شورش درويش
تتعالى الأصوات السورية الداعية لإعادة تشكيل نظام سياسي عماده الحكم اللامركزي الموسّع بعد الحرب الأهلية في طورها الأول زمن بشار الأسد عقب الانتفاضة الشعبية ضد حكمه، ثم في طورها الثاني التي خاضتها السلطة السورية الحالية في مواجهة مجتمعات أهلية في الساحل والسويداء ومناطق متفرّقة أخرى، ومع احتمال أن تجرّ السلطة الفئوية والمنغلقة البلاد إلى دورات عنفٍ جديدة.
ولعل التنازع القائم بين إنشاء نظام لامركزي موسّع أو الإبقاء على النظام شديد المركزية، هو حاصل جمع ما حدث ويحدث في سوريا منذ 15 سنة، إذ يحاجج أنصار اللامركزية بوجوب التحصّل على نظام جديد يأخذ بالحسبان حالة انعدام الثقة بين الجماعات السورية، ومسائل العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والحقوق الثقافية واللغوية والدينية للجماعات السورية، بالشكل الذي يخفف من المخاوف المتصلة بـ “طغيان الأغلبية” (بعد مصادرة التحدّث باسم الأغلبية وتمثيلهم من قبل السلطة)، والحفاظ تالياً على الوحدة الترابية السورية والتقليل من هواجس التقسيم بحكم الأمر الواقع، بحيث تصبح اللامركزية الغراء اللاصق لتفكك المجتمعات السورية والحفاظ على وحدة سوريا بعيداً عن تسلّط المركز وتنامي السياسات الفئوية والطائفية فيها.
في إزاء ذلك، يتشكّل تحالف من دعاة المركزية، وهم في أغلبهم من أنصار السلطة القائمة ومن بعض المسكونين بأحلام التسيّد الفئوي والطائفي والمتعطّشين للمجد والتوسّع الداخلي، على ما يحويه التوسّع والهيمنة من مفردات متصلة باستخدام السلاح والاعتماد على عضلات الفصائل والأمن العام، هذا فضلاً عن دعم الأولغاريشية الجديدة النامية في قصر الشعب للنظام المركزي، إذ تهيئ المركزية لها قدرات مهولة للتحكم باقتصاد البلاد وتحويل سوريا إلى سوق مفتوحة على عمليات النهب العام والخصصة والأعطيات، فالهيمنة الاقتصادية تتبع، وفق هذا التصوّر، للهيمنة العسكرية. ولكي لا نبخس المركزيين حقهم، فإن بعضاً من دعاة الحفاظ على المركزية يسعون جاهدين إلى المواءمة بين النظام المركزي وإعطاء بعض الصلاحيات العملية للمحافظات بالشكل الذي يفضي إلى إعادة تشكيل نظام مركزي محدّث بعناوين مخاتلة، مثل الركون إلى قانون الإدارة المحلية رقم 107 أو تطويره.
أطلقت قسوة السلطة في مواجهة الأقليات موجة مطالبات بالحكم الذاتي الإقليمي، فإلى جانب الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، الأسبق في التوجّه إلى الدعوة “للتمييز الذاتي”، تسعى السويداء في هذه الأثناء بعد معارك التطهير والمجازر بحق سكانها الدروز إلى تصدير رؤية تستقر على فكرة الحكم الذاتي وحق تقرير المصير، فيما يتعالى صوت علويّ يدعو إلى فيدرالية في وسط وغرب سوريا تشمل المناطق ذات الكثافة السكانية العلويّة، لكن هناك اختلاف بين الأطراف المطالبة بحكم الذات في التصوّرات والإمكانات، ما يعني احتمالية المزج بين تدرّجات الحكم اللامركزي في عموم سوريا واصطفاء نظام حكم لامركزي، أو منح بعض المناطق حقوقاً لامركزية موسّعة، حكماً ذاتياً أو فيدرالياً أو مزيجاً بين عدّة تطبيقات لامركزية. مع احتمال بعيد هو أن تذهب الأوضاع باتجاه استنساخ نظام مركزي صارم يقوم على القسر والقوّة، وهو الاحتمال الأضعف والكارثيّ في آن.
سؤال اللامركزية
يبدو مصطلح اللامركزية فضفاضاً وسائلاً لا يمكن ضبطه بيسر، فهو يخضع لتعريفات متعددة تبعاً لأمزجة ولطبيعة التجارب التي جرى الاحتكام فيها إلى النظام اللامركزي. فوق ذلك، تمتد معاني اللامركزية على قوسٍ مفتوح من التصوّرات: الفيدرالية، الحكم الذاتي، اللامركزية الإدارية الإقليمية، الإدارة المحلّية… في المقابل، لا تعطي الدراسات المقارنة للنُظم الاتحادية واللامركزية النتائج المرجوّة في عملية استنساخ تجارب الدول وإسقاطها على دولٍ أخرى. ولأجل ذلك يمكن الحديث عن حاجة لـ “تبيئة اللامركزية” بحيث تلائم البيئة السياسية والاجتماعية السورية، الإثنية والطائفية والجهوية، مع احتمال دائم في أن يجترح السوريون أنفسهم تجربتهم الخاصّة لإعادة تشكيل نظامهم السياسي خارج الأطر اللامركزية المعمول بها في غير دولة ومنطقة من العالم.
تتعدّد الأسباب التي دفعت الدول للأخذ بالنظام اللامركزي الموسّع (لا نقصد هنا اللامركزية الإدارية في الدول البسيطة بل اللامركزيّة الموسّعة في الدول المركّبة). العديد من الدول أنشأت وطوّرت نُظم حكمها بعد دورات عنف وحربٍ أهلية مستدامة على ما جرى في الولايات المتحدة والسودان والعراق وإسبانيا. وقد تتبنّى الدول الأنظمة اللامركزية لكي لا تذهب باتجاه حروبٍ داخلية أو لأجل ألّا تتجدّد فيها دورات العنف الأهلي، والحفاظ تالياً على الوحدة الإقليمية للدولة، هذا فضلاً عن إمكانية أن يشكّل النظام اللامركزي حلّاً للمشاكل القومية والتمايز الثقافي والجهوي على ما قامت عليه التجربة السويسرية التي تأثرت بالفواصل الجغرافية والاختلافات اللغوية والثقافية في كل مقاطعة والتمايز الإثني بين السكّان. وبطبيعة الحال، تذهب الدول للتحوّل إلى دول مركّبة نتيجة اتحاد دول بأخرى بإرادتها الحرّة، حصل ذلك مع الحكم الذاتي لتركمانستان واتحادها مع روسيا وطاجكستان وقرغيزيا عام 1918، ونظام الدولة الذي وقّعه لينين بخصوص بشكيريا والجمهورية التتارية في 1920، وكذلك في تأسيس دولة الإمارات 1971. ثمّة أيضاً عامل الخوف من أن تخسر الدول جزءاً من أقاليمها، فوفق التجربة الإيطالية أقرّت الجمعية التأسيسية الحكم الذاتي لمديرية أوستا حتى لا تنضمّ لفرنسا، ومديرية بولزانو لئلّا تنضم للنمسا، فضلاً عن بروز اتجاهات انفصالية في جزيرة صقليا ذات الحكم الذاتي.
لا يمكن إشمال الأسباب الدافعة وراء اللامركزية أو الحكم الاتحادي بالمشكلات الداخلية وتعدّد طبقاتها فقط، إذ إن ألمانيا ذهبت إلى تجربة الحكم الفيدرالي لأجل أهداف تنمويّة وتوزيعٍ عادلٍ للصلاحيات وتشكيل الهيئات في الولايات، وكذلك الحال في الأقاليم المميزة في إسبانيا التي خشيت ألا تنال العناية الواجبة من السلطة المركزية، فنالت بالتالي حقوق “التمييز الذاتي” المساعد على النهوض الاجتماعي والاقتصادي.
في سوريا ثمّة خليط من كل ما تقدّم من أسباب، انعدام متبادل للثقة وضعف مستدام للتنمية المتوازنة، ومشكلات طائفية وإثنية، وأخرى حدودية، مع خشية مستمرة من أن تذهب أجزاء من البلاد لصالح الدول الإقليمية بذرائع متصلة بأمنها القوميّ. ولا يخفى كذلك مقدار هوس السلطة الحالية بالحكم المطلق والفئوي على ما تقوله مفردات الإعلان الدستوري، الأمر الذي يشدّ من عصب الجماعات المهمّشة والمستبعدة عن مدار المشاركة في الحكم وبناء المؤسسات الجديدة.
تساهم خلفية رجال السلطة الجدد المنحدرين من تنظيمات سَلفيّة أو مشتقّة مباشرة من تنظيم القاعدة، في تنامي الاضطراب الداخلي ومحق الإجماع الوطني. فهي، وفق أفعالها، ضاعفت الاستقطاب وتسبّبت في أزمة ثقة غير مسبوقة بين الجماعات السورية، خاصةً أن هذه السلطة محمّلة بأفكار عبثيّة مثل تأديب الأقليات الدينية، وتطويع الجماعات الإثنية، وذلك بعد أن تقوم بعملية صهر المكوّن الأكثري في قالبٍ واحد، مع شكوك حول نجاحها في تصهير السنّة. إلى جوار ذلك، وقعت مجازر بحق طائفتين على الأقل، الأمر الذي شكّل القطرة التي أفاضت الكأس ودفع بالدروز وأصوات علوية للدعوة إلى حكم ذاتي أو فيدرالي يحاكي تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، أو حتى يتجاوزها للمطالبة بحق تقرير المصير للأقاليم التي يشكلّون أغلبية سكانها.
نظرة إلى الخلف
وفق هذه الأوضاع ثمة أفكار بأن تستعيد سوريا مشروع الدولة اللامركزية زمن فيصل الأوّل (1919-1920)، قبل أن تجرّب حكومة الانتداب تقسيم سوريا إلى دويلات متخارجة وبتسميات طائفية وجهوية بارزة. راديكالية التقسيم الذي اعتمده الجنرال غورو ومستشاروه شوّهت مضمون الأفكار الفيصليّة، غير أن الضامن الفرنسي ساهم في تعزيز موقع الأقليات في المتن السياسي السوري، فهو، دون أن يدري، أفسح المجال لترتيب المسألة الوطنية على المدى الطويل. فمبعزل عن دور الكتلة الوطنية التي عرفت كيف تعجّل في خروج الانتداب ولم تعرف كيف تحكم، فإن نادي النخبة السورية لم يسعَ لاستبعاد الأقلّيات والكرد رغم بروز تيارات شوفينية عارضت مطالب الحكم الذاتي الكردي منذ عام 1936 وصاعداً.
يمكن اعتبار النظام المركزي ردّ فعل غير رشيد على سياسة الدويلات والاتحاد السوري فيما بعد، وبالمثل انعكاساً لآراء تيارات سورية شعرت بصغر جغرافيّة البلاد وحاجتها إلى اندماج أوسع في كيانٍ عربيّ متخيّل مدفوعة بطموحات إمبراطوريّة. غذّى هذا النزوع مصالح تجارية حلبية وأخرى دمشقية مع الجوار العربيّ، إلى جانب بروز مخاوف من انضواء سوريا في كتل إقليمية تابعة للاستعمار، وعلى هذا النحو جاءت الكونفيدرالية السورية المصرية (الجمهورية العربية المتحدة 1958 -1961).
مع البعث والإيديولوجيا القومية، طبعت المركزية المشدّدة عمل السلطة لأكثر من أربعين عاماً، ولم تعالج سوريا رغم ما عصف بها من تفكّك اجتماعيّ وسياسيّ بعد عام 2011 معضلة الدولة المركزية. في محاولة يائسة، أصدر الأسد قانون الإدارة المحليّة رقم 107 الذي جاء ليخفّف من غلوّ السياسات التدخّلية للدولة في شؤون المحافظات ومراجعة مواطن الخلل الكبرى لا سيما مسألة “النموّ المتوازن”، لكن دون جدوى. من منظور عمليّ: ساهمت المركزية وتقليص سلطة اتخاذ القرار في العاصمة والدائرة الضيّقة للنظام، وإهمال الريف والمحافظات الريفية ونموّ طوق العشوائيات حول المدن الكبرى، في تسريع الانتفاض على سلطة المركز.
وفي النتيجة، ليس لدى السوريين تقاليد لامركزية راسخة أو تجارب ونقاشات تاريخية في هذا الاتجاه، الأمر الذي يجعل النقاشات أقرب لدخول متاهة مظلمة، ومساحة للتشكك المتبادل حول مستقبل الحكم وشكل المشاركة السياسية للإثنيات والطوائف والمناطق.
في التمييز بين طبقات الحكم اللامركزي
يمكن التمييز سريعاً بين ثلاثة مستويات من الحكم اللامركزي يجري الخلط بينها: الحكم الذاتي، الفيدرالية، اللامركزية الإدارية.
طُرح مفهوم الحكم الذاتي في الأساس لمعالجة المشكلات القومية وقضايا الجماعات العرقية داخل الدولة الواحدة، وهو بجانب تقاطعه مع النظام الفدرالي لجهة جمعه بين مبدأي “الاستقلال الذاتي” و “الوحدة”، فإنه لا يخرج من كونه نظاماً لامركزياً، بمعنى أنه لا يخضع لقوّة النظام الفيدرالي ووضوحه في الوثيقة الدستورية المؤسِّسة، والحكم الذاتي لا يشترط أن يتموضع في مواد الدستور إلّا في حالات قليلة، كما في الدستور الصيني 1954 الذي نصّ على تطبيق “الاستقلال الذاتي في المناطق التي تتركّز فيها الأقليات القومية”، فيما يصدر الحكم الذاتي في حالات أخرى بموجب قانون خاص كما في تجربة اتفاقية الحكم الذاتي بكردستان العراق 1970 (بيان 11 آذار) الأمر الذي يفقده سمة النص الدستوري الثابت والمحصّن، فوق أنه قد يخضع، حال النص عليه في الدستور، لتغييرات على شكله ومناط تطبيقه كما جرى في السودان إبان تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم عام 1981 وما استتبعه من تجدد الحرب بين الجنوب والشمال.
وفق الشكل المدرسي للحكم الذاتي ينبغي توافر شروط مثل: وجود رقعة جغرافية ذات حضور قومي واضح، والاستقلال الذاتي للهيئات الحاكمة في منطقة الحكم الذاتي، إضافة لوجود رقابة السلطة المركزية على عمل هذه الهيئات. غير أن وجود الإقليم الجغرافي ذي الحضور القومي، ويصلح الطائفي كذلك، هو ما يميّز بين الحكم الذاتي واللامركزية الإقليمية الإدارية. هذا المعطى “القومي” لتصوّر الحكم الذاتي لا يتوفّر في سوريا بشكل واضح بالنظر إلى الاختلاط الإثني أو الطائفي في المناطق السورية، إلّا إذا استثنينا السويداء الدرزية في غالبيتها، ومنطقة عفرين (كرد داغ) ذات الغالبية الكردية الطاغية. كان لينين في عمله “حول مسألة القوميات والحكم الذاتي” يدمج بين المسألة القومية والحكم الذاتي بالمعنى الذي يجعل من القومية الحصان الذي يجرّ عربة الحكم الذاتي، ويبدو هذا الدمج صحيحاً وفق التجارب الدولية التي جعلت من شرط الحقوق القومية أساس الحكم الذاتي.
بخلاف ذلك، نجد في الفيدرالية التي تُبنى على أساس الأقاليم الجغرافية والولايات المتوازنة إثنياً أو طائفياً، وذات التضاريس الطبيعية الواضحة، أو لاعتبارت تخص طرفيتها الحدودية، فرصة أوفر لتطبيقها في سوريا. لكن رغم ذلك، فإنها تواجه بالرفض المطلق الذي يبديه الشرع للدولة الاتحادية (الفيدرالية أو الدولة التعاهدية) ووصفها “بالانفصالية” دون نقاش وبتكرار أكثر صخباً من رفض بشار الأسد لمبدأ الدولة الفيدرالية. إن وصف المطالبات بالدولة الاتحادية بأنها محض حركات انفصالية ينمّ عن جهل بالمقاصد النبيلة للنظام الاتحادي وتشكيك بالتجارب الفيدرالية الرائدة والدراسات الأكاديمية وآراء فقهاء القانون، فوق أنه ينمّ عن أنانية مفرطة تحت مسمى الدولة المركزية التي هي غلاف آخر لدولة الرجل الواحد والفصيل الأوحد.

التقاطع بين الفيدرالية والحكم الذاتي قائم لجهة قيامهما على مبدأي “الاستقلال الذاتي” و”الوحدة”، وبالتالي تحوّل الدولة من بسيطة إلى مركّبة نتيجة توزيع الصلاحيات بين حكومتي المركز والأقاليم، فيما القاسم المشترك لكلا النظامين قائم على فكرة إنهاء الصراع الداخلي وتعزيز الجبهة الداخلية. بيد أن الفيدرالية لا تقوم دائماً على شرط حل المشكلات القومية، بل إن التجارب الأميركية والألمانية والسويسرية والهندية لم تبنَ على أساس حروب داخلية، فيما الحكم الذاتي يقوم على أساس وقف النزاع القومي أو احتمال اندلاعه أو لأجل احتواء التصدّعات القومية الداخلية، أو لحماية مقاطعات حدودية من الانضمام لدولة أخرى.
الفيدرالية في أحد ملامحها تفرض المشاركة عند تأسيس المؤسسات الدستورية العليا، وتكوين الإدارة العليا للدولة، والمشاركة في صياغة وتعديل الدستور المركزي والصلاحيات التشريعية والقضائية للأقاليم، وهي نقاط متقدمة عن الحكم الذاتي، إذ لا تشارك الأقاليم في الإدارة العليا للدولة وفي قرارات الحكومة المركزية التي قد تعدّل مواد الدستور وصلاحيات ونطاق الحكم الذاتي بإرادة منفردة.
في إزاء ذلك، ترد إشارات مشوّشة عن السلطة بأنها قد تقبل باللامركزية الإدارية باللفظ والمعنى القانوني الذي خطّه نظام الأسد في المرسوم التشريعي 107/2011، غير أن تطبيق اللامركزية هذه يستوجب توفر نظام ديمقراطي غير موجود في الحالة السورية، ففضيلة اللامركزية الإدارية الإقليمية (للمحافظات) هي تحقيق الديمقراطية في الإدارات المحلّية والتخفيف تالياً من أعباء السلطة المركزية، وليس توزيع الصلاحيات بشكل عادل. تبقى اللامركزية هنا مجرّد ظاهرة إدارية ولا يحتكم تطبيقها على أيّ حل لقضايا القوميات والأقليات الدينية، فوق أنها لا تتميّز بعمق المشاركة السياسية، ولا تحظى بتمييز إيجابي في الدستور، إذ لا تأخذ بالحسبان مسألة “التمييز الذاتي” للأقاليم/المحافظات وطبيعة تركيبتها الإثنية والطائفية، وهي إلى ذلك لا تتمتع بسلطة تشريعية وقضائية منمازة عن سلطتي المركز هاتين، فتقتصر مهمّتها على كونها جهازاً تنفيذياً محلّياً للمركز.
حتى أن الفضيلة الأبرز في هذا النظام الإداري (أي تحقيق الديمقراطية) تبدو موضع شكّ، خاصة مع سلطة آتية من خلفية عقائديّة أعلت من شعار “الديمقراطية شِرك”، ولم يتحدّث إعلانها الدستوري عن الديمقراطية لمرة واحدة، ويقوم تشكيل برلمانها على أساس التعيين والزبائنية لا على أساس الاقتراع العام، وتقوم بتعيين المحافظين والطواقم البيروقراطية في المحافظات.
بكلمات أخرى، لا تقدّم اللامركزية الإدارية في ظل دستور فئوي معادٍ للمواطنة المتساوية، أيّ حلّ عملي لمشكلة التفكك السوري، ولا تعالج جوهر المعضلة السورية القائمة على انعدام الثقة بين المكوّنات، فدون استقلال ذاتي لا يمكن إعادة تركيب الوحدة الوطنية، ولعل من المفيد التركيز على جانب “الاستقلال الذاتي” في طبيعة النظام اللامركزي المُقبل، والذي لا يعني بحال “الانفصال” على ما ردّده نظام الأسد وتردّده سلطة الشرع كصيغة لتكسير عظم من يسعى إلى التخفيف من الهيمنة الفئوية و”طغيان الأغلبية” ومن سطوة المركز وسياساته التجريبية ودرجة تحكّمه.
الاستقلال الذاتي هنا يعني الاتحاد التعاهدي بين الأقاليم، بما تحويه من مكوّنات طائفية وقومية، وبين المركز، وهو بالتالي التصوّر المتقدّم للوحدة في بلد يعاني من تفكك واضح، إلّا أن أي شكل للاتحاد لا يمرّ بالتحصين الدستوري عبر المبادئ الدستورية العليا يعني احتمال انتكاس الاتحاد وتجدّد دورات العنف.
تبيئة اللامركزية
يفيد الاستعراض السريع لطبقات النُظم اللامركزية وسوق بعض التجارب الدولية في تنشيط النقاش السوري حول “التابو” المسمّى اللامركزية الذي كسرته المجازر والتفكك الداخلي وسياسات النهب العام المتواصلة ووصول هيئة تحرير الشام للسلطة. ويقودنا المرور السريع، وربما الرتيب والمدرسيّ، على التجارب الدولية إلى احتمالية تبيئة تلك التجارب وتوطينها وفق ما يلائم سوريا، ذلك أن العناوين، وإن كانت ثابتة (اللامركزية والمركزية)، فإن درجات تطبيقها مختلفة من دولة إلى أخرى، فالعديد من الدول المركزية فيها درجة من اللامركزية أوسع من دول توصف نظمها باللامركزية، فوق أن عملية الاستنساخ متعذّرة، وهو ما يجعل من ابتكار تصوّرات محلّية واجتراح لامركزية سورية، رغم تباين الأوضاع الداخلية من منطقة إلى أخرى، حاجة ملحّة.
تشترط التبيئة النظر إلى مشكلات سوريا المزمنة: المشكلة القومية، والمشكلة الطائفية الراهنة، وتعدد الجماعات المسلّحة وخلفياتها الإيديولوجية، والتدخّلات الخارجية واحتلال أجزاء من الأراضي السورية.
يتعذّر الحديث عن منطقة سورية تتمتّع بـ”صفاء إثني مطلق”. هذه معضلة تقف في وجه الحكم الذاتي القومي، لكنها لا تنفي إمكانية أن تتمتّع الجماعات القومية والطائفية بحقوقها الثقافية والتعليمية في ظل نظام دستوري محدّث، فإذا كان الكرد يمثّلون أغلبية سكانية في مناطقهم الحدودية، فإن تداخل بعض المناطق سكانياً يعني ألّا يكون الإقليم ذو الصبغة التعددية كياناً كردياً خالصاً، مثلما لم يكن ينبغي أن يكون عربياً وفق تصريف الحكومات والأنظمة السورية المتعاقبة، وهو ما يعني أن يصار إلى إعادة ترسيم المحافظات/الأقاليم، إذ ما معنى أن تُحتسب كوباني على محافظة حلب فيما جلّ سكانها هم كرد وتقع مدنهم وقراهم شرق نهر الفرات أي في الجزيرة الفراتية. ويصدق الأمر كذلك على المناطق العلوية التقليدية في الوسط والغرب. لذا، من الممكن مثلاً أن يعاد ترسيم الحدود الإدارية للمحافظات بالشكل الذي يحفظ للعلويين حضورهم المتماسك واستقلالهم الذاتي إلى جوار المسيحيين والسنة في مناطقهم. في المقابل، ومن أجل تحقيق البعد التكاملي في اللامركزية، فإن إشمال السويداء الدرزيّة فقيرة الموارد مع سهل حوران في إقليم جنوبيّ يؤمّن مقوّمات البقاء لكلتا المنطقتين، الجبل والسهل، مع الإقرار أن هذا الدمج لن يمرّ دون معالجة المشكلات المزمنة بين جماعاتها الأهلية.
نظرياً، تخفّف مسألة الأقاليم الموسّعة التي تمتد على محافظتين فأكثر، كالتي تحظى فيها الأقليات الطائفية والكرد بحضور وازن، ثلاث فوائد: الأولى، التخلّص من أشباح الحرب الأهلية وعمليات الترانسفير المتبادلة والتلاعب الديمغرافي. الثانية، طمأنة السوريين فيما خصّ الوحدة الترابية السورية بأن الأقاليم المختلطة لن تكون مقدّمة للانفصال. فيما تتمثّل الفائدة الثالثة بطمأنة الأقليات والكرد في أن نسبهم السكانية في مناطقهم الأصلية ستكون وازنة بالصورة التي تعدّل من الخلل الحاصل عند تقدير نسبتهم إلى بقية السوريين في النظام المركزي.
تبرز إلى ذلك المسألة العسكرية بوضوح عند نقاش مستقبل المنظومة الدفاعية. فمن ناحية واقعية، لم يعد لدى سوريا جيش متكامل بعد أن أجهزت إسرائيل على مقدّرات الجيش السابق، فيما “الجيش” الحالي لا يتعدّى كونه عملية تسمين لهيئة تحرير الشام التي استقرّ اسمها النهائيّ على “الجيش العربي السوري” مضافاً إليها الفصائل الموالية لأنقرة التي تمّ جمعها بتدبير تركيّ مع احتفاظ تلك الفصائل بإقطاعات عسكرية جديدة وإن بقوامها السابق.
الغالب على الظن أن سوريا الجديدة لن يكون لديها جيش مؤلّل وقدرات عسكرية وتسليحية كالسابق، إذ إن فكرة بناء جيش مركزيّ لم تعد مفيدة طالما أنه يمكن تحطيمه خارجياً بسهولة، على ما فعلته إسرائيل خلال السنة الماضية، ما يعني أن مهمّة الجيش ينبغي أن تقتصر على حماية الحدود والإخلاص للدستور وحفظ الأمن العام. لأجل ذلك، يجب التفريق بين الجيش المركزي الفئوي، وبين القيادة المركزية متعددة الطبقات التي تكون فيها مهمّة إدراج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والحرس الوطني في السويداء، ضمن مرتّبات الجيش السوري أمراً ضرورياً وممكناً، وهذه المسألة تقودنا إلى جذر المشكلة، أي الذهاب باتجاه نظام لامركزي ينظّم عمل هذه القوات وطبيعة عائديتها لوزارة الدفاع بصورة دستورية تأخذ بالحسبان الإبقاء على وزارة الدفاع حقيبة مركزية.

يبقى أن التدخّل الخارجي واحتلال أراضٍ سورية يزيد من تعقيد المشهد. يمكن أن نقيس احتمالية خسارة السويداء، وربما الجنوب السوري برمّته، إذا لم تذهب دمشق إلى مقايسة حالة الجنوب بتجارب دولية مفيدة، ففي متن المقال أشرنا إلى الحكم الذاتي الإيطالي في مديريتي أوستا وبولزانو، فالإدارة الذاتية فيهما جاءتا لئلا تنضما لجوارهما. قرار الجمعية التأسيسية الإيطالية حافظ على الوحدة الترابية من خلال اللامركزية، وإذا ما افترضنا حكماً مركزياً إيطالياً، لكانت المنطقتان ذهبتا إلى فرنسا والنمسا وكذلك لما كان بوسع الطليان الوصول إلى ترسيم أفضل حدود ممكنة مع الطرف اليوغسلافي.
خاتمة
لا تعني تبيئة اللامركزية إهمال التجارب الدولية والدراسات المقارنة، بقدر ما تعنيه من إخضاع مفهوم اللامركزية لعملية تتوافق مع الراهن السوري، ففي الحالة السورية يمكن اقتباس كافّة المفاهيم والمصطلحات والتجارب الدولية على كل منطقة أو فيما خصّ قضايا كل جماعة إثنية وطائفية؛ فموجب عملية الاقتباس يمكن تطبيق الحكم الذاتي القومي الإقليمي بالنسبة للكرد، في بعض المناطق الكردية وليس كلّها. ومنح السويداء حكماً ذاتياً يطابق تركيبتها الدينية والثقافية، ويمكن إلى ذلك تطبيق الفيدرالية في حلب ودير الزور ودمشق، هذا إذا افترضنا أنهم لا يعانون من مشكلات إثنية وطائفية، وإذا افترضنا أن النظام الفدرالي لا يقوم على أساس حلّ مشاكل الإثنيات والطوائف، ويمكن الذهاب إلى لامركزية إدارية كذلك في عديد المناطق داخل الأقاليم نفسها. وعليه، فإن هذا التخليط بين الصيغ اللامركزية يستوجب البحث عن تصوّرات جديدة حول اللامركزية الواجب تطبيقها في سوريا، وبالتالي اجتراح حلول تشمل كل الأبعاد السياسية والثقافية والتنموية والتمايزات الإثنية والطائفية، على أن تخضع لنقاش مبني على حقيقة أن النظام المركزيّ في ظل حكم فئوي ومتسلّط سيقود إلى مزيد من التفكك والمجازر وتجديد دورة الحرب الأهلية.





