. والهدف هو إنشاء محور من الدول.. ضد محاور راديكالية، أي المحور الشيعي الذي ضربناه بقوة شديدة، وكذلك المحور السني الذي يتمظهر ويتشكل الآن”.
لا يمكن للمرء أن يتجنب إغراء ربط هذا الكلام بما حدث في طهران بعد ستة أيام منه، عندما شنّت الطائرات الإسرائيلية بمعلومات أميركية غارة قتلت المرشد الإيراني علي خامنئي، حيث من الواضح أن نتنياهو كان يريد من تصريحه تهيئة الإسرائيليين لملاقاة مشهد إقليمي جديد فيما بعد الحرب، التي كشفت التسريبات بعد وقوعها أن نتنياهو اتّفق خلال لقائه الأخير مع الرئيس دونالد ترامب (11شباط) على موعد شنّها بعد إعطاء فرصة لمفاوضات مع الإيرانيين.
حسب تسريبات، في الصحف الإسرائيلية، فإن الدول الثلاث غير المذكورة بكلام نتنياهو عن “السداسي” هي الإمارات وإثيوبيا وأذربيجان، وإن إشارته لـ “المحور السني” المقصود بها ما جرى في أيلول/ سبتمبر الماضي من اتفاق دفاعي مشترك باكستاني – سعودي يؤمّن مظلة نووية باكستانية للسعوديين، وما تبع ذلك من تقاربات مع البلدين من قبل تركيا ومصر، وهو ما يوحي بأن هناك محوراً رباعياً في مواجهة تحالف إسرائيل مع ذلك السداسي (1+6).
هنا، يمكن لكلام نتنياهو أن يوحي بغروب متوقع لشمس محور إيران، وبتمظهر “محور سني” هو في طور التشكل، تدلّ الوقائع أنه لا يخرج عند نتنياهو عن ذلك الرباعي. وفعلاً فإن هذا “الرباعي” هو في مواجهة تصادمية مع “1+7” في جنوب اليمن (السعودية والإمارات)، وشمال الصومال (السعودية ومصر وتركيا ضد إثيوبيا والإمارات وإسرائيل)، وقضية سد النهضة (مصر وإثيوبيا)، والسودان (مصر والسعودية وتركيا ضد الإمارات وإثيوبيا)، وقبرص (تركيا ضد قبرص واليونان)، وسوريا (تصادم تركي – إسرائيلي على سوريا ما بعد بشار الأسد)، وكشمير (الهند وباكستان). هذا فيما كانت أذربيجان أكثر تقارباً مع إسرائيل في موضوع إيران من حليفتها تركيا التي مالت أكثر نحو حلّ تفاوضي للملف الإيراني. وفي شرق ليبيا نرى كيف أن التقاربات المصرية والسعودية مع تركيا قد تُرجمت ليبياً في اتجاهات تدل على محاولات إبعاد اللواء خليفة حفتر عن أبوظبي باتجاه تسوية مع الغرب الليبي الموالي للأتراك، وربما كان اغتيال سيف الإسلام القذافي من أجل عدم عرقلة تلك التسوية. ومن يراقب الأسابيع القليلة قبل حرب 28 شباط يلاحظ كيف اجتمع الباكستانيون والسعوديون والأتراك والمصريون في جهد مشترك لحثّ ترامب على حلّ تفاوضي مع خامنئي، فيما كانت تل أبيب في الطرف المعاكس.
إذا عدنا إلى الحرب الأخيرة، فإن منطق الأمور يقول بأنها كانت حتمية في سيرورة (حروب 7 أكتوبر 2023)، فضرب الأذرع الإيرانية، في غزة 2023-2025 ولبنان 2024، كان برأي نتنياهو منذ الأسابيع الأولى لهجوم حماس لا يكفي، وأن الأولوية لديه كانت في “ضرب الرأس”، وهو الأمر الذي منعه الرئيس الأميركي السابق جون بايدن من تحقيقه. كما أن ترامب في الأشهر الأولى من ولايته تردّد في شنّ حرب واسعة النطاق ضد إيران، وسمح للإسرائيليين فقط بحرب محدودة العام الماضي، وأنهاها هو بنفسه في يومها الثاني عشر. ولكن في الحرب الحالية وخلال أسبوع كامل يبدو أن ترامب ونتنياهو يجتمعان على جعلها فاصلة في الصراع مع طهران، وهما وإن كانا في حالة اتفاق تجاه الملفات الإيرانية الثلاثة (النووي – الصاروخي – تحجيم طهران في الإقليم)، إلا أنهما يختلفان بشأن النتيجة النهائية لهذه الحرب، فترامب يريد “تغيير سلوك النظام الإيراني واحتوائه من داخله” فيما نتنياهو يريد إسقاط نظام الملالي.
على الأرجح أن حرب 28 شباط ستكون مماثلة للحرب البريطانية على الحاكم المصري محمد علي باشا عام 1840، وحرب 1967 ضد الرئيس المصري جمال عبد الناصر، التي كانت حرباً إسرائيلية وكالةً عن الولايات المتحدة، حيث أُريد من كلتا الحربين احتواءُ وإضعافُ حاكمٍ أصبح قوة إقليمية عظمى، وقلقل الإقليم لغير ما تريد القوى الدولية النافذة، أي لندن في حالة 1840 وواشنطن في حالة 1967، لذلك أُريد تحجيمه إقليمياً وحصره في داخله، تمهيداً لكي يولّد نظامه حكاماً وساسة يتكيّفون ويتلاءمون مع الإرادة الدولية النافذة. ومن الملفت للنظر أن تكون الضربة الأولى في حرب 28 شباط هي باتجاه إزاحة الرأس الإيراني، فيما لم يواجه محمد علي باشا وجمال عبدالناصر ما جرى لخامنئي. ويبدو أن حسابات ترامب ونتنياهو قد تقاطعت على إزاحته، بعد أن لم يُمسّ في حرب الاثني عشر يوماً. وعلى الأرجح أن ترامب يحسب بأن ذلك “سيساعد على تغيير سلوك النظام” فيما يرى نتنياهو بأن ذلك “يساعد على تسريع عملية تفكك وسقوط النظام الإيراني”.
كمجمل: كل المؤشرات تدلّ على غروب شمس القوة الإيرانية في عموم إقليم الشرق الأوسط. في الخريف الماضي كان يُظنّ بأن الاتفاق السعودي مع باكستان كان ردّ فعل على ضرب الإسرائيليين لعاصمة خليجية، وأن الرياض أرادت مظلة رادعة في مواجهة سيناريوهات مماثلة، ثم أظهر التقارب التركي والمصري مع الرياض وإسلام آباد أن هناك محوراً يتشكل في مواجهة تطورات دراماتيكية كان من الواضح أن إيران هي مسرحها. كلام نتنياهو عن رؤية إسرائيل للشكل السداسي لتحالفاتها يصبّ في خانة اليوم التالي لما بعد خامنئي، ولكن أساساً في محاولتها مع حلفائها الستة لملء فراغ القوة الإيرانية المتوقع ومع التموضع ضد ذلك الرباعي.
السؤال الرئيسي الآن: ما هو موقف واشنطن من “الرباعي” ومن “1+6″؟… ثم هناك سؤال آخر يجب أن يُطرح: هل ضرب الإيرانيين بهذه الحرب لدول الخليج، وهو ما لم يفعله خامنئي في حرب الاثني عشر يوماً، سيغيّر في خريطة وتركيب كل من “الرباعي” و”1+6″؟…





